النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى .. إلخ - حديث رقم (٧٤٠٣) [تنبيه]: قصّة سعد ظُّه في شكاية أهل الكوفة في صلاته، ساقها البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه))، فقال: (٧٢٢) - حدّثنا موسى، قال: حدّثنا أبو عوانة، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر ظُته، فعزله، واستَعمل عليهم عمّاراً، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله وَلفهم ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين، وأُخِف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلاً، أو رجالاً إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يَدَعْ مسجداً إلا سأل عنه، ويُثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعداً كان لا يسير بالسريّة، ولا يقسم بالسويّة، ولا يعدل في القضيّة، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللَّهُمَّ إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن، وكان بعدُ إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه، من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، يغمزهنّ. انتهى (١). وقوله: (وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِذاً) بيّن به اختلاف شيخيه في لفظة ((إذاً))، فأثبتها يحيى بن حبيب، وأسقطها محمد بن عبد الله بن نمير، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٠٣/١ و٧٤٠٤] (٢٩٦٦)، و(البخاريّ) في (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦٢/١. ١٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ((فضائل الصحابة)) (٣٧٢٨) و((الأطعمة)) (٥٤١٢) و((الرقاق)) (٦٤٥٣)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٦٥ و٢٣٦٦) وفي ((الشمائل)) (١٣٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨١٦١) و((الفضائل)) (١١٤)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٣١)، و(وكيع) في ((الزهد)) (١٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٤/١ و١٨١ و١٨٦) وفي ((الفضائل)) (١٣٠٧ و١٣١٥) وفي ((الزهد)) (ص٣١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٧/١٢)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٤٠/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٨٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان منقبة الصحابيّ الجليل سعد بن أبي وقّاص طڅته . ٢ - (ومنها): بيان فضل السبق في فعل الخير، وكونه أول الناس. ٣ - (ومنها): فضل الرمي في سبيل الله رحمه. ٤ - (ومنها): جواز مدح الإنسان نفسه عند الضرورة. ٥ - (ومنها): جواز التحدّث بما فعله الإنسان لله تعالى، فلا ينافي الإخلاص إذا دعت الحاجة إليه، فإن سعداً ظله إنما ذكر هذا لكون أهل الكوفة اتّهموه حتى رموه بأنه لا يُحسن يصلي، فأراد دفع التهم عن نفسه بأنه أول من اعتنق هذا الإسلام، وأخذ تعاليمه من النبيّ وَّ قبل كثير من الناس، وصلّى معه السنين العديدة، فكيف يتهمه أعراب أهل الكوفة الذين ما دخلوا الإسلام إلا على يديه؟ ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَهُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ كَُّ: إن قيل: كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه، ومن شأن المؤمن ترك ذلك؛ لثبوت النهي عنه؟ أي: في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. فالجواب: أن ذلك ساغ له لَمّا عيّره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة، فاضطر إلى ذكر فضله، والمدحةُ إذا خلت عن البغي، والاستطالة، وكان مقصود قائلها إظهار الحقّ، وشُكر نعمة الله رَت لم يُكره، كما لو قال القائل: إني لحافظ لكتاب الله، عالم بتفسيره، وبالفقه في الدين، قاصداً إظهار الشكر، أو تعريف ما عنده؛ ليستفاد، ولو لم يقل ذلك لم يُعلم حاله، ولهذا قال ١٠٣ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٤ - ٧٤٠٥) يوسف عَلَّهُ: ﴿إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال عليّ رَظُه: سلوني عن كتاب الله، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني لأتيته، وساق في ذلك أخباراً، وآثاراً، عن الصحابة، والتابعين تؤيد ذلك(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا وَكِيٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الْعَنْزُ، مَا يَخْلِطُهُ بِشَيْءٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : وكلهم تقدّموا قريباً . وقوله: (وَقَالَ: حَتَّى إِنْ كَانَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير وكيع. [تنبيه]: رواية وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد هذه ساقها أبو يعلى تَظّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٣٢) - حدّثنا زهير، حدّثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت سعداً يقول: ((إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد رأيتنا مع رسول الله صل﴾، وما لنا طعام إلا السمر، وورق الحبلة، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز، ما له خِلْطٌ)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٥] (٣٩٦٧) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثْنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ، يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمَّ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ، لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةٍ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَاماً، لَا يُدْرِلُكُ لَهَا قَعْراً، وَوَاللهِ (١) ((كشف المشكل)) ٢٤٠/١. (٢) ((مسند أبي يعلى)) ٨٢/٢. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق لَهُمْلأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنٍ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ، وَهُوَ كَظِيظُ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً، فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيراً عَلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيماً، وَعِنْدَ اللهِ صَغِيراً، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ، إِلَّا تَنَاسَخَتْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكاً، فَسَتَخْبُرُونَ، وَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُليّ أبو محمد البصريّ، صدوق يهم ورمي بالقدر، من صغار [٩] تقدّم قريباً. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الَقَيسي مولاهم البصريُ [٧] تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، [٣] تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (خَالِدُ بْنُ عُمَيْرِ الْعَدَوِيُّ) البصريّ ثقة (١) [٢] يقال: إنه مخضرم، ووَهِم من ذكره في الصحابة. روى عن عتبة بن غزوان، وعنه حميد بن هلال، وأبو نعامة العدويّ، وعبد العزيز بن مهران والد مرحوم، يقال: إنه أدرك الجاهلية، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره في ((الصحابة)) أبو عمر بن عبد البرّ، وابن قانع، وأبو موسى في ((الذيل))، وقال: قال عبدان: لا أدري أله رؤية أم لا؟. أخرج له مسلم والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي ــ ابن جابر بن وهيب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن مازن بن (١) قال في ((التقريب)): مقبول، وعندي أنه ثقة، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم في الأصول، ووثقه ابن حبّان، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهذا هو الثقة دون شك ولا ريب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ١٠٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٥) منصور المازني أبو عبد الله، ويقال: أبو غزوان، حليف بني شمس، شَهِد بدراً، وروى عن النبيّ وَ﴾، وعنه ابن ابنه عتبة بن إبراهيم، وخالد بن عمير العدويّ، وغنيم بن قيس، وغزا معه، والحسن البصريّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: لا نعرف للحسن سماعاً منه. وقال ابن سعد: كان طوالاً جميلاً، وهو قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان أول من اختط البصرة، مات سنة سبع عشرة بطريق البصرة، وهو ابن سبع وخمسين سنة، وقيل: مات سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وذكر البخاري وجماعة أنه حليف بني نوفل، وقال ابن سعد: مات بمعدن بني سليم، وكان قَدِمَ على عمر يستعفيه، فأبى، فرجع، فمات في الطريق. وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: عتبة هذا ◌َظُه مازنيّ، وحليف لبني نوفل، قديم الإسلام، أسلم سابع سبعة كما قال، وهاجر، وشَهِد المشاهد مع رسول الله وَلّ بدراً، والمشاهد كلها، وأمّره عمر رَظُله على جيش، فتوجه إلى العراق، ففتح الأُبُلّة، والبصرة، ووليها، وبنى مسجدها الأعظم بالقصب، ثم إنه حجّ، فاستعفى عمر عن ولاية البصرة، فلم يُعفه، فقال: اللَّهُمَّ لا تردّني إليها، فسقط عن راحلته، فمات سنة سبع عشرة، وهو منصرف من مكة إلى البصرة، بموضع يقال له: معذر بني سُليم، قاله ابن سعد، ويقال: مات بالربذة، قاله المدائنيّ. انتهى(١). أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وهو مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ، وأنه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا هذا الحديث فقط، وهو عند مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه فقط(٢) . (١) ((المفهم)) ١٢٢/٧ - ١٢٣. (٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٣٢/٧ - ٢٣٤. ١٠٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق شرح الحديث: (عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرِ الْعَدَوِيِّ) - بفتحتين -: نسبة إلى أحد أجداده، أنه (قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ) ◌َظُه، وستأتي قصّته مطوّلة في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - (فَحَمِدَ اللهَ)؛ أي: وصفه بصفات الكمال، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بتنزيهه من النقائص، (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، بعد حمد الله تعالى، والثناء عليه (فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ) بمدّ الهمزة؛ أي: أشعرت، وأعلمت (بِصُرْم) بضمّ الصاد المهملة، وسكون الراء، آخره ميم؛ أي: بذهاب، وانقطاع بتقلّبَّاتها على أهلها، (وَوَلَّتْ) بتشديد اللام، من التولية؛ أي: أدبرت، وذهبت، حال كونها (حَذَّاءَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة؛ أي: سريعة خفيفة، والحذّاء في اللغة: قصيرة الذَّنَب، يقال: للقطاة حذّاء؛ لِقِصَر ذَنَبها، مع خفّتها، والحمار الأحذّ: قصير الذَّنَب، قال أبو عبيد: هي السريعة الخفيفة التي انقطع آخرها، وقال القاضي عياض: وهذا مثلٌ؛ لأن قصيرة الذنب، أو ما قُطع ذنبه لا يبقى وراءه شيء، فكأنه قال: الدنيا أدبرت منقطعة، سريعة الانقطاع، كذا في ((شرح الأَبيّ))(١). (وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا)؛ أي: من الدنيا (إِلَّ صُبَابَةٌ) بضمّ الصاد المهملة، وتخفيف الموحّدة؛ أي: بقيّة يسيرة (كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ)؛ أي: مثل بقيّة ما في الإناء من الشراب، (يَتَصَابُّهَا)؛ أي: يشرب (صَاحِبُهَا) صُبابتها؛ أي: بقيّتها، وقال الأبيّ: الصُّبابة: البقيّة تبقى في الإناء من الشرب، ومعنى يتصابّها: يشربها(٢). (وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا)؛ أي: من هذه الدنيا الحقيرة اليسيرة (إِلَى دَارٍ، لَا زَوَالَ لَهَا) هي دار الآخرة، (فَانْتَقِلُوا بِخَيْرٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ)؛ أي: ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما يحضركم من أعمال البرّ، جعل الخير المتمگّن منه کالحاضر، قاله القرطبيّ (٣). (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده؛ أي: إن الأمر والشأن (قَدْ ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، (لَنَا) قال القرطبيّ كَُّهُ؛ يعني: أنه (١) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٢٨٩/٧. (٣) ((المفهم)) ١٢٣/٧. (٢) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٢٨٩/٧. ١٠٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٥) ذكر له عن رسول الله وَ﴾ ذلك؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبيّ وَّه، فكأنه لم يسمعه هو من النبيّ وَّ، بل سمعه من غيره، فسكت عنه، إما نسياناً، وإما لأمر يُسَوِّغ له ذلك، ويَحْتِمِل أن يكون سمعه هو من النبيّ وَّر، وسكت عن رفعه للعلم بذلك. انتهى(١). (أَنَّ الْحَجَرَ) بفتح ((أن)) لوقوعها نائب فاعل لـ«ذُكِر))، (يُلْقَى) بالبناء للمفعول، (مِنْ شَفَةٍ جَهَنَّمَ)؛ أي: حرفها، وطرفها، ووقع في نسخة القرطبيّ بلفظ ((شفير)) بدل ((شفة))، فقال: و((شفير جهنم)): حرفها الأعلى، وحرف كل شيء أعلاه، وشفيره، ومنه: شفير العين. انتهى (٢). (فَيَهْوِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب؛ أي: يسقط ذلك الحجر، ويتردّى (فِيهَا)؛ أي: قعر جهنّم، (سَبْعِينَ عَاماً، لَا يُدْرِلُكُ) بالبناء للفاعل؛ أي: لا يصيب ذلك الحجر (لَهَا قَعْراً) - بفتح القاف، وسكون العين المهملة - قال الفيّوميّ تَظْتُهُ: فَعْرُ الشيءِ: نهاية أسفله، والجمع: قُعُورٌ، مثلُ فلس وفُلُوس. انتهى(٣)، (وَوَاللهِ لَتُمْلأَنَّ) بفتح لام القَسَم، وبناء الفعل للمفعول؛ أي: لتكونن جهنم مملوءة من الإنس والجنّ، كما قال رقم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَذَانٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأَتِ وَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ (٣)﴾ [ق: ٣٠]، قال عتبة رَُّه: (أَفَعَجِبْتُمْ) مما ذكرت لكم؛ أي: لا تعجبوا من هذا، فإنه لا بُد من وقوعه، (وَلَقَدْ ذُكِرَ) بالبناء للمفعول أيضاً، (لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ) مصراع الباب: ما بين عضادتيه، جَمْعه مصاريع، وهو ما يسدّه الغلق، قاله القرطبيّ(٤). وقال الفيّوميّ تَظْتُهُ: المصراع من الباب: الشطر، وهما مصراعان. انتهى(٥). وقال المجد تَخّْته: المصراعان من الأبواب: بابان منصوبان ينضمّان جميعاً، مدخلهما في الوسط. انتهى (٦). (١) ((المفهم)) ١٢٣/٧ - ١٢٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٥١٠/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٣٨/١. (٢) ((المفهم)) ٧/ ١٢٤. (٤) ((المفهم)) ٧/ ١٢٤. (٦) ((القاموس المحيط)) ص٧٣٦. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً)؛ أي: مسافة سير أربعين سنة، (وَ) الله (لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك المصاريع (يَوْمٌ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أن كلّ مصراع (كَظِيظٌ)؛ أي: ممتلئ، يقال: كَظّه الطعام، وكذلك الشراب، يَكُظّه كَظّاً؛ أي: ملأه، حتى لا يطيق على النفس فاكتظ؛ أي: امتلأ، وكظّه الأمر يكُُه كَظّاً، وكظاظاً، وكَظاظة بفتحهما: بَهَظه، وملأه هَمّاً، وكَرَبه، وجَهَده، وأثقله، قاله في (التاج)»(١) . (مِنَ الزِّحَام) بكسر الزاي؛ أي: المدافعة، يقال: زَحَمْتُهُ زَحْماً، من باب نفع: دفعته، وزَّاحَمْتُهُ مُزَاحَمَةً، وزِحَاماً، وأكثر ما يكون ذلك في مَضِيق، والزَّحْمَةُ مصدر أيضاً، والهاء التأنيثه، ويجوز من الثلاثيّ زُحِمَ زيدٌ، بالبناء للمفعول، ومن المزيد: زُوحِمَ، مثل قوتل، وزَحَمَ القومُ بعضهم بعضاً: تضايقوا في المجالس، وازْدَحَمُوا: تضايقوا أيَّ موضع كان، ومنه قيل على الاستعارة: ازْدَحَمَ الغرماء على المال، قاله الفيّوميّ تَذْتُهُ(٢). (وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيتِ نفسي (سَابِعَ سَبْعَةٍ)؛ أي: واحداً من سبعة (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌َّ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ) أكلنا منه (حَتَّى قَرِحَتْ) بفتح القاف، وكسر الراء: انجرحت (أَشْدَاقُنَا) بالفتح: جمع شِدْق بكسر الشين، وفتحها، وهو طرف الفم، عند ملتقى الشفتين، وقال الفيّوميّ: الشِّدْقُ: جانب الفم، بالفتح، والكسر، قاله الأزهريّ، وجمع المفتوح: شُدُوقٌ، مثل فلس وفُلوس، وجمع المكسور: أَشْدَاقٌ، مثل حِمْل وأَحمال، ورجل أَشْدَقُ: واسع الشِّدْقَيْنِ، وشِدْقُ الوادي - بالكسر -: عَرْضه، وناحيته. انتهى(٣). (فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً)؛ أي: أخذت لقطة بُرْدة، وهي الشَّمْلة، والعرب تسمّي الكساء الذي يُلتحَف به بُردةً، والبُرد بغير تاء: نوع من نوع ثياب اليمن الموشية، قاله القرطبيّ تَخْذفه(٤). (فَشَقَقْتُهَا)؛ أي: قسمت تلك البردة نصفين (بَيْنِي)؛ أي: بين نفسي (وَبَيْنَ سَعْدٍ بْنِ مَالِكِ) هو سعد بن أبي وقّاص ◌َُّهَا، (فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا)؛ أي: جعلت (١) (تاج العروس)) ص٥٠٧٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٠٧/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٥٢/١. (٤) ((المفهم)) ١٢٤/٧. ١٠٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِتَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٥) نصف تلك البردة إزاراً لي، (وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا)؛ أي: جعلها إزاره، (فَمَا) نافية، (أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح (الْيَوْمَ مِنَّا) معاشر الصحابة (أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ)؛ أي: إلا صار (أَمِيراً عَلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ) كما كان هو أمير البصرة لعمر ظُبه، وكذلك سعد بن أبي وقّاصٍ، كما تقدّمت قصّته مع أهل الكوفة حين كان أميراً عليهم، قال عتبة به: (وَإِنِّي أَعُوذُ)؛ أي: أعتصم، وأتحصّن (باللهِ) وَعَتْ (أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيماً)؛ أي: رفيع المنزلة، (وَ)أكون (عِنْدَ اللهِ صَغِيراً)؛ أي: خسيساً، حقير المنزلة بسبب عدم التقوى والأعمال الصالحة. (وَإِنَّهَا) الضمير للقصّة، وهو ضمير الشأن، لكنه يقال: ضمير الشأن إذا كان للمذكّر، وضمير القصّة إذا كان للمؤنّث؛ أي: وإن الحال والقصّة (لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ)؛ أي: في زمن من الأزمان الماضية، (إِلَّا تَنَاسَخَتْ)؛ أي: ارتفعت، وزالت، وانمحت، (حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا)؛ أي: عاقبة النبوّة، (مُلْكاً)؛ أي: سيطرة، وجبروتاً، قال القرطبيّ تَخَُّهُ: يعني: أن زمان النبوّة يكون الناس فيه يعملون بالشرع، ويقومون بالحقّ، ويزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة، ثم إنه بعد انقراضهم، وانقراض خلفائهم يتغيّر الحال، وينعكس الأمر، ثم لا يزال الأمر في تناقص، وإدبار إلى أن لا يبقى على الأرض من يقول: لا إله إلا الله، فيرتفع ما كان الصدر الأول عليه، وهذا هو المعبَّر عنه هنا: بالتناسخ، فإنَّ النسخ: هو الرفع، والإزالة، وهذا الحديث نحو قوله وي: ((ما من نبيّ بعثه الله تعالى في أمة قبلي، إلا كان له من أمّته حواريون، وأصحاب يأخذون بسُنَّته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ... )) الحدیث، رواه مسلم. وقوله: ((حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً))؛ يعني: أنهم يعدلون عن سنن النبيين، وخلفائهم إلى الإقبال على الدنيا، واتباع الهوى، وهذه أحوال أكثر الملوك، فأمَّا من سلك سبيل الصدر الأول الذي هو زمان النبوة، والخلافة من العدل، واتباع الحقّ، والإعراض عن الدنيا، فهو من خلفاء الأنبياء، وإن تأخر زمانه، كعمر بن عبد العزيز تَخْلَتُهُ؛ إذ لم يكن بعد الخلفاء من سلك سبيلهم، واقتدى بهم في غالب أحوالهم غيره تَخْتُهُ لا جَرَم هو معدودٌ منهم، وداخل في ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق زمرتهم، إن شاء الله تعالى(١). (فَسَتَخْبُرُونَ) بضمّ الموحّدة؛ أي: فستعلمون ما قلت لكم قريباً من صيرورة النبوّة مُلكاً، (وَتُجَرِّبُونَ) بتشديد الراء، من التجربة، (الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا) حتى تجدوهم مصداقاً لِمَا قاله وَسّ في أحوالهم، وشؤونهم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عتبة بن غَزْوان ◌َظُه هذا من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١ /٧٤٠٥ و٧٤٠٦ و٧٤٠٧] (٢٩٦٧)، و(الترمذيّ) في ((صفة جهنم)) (٥٥٧٥) وفي ((الشمائل)) (١٣٦)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٨/١٧ و٢٧٩ و٢٨٠)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٦١/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٢١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٦/٧)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٧١/١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٨٥/٧)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (١٥٥/١)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٤/٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر قصّة عتبة بن غزوان نظراته كما ذكرها ابن سعد ◌َخْتُهُ في ((الطبقات)) مطوّلة، وفيها صيغة خطبته، قال رَّتُهُ: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، ويكنى أبا عبد الله، قال: وسمعت بعضهم يكنيه أبا غزوان، وكان رجلاً طويلاً جميلاً، قديم الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة، وشَهِد بدراً، قال: أخبرنا محمد بن عمر (٢)، قال: حدّثني جبير بن عبد الله، وإبراهيم بن عبد الله من وَلَدِ عتبة بن غزوان، قالا: استَعمل عمر بن الخطاب (١) ((المفهم)) ١٢٤/٧ - ١٢٥. (٢) هو: الواقديّ، والكلام فيه مشهور. (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٥) عتبة بن غزوان على البصرة، فهو الذي فتحها، وبَصَّر البصرة، واختطها، وكانت قبل ذلك الأُبُلّة، وبنى مسجد البصرة بقصب، ولم يبن بها داراً، قال محمد بن عمر: وقد رُوي لنا أن عتبة بن غزوان كان مع سعد بن أبي وقاص بالقادسية، فوجّهه إلى البصرة بكتاب عمر بن الخطاب إليه، يأمره بذلك، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدريّ، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، يعني ابن حسنة، قال: كان عتبة بن غزوان قد حضر مع سعد بن أبي وقاص حين هزم الأعاجم، فكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص أن يضرب قيروانه(١) بالكوفة، وأن ابعث عتبة بن غزوان إلى أرض الهند، فإن له من الإسلام مكاناً، وقد شهد بدراً، وقد رجوت جزءه عن المسلمين، والبصرة تسمى يومئذ أرض الهند، فينزلها، ويتخذ بها للمسلمين قيرواناً، ولا يجعل بيني وبينهم بحراً، فدعا سعد بن أبي وقاص عتبة بن غزوان، وأخبره بكتاب عمر، فأجاب، وخرج من الكوفة في ثماني مائة رجل، فساروا حتى نزلوا البصرة، وإنما سُميت البصرةُ بصرةً؛ لأنها كانت فيها حجارة سُود، فلما نزلها عتبة بن غزوان ضرب قيروانه، ونزلها، وضرب المسلمون أخبيتهم، وخيامهم، وضرب عتبة بن غزوان خيمة له من أكسية، ثم رمى عمر بن الخطاب بالرجال، فلما كثروا بنى رهط منهم فيها سبع دساكر من لَبِن منها في الخريبة اثنتان، وفي الزأبوقة واحدة، وفي بني تميم اثنتان، وفي الأزد اثنتان، ثم إن عتبة خرج إلى فرات البصرة، ففتحه، ثم رجع إلى البصرة، وقد كان أهل البصرة يغزون جبال فارس مما يليها، وجاء كتاب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان: أن انزلها بالمسلمين، فيكونوا بها، وليغزوا عدوّهم من قريب، وكان عتبة خطب الناس، وهي أول خطبة خطبها بالبصرة، فقال: ((الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: أيها الناس فإن الدنيا قد وَلّت حَذّاء، وآذنت أهلها بوداع، فلم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، ألا وإنكم تاركوها، لا محالة، فاتركوها بخير ما بحضرتكم، ألا وإن من العجب أن يؤتى (١) ((القيروان)): القافلة، معرّبٌ، قاله في ((القاموس)). ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بالحجر الضخم، فيلقى من شفير جهنم، فيهوي سبعين عاماً، حتى يبلغ قعرها، والله لتُملأنّ، ألا وإن من العجب أن للجنة سبعة أبواب، عرض ما بين جانبي الباب مسيرة خمسين عاماً، وايم الله لتأتين عليها ساعة، وهي كظيظة من الزحام، ولقد رأيتني مع رسول الله وَ ل سابع سبعة، ما لنا طعام إلا ورق البشام، وشوك القتاد، حتى قَرِحت أشداقنا، ولقد التقطت بُردة يومئذ، فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص، ولقد رأيتنا بعد ذلك، وما منا أيها الرهط السبعة، إلا أمير على مصر من الأمصار، وأنه لم تكن نبوة إلا تناسخها مُلك، فأعوذ بالله أن يدركنا ذلك الزمان، الذي يكون فيه السلطان مَلِكاً، وأعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وفي أنفس الناس صغيراً، وستجربون الأمراء بعدنا، وتجربون، فتعرفون، وتنكرون)). قال: فبينا عتبة على خطبته، إذ أقبل رجل من ثقيف بكتاب من عمر إلى عتبة بن غزوان، فيه أما بعد: فإن أبا عبد الله الثقفيّ ذُكر لي أنه اقتنى بالبصرة خيلاً، حين لا يقتنيها أحد، فإذا جاءك كتابي هذا، فأحسن جوار أبي عبد الله، وأعنه على ما استعانك عليه، وكان أبو عبد الله أول من ارتبط فرساً بالبصرة، واتخذها، ثم إن عتبة سار إلى ميسان، وأبزقباذ، فافتتحها، وقد خرج إليه المرزبان، صاحب المذار في جمع كثير، فقاتلهم، فهزم الله المرزبان، وأخذ المرزبان ◌ِلماً، فضُرب عنقه، وأخذ قباءه، ومنطقته فيها الذهب والجوهر، فبعث ذلك إلى عمر بن الخطاب، فلما قَدِمِ سَلب المرزبان المدينة وسأل الناس الرسول عن حال الناس، فقال القادم: يا معشر المسلمين عمّ تسألون، تركت والله الناس يهتالون الذهب والفضة، فنشط الناس، وأقبل عمر يرسل الرجال إليه المائة والخمسين، ونحو ذلك مدداً لعتبة إلى البصرة، وكان سعد يكتب إلى عتبة، وهو عامله، فوجد من ذلك عتبة، فاستأذن عمر أن يَقْدَم عليه، فأذن له، واستخلف على البصرة المغيرة بن شعبة، فقدم عتبة على عمر، فشكا إليه تسلط سعد عليه، فسكت عنه عمر، فأعاد ذلك عتبة مراراً، فلما أكثر على عمر قال: وما عليك يا عتبة أن تُقِرّ بالإمرة لرجل من قريش له صحبة مع رسول الله قالآ، وشرف، فقال له عتبة: ألست من قريش؟ قال رسول الله وسلم: ((حليف القوم منهم))، ولي صحبة مع رسول الله وَّ﴿ قديمة لا تُنْكَر، ولا تُدْفَع، فقال عمر: لا ١١٣ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٦ - ٧٤٠٧) يُنكر ذلك من فضلك، قال عتبة: أما إذ صار الأمر إلى هذا، فوالله لا أرجع إليها أبداً، فأبى عمر إلا أن يردّه إليها، فردّه، فمات بالطريق، وكان عمله على البصرة ستة أشهر، أصابه بطن، فمات بمعدن بني سليم، فقدم سُويد غلامه بمتاعه وتَرِكَتِه على عمر بن الخطاب، وذلك في سنة سبع عشرة، وكان عتبة بن غزوان يوم مات ابن سبع وخمسين سنة. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، قَالَ: خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَكَانَ أَمِيراً عَلَى الْبَصْرَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ شَيْبَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ) الْهُذليّ، أبو يعقوب البصريّ، صدوق [١٠] (٢٢٩) أو بعدها بسنة (م صد) تقدم في ((الصيام)) ٢٧٠٩/٣٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ شَيْبَانَ) فاعل ((ذَكر)) ضمير إسحاق بن عمر؛ أي: ذكر إسحاق نحو حديث شيبان بن فرّوخ الذي ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية إسحاق بن عمر عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، مَا طَعَامُنَا إِلَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا). (١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٥/٧ - ٧. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهمدانيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً . ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السّدُوسيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٨] (٢٩٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ، لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟))، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟))، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةٍ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأَزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْلَكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَتَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَالَكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْلَكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ، فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَالَكَ كَمَا نَسِيقَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذاً، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ، وَلَحْمِهِ، وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ، وَلَحْمُهُ، وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ))). ١١٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٨) رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ [١٠]، تقدّم قريباً. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ [٨]، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ [٦]، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان المدنيّ [٣]، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة تظله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُه؛ أنه (قَالَ: قَالُوا)؛ أي: بعض الصحابة، (يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا) الاستفهام للاستخبار، والاستعلام، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) قيّد به؛ للإجماع على أنه تعالى لا يُرى في الدنيا؛ لأن الذات الباقية لا تُرى بالعين الفانية، وقد تقدّم في قصّة الدجّال قوله وَ له: «تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه رَك حتى يموت)). (قَالَ) وَلِّ: ((هَلْ تُضَارُّونَ) بضم التاء، وتفتح، وتشديد الراء، على أنه من باب المفاعلة، أو التفاعل، من الضرر، والاستفهام للتقرير، وهو حَمْل المخاطب على الإقرار، والمعنى: هل يحصل لكم تزاحم، وتنازع يتضرر بِه بعضكم من بعض (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ)؛ أي: لأجل رؤيتها، أو عندها (فِ الظَّهِيرَةِ) بفتح الظاء المعجمة، وكسر الهاء: هي نصف النهار، وهو وقت ارتفاعها، وظهورها، وانتشار ضوئها في العالم كله، (لَيْسَتْ) الشمس (فِي سَحَابَةٍ؟)))؛ أي: غيم يحجبها عنكم، (قَالُوا)؛ أي: الصحابة، (لَا) مضارة علينا في ذلك، (قَالَ) وََّ: ((فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) هي ليلة كمال نوره، وسُمي بدراً؛ لمبادرة طلوعه غروب الشمس، (لَيْسَ) القمر (فِي سَحَابَةٍ؟)))؛ أي: غيم يحجب عن رؤيته، (قَالُوا: لَا، قَالَ) وَِّ: ((فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةٍ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةٍ أَحَدِهِمَا) قال ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق النوويّ كَّفُهُ(١): وروي ((تضارون)) بتشديد الراء، وتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، وفي الرواية الأخرى: ((هل تضامون)) بتشديد الميم، وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ومن خففها ضمّها، وفي رواية البخاريّ: ((لا تضارون، أو لا تضامون)) على الشكّ، قال القاضي البيضاويّ تَظْتُ: وفي ((تضارون)) المشدد من الضرر، والمخفف من الضير؛ أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بيّنة، لا تقبل مراء، ولا مرية، فيخالف فيها بعضكم بعضاً، ويكذبه، كما لا يشك في رؤية أحدهما؛ يعني: الشمس والقمر، ولا ينازع فيها، فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها، وظهورها، بحيث لا يُرتاب فيها، ولا في سائر كيفياتها، لا في المرئيّ، فإنه سبحانه منزه عن الجسمية(٢)، وعما يؤدي إليها، وفي ((تضامون)) بالتشديد من الضمّ؛ أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته؛ لإشكاله، وخفائه، كما يفعلون في الهلال، أو لا يضمكم شيء دون رؤيته، فيحول بینکم وبينها، وبالتخفيف من الضیم؛ أي: لا ینالكم ضیم في رؤيته، فيراه بعض دون بعض، بل يستوون فيها، وأصله: تُضْيَمُون، فنُقلت فتحة الياء إلى الضاد، فصارت ألفاً؛ لسكونها، وانفتاح ما قبلها، وكذلك ((تُضارُون)) بالتخفيف، وأما المشدد فيَحْتَمِل أن يكون مبنياً للفاعل، على معنى: لا تضارون؛ أي: تتنازعون في رؤيته، هذا. وقال الطيبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((إلا كما تضارون)) كان الظاهر أن يقال: لا تضارون في رؤية ربكم، كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أُخرج مخرج قوله [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي: لا تشكّون فيه إلا كما تشكون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شكّ، فلا تشكّون فيه البتة. انتهى(٣). (قَالَ) وَّهِ: (فَيَلْقَى) بالبناء للفاعل، من اللقاء، (الْعَبْدَ) بالنصب على المفعوليّة؛ أي: يَلقَى اللهُ رَّ العبد من عباده (فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ)، ((أي)) حرف (١) ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ١٨/٣. (٢) هذا لم يرد في النصوص لا إثباتاً، ولا نفياً، فينبغي التوقف فيه، والله تعالى أعلم. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٩/١١. ١١٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٨) نداء للأوسط على الراجح، كما قال في ((الكوكب الساطع)): ((أَيْ)) لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللتَّفْسِيرِ لكن هنا مستعملة للقريب، كما لا يخفى. و(فُلُ)) بضم الفاء، وسكون اللام، وتفتح، وتضم؛ أي: فلان، ففي ((النهاية)) معناه: يا فلان، وليس ترخيماً له؛ لأنه لا يقال: إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيماً لفتحوها، أو ضموها، قال القاري: وقيل: فُلا، كما يقال: سَعِي في سعيد، قال سيبويه: ليست ترخيماً، وإنما هي صيغة ارتُجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء، قال [من الراجز]: فِي لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَاناً عَنْ فُلِ بكسر اللام؛ للقافية، وإنما قيل: ليس مرخماً؛ لأن شرط مثله أن يبقى بعد حذف النون والألف ثلاثة أحرف، كمروان. وقال الأزهريّ: ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حِدَة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد، والاثنين، والجمع، والمؤنّث بلفظ واحد، وغيرهم یثنّي، ویجمع، ویونّث. وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحُذفت النون؛ للترخيم، والألف لسكونها، وتُفتح اللام، وتُضم على مذهب الترخيم. انتهى(١). (أَلَمْ أُكْرِمْكَ) بضمّ الهمزة، من الإكرام؛ أي: ألم أُفَضِّلك على سائر الحيوانات، (وَأُسَوِّدَْكَ) بتشديد الواو، من التسويد؛ أي: ألم أجعلك سيّداً في قومك، (وَأُزَوِّجْك) من التزويج؛ أي: ألم أعطك زوجاً من جنسك، ومكّنتك منها، وجعلت بينك وبينها مودةً، ورحمةً، ومؤانسةً، وألفةً، (وَأُسَخِّرْ) من التسخير، وهو التسهيل، والتيسير، (لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ)؛ أي: ألم أُذَلِّلهما لك، وخُصَّتا بالذِّكر؛ لأنهما أصعب الحيوانات، (وَأَذَرَْكَ)؛ أي: ألم أذرك، والمعنى: ألم أَدَعْك، ولم أمكّنك على قومك، (تَرْأَسُ)؛ أي: تكون رئيساً على قومك، والجملة حال، (وَتَرْبَعُ؟) من باب فتح يفتح؛ أي: تأخذ مِرباعهم، وهو ربع الغنيمة، وكان ملوك الجاهلية يأخذونه لأنفسهم. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٩/١١. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقال النوويّ تَخَّلهُ: أما ترأس فبفتح التاء، وإسكان الراء، وبعدها همزة مفتوحة، ومعناه: تصير رئيس القوم، وكبيرهم، وأما تربع، فبفتح التاء، والباء الموحدة، هكذا رواه الجمهور، وفي رواية ابن ماهان: ترتع بمثناة فوق، بعد الراء، ومعناه بالموحدة: تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة، وهو ربعها، يقال: ربعتهم؛ أي: أخذت ربع أموالهم، ومعناه: ألم أجعلك رئيساً مطاعاً، وقال القاضي بعد حكايته نحو ما ذكرته عندي أن معناه: تركتك مستريحاً، لا تحتاج إلى مشقة، وتعب، من قولهم: اربع على نفسك؛ أي: ارفُق بها، ومعناه بالمثناة: تتنعم، وقيل: تأكل، وقيل: تلهو، وقيل: تعيش في سعة. انتهى(١). (فَيَقُولُ) ذلك العبد في كلّ سؤال من الأسئلة المذكورة: (بَلَى) يا رب أكرمتني، وسوّدتني، وزوّجتني، وسخّرت لي الخيل والإبل، وجعلتني أرأس، وأربع. (قَالَ) ◌َّهِ: (فَيَقُولُ) الربّ ◌َتْ (أَفَظَنَنْتَ)؛ أي: أفعلمت (أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟) بضم الميم، وتشديد الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين، والثانية ياء المتكلم المضاف إليه؛ أي: أظننت أنك تلاقيني في الآخرة لأجازيك على عملك؟ (فَيَقُولُ) العبد: (لَا)؛ أي: لم أظن أني ملاقيك في الآخرة للمجازاة، (فَيَقُولُ) الربّ مَ: (فَإِنِّي أَنْسَالَ) اليوم (كَمَا نَسِيتَنِي) أنت في الدنيا جزاء وفاقاً. وقال الطيبيّ كَثْتُ: قوله: ((فإني أنساك)) مسبَّب عن قوله: ((أفظننت أنك ملاقيّ))؛ يعني: سوّدتك، وزوّجتك، وفعلت بك من الإكرام حتى تشكرني، وتلقاني؛ لأزيد في الإنعام، وأجازيك عليه، فلمّا نسيتنا في الشكر، نسيناك، وتركنا جزاءك، وعليه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيَهَا وَكَذَلِكَ (١)﴾ [طه: ١٢٦] قال: ونسبة النسيان إلى الله تعالى إما مُشاكَلة، أو اُلْيَوْمَ نُنَسَى مجاز عن الثَّرك. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: من المعلوم أن الطيبيّ مؤوّل لأحاديث الصفات، ويدّعي أنها مجاز، وليست حقيقة، وهكذا كثير من الشرّاح (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/١٨ - ١٠٤. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٩/١١. ١١٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٨) المتأخّرين هذا دأبهم، ودينهم تجاه أحاديث الصفات، ونحن نتبرأ من هذا المذهب، ونعتقد مذهب السلف، فنثبت ما أثبته النصّ الصحيح، فنقول هنا : صفة نسيان الله ربك عبده صفة ثابتة كما أثبتها هذا النصّ الصحيح، فتُثبتها على ظاهرها، على ما يليق بجلاله وَلَ، لا نمثّل، ولا نكيّف، ولا نعطّل، ولا نؤوّل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد مضى لي مثل هذا في هذا الشرح غير مرّة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يَلْقَى) الربّ جلّ جلاله العبد (الثَّانِيَ)؛ أي: غير الأول، (فَيَقُولُ) له: (أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرَْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ) العبد الثاني: (بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ) الربّ وَلِ: (أَفَظَتَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ، فَيَقُولُ) العبد: (لَا، فَيَقُولُ) الربّ: (فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى) اللهِ وَيَِّ العبد الثَّالِثَ، (فَيَقُولُ) الربّ (لَهُ)؛ أي: لهذا الثالث، (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما ذكر في الأول والثاني من سؤال الله تعالى له، (فَيَقُولُ) العبد الثالث جواباً عن السؤال: (يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي) على نفسه (بِخَيْرٍ) من الأعمال الصالحة (مَا اسْتَطَاعَ)؛ أي: يكثر الثناء قدر استطاعته، (فَيَقُولُ) له الربّ رَتْ: (هَا هُنَا إِذاً) بالتنوين، قال الطيبيّ كَخَّتُهُ: ((إذا)) جواب وجزاء، والتقدير: إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت إذاً، فاثبت هنا كي نُريك أعمالك، بإقامة الشاهد عليها، وقال بعضهم: أي: يقول: إذاً تُجزى بأعمالك ههنا، وقال ابن الملك: أي: أقر الثالث بظنه لقاء الله تعالى، وعدّ أعماله الصالحة، فيقول: ههنا إذاً؛ أي: قف في هذا الموضع، إذا ذكرت أعمالك، حتى تتحقق خلاف ما زعمت. (قَالَ) وَّرِ: (ثُمَّ يُقَالُ لَهُ)؛ أي: لهذا الثالث الذي أثنى على نفسه (الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضرِ (نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ) العبد المذكور (فِي نَفْسِهِ) قائلاً: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟) من مخلوقات الله تعالى، وقال الطيبيّ ◌َخْثُ: قوله: ((من ذا الذي يشهد عليّ)) حال، تقديره: يتفكّر في نفسه قائلاً: من ذا الذي يشهد عليّ؟(١). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٩/١١. ١٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (فَيُخْتَمُ) بالبناء للمفعول، (عَلَى فِيهِ)؛ أي: فمه، (وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ، وَلَحْمِهِ، وَعِظَامِهِ، انْطِقِي) بأعماله، (فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ، وَلَحْمُهُ، وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ)؛ أي: بكل ما عمله في الدنيا، (وَذَلِكَ)؛ أي: إنطاق أعضائه، أو بَعْث الشاهد عليه، وقال الطيبيّ نَظّتُهُ: أشار إلى المذكور من السؤال والجواب، وخَتْم الفم، ونطق الفخذ، وغيره (لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ) قال التوربشتيّ تَخْتُهُ: ((ليُعذر)) على بناء الفاعل، من الإعذار، والمعنى: ليزيل الله عذره من قِبَل نفسه، بكثرة ذنوبه، وشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر يتمسك به، وقيل: ليصير ذا عذر في تعذيبه من قِبَل نفس العبد. انتهى(١). (وَذَلِكَ)؛ أي: العبد الثالث هو (الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ)؛ أي: يغضب (الله) تُعَلَ (عَلَيْهِ))) لمخادعته ربّه، وتظاهره بمظاهر مَن عنده حسنات، وليس عنده شيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. [النساء: ١٤٢]، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٠٨/١] (٢٩٦٨)، و(أبو داود) في ((السُّنّة)) (٤٧٣٠)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٤٩٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٧٨)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص١٥٢ - ١٥٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٤٤٥)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٤٤٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٠٩)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنّة)) (٨٢٣)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٥٠/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وهو مجمع عليه بين أهل السُّنّة، دلّ عليه الكتاب، والسنن الصحيحة. (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢١٤/١٠.