النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُوَ مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ (١) مِنْكُمْ، وَلَّ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ،
فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ»، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ((عَلَيْكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
وقوله: (إِلَى مَنْ أَسْفَلَ) وفي نسخة: ((إلى من هو أسفل))، و((أسفل))
بالرفع، والنصب.
وقوله: (فَهُوَ)؛ أي: النظر المذكور، (أَجْدَرُ)؛ أي: أحقّ وأولى (أَنْ لَا
تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)؛ أي: بعدم الازدراء، والاحتقار لِمَا قَسم الله عليكم
في هذه الدار، فإنه يظهر لكم بذلك النظر أن الله تعالى عليكم نِعَمَاً كثيرةً بالنسبة
إلى من دونكم، أو نِعَماً كثيرة حيث اختار لكم الفقر، والبلاء، وجعلكم من
أهل الولاء، وشبّهكم بالأنبياء والأولياء؛ إذ هم الذين يُبتلون بالمحن؛
ليفيض الله تعالى عليهم كلّ المنن.
وقال النوويّ كَُّ: معنى ((أجدر)): أحقّ، و((تزدروا)): تحقروا، قال ابن
جرير وغيره: هذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأن الانسان إذا رأى مَن
فُضِّل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله
تعالى، وحَرَص على الازدياد؛ ليلحق بذلك، أو يقاربه، هذا هو الموجود في
غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له
نعمة الله تعالى عليه، فشكرها، وتواضع، وفعل فيه الخير (٢)، والله تعالى
أعلم.
(١) وفي نسخة: ((إلى من هو أسفل)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٩٧.

٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٠١] (٢٩٦٤) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ،
وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ:
أَُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّ الَّذِي قَدْ
قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وَجِلْداً حَسَناً،
قَالَ: فَأَُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ - شََّكَ إِسْحَاقُ، إِلَّا أَنَّ
الأَبْرَصَ، أَوِ الأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: الْبَقَرُ - قَالَ فَأُعْطِيَ نَاقَةً
عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الأَفْرَعَ، فَقَالَ: أَُّ شَيْءٍ أَحَبُّ
إِلَيَْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ،
فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَراً حَسَناً، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ،
فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، فَقَالَ: بَارََ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ
شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأَبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ،
فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِداً،
فَأُنْتِجَ هَذَانٍ، وَوَلَّدَ هَذَا، قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ،
وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ، وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ
مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَ بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ،
أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ، بَعِيراً أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ
فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ،
يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً، فَأَعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ،
فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الأَفْرَعَ فِي صُورَتِهِ،
فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً،
فَصَيَّرََكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ

٨٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠١)
مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ، إِلَّا
بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً، أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ:
قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لَا
أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئاً أَخَذْتَهُ للهِ، فَقَالَ: أَمْسِْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ،
وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجاريّ، واسم أبي عمرة عمرو بن
محصن، وقيل: غيره، يقال: وُلد في عهد النبيّ وَّةِ، ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم:
ليست له صحبة، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٩٢/٤٧.
والباقون تقدّموا قريباً، و((همّام)) هو: ابن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من إسحاق،
والباقيان بصريّان، ومسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة تظله رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ؛ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َّه (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ
النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً)؛ أي: ثلاثة أشخاص، وقوله: (فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ)
صفة لـ((ثلاثة))، وقوله: (أَبْرَصَ)؛ أي: من أصابه البرص، وهو بياض يظهر في
ظاهر البدن؛ لفساد المزاج، يقال: بَرِص، كفرح، فهو أبرص، والمرأة
برصاء. (وَأَقْرَعَ) هو الذي ذهب شعر رأسه لعلة وآفة، فإن كان لغير علة سمّي
أصلع. (وَأَعْمَى)؛ أي: من ذهب بصره، فقوله: ((أبرص ... إلخ)) بدل من
(ثلاثة)) بدل تفصيل من مجمل، وقوله: (فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) خبر ((إن)) والفاء
زائدة، ويَحْتَمل أن يكون خبر ((إن)) قوله: ((في بني إسرائيل))، والابتلاء:
الاختبار، وفي بعض النسخ: ((أن يبليهم)) بإسقاط التاء، وهو بمعنى الأول.
وقال في ((المرقاة)): قوله: ((أبرص، وأقرع، وأعمى)) منصوبات على

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
البدلية من ((ثلاثة))، وقوله: ((فأراد الله أن يبتليهم))؛ أي: يمتحنهم؛ ليعرفوا
أنفسهم، أو ليعرفهم الناس، أو ليعلم تعالى أحوالهم علم ظهور، كما يعلمها
علم بطون، قال الطيبيّ كَثْتُهُ: هو خبر ((إن)) عند من يجوّز دخول الفاء في
خبرها، ومن لم يجوّز قدّر الخبر؛ أي: إن فيما أقص عليكم قصّة ثلاثة نفر،
فالفاء لتعقيب المفسّر المجمل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولو رُفع ((أبرص)) وما عُطف عليه بالخبرية تعيّن للتفسير.
انتهى؛ يعني: أن رَفْعها بتقدير أحدُهم أبرص، أو منهم أبرص. انتهى.
ووقع في رواية البخاريّ: ((بدا لله أن يبتليهم)) بتخفيف الدال المهملة بغير
همز؛ أي: سبق في علم الله، فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن
كان خافياً؛ لأن ذلك محال في حق الله تعالى.
قال في ((الفتح)): وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن همام بهذا
الإسناد، بلفظ: ((فأراد الله أن يبتليهم)) فلعل التغيير فيه من الرواة، مع أن في
الرواية أيضاً نظراً؛ لأنه لم يزل مريداً، والمعنى: أظهر الله ذلك فيهم، وقيل:
معنى أراد: قضى، وقال صاحب ((المطالع)): ضبطناه على متقني شيوخنا
بالهمز؛ أي: ابتدأ الله أن يبتليهم، قال: ورواه كثير من الشيوخ بغير همز، وهو
خطأ. انتهى، وسبق إلى التخطئة أيضاً الخطابيّ، قال الحافظ: وليس كما
قال؛ لأنه موجّه كما ترى، وأَولى ما يُحمل عليه أن المراد: قضى الله أن
يبتليهم، وأما البدء الذي يراد به تغيّر الأمر عما كان عليه فلا. انتهى(١).
(فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً)؛ أي: في صورة رجل مسكين، كما دل عليه قوله
الآتي: ((في صورته، وهيئته))، (فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ)؛ أي: الملَك للأبرص،
(أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟)؛ أي: من الأحوال، (قَالَ) الأبرص: (لَوْنٌ حَسَنٌ)
كالبياض، (وَجِلْدٌ حَسَنٌ)؛ أي: ناعم طريّ، (وَيَذْهَبُ عَنِّي) عطف على قوله:
(لون حسنٌ)) على تقدير ((أن))، كقوله:
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى
الشاهد: ((أحضر))؛ أي: أن أحضر(٢).
(١) ((الفتح)) ١٠٥/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥ بزيادة إيضاح.

٨٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠١)
وقال القاري: ((ويذهب عني)) بالرفع، كقوله: ((أحضر الوغى))، وفي
نسخة على صيغة المجهول؛ أي: يزال عني.
(الَّذِي قَدْ قَذِرَنِ النَّاسُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي: كرهني الناس؛ أي:
كرهوا مخالطتي من أجله، وهو البرص، ويروى: ((قذروني الناسُ)) من باب
أكلوني البراغيث، كذا قاله الكرماني(١).
(قَالَ) النبيّ وَِّ: (فَمَسَحَهُ)؛ أي: فمسح الملَك جسم ذلك الأبرص،
(فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ) بفتحتين؛ أي: برصه، (وَأُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (لَوْناً حَسَناً،
وَجِلْداً حَسَناً، قَالَ) ذلك الملك.
قال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((فذهب عنه قذره ... إلخ)) قدّم هنا ذهاب القذر
على إعطاء الحُسن على الترتيب في الوجود؛ لأن إعطاء الحُسن مسبوق بذهاب
القذر، وقدّم الحسن على ذهاب القذر؛ لأن الحسن هو المقصود بالذات،
والأهمّ بالطلب، ولأنه إذا جاء الحسن ذهب القذر لا محالة، بخلافه إذا ذهب
القذر، فقد يتخلّف عنه الحسن، فلذا عقّب الذهاب بالحُسن في الثاني.
انتھی(٢) .
(فَأَُّّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ - شََكَ إِسْحَاقُ،) بن
عبد الله الراوي عن أنس، وقوله: (إِلَّا أَنَّ الأَبْرَصَ، أَوِ الأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا:
الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: الْبَقَرُ -) استثناء من قوله: ((شكّ))؛ أي: شكّ إسحاق في
ذلك، لكن لم يكن يشكّ في أن الأبرص، أو الأقرع انفرد كلّ واحد منهما في
طلب الإبل، أو البقر، ثم بنى على هذا الاحتمال قوله: ((فأعطي ناقةً))؛ أي:
الأبرص. انتهى(٣).
(قَالَ) النبيّ وَّهِ: (فَأُعْطِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطي الذي تمنى الإبل
(نَاقَةً عُشَرَاءَ) بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة، مع المدّ: هي
الحامل التي أتى عليها في حَمْلها عشرة أشهر من يوم طَرَقها الفحل، وقيل:
(١) ((عمدة القاري)) ٤٨/١٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
يقال لها ذلك إلى أن تَلِد، وبعدما تضع، وهي من أنفس المال(١).
(فَقَالَ) الملَك: (بَارََكَ اللهُ لَكَ فِيهَا)؛ أي: في الناقة العشراء، وفي رواية
البخاريّ: ((يُبارَك لك فيها))، بضم أوله، مبنيّاً للمفعول.
(قَالَ) ◌َ: (فَأَتَّى)؛ أي: الملَك (الأَقْرَعَ، فَقَالَ) له: (أَُّّ شَيْءٍ أَحَبُّ
إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ) بفتح العين الهملة، وتسكن، (حَسَنٌّ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي
قَذِرَنِي) بكسر الذال، (النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ)؛ أي: مسح الملَك رأسه (فَذَهَبَ
عَنْهُ) القرع، (وَأُعْطِيَ شَعَراً حَسَناً، قَالَ) الملَك: (فَأَتُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ)
الأقرع: (الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، فَقَالَ) الملَك: (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ)
النبيّ وَِّ: (فَأَتَّى) المَلَك (الأَعْمَى، فَقَالَ) له: (أَّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ)
الأعمى: (أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ) بالنصب عطفاً على ((يردّ))، وقال
القاري: بالنصب، والرفع. (بِهِ النَّاسَ، قَالَ) بِه: (فَمَسَحَهُ)؛ أي: مسح الملَك
عين الأعمى (فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ) الملَك: (فَأَتُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ)
الأعمى: (الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِداً)؛ أي: ذات ولد، ويقال: حاملاً، وقال
الطيبيّ: الوالد هي التي قد عُرف منها كثرة الولد (٢). (فَأَنْتِجَ هَذَانٍ)؛ أي:
صاحب الإبل والبقر، وهما الأبرص والأقرع، (وَوَلَّدَ هَذَا)؛ أي: صاحب
الشاة، وهو الأعمى، وهو بتشديد اللام، و((أنتج)) في مثل هذا شاذٌ، والمشهور
في اللغة: نُتجت الناقة، بضم النون، ونتج الرجل الناقة؛ أي: حمل عليها
الفحل، وقد سُمع: أنتجت الفرس إذا ولدت، فهي نتوج، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال الطيبيّ: قوله: ((فأنتج هذا)) هكذا الرواية، ومعناه: تولى الولادة،
والمشهور: نُتج، والناتج للإبل كالقابلة للنساء. انتهى(٤).
وقال النوويّ: قوله: ((شاة والداً))؛ أي: وضعت ولدها، وهو معها.
وقوله: ((فأنتج هذان وولد هذا)): هكذا الرواية: ((فأنتج)) رباعيّ، وهي
(١) ((الفتح)) ١٠٥/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥.
(٣) (الفتح)) ١٠٥/٨.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥.

٨٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠١)
لغة قليلة الاستعمال، والمشهور: نُتج ثلاثيّ، وممن حكى اللغتين الأخفش،
ومعناه: تولى الولادة، وهي النَّتْجُ، والإنتاج، ووَلَّد هذا بتشديد اللام معنى
أنتج، والناتجُ للإبل، والمولَّد للغنم، وغيرها، كالقابلة للنساء. انتهى(١).
(قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا)؛ أي: للأبرص (وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا)؛ أي: للأقرع
(وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا)؛ أي: للأعمى (وَادٍ مِنَ الْغَنَم).
(قَالَ) النبيّ ◌َّهِ: (ثُمَّ إِنَّهُ)؛ أي: الملَكَ (أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ،
وَهَيْئَتِهِ)؛ أي: التي جاء الأبرص عليها أول مرة، قال الطيبيّ: ولا يبعد أن
يكون الضمير راجعاً إلى الأبرص، لعله يتذكر حاله، ويرحم عليه بماله،
والأول أظهر في الحجة عليه، حيث جاءه في صورته التي تسبَّبت في جماله،
وحصول كثرة ماله. انتهى.
وقال في (الفتح)): قوله: ((في صورته))؛ أي: في الصورة التي كان عليها
لمّا اجتمع به، وهو أبرص؛ ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه. انتهى(٢).
(فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا (قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ)؛
أي: الأسباب، قال الطيبيّ: الباء للتعدية، وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تأمل؛
لأن المعنى لا يساعد التعدية، والأصوب أن يقال: الباء بمعنى ((من))، كما في
قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَهِ﴾ [الإنسان: ٦].
وقال في ((الفتح)): الحبال بكسر المهملة، بعدها موحدة خفيفة: جمع
حبل؛ أي: الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق، وقيل: العقبات، وقيل:
الحبل هو المستطيل من الرمل، ولبعض رواة مسلم: ((الحيال)) بالمهملة
والتحتانية: جمع حيلة؛ أي: لم يبق لي حيلة، ولبعض رواة البخاري:
((الجبال)) بالجيم، والموحدة، وهو تصحيف، قال ابن التين: قول الملك له:
رجل مسكين ... إلخ، أراد أنك كنت هكذا، وهو من المعاريض، والمراد به
ضَرْب المثل ليتيقظ المخاطب. انتهى.
والمعنى: انقطعت الأسباب التي أستعين بها (فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ)؛
أي: لا كفاية (لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللهِ)؛ أي: إيجاداً وإمداداً، (ثُمَّ بِك)؛ أي: سبباً
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٨/١٨ - ٩٩.
(٢) ((الفتح)) ١٠٥/٨.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وإسعاداً، وفيه من حُسن الأدب ما لا يخفى، حيث لم يقل: وبك، بل أتى
بـ(ثم) التي لتراخي الرتبة والتنزل في المرتبة، قال الطيبيّ: أمثال ذلك من
الملائكة ليست إخباراً، بل من معاريض الكلام، كقول إبراهيم عليّل *: ﴿إِنّ
سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ((هي أختي))، وكقول الملائكة لداود عليَّل: ﴿إِنَّ
هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْمَةً﴾ [ص: ٢٣].
(أَسْأَلُكَ) مُقْسِماً عليك، أو متوسلاً إليك (بِالَّذِي) قال الطيبيّ: الباء
للقَسَم، والاستعطاف؛ أي: أسألك بحقّ الذي، أو متوسّلاً بالذي (أَعْطَاكَ
اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ)؛ أي: الإبل، (بَعِيراً) مفعول
((أسألك))؛ أي: أطلب منك بعيراً (أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي) وفي رواية
الكشميهني: ((أتبلغ به))، وأتبلغ بالغين المعجمة، من البلغة وهي الكفاية،
والمعنى: أتوصل به إلى مرادي. (فَقَالَ) الرجل: (الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ)؛ أي:
حقوق المال كثيرة عليّ، ولم أقدر على أدائها، أو حقوق المستحقين كثيرة،
فلم يحصل لك البعير، وقد أراد به دفعه، وهو غير صادق فيه، (فَقَالَ لَهُ)
الملَك: (كَأَنّي أَعْرِفُكَ) نكتة التشبيه المغالطة؛ لتمكنه المكابرة، (أَلَمْ تَكُنْ
أَبْرَصَ)؛ أي: قد كنت أبرص (يَقْذَرُلَكَ النَّاسُ) بفتح الذال؛ أي: يكرهونك،
ويستقذرونك، وهو حال، كقوله: (فَقِيراً) أو هذا خبر ثان، وهو الأظهر؛
لقوله: (فَأَعْطَاَ اللهُ)؛ أي: مالاً، أو جمالاً ومالاً، (فَقَالَ) الرجل: (إِنَّمَا
وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ)؛ أي: كبيراً عن كبير؛ أي: ورثته عن آبائي
الذين ورثوه من أجدادي الذين ورثوه من آبائهم، كبيراً عن كبير في العز
والشرف والثروة، قاله النوويّ تَخْذَُّهُ.
وقال الطيبيّ كَُّ قوله: ((كابراً عن كابر)) حال، يقال: هو كبير قومه
أكبرهم في السنّ والرياسة، أو في النسب.
وقال القاري كَُّ ((كابراً)) حال؛ أي: كبيراً آخذاً عن كبير، أو كبيراً بعد
كبير، والمعنى: حال كوني أكبر قومي سنّاً، ورياسة، ونسباً، وآخذاً عن آبائي
الذين هم كذلك حسّاً، ونِعم من قال [من الطويل]:
وَلَمْ يَكُ صُعْلُوكاً إِذَا مَا تَمَوَّلَا
كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَعْرُ يَوْماً إذَا اكْتَسَى
وهذا من باب الاكتفاء في الجواب، فإنه يلزم عُرفاً من التكذيب في شيء

٨٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠١)
تكذيبه في آخر. انتهى(١).
(فَقَالَ) الملك: (إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ) من البرص،
والفاقة؛ أي: جعلك حقيراً فقيراً، وإنما أورد بصيغة الماضي؛ لأنه أراد
المبالغة في الدعاء عليه، كذا قال الحافظ، وقال القاري: وقيل: ذكر ((إن)) دون
((إذا)) مع أن كَذِبه كان مقطوعاً به عند الملَك؛ لقصد التوبيخ، وتصوير أن
الكذب في مثل هذا المقام يجب أن يكون، إلا على مجرد الفرض والتقدير.
انتهى، قال القاري: والأظهر أنه عدل عن ((إذا كذبت)) إلى قوله: ((إن كنت
كاذباً)) بصيغة الماضي وبالوصف الدال على المتصف بالكذب غالباً؛ للإشارة
إلى أن مثل هذا يستحق الدعاء عليه، ولا يبعد أو تكون ((إن)) بمعنى ((إذ))، كما
قيل في قوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. انتهى.
وقال الطيبيّ: قوله: ((إن كنت كاذباً)) هذا الشرط ليس على حقيقته؛ لأن
الملك لم يشكّ في كذبه، بل هو مثل قول العامل إذا تسوّف في عُمالته: إن
كنت عملتُ، فأعطني حقي، فعلى تصييره على ما كان عليه مقطوع حصوله،
ويؤيّده قوله: ((وسُخط على صاحبيك)). انتهى(٢).
[فإن قلت]: لِمَ دخلت الفاء في الجزاء، وهو فعل ماض؟.
[قلت]: إنما دخلت لكونه دعاء، وهو إنشاء، وإن جُعل خبراً يكون
التقدير: فقد صّرك الله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) النبيّ وَِّ: (وَأَتَى) الملَك (الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ) قال الطيبيّ: لم يذكر
هنا الهيئة اختصاراً، أو سقط من الراوي، (فَقَالَ) الملَك (لَهُ)؛ أي: للأقرع،
(مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا)؛ أي: الأبرص؛ يعني: قوله: رجل مسكين، قد انقطعت بي
الحبال في سفري ... إلخ. (وَرَدَّ) الملَك (عَلَيْهِ)؛ أي: على الأقرع، (مِثْلَ مَا
رَدَّ عَلَى هَذَا)؛ أي: الأبرص، وذلك بعد اعتذاره، وعدم إعطائه له، فقال له:
كأني أعرفك، ألم تكن أقرع ... إلخ.
وقيل: معنى قوله: ((مثل ما ردّ على هذا))؛ أي: كردّ الأبرص على هذا
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٣٣/٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٣٤/٥.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
السائل بقوله: الحقوق كثيرة. انتهى، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً) فيما قلت (فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ) عليه أولاً من
القرع والفقر.
(قَالَ) النبيّ وَِّّرِ: (وَأَتَّى) الملَك (الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، وَهَيْئَتِهِ) على
التقديرين الماضيين؛ أي: على صورة الملك حين أتاه أول مرّة، أو على صورة
الأعمى: كما سبق بيانه. (فَقَالَ) الملَك للأعمى: (رَجُلُّ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ)؛
أي: مسافر (انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ)؛ أي: الأسباب التي أستعين بها (فِي سَفَرِّي،
فَلَا بَلَاغَ)؛ أي: لا مؤونة (لِيَّ الْيَوْمَ، إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَّيْكَ
بَصَرََكَ) بعد أن كنت أعمى (شَاةً، أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي) إلى مقصدي، (فَقَالَ)
الأعمى اعترافاً، وتحدّثاً بنعمة الله: (قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ
مَا شِئْتَ) من غنمي، (وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لَا أَجْهَدَُ) بفتح الهمزة، والهاء،
ويُروى بضم الهمزة، وكسر الهاء؛ أي: لا أستفرغ طاقتي (الْيَوْمَ شَيْئاً)؛ أي:
برّد شيء (أَخَذْتَهُ لله)؛ أي: طلباً لوجه الله تعالى ومرضاته.
وقال النوويّ: قوله: ((لا أجهدك اليوم)) هكذا هو في رواية الجمهور:
((أجهدك)) بالجيم، والهاء، وفي رواية ابن ماهان: ((أحمدك)) بالحاء والميم،
ووقع في البخاريّ بالوجهين، لكن الأشهر في مسلم بالجيم، وفي البخاريّ
بالحاء، ومعنى الجيم: لا أشق عليك بردّ شيء، تأخذه، أو تطلبه من مالي،
والجهد: المشقة، ومعناه بالحاء: لا أحمدك بترك شيء، تحتاج إليه، أو
تريده، فتكون لفظة الترك محذوفة مرادة، كما قال الشاعر:
لَيْسَ عَلَى طَولِ الْحَيَاةِ نَدَمْ
أي: فوات طول الحياة(١).
(فَقَالَ) الملك: (أَمْسِك) عليك (مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) بالبناء للمفعول؛
أي: اختُبرتم أيها الثلاثة: الأبرص، والأقرع، والأعمى؛ يعني: أن الله وَّ
اختبركم هل تقومون لأداء شكره، أو تكفرون بنعمه، وتجحدون آلاءه، (فَقَدْ
رُضِيَ) بالبناء للمفعول، (عَنْكَ) أيها الأعمى القائم بأداء شُكر ما أولاك الله
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/١٨ - ١٠٠.

٩١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٢)
تعالى (وَسُخِطَ) بالبناء للمفعول، (عَلَى صَاحِبَيْكَ))) الأبرص والأقرع بما جنيا
على أنفسهما من جَحْد نِعَم الله تعالى، وآلائه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٠١/١] (٢٩٦٤)، و(البخاريّ) في ((أحاديث
الأنبياء)) (٣٤٦٤) و(الأيمان والنذور)) (٦٦٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣١٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٩/٧) وفي ((شعب الإيمان)) (٢٢٩/٣)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما جُبل عليه أكثر الناس من جَحْد نِعم الله تعالى، وكذا
[العاديات: ٦]، فمعنى ((الكنود)):
معنى قوله رَّ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَنَ لِرَبٍِّ، لَكُنُودٌ
هو الجَحود لِنِعَم ربه، فالقائم بشكر الله تعالى قليل، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، مصداق ذلك في هذا الحديث، فاثنان من الثلاثة
قاما بالجحود، وواحد منهم قام بالشكر لربه ثبات .
٢ - (ومنها): الحثّ على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم، وتبليغهم ما
يطلبون، مما يمكن، والحذر من كَسْر قلوبهم، واحتقارهم.
٣ - (ومنها): الحثّ على التحدث بنعمة الله تعالى، وذم جحدها، والله أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٠٢] (٢٩٦٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ،
وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ - قَالَ عَبَّاسٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ،
حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي
إِبِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ،
فَقَالَ لَهُ: أَنَزَّلْتَ فِي إِبِلِكَ، وَغَتَمِكَ، وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ،
فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ
يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ)).

٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً .
٢ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم) بن إسماعيل الْعَنْبَريّ، أبو الفضل البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت٢٤٠) (خت ٤٢) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٣ - (أَبُو بَكْرِ الْحَتَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله البصريّ،
ثقة [٩] (٢٠٤) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٣٦/٤٩.
٤ - (بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ المدنيّ، أبو محمد، أخو مهاجر، صدوق
[٤] (ت١٥٣) (م ت س) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٤/ ٦٢٠٠.
٥ - (عامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٦ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍٍ) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن
كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، ومناقبه كثيرة، مات ◌َظُه بالعقيق سنة خمس
وخمسين، على المشهور (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار، وأن
فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه جم المناقب، فهو
أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله رك، وفارس
الإسلام، وحارس رسول الله وَ﴿ حيث قال: ((ليت رجلاً صالحاً يحرسني
الليلة))، وسابع سبعة في الإسلام، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد الستة
الذين توفي رسول الله وَّه وهو عنهم راض، وأحد من فداه رسول الله، وَله بأبيه
وأمه، وأحد مجابي الدعوة، وأحد الرماة الذين لا يخطئون، دعا له النبيّ وَليقول:
(اللَّهُمَّ سدِّد رميته، وأجب دعوته))، وهو الذي تولى قتال فارس، وكوّف
الكوفة، وهو آخر العشرة المبشّرين بالجنة وفاةً
شرح الحديث:
رَُّه (فِي إِبِلِهِ)
عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أنه (قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ)
بالبادية في موضع يسمّى العقيق على عشرة أميال من المدينة، ومات هناك

٩٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٢)
سنة (٥٥) وقيل غير ذلك، وحُمل إلى المدينة، فدُفن بالبقيع تَظُته. (فَجَاءَهُ ابْنُهُ
عُمَرُ) بن سعد بن أبي وقّاص المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق، ولكن مَقَته
الناس؛ لكونه كان أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي ثًا، من
الثانية، قتله المختار سنة خمس وستين، أو بعدها، ووَهِم من ذكره في
الصحابة، فقد جزم ابن معين بأنه وُلد يوم مات عمر بن الخطاب نَظُبه، وليس
له في مسلم شيء، بل ليس له في الكتب الستة إلا عند النسائيّ.
(فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ) أبوهِ رَظُه (قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ)؛ أي:
من شرّ عمر، إنما قال ذلك خشية أن يأتيه بما يبعثه أن يشارك الناس المتقاتلين
في ذلك الوقت، وكان ظه ممن قعد في الفتنة، ولزم بيته، وأمر أهله أن لا
يخبروه من أخبار الناس بشيء، حتى تجتمع الأمة على إمام(١).
(فَنَزَّلَ) ولده عمر عن دابته، (فَقَالَ لَّهُ)؛ أي: لأبيه سعد ◌َظُه، (أَنَزَلْتَ)
بهمزة الاستفهام الإنكاريّ، (فِي إِبِلِكَ، وَغَنَمِكَ)؛ أي: في إصلاحها، وتربيتها،
(وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ) أيهم يأخذه، وفي رواية أحمد: ((عن
عامر بن سعد، أن أخاه عمر، انطلق إلى سعد في غنم له، خارجاً من المدينة،
فلما رآه سعد، قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه، قال: يا أبت
أرضيت أن تكون أعرابيّاً في غنمك، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة،
فضرب سعد صدر عمر، وقال: اسكت ... )) الحديث.
(فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ)؛ أي: صَدْر عمر تأديباً له في قوله هذا؛ لأن
مثله لا ينبغي له أن يخاطب سعداً بمثل هذا الخطاب؛ لأنه أعلم منه بأمور
الشريعة. (فَقَالَ) سعد: (اسْكُتْ) لا تتكلم بمثل هذا الكلام؛ فإنه حثّ
للمشاركة في إراقة دماء المسلمين، ثم بيّن سبب أمره له بالسكوت: (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الثَّقِيَّ) بمثناة فوقية: من يترك
المعاصي؛ امتثالاً للمأمور به، واجتناباً للمنهيّ عنه، فَعِيل، من الوقاية، وتاؤه
مقلوبة عن واو، وقيل: هو المُبالغ في تجنب الذنوب (٢)
(الْغَنِيَّ) قال النوويّ تَخُّْهُ: المراد بالغنى: غنى النفس، هذا هو الغنى
(١) ((إسعاف المبطأ)) ص ٤٠.
(٢) ((فيض القدير)) ٢٨٨/٢ - ٢٨٩.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
المحبوب؛ لقوله تعالى: ((ولكن الغنى غنى النفس))، وأشار القاضي إلى أن
المراد: الغنى بالمال. انتهى(١).
وقال المناويّ: الغني غني النفس، كما جزم به في الرياض، وهو الغني
المحبوب، وأشار البيضاويّ، وعياض، والطيبيّ إلى أن المراد: غني المال،
والمال غير محذور لعينه، بل لكونه يعوق عن الله ، وكم من غني لم يشغله
غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله، فالتحقيق أنه لا يُطلق القول
بتفضيل الغني على الفقير، وعكسه. انتهى(٢).
وقال القاري كَّلُهُ: ((التقي)): أي: من يتقي المناهي، أو من لا يصرف
ماله في الملاهي، وقيل: هو الذي يتقي المحرمات والشبهات، ويتورع عن
المشتهيات والمباحات.
و((الغني)) قال النوويّ تَخْذُّهُ: المراد بالغنى: غنى النفس، وهذا هو الغنى
المحبوب؛ لقوله والقر: (الغنى غنى النفس))، وأشار القاضي: إلى أن المراد به:
غنى المال.
قال القاري: هو لا ينافي غنى النفس، فإنه الأصل في الغنى، والفرد
الأكمل في المعنى، ويترتب عليه غنى اليد الموجب لتحصيل الخيرات
والمبرات في الدنيا، ووصول الدرجات العاليات في العقبى.
والحاصل : : أن المراد به: الغني الشاكر، وقد يُستدل به على أنه أفضل
من الفقير الصابر، لكن المعتمَد خلافه؛ لِمَا سبق بيانه، وتحقق برهانه.
(الْخَفِيَّ))) قال ابن الأثير تَخْتُ: الخفيّ هو المعتزل عن الناس، الذي
يُخفي عليهم مكانه. انتهى(٣) .
وقال النوويّ كَخَّلُهُ: وأما الخفي فبالخاء المعجمة، هذا هو الموجود في
النُّسخ، والمعروف في الروايات، وذكر القاضي أن بعض رواة مسلم رواه
بالمهملة، فمعناه بالمعجمة: الخامل المنقطع إلى العبادة، والاشتغال بأمور
نفسه، ومعناه بالمهملة: الوَصُول للرحم، اللطيف بهم، وبغيرهم، من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/١٨.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٥٧/٢.
(٢) ((فيض القدير)) ٢٨٩/٢.

٩٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنٍ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٢)
الضعفاء، والصحيح بالمعجمة. انتهى(١).
وقال القاريّ: ((الخفي)) بخاء معجمة؛ أي: الخامل الذكر المعتزل عن
الناس، الذي يخفي عليهم مكانه؛ ليتفرغ للتعبد، قال ابن حجر (٢): وذُكر
للتعميم؛ إشارةً إلى ترك الرياء، وروي بمهملة، ومعناه الوَصول للرحم،
اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء.
قال الطيبيّ: والصفات الثلاث الجارية على العبد واردة على التفضيل،
والتمييز، فالتقي مُخرج للعاصي، والغني للفقير، والخفي على الروايتين لِمَا
يضادهما، فإذا قلنا: إن المراد بالغني غني القلب اشتمل على الفقير الصابر،
والغني الشاكر منهم، وفيه على الأول حجة لمن فضّل الاعتزال، وآثر الخمول
على الاشتهار. انتهى(٣). والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص بظ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٠٢/١] (٢٩٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
١٦٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨٥/٢)، و(الخطّابي) في ((العزلة)) (١٢/١)،
و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٩٧/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان منقبة هذا الصحابيّ الجليل، حيث إنه ترك الناس،
وسكن البادية تجنّباً عن الفتنة وأهلها، ولذلك أوصى أهله أن لا يكلموه في
شيء من أمر الناس حتى يجتمعوا على إمام واحد.
٢ - (ومنها): بيان أن التقوى سبب محبّة الله تعالى.
٣ - (ومنها): أن الله تعالى يحب العبد الغنيّ المستغني به عن غيره،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/١٨.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٢٧/١٠.
(٢) هو الهيتميّ بالتاء.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
فالغنى الحقيقيّ هو غنى النفس، كما قال ◌َلّ، فقد أخرج الشيخان عن أبي
هريرة نظراته، عن النبيّ وَّ قال: ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى
غنى النفس)».
٤ - (ومنها): الحثّ على الخمول، وعدم الظهور بين الناس، ولا سيّما
في أيام الفتنة.
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل من
الاختلاط، وفي المسألة خلاف سبق بيانه مرات، ومن قال بالتفضيل للاختلاط
قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة، ونحوها، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٠٣] (٢٩٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ بِشْرٍ، قَالَّا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْم فِي
سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَا لَنَّا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّ وَرَقُ الْخَّبْلَةِ،
وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشََّةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي
عَلَى الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذاً، وَضَلَّ عَمَلِي. وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِذاً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٣ - (إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ [٤]، تقدم في ((شرح
المقدمة)) جـ١ ص٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ) بن أبي حازم البجليّ [٢]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمداني [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، من كبار [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٧ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد العبديّ الكوفيّ [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
و ((سعد)) رقُبه ذُكر قبله.

٩٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٣)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ
مخضرم، وأن قيساً هو الذي روى عن العشرة المبشّرين بالجنة كلهم، ولا
يشاركه فيه أحد.
شرح الحدیث:
(عَنْ قَيْس) بن أبي حازم؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ)
se
(يَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ) زاد الترمذيّ
من طريق بيان، عن قيس: سمعت سعداً يقول: ((إِنَّي لأول رجل أهراق دماً في
سبيل الله))، وفي رواية ابن سعد في ((الطبقات)) من وجه آخر عن سعد: أن ذلك
كان في السرية التي خرج فيها مع عُبيدة بن الحارث في ستين راكباً، وهي أول
السرايا بعد الهجرة، قاله في ((الفتح))(١) .
وقال في ((العمدة)): كان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن
عبد المطلب، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين،
وكانت هي أول سرية بعثها رسول الله وقدر في السنة الأولى من الهجرة، بعث
ناساً من المسلمين إلى رابغ؛ ليلقَوا عِيراً لقريش، فتراموا بالسهام، ولم يكن
بينهم مسايفة؛ أي: مضاربة ومحاربة، وكان سعد أول من رمى، وكانوا ستين
راكباً من المهاجرين، وفيهم سعد، وعقد له اللواء، وهو أول لواء عقده
رسول الله وَل﴾، فالتقى عُبيدة وأبو سفيان الأمويّ، وكان هو على المشركين،
وهذا أول قتال جرى في الإسلام، وأول من رمى إليهم هو سعد، وفيه قال [من
الوافر]:
حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
أَلَا هَلْ جَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي
بِسَهْمِ مَعْ رَسُولِ اللَّهِ قَبْلِي(٢)
فَمَا يُعْتَدُّ رَامٍ مِنْ مَعَدٍّ
(وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مَا لَنَا طَعَّامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ) بضم
(١) ((الفتح)) ٥٨٧/١٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٥٣).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٦١/٢٤.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الحاء المهملة، والموحّدة، وبسكون الموحّدة أيضاً، ووقع في مناقب سعد
بالتردد بين الرفع، والنصب. (وَهَذَا السَّمُرُ) بفتح السين المهملة، وضم الميم،
قال أبو عبيد وغيره: هما نوعان من شجر البادية، وقيل: الحبلة ثمر العضاه،
بكسر المهملة، وتخفيف المعجمة: شجر الشوك، كالطلح، والعوسج، قال
النوويّ: وهذا جيّد على رواية البخاريّ لعطفه الورق على الحبلة، قال
الحافظ: هي رواية أخرى عند البخاري بلفظ: ((إلا الحبلة، وورق السمر))،
وكذا وقع عند أحمد، وابن سعد، وغيرهما، وفي رواية بيان عند الترمذيّ:
((ولقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب رسول الله وَ له ما نأكل إلا ورق
الشجر والحبلة))، وقال القرطبيّ: وقع في رواية الأكثر عند مسلم: ((إلا ورق
الحبلة هذا السمر))، وقال ابن الأعرابيّ: الحبلة ثمر السمر، يشبه اللوبية، وفي
رواية التيميّ، والطبريّ في مسلم: ((وهذا السمر)) بزيادة واو، قال القرطبيّ:
ورواية البخاري أحسنها للتفرقة بين الورق والسمر.
ووقع في حديث عتبة بن غزوان عند مسلم - يعني: الحديث التالي :
(لقد رأيتني سابع سبعة، مع رسول الله ربّ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى
قرحت أشداقنا)).
(حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ) بالضاد المعجمة كناية عن الذي يخرج منه في حال
التغوّط، (كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ زاد بيان في روايته: ((والبعير))؛ يعني: أنهم يضعون
عند قضاء الحاجة؛ أي: يخرج منهم مثل البعر؛ لِيُبْسه، وعدم الغذاء المألوف.
زاد في رواية للبخاريّ: ((ما له خِلْط)) بكسر الخاء المعجمة، وسكون
اللام؛ أي: يصير بَعْراً، لا يختلط بعضه ببعض من شدّة جفافه، وتفتّته. (ثُمَّ
أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ)؛ أي: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبنو أسد
هم إخوة كنانة بن خزيمة جدّ قريش، وبنو أسد كانوا فيمن ارتدّ بعد النبيّ ◌َّ ،
وتبعوا طليحة بن خُويلد الأسديّ لمّا ادعى النبوة، ثم قاتَلهم خالد بن الوليد في
عهد أبي بكر، وكَسَرهم، ورجع بقيتهم إلى الإسلام، وتاب طليحة، وحَسُن
إسلامه، وسكن معظمهم الكوفة بعد ذلك، ثم كانوا ممن شكا سعد بن أبي
وقاص، وهو أمير الكوفة إلى عمر، حتى عزله، وقالوا في جملة ما شَكَوْه: إنه
لا يحسن الصلاة.

٩٩
(١) - بَابُ بَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٣)
وأغرب النوويّ فنقل عن بعض العلماء أن مراد سعد بقوله: ((فأصبحت
بنو أسد)) بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وفيه
نظر؛ لأن القصة إن كانت هي التي وقعت في عهد عمر، فلم يكن للزبير إذ
ذاك بنون يصفهم سعد بذلك، ولا يشكو منهم، فإن أباهم الزبير كان إذ ذاك
موجوداً، وهو صديق سعد، وإن كانت بعد ذلك فيحتاج إلى بيان.
(تُعَزِّرُنِي)؛ أي: توقّفني، والتعزير: التوقيف على الأحكام والفرائض،
قاله أبو عبيد الهرويّ.
وقال الطبريّ: معناه: تقوّمني، وتعلّمني، ومنه تعزير السلطان، وهو
التقويم بالتأديب، والمعنى: أن سعداً أنكر أهلية بني أسد لتعليمه الأحكام مع
سابقیته، وقدم صحبته.
وقال الحربيّ: معنى تعزرني: تلومني، وتعتبني، وقيل: توبّخني على
التقصير.
وقال القرطبيّ(١) بعد أن حكى ذلك: في هذه الأقوال بُعْدٌ عن معنى
الحديث. قال: والذي يظهر لي أن الأليق بمعناه أن المراد بالتعزير هنا الإعظام
والتوقير، كأنه وَصَفَ ما كانت عليه حالتهم في أول الأمر من شدة الحال،
وخشونة العيش، والجهد، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا بالفتوحات، ووَلُوا
الولايات، فعظّمهم الناس لشهرتهم، وفضلهم، فكأنه كَرِه تعظيم الناس له،
وخص بني أسد بالذكر؛ لأنهم أفرطوا في تعظيمه، قال: ويؤيده أن في حديث
عتبة بن غزوان الذي بعده في مسلم نحو حديث سعد في الإشارة إلى ما كانوا
فيه من ضيق العيش، ثم قال في آخره: ((فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين
سعد بن مالك - أي: ابن أبي وقاص - فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها،
فما أصبح منا أحد إلا وهو أمير على مصر من الأمصار)). انتهى. وكان عتبة
يومئذ أمير البصرة، وسعد أمير الكوفة.
وتعقّبه الحافظ، وما أحسن تعقّبه، فقال: وهذا كله مردود؛ لِمَا ذكرته من
أن بني أسد شَكَوْه، وقالوا فيه ما قالوا، ولذلك خصهم بالذكر.
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٢١.

١٠٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الطحان عن إسماعيل بن أبي خالد
في آخر هذا الحديث في مناقب سعد بعد قوله: ((وضَلّ عملي)): وكانوا وَشَوْا
به إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي، ووقع كذلك هنا في رواية معتمر بن
سليمان، عن إسماعيل، عند الإسماعيليّ، ووقع في بعض طرق هذا الحديث
الذي فيه أنهم شَكَوْه عند مسلم، فقال سعد: أتعلّمني الأعراب الصلاة؟ فهذا
هو المعتمَد، وتفسير التعزير على ما شرحه مَن تَقَدَّم مستقيمٌ.
وأما قصة عتبة بن غزوان، فإنما قال في آخر حديثه ما قال؛ لأنه خطب
بذلك، وهو يومئذ أمير، فأراد إعلام القوم بأول أمره وآخره؛ إظهاراً منه
للتواضع، والتحدث بنعمة الله، والتحذير من الاغترار بالدنيا.
وأما سعد فقال ذلك بعد أن عُزِل، وجاء إلى عمر، فاعتذر، وأنكر على
من سعى فيه بما سعى. انتهى(١).
وقوله: (عَلَى الدِّينِ) متعلّق بـ((تعزّرني))، وفي رواية البخاريّ: ((على
الإسلام))؛ أي: على الصلاة؛ لأنها عماد الإسلام، أو على عمدة شرائعه،
والمراد: أنهم كانوا يؤدبوني، ويعلموني الصلاة، ويعيّروني بأني لا أحسنها،
وقال الطيبيّ تَخْلُهُ: عَبَّر عن الصلاة بالإسلام، كما عبّر عنها بالإيمان في قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] إيذاناً بأنها عماد الدين،
ورأس الإسلام. انتهى (٢).
(لَقَدْ خِبْتُ) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الموحّدة؛ أي: خسرت (إِذاً)
بالتنوين؛ أي: إذا لم أُحسن الصلاة، وأفتقر إلى تعليم بني أسد إياي، (وَضَلَّ
عَمَلِي)؛ أي: جميع طاعاتي، ومجاهداتي، ومسابقتي في الإسلام، وصِدق
قدمي في الدِّين.
وفي رواية البخاريّ: ((خِبتُ إذاً، وضلَّ سعيي))، ووقع عند ابن سعد عن
يعلى ومحمد ابني عبيد، عن إسماعيل بسنده في آخره: ((وضل عمليه)) بزيادة
هاء في آخره، وهي هاء السكت، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((الفتح)) ١٤ /٥٨٨ - ٥٨٩.
(٣) ((الفتح)) ٥٨٩/١٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٨٠/١١.