النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٥٦) - كِتَابُ الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ
(٥٦) - (كِتَابُ الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ((الزُّهْدُ)) بضم، فسكون: ترك الشيء،
والإعراض عنه، قال الفيّوميّ تَخْتُ: زَهِدَ في الشيء، وزَهِدَ عنه أيضاً زُهْداً،
وزَهَادَةً: بمعنى تركه، وأعرض عنه، فهو زَاهِدٌ، والجمع زُمَّادٌ، ويقال
للمبالغة: زِهِّيدٌ، بكسر الزاي، وتثقيل الهاء، وزَهَدَ يَزْهَدُ، بفتحتين لغةٌ،
ويتعدى بالتضعيف، فيقال: زَهَّدْتُهُ فيه، وهو يَتَزَهَّدُ، كما يقال: يَتَعَبّد، وقال
الخليل: الزَّهَادَةُ في الدنيا، والزُّهْدُ في الدين، وشيء زَهِيدٌ، مثلُ قليل وزناً
(١)
ومعنى. انتهى
وقال المجد تَخْذُ: زَهَدَ فيه، كمَنَعَ، وسَمِعَ، وكَرُمَ زُهْداً، وزَهَادَةً، أو
هي في الدنيا، والزُّهد في الدين: ضدّ رَغِبَ. انتهى.
وقال في ((التاج)) عن بعض أئمة اللغة أنه قال: أصوب ما قيل فيه - أي:
في تعريف الزهد - أنه: أخذ أقلّ الكفاية، مما تُيُقِّن حلَّه، وترك الزائد على
ذلك لله تعالى. انتهى(٢) .
وقال الغزاليّ كَّلُ في (الإحياء)): الزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن
الشيء إلى ما هو خير منه، فكلّ من عدل عن شيء إلى غيره ببيع، أو غيره،
فإنما عدل عنه لرغبته عنه، وإنما عدل إلى غيره لرغبته فيه، فحاله بالإضافة إلى
المعدول عنه يسمّى زهداً، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبةً وحبّاً، فإذن
يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه، ومرغوباً فيه هو خير من المرغوب عنه،
وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضاً مرغوباً فيه بوجه من الوجوه، فمن
رغب عما ليس مطلوباً في نفسه لا يسمى زاهداً؛ فتارك الحجر، والتراب،
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٧/١.
(٢) ((تاج العروس)) ص ٢٠١١.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
والحشرات لا يسمى زاهداً، وإنما يسمى زاهداً من ترك الدراهم، والدنانير.
انتھی .
وقال ابن القيّم تَظْثُ في ((مدارج السالكين)) (١٢/٢): والذي أجمع عليه
العارفون أن الزهد سَفَر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة، قال:
ومتعلّقه ستة أشياء لا يستحقّ العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي المال،
والصُّوَر، والرئاسة، والناس، والنفس، وكلّ ما دون الله.
قال: وليس المراد رفضها من المُلك، فقد كان داود، وسليمان ◌َّلهُ من
أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال، والمُلك، والنساء ما لهما، وكان نبيّا وَل
أزهد البشر على الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب،
وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان ﴿ّ من الزهاد، مع ما كان لهم من
الأموال، وكان الحسن بن عليّ ◌َّ من الزهّاد، مع أنه كان من أكثر الأمة
محبّة للنساء، ونكاحاً لهنّ، وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة
الزهّاد، مع كثرة أمواله، وكذلك الليث بن سعد من الأئمة الزهاد، وكان له
رأس مال يقول: لولا هذا لتمندل بنا هؤلاء.
قال: ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن، أو غيره: ليس الزهد في
الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق
منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها
لم لو تصبك، فهذا من أجمع كلام في الزهد، وأحسنه، وقد روي مرفوعاً .
والحاصل أن حقيقة الزهد ليست منافية للأخذ بأسباب الدنيا، وإنما
حقيقته أن لا تتعلّق الأسباب بقلب العبد حتى تلهيه عن ذكر الله ربك، والدار
الآخرة، وأن يكون الإنسان إنما يؤثر نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، ومن هنا
يفترق الزهد عن الرهبانيّة التي ابتدعها النصارى، فإن الرهبانية ترك أسباب
الدنيا بأسرها، والزهد ليس كذلك، وإنما هو أن تكون رغبة العبد في الآخرة
أكثر من رغبته في الدنيا، وأن لا تشغله أسباب الدنيا عن سعيه للآخرة، والله
تعالى أعلم(١).
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٤٢٧ - ٤٢٩.

٤٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٨٧)
وأما الرقاق، بكسر الراء، وتخفيف القاف، وكذا الرقائق، فهي: جمع
رقيقة، وسُمِّيت هذه الأحاديث بذلك؛ لأن في كل منها ما يُحدث في القلب
رِقّة، قال أهل اللغة: الرقة: الرحمة، وضدّ الغِلَظ، ويقال للكثير الحياء: رَقّ
وجهه استحياءً، وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم، فضدّها الصَّفَاقة،
كثوب رقيق، وثوب صَفيق، ومتى كانت في نفس، فضدّها القسوة، كرقيق
القلب، وقاسي القلب، وقال الجوهريّ: وترقيق الكلام: تحسينه، ذكره في
(١)
((الفتح)) (١).
(١) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ،
وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٨٧] (٢٩٥٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهْ
((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) وهو ابن (٩٠) سنةً (ع)، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو
محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوق، كان يحدِّث من كتب غيره
فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكر [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع)، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل - بكسر
المعجمة، وسكون الموحدة - المدنيّ، صدوقٌ، رُبَّما وَهِم [٥] مات سنة بضع
وثلاثين ومائة (زم ٤)، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
(١) ((الفتح)) ١٤ / ٤٩١.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ المدنيّ، مولى الْحُرَقة - بضم
المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - ثقةٌ [٣] (زم٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن أهلها، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه
أبو هريرة رائه رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الدُّنْيَا)؛ أي:
الحياة الدنيا، (سِجْنُ الْمُؤْمِنِ) بالنسبة لِمَا أُعدَّ له في الآخرة من النعيم المقيم،
(وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) بالنسبة لِمَا أمامه من عذاب الجحيم، وعما قريب يحصل في
السجن المستدام نسأل الله السلامة يوم القيامة، وقيل: المؤمن صَرَف نفسه عن
لذاتها، فكأنه في السجن؛ لِمَنْع الملاذّ عنه، والكافر سَرَّحها في الشهوات،
فهي له كالجنة.
وقال النوويّ تَُّهُ: معناه أن كل مؤمن مسجون، ممنوع في الدنيا من
الشهوات المحرمة، والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات
استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة
الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع
قلّته، وتكديره بالمنغصّات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: إنما كانت الدنيا كذلك؛ لأن المؤمن فيها مقيّد بقيود
التكاليف، فلا يقدر على حركة، ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك
قيده، ويُمكنه من الفعل، أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا،
والمحن، والمكابدات من الهموم، والغموم، والأسقام، والآلام، ومكابدة
(١) (شرح النوويّ)) ٩٣/١٨.

٤٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٨٧)
الأنداد، والأضداد، والعيال، والأولاد، وعلى الجملة يبتلى المرء على حسب
دينه .
أخرج الترمذيّ عن سعد بن أبي وقّاص حظّه قال: قلت: يا رسول الله
أيّ الناس أشدّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على
حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلى على
حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه
خطيئة))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح(١).
وأيُ سجن أعظم من هذا؟ ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف
والوجل؛ إذ لا يدري بماذا يُختم له من عمل، كيف وهو يتوقّع أمراً لا شيء
أعظم منه، ويخاف هلاكاً لا هلاك فوقه؟! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا
السجن لهلك مكانه، لكن الله رب لطف به، فهوّن عليه ذلك كلّه بما وعده على
صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره.
والكافر منفكّ عن تلك الحالات بالتكاليف، آمِن من تلك المخاويف،
مقبلٌ على لذّاته، منهمك في شهواته، مغترّ بمساعدة الأيام، يأكل، ويتمتع،
كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن
الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة من أهوال يوم القيامة. انتهى (٢).
وقال السهرورديّ تَُّهُ: إن السجن، والخروج منه يتعاقبان على قلب
العبد المؤمن على توالي الساعات، ومرور الأوقات؛ لأن النفس كلما ظهرت
صفاتها أظلم الوقت على القلب، حتى ضاق، وانكمد، وهل السجن إلا
تضييق، وحجر من الخروج والولوج؟ فكلما هَمّ القلب بالتبري عن مشائم
الأهواء الدنيوية، والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة؛ تَشَهِّياً إلى الآجلة،
وتَنَزّهاً في فضاء الملكوت، ومشاهدةً للجمال الأزليّ حَجَزه الشيطان المردود
عن هذا الباب المطرود بالاحتجاب، فتدلى بحبل النفس الأمّارة إليه، فكدّر
صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السجون،
وأضيقها، فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت،
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٦٠١/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٠٩/٧ - ١١٠.
---

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وضاقت عليه نفسه، ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة من الصحابة
حيث تخلَّفوا عن رسول الله وَّه في بعض الغزوات، فقال تعالى: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُوْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨](١).
[فائدة]: ذكروا أن الحافظ ابن حجر تَّتُهُ لما كان قاضي القضاة مَرّ يوماً
بالسوق في موكب عظيم، وهيئة جميلة، فهجم عليه يهوديّ يبيع الزيت الحارّ،
وأثوابه ملطخة بالزيت، وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته،
وقال: يا شيخ الإسلام تزعم أن نبيكم قال: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة
الكافر)) فأيّ سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ فقال: أنا بالنسبة لما أَعد الله
لي في الآخرة من النعيم، كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أُعد لك
في الآخرة من العذاب الأليم، كأنك في جنة، فأسلم اليهوديّ، ذكره
المناويّ ◌َخْذّتُهُ (٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة صوته هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٨٧/١] (٢٩٥٦)، و(الترمذيّ) في ((الزهد))
(٢٣٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٣/٢
و٣٨٩ و٤٨٥) وفي ((الزهد)) (ص٣٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٧)،
و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٥٠/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٢/١١
و٤٠٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٠٤ و٤١٠٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٨٨] (٢٩٥٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ
مَرَّ بِالسُّوقِ، دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ(٣)، فَمَرَّ بِجَدْي أَسَلَكَ، مَيِّتٍ،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٣/١٠.
(٢) ((فيض القدير)) ٥٤٦/٣.
(٣) وفي نسخة: ((كنفیه)) .

٤٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٨٨)
فَتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَم؟))، فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ
أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: ((أَتْحِبُّونَ(١) أَنَّهُ لَكُمْ؟))َ، قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ
حَيّاً، كَانَ عَيْباً فِيهِ؛ لأَنَّهُ أَسَكُ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتُ؟ فَقَالَ: ((فَوَ اللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ
عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن
المدينيّ لا يقدِّمان عليه في ((الموطأ)) أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ
م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب
الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوقٌ، فقيهٌ، إمام [٦] (ت١٤٨)
(بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر
الباقر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٦١.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - بمهملة، وراء - الأنصاريّ،
ثم السَّلَميّ - بفتحتين - مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفي رواية
الابن عن أبيه، وفيه جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي ◌ًا، غزا تسع
عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين.
(١) وفي نسخة: ((تحبّون)).
--

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ◌ِّ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ مَرَّ)؛ أي: اجتاز
(بِالسُّوقِ)؛ أي: بسوق المدينة، والسُّوقُ بالضمّ يُذَكَّر، ويُؤَنَّث، وقال أبو
إسحاق: السُّوقُ التي يباع فيها مؤنثة، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُوَيْقَةٌ،
والتذكير خطأ؛ لأنه قيل: سُوقٌ نافقة، ولم يُسمع نافق، بغير هاء، والنسبة إليها
سُوقِيٍّ على لفظها، قاله الفيّوميّ ◌َظُّهُ(١).
وسُمّيت بالسوق؛ لقيام الناس فيها على ساقهم، وقال ابن الأثير تَخْشُهُ:
سمّيت بالسوق؛ لأن التجارة تُجلب إليها، وتساق المبيعات نحوها. انتهى(٢).
حال كونه (دَاخِلاً) إلى المدينة (مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ)؛ أي: من بعض القرى
التي تسمّى بالعالية، وهي العوالي، (وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ) وفي بعض النسخ: ((كنفتيه))
بالتثنية، معنى الأول جانبه، والثاني جانبيه، وهو منصوب على الظرفيّة، فقوله:
((والناس)) مبتدأ خبره الظرف، والجملة حال.
(فَمَرَّ بِجَدْىٍ) - بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة، آخره ياء تحتانيّة -
قال ابن الأنبارِّيّ: هو الذَّكر من أولاد المعز، والأنثى عَنَاق، وقيّده بعضهم
بكونه في السنة الأولى، والجمع أَجْدٍ، وجِدَاءٍ، مثل دَلْوٍ وأَدْلٍ، وَ دِلاءٍ،
والجِدْيُ بالكسر لغة رديئة، قاله الفيّوميّ تَخْذُ(٣).
(أَسَكَ)؛ أي: مصطلم الأذنين، مقطوعهما(٤).
(مَيِّتٍ) بسكون التحتانيّة، وتشديدها، (فَتَنَاوَلَهُ)؛ أي: أصاب النبيّ
ذلك الجدي، وقوله: (فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ) بيان لمعنى التناول، (ثُمَّ قَالَ) ◌َلّى:
(أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَم؟)))؛ أي: بِعِوَض درهم واحد، (فَقَالُوا)
الحاضرون لديه وَله: (مَا) نافية،ً (نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ) مقابل له جليل أو
حقير، (وَمَا) استفهاميّة؛ أي: أي شيء (نَصْنَعُ بِهِ؟)؛ أي: بهذا الجدي
الأسكّ الميت (قَالَ) وَلَ: ((أَتْحِبُّونَ) وفي نسخة: ((تحبّون)) بحذف
الاستفهام، وهو على تقديرها، (أَنَّهُ لَكُمْ؟))) بأيّ طريق كان، (قَالُوا: وَاللهِ لَوْ
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٩٣/١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ص٤٥٥.
(٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٨٤/٢.

٤٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ- حديث رقم (٧٣٨٨)
كَانَ حَيّاً، كَانَ) هذا السكك (عَيْباً فِيهِ)؛ أي: في هذا الجدي (لأَنَّهُ أَسَُ)؛
أي: مقطوع الأذنين، أو صغيرهما، وهذا عيب، (فَكَيْفَ) إذا ضمّ فيه عيب
آخر (وَهُوَ) أنه (مَيِّتُ؟)؛ أي: فيكون أبعد شيء من رغبتنا، (فَقَالَ) وَلِ :
((فَوَ اللهِ لَلدُّنْيَا) بفتح اللام، وهي الرابطة لجواب القَسَم، (أَهْوَنُ)؛ أي: أحقر
(عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا)؛ أي: من حقارة هذا الجدي الأسك الميت (عَلَيْكُمْ)))
معاشر الحاضرين.
قال القرطبيّ كَُّهُ: الدُّنيا: وزنها فُعْلى، وألفها للتأنيث، وهي من الدنوّ
بمعنى القُرْب، وهي صفة لموصوف محذوف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا المَوَةُ
الذُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، غير أنه قد كَثُر استعمالها استعمال
الأسماء، فاستُغني عن موصوفها، كما جاء في هذا الحديث. والمراد: الدار
الدنيا، أو الحياة الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى، أو الحياة الأخرى، ومعنى
هوان الدنيا على الله: أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لذاتها، بل جعلها طريقاً
موصلاً إلى ما هو المقصود لذاته، وأنه لم يجعلها دار إقامة، ولا جزاء، وإنَّما
جعلها دار رِحلة، وبلاء، وأنه مَلَكها في الغالب الكفرة والجهال، وحماها
الأنبياء، والأولياء، وقد أوضح النبيّ وَّ هذا المعنى، فقال: ((لو كانت الدنيا
تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء)) (١)، وحسبك بها
هواناً أن الله تعالى قد صغّرها، وحقّرها، وذمَّها، وأبغضها، وأبغض أهلها،
ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزوّد منها، والتأهب للارتحال عنها،
ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذيّ عن النبيّ وَلّ أنه قال: ((الدنيا
ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، أو عالم، أو متعلّم))(٢)، ولا
يُفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا، وسبّها مطلقاً؛ لِمَا رويناه من حديث
أبي موسى الأشعريّ رُه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبوا الدنيا، فنِعْمت
مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشرّ، إنه إذا قال العبد:
(١) حديث صحيح.
(٢) رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن غريب.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه))(١)، خرّجه الشريف أبو
القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشميّ.
وهذا يقتضي المنع من سبّ الدنيا، ولَعْنها .
ووجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبُعِداً عن الله
تعالى، وشاغلاً عنه، كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله تعالى من
مال، وولد فهو عليك مشؤوم، وهو الذي نبَّه الله على ذمه بقوله تعالى:
﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْخَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَثُرٌ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلِّدِ﴾
[الحديد: ٢٠]، وأما ما كان من الدنيا يقرّب إلى الله تعالى، ويعين على عبادة الله
تعالى، فهو المحمود بكل لسان، والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يُسَبّ،
بل: يرغب فيه، ويحبّ، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: ((إلا ذكر الله، وما
والاه، أو عالم، أو متعلم))، وهو المصرَّح به في قوله: ((فإنَّها نعمت مطية
المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشرّ))، وبهذا يرتفع التعارض بين
الحديثين. والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: من الغريب محاولة القرطبيّ في الجمع بين الحديثين،
ومعروف أن التعارض لا يأتي إلا بين حديثين ثابتين، وأما إذا كان أحدهما غير
ثابت، فلا تعارض أصلاً، وما هنا من هذا القبيل، فإن الحديث الذي أورد
القرطبيّ ذكره العلماء مثالاً للموضوعات، ففي سنده إسماعيل بن أبان: كذاب.
قال الذهبيّ تَخْلُ في ((الميزان)»: إسماعيل بن أبان الغنوي الكوفي الخياط
كذبه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل: كتبنا عنه عن هشام بن عروة، ثم
روى أحاديث موضوعة عن فطر وغيره، فتركناه، وقال البخاريّ: ترك أحمد،
والناس حديثه، ثم أورد من مناكيره هذا الحديث، ثم قال: وقال ابن حبان:
كان يضع الحديث على الثقات. انتهى (٣)، فهذا هو حال الحديث الذي حاول
القرطبيّ في الجمع بينه وبين الحديث الصحيح المتقدّم، فتنبّه، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) هذا حديث موضوع، كما سيأتي.
(٢) ((المفهم)) ١٠٨/٧ - ١٠٩.
(٣) ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) ٣٦٨/١.

٥١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٨٩)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضّ هذا من أفراد
المصنّف رَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٨٨/١ و٧٣٨٩] (٢٩٥٧)، و(البخاريّ) في
(الأدب المفرد)) (٩٦٢)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (١٨٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٦٥/٣)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٣٤٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حقارة الدنيا، وهوانها على الله تُخالة .
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّ﴾ من تحذير أمته من الاغترار
بالدنيا؛ لأنها تنسي الآخرة التي هي دار القرار.
٣ - (ومنها): استحباب توضيح المسألة بضرب الأمثال؛ لأن الأمثال
ترسّخ في القلب صورة المسألة، وتثبّتها .
٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ مس ميتة مأكول اللحم، وأن غسل اليد بعد
مسها ليس بضروري(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٨٩] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِيَانِ الثَّقَفِيَّ - عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: فَلَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ هَذَا
السَّكَكَ بِهِ عَيْباً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) السامي - بالسين المهملة -
البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تكلم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت٢٣١)
(م س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩٤/٣١.
(١) ((عون المعبود)) ٢٢٣/١.
--

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ، تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (١٩٤) عن نحو من ثمانين سنة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن جعفر هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٠] (٢٩٥٨) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ،
عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَنَّكُمُ التَّكَافُرُ
[التكاثر: ١] قَالَ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ
مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ، فَأَفْتَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ، فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ، فَأَمْضَيْتَ؟))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) هو: هدبة - بضم أوله، وسكون الدال، بعدها
موحدة - ابن خالد بن الأسود القيسيّ أبو خالد البصري، ثقةٌ عابدٌ تفرد النسائيّ
بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (مُطَرِّفُ) بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله البصريّ،
ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] مات سنة خمس وتسعين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن الشِّخِّير - بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء
المعجمة المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم راء - ابن عوف العامريّ الصحابيّ،
من مسلمة الفتح (م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٣٨/١٣.
والباقيان ذُكرا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَظْلَثُ، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية
تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيه من المقلّين من الرواية، إذ
ليس له في الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث، والله تعالى أعلم.

٥٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٠)
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّف) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الشِّخِّير؛ أنه (قَالَ: أَتَيْتُ
النَّبِيَّ وَِّ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه وَِّ (يَقْرَأُ: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَافُرُ ﴾﴾) وفي
حتى
رواية النسائيّ: ((جئت النبيّ وَّ، وهو يقول: ﴿أَلْهَنَّكُمُ التَّكَاؤُ ﴾﴾
ختمها))، فقوله: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَائِرُ ﴾﴾؛ يعني: شغلكم الإكثار من الدنيا، ومن
الالتفات إليها عما هو الأولى بكم من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطاب
للجمهور، إذ جنس الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُونَ
﴾ [القيامة: ٢٠، ٢١]، وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
وَتَّذَرُونَ الْآَخِرَةَ
الْعَاجِلَةَ
الشَّهَوَاتِ مِنَ الْنِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
اُلْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثُ﴾ [آل عمران: ١٤].
وقوله: ﴿حَّ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾﴾؛ أي: حتّى أتاكم الموت، فصرتم في
المقابر زُوّاراً، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنّة، أو نار. يقال
لمن مات: قد زار قبره. وقيل: أي: ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات.
وقيل: هذا وعيد؛ أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما
يحلّ بكم من عذاب الله رَتْ(١).
(قَالَ) بَيِّ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ) أراد النبيّ ◌َّ بهذا تفسير هذه الآية
الكريمة، فبيّن أن المراد بالتكاثر هو التكاثر في الأموال، وللمفسّرين أقوال في
معناها، ولكن هذا التفسير هو الصواب المقدّم على غيره؛ لأن الله تعالى جعل
بيان كتابه إليه وَله، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
[النحل: ٤٤].
وفي ((صحيح البخاريّ)) من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن
مالك، أن رسول الله وَ* قال: ((لو أن لابن آدم وادياً من ذهب، أحب أن
يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)).
قال: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس،
عن أُبَيّ، قال: كنا نَرَى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَنَّكُمُ التَّكَافُرُ
(١) (تفسير القرطبيّ)) ١٦٩/٢٠.
--

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
قال ابن العربيّ: وهذا نصّ صحيح مَلِيحُ، غاب عن أهل التفسير،
فجهِلُوا، وجَهَّلُوا، والحمد لله على المعرفة.
(مَالِي مَالِي)؛ أي: يغترّ بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتّى ربّما
يعجب به، ويفخر به، ولعلّه ممن تعب هو في جَمْعه، ويصل غيرُه إلى نفعه،
ثم أخبر ◌َّه بالأوجه التي ينتفع فيها صاحب المال بماله، فـ(قَالَ) وَ﴾ (وَهَلْ
لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ) هذا خطاب لكلّ من يصلح له الخطاب، (مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا
أَكَلْتَ، فَأَقْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ، فَأَبْلَيْتَ) إنكار منه رَسير على ابن آدم بأن ماله هو ما
انتفع به في الدنيا بالأكل، أو اللبس، أو في الآخرة بالتصدّق، وأشار بقوله:
((فأفنيت))، ((فأبليت)) إلى أن ما أكل، أو لبس، فهو قليل الجدوى، لا يرجع
إلى عاقبة. قاله السنديّ، (أَوْ تَصَدَّقْتَ، فَأَمْضَيْتَ؟)))؛ أي: أردت التصدّق،
فأمضيتَ ذلك، أو تصدّقت، فقدّمت لآخرتك. وفي حديث أبي هريرة
پئه
الآتي: أن رسول الله وَل قال: ((يقول العبد: مالي، مالي، إنما ماله ثلاث: ما
أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك، فهو ذاهب،
وتاركه للناس)»، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن الشخِّير رَُّه هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٠/١ و٧٣٩١] (٢٩٥٨)، و(الترمذيّ) في
((الزهد)) (٢٣٤٢) و((التفسير)) (٢٣٥٤)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٣٦٤٠)
و(«الكبرى» (٦٤٤٠ و١١٦٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤/٤) وفي ((الزهد))
(ص١٧)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٤٩٧)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٦/
٢٨١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١١٤٨)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٢١٧)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٥٣٣/٢ و٥٣٤ و٣٢٢/٤ و٣٢٣)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد))
(٣٥٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٠٥٥)، والله تعالى أعلم.

٥٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩١)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معنى هذه السورة المباركة، فهذا الحديث هو المعتمد
في تفسيرها، وقد اختلف المفسّرون على عدّة أقوال، ولا اعتماد على شيء
منها، وإنما الاعتماد على هذا الحديث.
٢ - (ومنها): بيان أن السُّنَّة هي المبيّنة للمراد من مجمل الكتاب، فإذا
كان هناك آراء لأهل العلم في معنى آية، ننظر فيما وردت به السُّنَّة القوليّة، أو
الفعليّة، فنقدّمه على سائر محتمل الكلام؛ لأن الله تعالى جعل بيان كتابه إلى
رسوله وَّل﴿ حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾
[النحل: ٤٤].
٣ - (ومنها): أن مال الإنسان الحقيقيّ هو الذي انتفع به في حياته، إما
بما يعود نفعه إليه حالاً، كالأكل، والشرب، واللباس، أو مآلاً، كالتصدّق به،
وصلة الرحم، وسائر وجوه البرّ، وأما ما عدا ذلك، فهو لورثته، لا يناله منه
شيء، بل إنما يلحقه تبعاته، فيحاسب إن كان حلالاً، من أين اكتسبه، وفيمَ
أنفقه؟ ويعاقب إن كان حراماً، فالواجب على العاقل أن يتنبّه لهذه الدقائق، فإن
الندم بعد فوات الأوان هو عين الخسران، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلَّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ،َّ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَمَّامٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (سَعِيدُ) بن أبي عَروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في
قتادة [٦] (٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب.
وقوله: (وَقَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) ضمير التثنية لابن المثنّى،

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وابن بشار، و((ابن أبي عديّ)) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) ضمير الجماعة لشعبة، وسعيد بن أبي عروبة،
وهشام الدستوائيّ، فثلاثتهم رووا عن قتادة، عن مطرّف، عن أبيه ضُه .
[تنبيه]: أما رواية شعبة عن قتادة، فقد ساقها ابن حبّان ◌َظُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٧٠١) - أخبرنا عبد الله بن قحطبة، قال: حدّثنا محمد بن بشار، قال:
حدّثنا محمد بن جعفر، وهو غندر، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة
قال: سمعت مُطرِّفاً يحدث عن أبيه، قال: انتهيت إلى رسول الله وَّ﴾، وهو
يقرأ: ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَائِرُ ﴾﴾ قال: ((يقول: ابن آدم: مالي، مالي، وإنما لك
من مالك ما أكلت، فأفنيت، أو لَبِست، فأبليت، أو تصدقت، فأمضيت)).
(١) .
انتھی
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقد ساقها الإمام أحمد رَظّيه
في ((مسنده))، فقال:
(١٦٣٦٥) - حدّثنا عبد الوهاب، قال: أنا سعيد، عن قتادة، عن
مطرِّف بن عبد الله، عن أبيه، أنه سمع النبيّ وَّر يقول: ((ويقول ابن آدم:
مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت، فأفنيت، أو لبست، فأبليت،
أو تصدقت، فأمضیت؟)). انتهى(٢).
وأما رواية هشام الدستوائيّ عن قتادة، فقد ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((شعب
الإيمان))، فقال:
(٣٣٣٢) - حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن
عبد الله بن السماك، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثيّ، ثنا معاذ بن
هشام الدستوائيّ، حدّثني أبي، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير،
أن أباه حدّثه قال: انتهيت إلى رسول الله وَل﴾، وهو يقرأ: ﴿أَلْهَنْكُمُ
التَّكَائِرُ ﴾، وهو يقول: ((يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢ / ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٦/٤.

٥٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٢)
ما أكلت، فأفنيت، أو لبست، فأبليت، أو تصدقت، فأمضيت)). انتهى (١)(٢)
(٣٣٢٧) - أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، قال: حدثنا مسلم بن
إبراهيم، قال: حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن
الشخير عن أبيه، قال: أتيت النبي ◌َّ وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال: ((يقول ابن
آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو
تصدقت فأمضيت؟)).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٢] (٢٩٥٩) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي
مَالِ، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ، مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا
سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ویقال له:
الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقن ما ليس من
حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت٢٤) وله مائة سنة (م
ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ،
رُبّما وَهِم [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((يَقُولُ الْعَبْدُ:)؛ أي: مع
أن العبد وما في يده لمولاه، ولا ينبغي له أن ينسب إلى نفسه شيئاً، (مَالِي
مَالِي) المعنى: يعدده افتخاراً، أو يذكره احتقاراً، أو لم يعرف المقصود من
المال، ولا ما يترتب عليه فيه من الوبال، فإن حلاله حساب، وحرامه عقاب.
(١) صحيح ابن حبان ١٢٠/٨.
(٢) ((شعب الإيمان)) ٢٠٦/٣.
----

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
(إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ) ((ما)) الأولى موصولة، و((له)) صلتها، و((من ماله)) متعلق
بالصلة، و((ثلاث)) خبرٌ، وإنما أنثه على تأويل المنافع، ذكره الطيبيّ تَظُّ(١).
والمعنى: أن الذي يحصل له من ماله ثلاث منافع في الجملة، لكن
منفعة واحدة منها حقيقةً باقية، والباقي منها صورية فانية (٢). (مَا أَكَلَ)؛ أي: ما
استعمل من جنس المأكولات والمشروبات ففيه تغليب، أو اكتفاء. (فَأَفْنَى)؛
أي: فأعدمه، (أَوْ لَبِسَ) من الثياب (فَأَبْلَى)؛ أي: فأخلقه، (أَوْ أَعْطَى) في
سبيل الله تعالى، وصلة الرحم، وفي وجوه الخير (فَاقْتَنَى) قال النوويّ تَخُّْهُ :
هكذا في معظم النسخ، ولمعظم الرواة: ((فاقتنى))، ومعناه: ادّخره لآخرته؛
أي: ادّخر ثوابه، وفي بعضها: ((فأقنى)) بحذف التاء، أرضى، والمعنى:
فأرضى الله تعالى به، من القنى، بكسر القاف، وبالنون، مقصوراً، وهو
الرضا، وهذه رواية ابن ماهان.
وحاصل المعنى: أنه جعله قِنيةً وذخيرة للعقبى، فيناله في ذلك اليوم،
كما تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ
لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].
(وَمَا سِوَى ذَلِكَ)؛ أي: وما عدا ما ذُكر، من سائر أنواع المال، من
المواشي، والعقار، والخدم، والنقود، والجواهر، ونحو ذلك، أو ما سوى
ذلك المذكور من الأوجه الثلاثة، كاقتنائه، وادّخاره بلا صرف، وإنفاقه في
وجوه الخير، وإخراج حقوق الله تعالى عنه، وكإنفاقه في المحرّمات،
والمكروهات، والاعتداء به على غيره (فَهُوَ)؛ أي: العبد، (ذَاهِبٌ) عنه إلى
القبر (وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)))؛ أي: من الورثة، أو غيرهم، بلا فائدة راجعة إليه، مع
أن المحاسبة، والمعاقبة عليه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٨٠/١٠.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٨/١٥.

٥٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٩٢/١ و٧٣٩٣] (٢٩٥٩)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٦٨/٢ و٤١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٤٤)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٣٦٨/٣ - ٣٦٩) و((شعب الإيمان)) (٢٧٢/٧)، و(تمام الرازيّ)
في ((فوائده)) (١/ ٣٣٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ البغداديّ،
تقدّم قريباً .
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف
بابن أبي مريم الْجُمحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ، من كبار
[١٠] (ت٢٢٤) وله ثمانون سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو
إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧.
و((العلاء)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن هذه ساقها
البيهقيّ: نَّتُهُ في ((الكبرى))، فقال:
(٦٣٠٢) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله
الشافعيّ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا عيسى بن ميناء، ثنا محمد بن
جعفر بن أبي كثير، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن
رسول الله وَ﴿ قال: ((يقول العبد: مالي، مالي، إنما له من ماله ثلاث، ما أكل
فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه
(١) .
للناس)). انتهى
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣٦٨/٣.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٩٤] (٢٩٦٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَتْبَعُ الْمَيِّتَ
ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ،
وَيَبْقَى عَمَلُهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ
القاضي، ثقةٌ [٥] (ت١٣٥) وهو ابن سبعين سنةً (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧/ ٩١٦.
والباقون ذُكروا قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظَلُهُ، وهو (٤٤٢) من رباعيّات الكتاب، وفيه
أنس به أحد المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ
المدنيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رَظُه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ:
(يَتْبَعُ الْمَيِّتَ) قال في ((العمدة)): هكذا هو في رواية الأكثرين، والسرخسيّ،
وفي رواية المستملي: (يتبع المرء))، وفي رواية أبي ذرّ عن الكشميهنيّ: (يتبع
المؤمن)) والأول هو المحفوظ، قيل: التبعية في بعضها حقيقة، وفي بعضها
مجاز، فكيف جاز استعمال لفظ واحد فيهما؟.
وأجيب: بأنه يجوز عند الشافعية ذلك، وأما عند غيرهم فيُحمل على
عموم المجاز. انتهى(١).
(ثَلَاثَةٌ)؛ أي: ثلاثة أشياء، (فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ) إلى مكانهما، ويتركانه وحده
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٣٠٧/٣٣.