النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٧٧) ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد الحميد القرشيّ الْبُسْريّ البصريّ الملقّب حمدان [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٨/٤٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) البصريّ المعروف بغندر [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٢٣٥٦) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث أن رسول الله وَ له قال: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين)) وبسط إصبعيه السبابة، والوسطى. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٧٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمْزَةَ - يَعْنِي: الضَّبِّيَّ - وَأَبِي التََّّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٢ - (حَمْزَةُ الضَّبِّيُّ) هو: حمزة بن عمرو العائذيّ، أبو عمر الضبيّ البصريّ، صدوق [٤]. روى عن أنس، وعلقمة بن وائل، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وروى عنه ابنه عمر، وعوف الأعرابيّ، وشعبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال: وقد وَهِم من زعم أنه جمرة؛ يعني: بالجيم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٣١/٣. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة [تنبيه]: رواية شعبة عن حمزة الضبيّ، وأبي التّاح ساقها أحمد تَّتُهُ في ((مسنده)) مقرونين بقتادة، فقال: (١٣٣٤٣) - حدّثنا هاشم، ثنا شعبة، عن أبي التياح، وقتادة، وحمزة الضبيّ، أنهم سمعوا أنس بن مالك يقول: عن النبيّ وَله: ((بُعثت أنا والساعة هكذا))، وأشار بالسبابة والوسطى، وكان قتادة يقول: كفضل إحداهما على الأخرى. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّفِ دَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٧٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنٍ))، قَالَ: وَضَمَّ السََّّابَةَ وَالْوُسْطَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، من كبار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ [٤]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٤ - (مَعْبَدُ) بن هلال الْعَنَزيّ البصريّ [٤]، تقدم في ((الإيمان)) ٤٨٦/٩٠. و((أنس)) رڅبه ذُكر قبله. وقوله: (قَالَ: وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى) فاعل ((قال)) ضمير أنس أي: قال أنس: ضم النبيّ وَل عند قوله: ((كهاتين)) بين سبابته والوسطى إشارة إلى القُرب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٧٩] (٢٩٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ الأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ل﴿ِ سَّأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٢٢/٣. ٢٣ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٧٩) إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ، [١٠] تقدم فى ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠] تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة، أبو المنذر المدنيّ [٥]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، أبو عبد الله المدنيّ [٣]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ِ﴿ًّا أم المؤمنين، تقدمت في ((المقدمة)) جـ١ ص٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ثها من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ظنّا أنها (قَالَتْ: كَانَ الأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: هم سكان البادية، ولم يُسمّ أحد منهم، وفي رواية البخاريّ: ((كان رجال من الأعراب ◌ُفاة)) قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم، وقوله: ((جفاة)) في رواية الأكثر بالجيم، وفي رواية بعضهم بالمهملة، وإنما وصفهم بذلك: أما على رواية الجيم، فلأن سكان البوادي يغلب عليهم الشّظَف، وخشونة العيش، فتجفو أخلاقهم غالباً، وأما على رواية الحاء، فلقلة اعتنائهم بالملابس. انتهى (١). (١) ((الفتح)) ٧٠٦/١٤ رقم (٦٥١١). ٢٤ البحر المحيط التجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة (إِذَا قَدِمُوا) بكسر الدال، (عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ) قائلين (مَتَى السَّاعَةُ؟)؛ أي: متى تقوم القيامة؟، وإنما كانوا يسألونه عنها؛ لِمَا طَرَق أسماعهم من تكرار اقترابها في القرآن، فأرادوا أن يعرفوا تعيين وقتها. (فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فينظر إلى أصغرهم))، وهذه ظاهرها تكرير ذلك، ويؤيد سياق مسلم حديث أنس الآتي: ((أن رجلاً سأل رسول الله ﴿ متى تقوم الساعة؟))، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا بعينه، لكنه يَحتمل أن يفسّر بذي الخويصرة اليمانيّ الذي بال في المسجد، وسأل متى تقوم الساعة؟ وقال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمداً، ولكن جوابه عن السؤال عن الساعة مغاير لجواب هذا، قاله في ((الفتح))(١). (فَقَالَ) بَّهِ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ) ولفظ البخاريّ: ((لا يدركه الهرم))، (قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ))) زاد في رواية البخاريّ: ((قال هشام: يعني: موتهم))، وفي حديث أنس الآتي: ((حتى تقوم الساعة))، قال عياض: حديث عائشة رضيّ هذا يفسِّر حديث أنس، وأن المراد ساعة المخاطَبين، وهو نظير قوله: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى على وجه الأرض، ممن هو عليها الآن أحد))، وقد تقدم بيانه، وأن المراد: انقراض ذلك القرن، وأن من كان في زمن النبيّ ◌َّ إذا مضت مائة سنة من وقت تلك المقالة، لا يبقى منهم أحد، ووقع الأمر كذلك، فإن آخر من بقي ممن رأى النبيّ بَّ أبو الطفيل عامر بن واثلة ظه، كما جزم به مسلم وغيره، وكانت وفاته سنة عشر ومائة من الهجرة، وذلك عند رأس مائة سنة من وقت تلك المقالة، وقيل: كانت وفاته قبل ذلك، فإن كان كذلك فيَحْتَمِل أن يكون تأخر بعده بعض من أدرك ذلك الزمان، وإن لم يثبت أنه رأى النبيّ وَّر، وبه احتجّ جماعة من المحققين على كَذِب من ادَّعَى الصحبة، أو الرؤية ممن تأخر عن ذلك الوقت. وقال الراغب: الساعة جزء من الزمان، ويعبّر بها عن القيامة؛ تشبيهاً بذلك؛ لسرعة الحساب، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، أو لِمَا نبّه عليه بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُؤْعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، (١) ((الفتح)) ١٤ / ٧٠٦. ٢٥ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٧٩) وأُطلقت الساعة على ثلاثة أشياء: الساعة الكبرى، وهي بعث الناس للمحاسبة، والوسطى، وهي موت أهل القرن الواحد، نحو ما رُوي أنه رأى عبد الله بن أنيس، فقال: ((إن يَطْل عمر هذا الغلام، لم يمت حتى تقوم الساعة))، فقيل: إنه آخر من مات من الصحابة، والصغرى موت الإنسان، فساعة كل إنسان موته، ومنه قوله ودي عند هبوب الريح: ((تخوّفت الساعة))؛ يعني: موته. انتهى. قال الحافظ: وما ذكره عن عبد الله بن أنيس لم أقف عليه، ولا هو آخر من مات من الصحابة جزماً . وقال الداوديّ: هذا الجواب من معاريض الكلام، فإنه لو قال لهم: لا أدري ابتداء، مع ما هم فيه من الجفاء، وقبل تمكن الإيمان في قلوبهم لارتابوا، فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون هم فيه، ولو كان تمكّن الإيمان في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد. وقال ابن الجوزيّ: كان النبيّ ◌َله يتكلم بأشياء على سبيل القياس، وهو دليل معمول به، فكأنه لما نزلت عليه الآيات في تقريب الساعة، كقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْح الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] حَمَل ذلك على أنها لا تزيد على مضي قرن واحد، ومن ثَمَّ قال في الدجال: ((إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه))، فجوَّز خروج الدجال في حياته، قال: وفيه وجه آخر، فذكر نحو ما تقدم. قال الحافظ: والاحتمال الذي أبداه بعيد جدّاً، والذي قبله هو المعتمَد، والفرق بين الخبر عن الساعة، وعن الدجال تعيين المدة في الساعة دونه، والله أعلم. وقد أخبر ◌َّ في أحاديث أخرى حدّث بها خواصّ أصحابه تدلّ على أن بين يدي الساعة أموراً عظاماً، وقد تقدّم كثير منها . وقال الكرمانيّ: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم؛ أي: دَعُوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى، فإنها لا يعلمها إلا الله، واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم، فهو أولى لكم؛ لأن معرفتكم به تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته؛ لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق الآخر. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ١٤ / ٧٠٧ - ٧٠٨ رقم (٦٥١١). ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ضَوَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٧٩/٢٧] (٢٩٥٢)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠٢/٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٠] (٢٩٥٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وََّ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَعِنْدَهُ غُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ، فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدب، أبو محمد البغداديّ، من صغار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، من كبار [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ [٤]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. والباقيان ◌ُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) رَبه؛ (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف اسمه، (سَأَلَ رَسُولَ اللهِنَِّ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟)؛ أي: القيامة، (وَعِنْدَهُ غُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ) واحتج ابن بشكوال بهذه الرواية أن اسم الغلام المبهم في الرواية الآتية محمد، قال: وقيل: اسمه سعد، ثم أخرج من طريق الحسن، عن أنس أن رجلاً سأل عن الساعة، فذكر حديثاً، قال: فنظر إلى غلام من دوس، يقال له: سعد، قال الحافظ: وهذا أخرجه البارودي في الصحابة، وسنده حسن، وأخرجه أيضاً من طريق أبي قلابة، عن أنس نحوه، وأخرجه ابن منده من ٢٧ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٨٠) طريق قيس بن وهب، عن أنس، وقال فيه: مَرّ سعد الدوسيّ، قال: ورواه قرة بن خالد، عن الحسن، فقال فيه: فقال لشابّ من دوس، يقال له: سعد. قال الحافظ: فَيَحْتَمِل التعدد، أو كان اسم الغلام سعداً، ويُدعَى محمداً، أو بالعكس، ودوس من أزد شنوءة، فيحتمل أن يكون حالف الأنصار. انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ، فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ) قال في ((الفتح)): كذا في الطرق كلها بإسناد الإدراك للهرم، ولو أسند للغلام لكان سائغاً، ولكن أشير بالأول إلى أن الأجل كالقاصد للشخص. وقوله: (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))) وقع في رواية الباوردي بدل قوله: ((حتى تقوم الساعة)): ((لا يبقى منكم عين تطرف)) وبهذا يتضح المراد، وله في أخرى: ((ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة))، وهذا نظير قوله وَليه لأصحابه في آخر عمره: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد)). وكان جماعة من أهل ذلك العصر يظنون أن المراد أن الدنيا تنقضي بعد مائة سنة، فلذلك قال الصحابيّ: فَوَهَل الناسُ فيما يتحدثون من مائة سنة، وإنما أراد ◌َله بذلك انخرام قرنه، أشار إلى ذلك عياض مختصراً. قال الحافظ: ووقع في الخارج كذلك: ((فلم يبق ممن كان موجوداً عند مقالته تلك عند استكمال مائة سنة من سنة موته أحد)). وكان آخر من رأى النبيّ موتاً أبو الطفيل عامر بن واثلة، كما ثبت في ((صحيح مسلم)). وقال الإسماعيليّ بعد أن قرر أن المراد بالساعة ساعة الذين كانوا حاضرين عند النبيّ مَ، وأن المراد موتهم، وأنه أُطلق على يوم موتهم اسم الساعة؛ لإفضائه بهم إلى أمور الآخرة: ويؤيد ذلك أن الله استأثر بعلم وقت قيام الساعة العظمى، كما دلت عليه الآيات والأحاديث الكثيرة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((حتى تقوم الساعة)) المبالغة في تقريب قيام الساعة، لا التحديد، كما قال في الحديث الآخر: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين))، ولم يُرِدْ أنها تقوم عند بلوغ المذكور الهَرِم، قال: وهذا عمل شائع للعرب، يُستعمل للمبالغة عند تفخيم الأمر، وعند تحقيره، وعند تقريب الشيء، وعند تبعيده، فيكون حاصل المعنى: أن الساعة تقوم قريباً جدّاً، وبهذا الاحتمال (١) ((الفتح)) ٥٥٥/١٠. أ ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الثاني جزم بعض شرّاح ((المصابيح))، واستبعده بعض شرّاح ((المشارق)). وقال الداوديّ: المحفوظ أنه وَّ قال ذلك للذين خاطبهم بقوله: تأتيكم ساعتكم؛ يعني: بذلك موتهم؛ لأنهم كانوا أعراباً، فخشي أن يقول لهم: لا أدري متى الساعة، فيرتابوا، فكلّمهم بالمعاريض، وكأنه أشار إلى حديث عائشة الذي أخرجه مسلم: ((كان الأعراب إذا قَدِموا على النبيّ وَّهِ سألوه عن الساعة، متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم سنّاً، فيقول: إن يعش هذا حتی یدرکه الهرم، قامت علیکم ساعتكم)). قال عياض، وتبعه القرطبيّ: هذه رواية واضحة، تُفسِّر كل ما ورد من الألفاظ المشكلة في غيرها. وأما قول النوويّ: يَحْتَمِل أنه لو أراد أن الغلام المذكور لا يؤخر، ولا يعمر، ولا يهرم؛ أي: فيكون الشرط لم يقع، فكذلك لم يقع الجزاء، فهو تأويل بعيد، ويلزم منه استمرار الإشكال؛ لأنه إن حمَل الساعة على انقراض الدنيا، وحلول أمر الآخرة، كان مقتضى الخبر أن القَدْر الذي كان بين زمانه وَلهـ وبين ذلك بمقدار ما لو عُمِّر ذلك الغلام إلى أن يبلغ الهرم، والمشاهد خلاف ذلك، وإن حمَل الساعة على زمن مخصوص رجع إلى التأويل المتقدم، وله أن ينفصل عن ذلك بأن سن الهرم لا حدّ لقدره. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ربه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٨٠/٢٧ و٧٣٨١ و٧٣٨٢] (٢٩٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٨/٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالِ الْعَنَزِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ - (١) ((الفتح)) ٣٧/١٤ - ٨ رقم (٦١٦٧). ٢٩ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٨٢) أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَله هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: ((إِنْ عُمِّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكُهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))َ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) ابن يوسف الثقفي البغداديّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحي البصريّ، ثم المكيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٦٨/٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (هُنَيْهَةً) بالتصغير؛ أي: قليلاً؛ أي: سكت وقتاً يسيراً لم يجبه، ولعله لانتظار الوحي، أو غير ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ أَزْدِ شَئُوءَةَ) بفتح الشين المعجمة، وضم النون، ومدّ، وبعد الواو همزة، ثم هاء تأنيث: اسم قبيلة، وقال ابن الأثير: شنوءة هو: عبد الله بن كعب بن عبد الله بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد. انتهى (١). وفي الرواية التالية: ((غلام للمغيرة بن شعبة، وكان من أقراني))، ولا مغايرة بينهما، وطريق الجمع أنه كان من أزد شنوءة، وكان حليفاً للأنصار، وكان يخدم المغيرة. وقوله: (مِنْ أَتْرَابِي) بفتح الهمزة: جمع تِرْب بكسر التاء، وسكون الراء، وهو من وُلِد معك. وقال في ((الفتح)): الأتراب جمع تِرْب، بكسر المثناة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وهم المتماثلون، شُبِّهوا بالترائب التي هي ضلوع للصدر. انتهى. والحديث من أفراد المصنّف كَّتُهُ، وقد سبق البحث فيه مستوفّی. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي، (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢١١/٢. - ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنْ يُؤَخَّرْ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار، أبو عثمان البصريّ، من كبار [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب، والحديث سبق القول فيه قبله. وقوله: (مِنْ أَقْرَانِي)؛ أي: مثلي في السنّ، قال ابن التين: القرن: الْمِثل في السنّ، وهو بفتح القاف، وبكسرها: المثل في الشجاعة، قال: وفَعْل بفتح أوله، وسكون ثانيه إذا كان صحيحاً لا يُجمع على أفعال، إلا ألفاظاً لم يعدّوا هذا فيها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم يذكر في (القاموس))، ولا في ((المصباح)) القِرْن بمعنى المِثل إلا بالكسر، وجمع أقران، مثل حِمْل وأحمال، وهذا لا إشكال فيه، فتنبّه. والحديث مضى القول فيه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٣] (٢٩٥٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ، فَمَا يَصِلُ الإِنَاءُ إِلَى فِيهِ، حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ، حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُّ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريباً، و((أبو الزناد)) هو: عبد الله بن ذكوان، و((الأعرج)) هو: عبد الرحمن بن هُرمُز، وهذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ٣١ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٨٣) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه، حال كونه (يَبْلُغُ بِهِ)؛ أي: بالحديث (النَّبِيَّ وََّ)؛ يعني: أنه رفعه إليه ◌َ ر، وإنما عدل عن الصيغة الصريحة المعروفة إلى هذا، حيث شكّ الأعرج في خصوص الصيغة، هل هي سمعت، أو نحوها، أو لكونه نسي لفظها، وتأكّد من رفعه، فأتى بصيغة تشمل كلّ ذلك، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ◌َّهِ: (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، وقوله: (وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و((يحلب)) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، وكسره، من بابي نصر، وضرب، والحلب بفتح، فسكون، أو بفتحتين: استخراج ما في الضرع من اللبن، كالحِلاب(١). و((اللِّقحَةُ)) بالكسر: الناقة ذات لبن، والفتح لغةٌ، والجمع لِقَحٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، أو مثل قَصْعَة وقِصَع، واللَّقُوحُ بفتح اللام مثل اللَّقحة، والجمع لِقَاحُ، مثل قَلُوص وقِلاص، قاله الفيّوميّ (٢). (فَمَا يَصِلُ الإِنَاءُ إِلَى فِيهِ)؛ أي: فم الرجل، (حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ، حَتَّى تَقُومَ)؛ أي: الساعة، وفي رواية البخاريّ: ((ولتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه))، وللبيهقيّ في ((البعث)) من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة: ((ولتقومن الساعة على رجلين، قد نشرا بينهما ثوباً يتبايعانه، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه))، ونسبة الثوب إليهما في الرواية الأولى باعتبار الحقيقة في أحدهما، والمجاز في الآخر؛ لأن أحدهما مالك، والآخر مستام، وقوله في الرواية الأخرى: ((يتبايعانه))؛ أي: يتساومان فيه، مالكه، والذي يريد شراءه، فلا يتم بينهما ذلك من بغتة قيام الساعة، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه. وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، رفعه: ((إن الساعة تقوم على الرجلين، وهما ينشران الثوب، فما يطويانه)). ووقع في حديث عقبة بن عامر عند الحاكم لهذه القصة وما بعدها مقدّمة، قال: ((قال رسول الله وَ﴾: تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء، من قِبَل المغرب، مثل الترس، فما تزال ترتفع، حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: (١) ((القاموس المحيط)) ص ٣١٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٥٦/٢. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة يا أيها الناس ثلاثاً، يقول في الثالثة: أتى أمر الله، قال: والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما، فما يطويانه ... )) الحديث(١). (وَالرَّجُلُ يَلِطُّ فِي حَوْضِهِ) قال النوويّ تَظَُّ: هكذا هو في معظم النسخ، بفتح الياء، وكسر اللام، وتخفيف الطاء، وفي بعضها: ((يليط)) بزيادة ياء، وفي بعضها: (يلوط))، ومعنى الجميع واحد، وهو أنه يُطَيِّنه، ويصلحه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وتخفيف الطاء)) لا وجه للتخفيف هنا، بل الصواب أنه بتشديد الطاء، من لطّ يلطّ، كفرّ يفِرّ، قال المجد نَظّتُهُ: لطّ بالأمر: لَزِمه، وعليه: سَتَره، والبابَ: أغلقه، ولَطَطْتُ الشيءَ: ألصقته. انتهى المقصود منه (٢). وقال في ((المشارق)): وعند القاضي الشهيد: يُليط بضم الياء، وكذا في البخاريّ، وعند الخشني عن الهوزنيّ: يلوط، ومعانيها متقاربة، ومعنى يَليط: يُلصق الطين به، ويسدّ تشققه؛ ليلا ينشف الماء، واللَّطّ: الإلزاق، ويلوط: يُصلح، ويُطيِّن، ويليط يُلزق به الطين، لاط الشيءُ بالشيء لَزِق، وألطته: ألزقته، ومعناه: إصلاحه، ورَمّه. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((یلیط حوضه)) بفتح أوله، من الثلاثيّ، وبضمه، من الرباعيّ، والمعنى: يصلحه بالطين، والمدر، فيسدّ شقوقه؛ ليملأه، ويسقي منه دوابه، يقال: لاط الحوضَ يليطه: إذا أصلحه بالمدر، ونحوه، ومنه قيل: اللائط لمن يفعل الفاحشة، وجاء في مضارعه: يلوط، تفرقة بينه وبين الحوض، وحَكَى القزاز في الحوض أيضاً: يلوط، والأصل في اللَّوْط: اللصوق، ومنه كان عمر يليط أهل الجاهلية بمن ادّعاهم في الإسلام. قال الحافظ: كذا قال، والذي يتبادر أن فاعل الفاحشة نُسب إلى قوم لوط، والله أعلم. ووقع في حديث عقبة بن عامر: ((وإن الرجل لَيَمْدُر حوضه، فما يسقي منه شيئاً))، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم، وأصله في مسلم: ((ثم (١) ((الفتح)) ١٦/ ٥٧٠. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٥٧/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٧٦. ٣٣ (٢٧) - بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٨٣) يُنفخ في الصُّور، فيكون أول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيُصعق))، ففي هذا بيان السبب في كونه لا يسقي من حوضه شيئاً. وقال في ((الفتح)) أيضاً: قوله: ((يليط حوضه)) بضم أوله، ويقال: ألاط حوضه: إذا مدّره؛ أي: جمع حجارة، فصيّرها كالحوض، ثم سدّ ما بينها من الْفُرَج بالمدّر ونحوه، لينحبس الماء، هذا أصله، وقد يكون للحوض خروق، فيسدّها بالمدر قبل أن يملأه، وفي كل ذلك إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْتِكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. انتهى(١). (فَمَا يَصْدُرُ)؛ أي: يفرغ، أو ينفصل عنه، (حَتَّى تَقُومَ)؛ أي: القيامة من قبل أن يستقي منه. [تنبيه]: حديث أبي هريرة ظه هذا اختصره المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطولاً، فقال: (٦٧٠٤) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدّثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ﴾ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يُبعث دجّالون، كذّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يُهمّ رب المال من يقبل صدقته، وحتى يَعرضه، فيقول الذي يَعرضه عليه: لا أَرَب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمرّ الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس؛ يعني: آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيمَنِهَا خَيْرٌ﴾. [الأنعام: ١٥٨]، ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لِفْحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يُليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٤ / ٦٩٧. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦٠٥/٦. ١ ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٨٣/٢٧] (٢٩٥٤)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٠٦) و((الفتن)) (٧١٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٩/٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١١٠٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٤٥)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٧٧٤/٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢٨) - (بَابُ ذِكْرِ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٤] (٢٩٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه : ((مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ))، قَالُوا: يَاً أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْماً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، ((ثُمَّ يُنْزِلُ الله(١) مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ))، قَالَ: ((وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْماً وَاحِداً، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَّبُ الْخَلْقُ بَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ [٥]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٧. ٣ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزّيّات المدنيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقيان ذُكراً في الباب الماضي. (١) وفي نسخة: ((ثم ينزل من السماء)). ٣٥ (٢٨) - بَابُ ذِكْرِ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ - حديث رقم (٧٣٨٤) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَظْتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه أبو هريرة رضيه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) فيه دليل على الرد على من يقول: إنها أربع نفخات، (أَرْبَعُونَ))، قَالُوا)؛ أيّ: الحاضرون مجلس أبي هريرة رضيبه حين حدّث بهذا الحديث، قال الحافظ وَّهُ: لم أقف على اسم هذا السائل. (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْماً؟)؛ أي: هل المراد بالأربعين هي الأيام؟ (قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَّةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ) بموحّدة؛ أي: امتنعت عن القول بتعيين ذلك؛ لأنه ليس عندي في ذلك توقيف، ولابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش في هذا الحديث: ((فقال: أعييت))، من الإعياء، وهو التعب، وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله عن تبيين ذلك، فلا يجيبه، وزعم بعض الشراح أنه وقع عند مسلم: ((أربعين سنة))، ولا وجود لذلك، نعم أخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن الصلت، عن الأعمش، في هذا الإسناد: ((أربعون سنة))، وهو شاذٌ، ومن وجه ضعيف عن ابن عباس: ((قال: ما بين النفخة والنفخة أربعون سنة))، ذكره في أواخر سورة (ص))، وكأن أبا هريرة لم يسمعها إلا مجملة، فلهذا قال لمن عيّنها له: ((أبيت)). وقد أخرج ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم، عن أبي هريرة: ((قال: بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون ماذا؟ قال: هكذا سمعت)). وقال ابن التين: ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون علم ذلك، لكن سكت ليخبرهم في وقت، أو اشتغل عن الإعلام حينئذ. ووقع في ((جامع ابن وهب)): ((أربعين جمعة))، وسنده منقطع. (ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ) وفي نسخة: ((ثم يَنْزِل)) (مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ)؛ أي: -- ٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الناس، (كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ) بفتح الموحّدة، وسكون القاف: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأَبْقَلَتِ الأرضُ: أنبتت البقل، فهي مُبْقِلَةٌ، على القياس، وجاء أيضاً بَقْلَةٌ، وبَقِيلَةٌ، وأَبْقَلَ الموضعُ من البقل، فهو بَاقِلٌ، على غير قياس، وأَبْقَلَ القومُ: وجدوا بقلاً، قاله الفيّميّ(١). (قَالَ) وَّهِ: ((وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى) وفي رواية البخاريّ: ((ويبلى كل شيء من الإنسان))، (إِلَّا عَظْماً وَاحِداً، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ) وفي حديث أبي سعيد عند الحاكم، وأبي يعلى: ((قيل: يا رسول الله، ما عَجْبُ الذنب؟ قال: مثل حبة خردل)). والعَجْب بفتح العين المهملة، وسكون الجيم، بعدها موحّدة، ويقال له: عجم بالميم أيضاً عِوَض الباء، هو عظم لطيف، في أصل الصُّلب، وهو رأس العُصْعُص، وهو مكان رأس الذَّنَب من ذوات الأربع، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عند ابن أبي الدنيا، وأبي داود، والحاكم، مرفوعاً: ((إنه مثل حبة الخردل» . قال ابن الجوزيّ: قال ابن عَقِيل: لله في هذا سرّ لا يعلمه إلا الله؛ لأن من يُظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك جُعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عَظْم كل شخص؛ ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد. وقوله في الحديث: ((ويبلى كل شيء من الإنسان)) يَحْتَمِل أن يريد به يفنى؛ أي: تُعدم أجزاؤه بالكلية، ويَحْتَمِل أن يراد به: يستحيل، فتزول صورته المعهودة، فيصير على صفة جسم التراب، ثم يعاد إذا رُكبت إلى ما عهد، وزعم بعض الشراح أن المراد: أنه لا يبلى؛ أي: يطول بقاؤه، لا أنه لا يفنى أصلاً. والحكمة فيه: أنه قاعدة بدء الإنسان، وأُسّه الذي ينبني عليه، فهو أصلب (١) ((المصباح المنير)) ٥٨/١. ٣٧ (٢٨) - بَابُ ذِكْرِ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ - حديث رقم (٧٣٨٤) من الجميع، كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدوم بقاء، وهذا مردود؛ لأنه خلاف الظاهر بغير دليل، وقال العلماء: هذا عامّ يخص منه الأنبياء؛ لأن الأرض لا تأكل أجسادهم، وألحق ابن عبد البر بهم الشهداء، والقرطبيّ المؤذن المحتسب، قال عياض: فتأويل الخبر، وهو كل ابن آدم يأكله التراب؛ أي: كل ابن آدم مما يأكله التراب، وإن كان التراب لا يأكل أجساداً كثيرةً، كالأنبياء. (وَمِنْهُ)؛ أي: من عَجْب الذَّنَب، (يُرَكَّبُ الْخَلْقُ)؛ أي: الإنسان الجديد (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)))؛ يعني: أن الله رَّ يبقيه إلى أن يُرَكّب الخلق منه تارة أخرى؛ يعني: أنه يعيد خلقه في الآخرة من عَجْب ذَنَبه، كما أنشأ خلقه منه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رح له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٨٤/٢٨ و٧٣٨٥ و٧٣٨٦] (٢٩٥٥)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٨١٤)، و(أبو داود) في ((السُّنّة)) (٤٧٤٣)، و(النسائي) في ((المجتبى)) (١١١/٤ - ١١٢) و((الكبرى)) (٢٢٠٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٦٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢٣٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٢/٢ و٤٢٨ و٤٩٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله الحافظ وليّ الدين تَخّلُهُ: كون ابن آدم يأكله التراب عامّ مخصوص، فإن الأنبياء للَّثْلُ، لا تبلى أجسامهم الكريمة، وقد قال النبيّ وَّه: ((إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))، واستثنى ابن عبد البرّ معهم الشهداء، قال: وحسبك ما جاء في شهداء أحد، وغيرهم، ثم ذكر حديث جابر لمّا نَقَلَ أباه في خلافة معاوية حين أراد إجراء العين التي في أسفل أُحُد، وقوله: ((فأخرجناهم رطاباً، يتسنّون، فأصابت الْمِسْحَاة أصبع ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رجل منهم، فتقطّر الدم)). واقتصر القاضي عياض على قوله: وكثير من الشهداء، فدلّ على أنه يرى أن بعض الشهداء قد تأكل الأرض جسده، ولعله أشار بذلك إلى المبطون، ونحوه، من الملحقين بالشهداء. وضمّ أبو العباس القرطبيّ إلى الصنفين: المؤذّن المحتسب، لقوله وَّ: ((المؤذّن المحتسب كالمتشحّط في دمه، وإن مات لم يدوّد في قبره)) (١). قال: وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد المؤذّنين المحتسبين، فللحديث إذاً تأويلان: أحدهما: قال ابن عبد البر: كأنه قال: كلّ من تأكله الأرض، فإنه لا تأكل منه عَجْب الذَّنَب، قال: وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء. الثاني: قال القاضي عياض: يريد أن جميع الإنسان مما تأكله الأرض، وإن كانت لا تأكل أجساماً كثيرةً، كالأنبياء، وكثير من الشهداء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي صحّ لدينا ممن لا يبلى جسده هم الأنبياء للَّ، وأما الشهداء، فليس عليه دليل مرفوع يُستَنَد إليه، وإنما صحّ بما أخبر به جابر به من خبر أبيه، ومَن دُفن معه ﴿ه، ونحو ذلك، ولا يستبعد أن يكرم الله تعالى الشهداء بذلك. بل قد يحصل لغيرهم من أهل الصلاح، والتقوى، فقد سمعتُ أخباراً ممن لا أشك في كونهم صادقين أنهم وجدوا بعض أهل العلم، والصلاح، والزهد في قبورهم، كيوم موتهم بعد سنين متطاولة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَدَ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ جمهور أهل العلم بظاهر قوله: ((إلا عجب الذنب)) على أنّ عجب الذنب لا يبلى، ولا تأكله الأرض، بل يبقى على حاله، وإن بلي جميع جسد الميت، وخالف في ذلك المزنيّ، فقال: إن عجب الذنب (١) هذا حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي إسناده إبراهيم بن رستم، عن قيس بن الربيع، وكلاهما ضعيفان، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَّفُ رقم (٨٥٢ - ٨٥٣). ٣٩ (٢٨) - بَابُ ذِكْرٍ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ - حديث رقم (٧٣٨٥) يبلى أيضاً، فلم يجعل ((إلّا)) للاستثناء، بل هي عاطفة، كالواو، فكأنه قال: وعجب الذنب، وقد حُكي إثبات هذا المعنى لـ((إلا)) عن الأخفش، والفرّاء، وأبي عبيدة، وأنكره الجمهور، وأوّلوا ما استدلّوا به، ويردّه في هذا الموضع كونه عقّب ذلك بقوله: ((منه خُلق، وفيه يركّب))؛ أي: أنه أول ما يُخلَقُ من الآدميّ، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، فلو ساوى عجب الذنب غيره في البلاء لم يبق لهذا الكلام محلّ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الحديث يدلّ على أن عجب الذنب أول مخلوق من الآدميّ، وروي عن سلمان رظُله أنه قال: ((أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر، وهو يُخلَق)). ذكره ابن عبد البرّ بإسناد منقطع، فلم يصحّ هذا، ولو صحّ عنه، فاتباع الحديث أولى، وقد يقال: لا منافاة بينهما؛ لأن الحديث في ابن آدم، والأثر عن سلمان ربه في آدم نفسه، فيمكن أن يكون أول مخلوق من آدم رأسه، ومن بنيه عجب الذنب. ويَحْتَمِل أن يكون أول مخلوق من آدم عجب الذنب كبنيه، ويكون معنى كلام سلمان إن صحّ عنه أن أول ما نفخ فيه الروح من آدم رأسه، ويوافق ذلك قول ابن جريج: يقولون: إن أول ما نُفخ في يأفوخ آدم، أفاده الحافظ وليّ الدين العراقيّ تَظُّهُ(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريباً. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد والمنّة. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٣٠٨/٣. أ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ٤٠ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِلَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْماً، لَا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَداً، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالُوا: أَُّ عَظْم هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((عَجْبُ الذَّنَبِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلهم تقدّموا قريباً. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . م