النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٨)
عن أبي هريرة ◌ُه بأتمّ من هذا السياق، ولفظه: ((يُبايَعُ لرجل بين الركن
والمقام، ولم يستحلّ هذا البيت إلا أهلُهُ، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هَلَكَة
العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خَرَاباً لا يُعمّر بعده أبداً، وهم الذين
یستخرجون کنزہ)).
ولأبي قرّة في (السنن)) من وجه آخر عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((لا
يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة))، ونحوه لأبي داود من حديث
عبد الله عمرو بن العاص. وزاد أحمد، والطبرانيّ من طريق مجاهد، عنه:
((فيسلبُها حليتها، ويجرّدها من كسوتها، كأني أنظر إليه أُصيلع، أُفيدع، يضرب
عليها بمسحاته، أو بمعوله)). وللفاكهيّ من طريق مجاهد نحوه، وزاد: ((فلما
هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن
عمرو، فلم أرها))(١) .
قال القرطبيّ: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور
والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى - عليه الصلاة والسلام - وهو الصحيح.
انتھی .
ووقع عند أحمد (٢/ ٣١٠) من طريق ابن المسيّب، عن أبي هريرة
رضِى عَنْه ،
قال: قال رسول الله وَ﴾: ((في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة))،
قال: حسبت أنه قال: ((فيهدمها)).
قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة ◌َّ ◌ُبه يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، ولأن الله حبس عن مكة الفيل، ولم
يمكّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلّط عليها
الحبشة، بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ .
وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان، قرب قيام
الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: الله، الله، كما ثبت في ((صحيح
مسلم)): ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)).
ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: ((لا يُعمَر بعده أبداً)). وقد وقع
(١) ((الفتح)) ٢٥٩/٤.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قبل ذلك فيه من القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من
بعده في وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من
المسلمين في المطاف من لا يُحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحوّلوه إلى
بلادهم، ثم أعادوه بعد مدّة طويلة، ثم غُزي مراراً بعد ذلك. وكلّ ذلك لا
يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]؛ لأن
ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله وَله: ((ولن يستحلّ هذا البيت
إلا أهله)). فوقع ما أخبر به وَل*، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما
يدلّ على استمرار الأمر المذكور فيها. انتهى كلام الحافظ تَخْذُهُ(١).
وقال العينيّ تَخُّْ ما ملخّصه: لا يلزم من قوله: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت:
٦٧] أن يكون ذلك دائماً في كلّ الأوقات، بل إذا حصل له حرمة، وأمْن في
وقت ما صَدَق عليه هذا اللفظ، وصحّ المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى
في وقت آخر. وقال: والحكم بالحرمة، في قوله وَّ: ((وقد عادت حرمتها إلى
يوم القيامة)) لا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها، وترك الحرمة،
فقد وُجد ذلك في أيام يزيد وغيره كثيراً.
وقال عياض: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾؛ أي: إلى قرب القيامة. وقيل: يختصّ منه
قصّة ذي السويقتين.
وقال ابن الجوزيّ: إن قيل: ما السرّ في حراسة الكعبة من الفيل، ولم
تُحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج، والقرامطة، وذو السويقتين؟.
فالجواب: أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لرسول الله وَله، ودلائل
رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى
بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضاً دلالة على وجود الناصر. ذكره العينيّ(٢).
وقد عقد الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه)) باباً بقوله: ((باب قول الله
تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهَ اُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَاَلْقَلَئِدَ﴾
[المائدة: ٩٧]))، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة رضيالله عنه هذا.
قال الحافظ ◌َخْدَّتُهُ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: ﴿قِيَمًا﴾ [المائدة: ٩٧]؛
(١) ((الفتح)) ٢٥٩/٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٧٣/٨.

٤٠٣
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ بَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٧٨)
أي: قواماً، وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم، فلهذه النكتة أورد في الباب
قصّة هدم الكعبة في آخر الزمان.
وقال العينيّ تَخْتُ: أشار به إلى أن قيام أمور الناس، وانتعاش أمر دينهم
ودنياهم بالكعبة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾، فإذا زالت الكعبة على
يدي ذي السويقتين تختلّ أمورهم، فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه. انتهى.
ثم ترجم البخاريّ ((باب هدم الكعبة))، وذكر فيه طرف حديث عائشة رضّا
المتقدم: قال النبيّ وَّر: (يغزو جيش الكعبة، فيخسف بهم ... ))، وأورد
حديث أبي هريرة ظبه المذكور في الباب، وحديث ابن عباس ◌ًَّا، عن
النبيّ ◌َّه قال: ((كأني به أسود أفحج، يقلعها حجراً حجراً)).
قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع، فمرة يهلكهم الله قبل
الوصول إليها، وأخرى يمكّنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن
الأول.
وقال العينيّ: غزو الكعبة المذكور في حديث عائشة مقدمة لهدمها؛ لأن
غزوها يقع مرتين، ففي الأولى هلاكهم، وفي الثانية هدمها. انتهى، والله تعالى
أعلم.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٧٨/١٨ و٧٢٧٩ و٧٢٨٠] (٢٩٠٩)،
و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٥٩١ و١٥٩٦)، و(أبو داود) في ((سننه)) (١١٤/٤)،
و(النسائيّ) في ((المجتى)) (٢٩٠٥) وفي ((الكبرى)) (٣٨٨٧)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٣٦/٥)، وأخرجه (أحمد) في ((مسنده)) (٣١٠/٢ و٤١٧)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧/١٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٤٦)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٥١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢٥/٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٠/٤)، والله تعالى أعلم.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه، قبله، ولله
الحمد .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ يُخَرِّبُ بَيْتَ اللهِ رَاتٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ العَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الدّراورديّ،
أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوق، كان يحدّث من كُتُب غيره
فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكر [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٢ - (ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ) الدِّيليّ بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانية، المدنيّ،
ثقةٌ [٦] (ت١٣٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٩/٤٠.
٣ - (أَبُو الْغَيْثِ) سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٠/ ٢٦٩.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْلِتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨١] (٢٩١٠) - (وَحَدَّثْنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَليه

٤٠٥
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ بَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨١)
قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ، يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ»).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبله.
شرح الحدیث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ِّ قَالَ: (لَا) نافية، (تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولكن جوّز
القرطبيّ أن يكون جهجاه الذي وقع ذِكره في مسلم بعد هذا .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): اختُلف في نَسَب قحطان، فالأكثرون أنه ابن
عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل: هو من ولد هود ◌َلِّل*،
وقيل: ابن أخيه، ويقال: إن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب
المتعرّبة، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وأما العرب العاربة فكانوا
قبل ذلك، كعاد، وثمود، وطسم، وجديس، وعمليق، وغيرهم، وقيل: إن
قحطان أول من قيل له: أبيت اللعن، وعِمْ صباحاً، وزعم الزبير بن بكار إلى
أن قحطان من ذريّة إسماعيل، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن
إسماعيل؛ وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدّم في قصة هاجر، حيث قال وهو
يخاطب الأنصار: فتلك أمكم يا بني ماء السماء، قال الحافظ تَّتُهُ: هذا هو
الذي يترجح في نقدي، ثم وجّه ترجيحه عنده، فراجع كلامه في (الفتح))(١).
(يَسُوقُ) قحطان النَّاسَ (بِعَصَاهُ) قال القرطبيّ في (التذكرة)): قوله: (يسوق
الناس بعصاه)) كناية عن غَلَبته عليهم، وانقيادهم له، ولم يُرِدْ نفس العصا، لكن
في ذِكرها إشارة إلى خشونته عليهم، وعَسَفه بهم، قال: وقد قيل: إنه يسوقهم
بعصاه حقيقة، كما تُساق الإبل والماشية؛ لشدة عنفه، وعدوانه، قال: ولعله
جهجاه المذكور في الحديث التالي، وأصل الجهجاه: الصياح، وهي صفة
تناسب ذِكر العصا .
وتعقّبه الحافظ بأنه يردّ هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان، فظاهره
أنه من الأحرار، وتقييده في جهجاه بأنه من الموالي.
(١) ((الفتح)) ١٧٠/٨، ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٧).

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال في موضع آخر: قوله: ((يسوق الناس بعصاه)) هو كناية عن المُلك،
شبّهه بالراعي، وشبّه الناس بالغنم، ونكتة التشبيه: التصرف الذي يملكه الراعي
في الغنم، وهذا الحديث يدخل في علامات النبوة من جملة ما أخبر به وله
قبل وقوعه، ولم يقع بعدُ.
وقد روى نعيم بن حماد في ((الفتن)) من طريق أرطاة بن المنذر أحد
التابعين من أهل الشام، أن القحطاني يخرج بعد المهديّ، ويسير على سيرة
المهديّ، وأخرج أيضاً من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفيّ، عن
أبيه، عن جدّه، مرفوعاً: ((يكون بعد المهديّ القحطانيّ، والذي بعثني بالحقّ ما
هو دونه))، وهذا الثاني مع كونه مرفوعاً ضعيف الإسناد، والأول مع كونه
موقوفاً أصلح إسناداً منه، فإن ثبت ذلك فهو في زمن عيسى ابن مريم؛ لِمَا
تقدم أن عيسى عليّا إذا نزل يجد المهديّ إمام المسلمين، وفي رواية أرطاة بن
المنذر: أن القحطانيّ يعيش في المُلك عشرين سنةً.
واستُشكل ذلك كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه، والأمر
إنما هو لعيسى.
ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائباً عنه في أمور مهمة عامة. انتهى(١).
[تنبيه]: ذكر ابن هشام في ((كتاب التيجان)) - كما قال الحافظ - ما يُعرف
منه إن ثبت اسم القحطانيّ، وسيرته، وزمانه، فذكر أن عمران بن عامر كان
ملِكاً متوَّجاً، وكان كاهناً معمَّراً، وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف
بمزيقيا لمّا حضرته الوفاة: إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن
سخطتين، ورحمتين، فالسخطة الأولى هدم سدّ مأرب، وتخرب البلاد بسببه،
والثانية غلبة الحبشة على أرض اليمن، والرحمة الأولى بعثة نبي من تهامة،
اسمه محمد، يُرسل بالرحمة، ويغلب أهل الشرك، والثانية إذا خَرِب بيتُ الله
يبعث الله رجلاً يقال له: شعيب بن صالح، فيُهلك من خربه، ويخرجهم حتى
لا یکون بالدنیا ايمان إلا بأرض اليمن. انتهى.
قال الحافظ: وقد تقدم في ((الحج)) أن البيت يُحَجّ بعد خروج يأجوج
(١) ((الفتح)) ٨/ ١٧٢ - ١٧٣، (كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٧).

٤٠٧
(١٨) - بَابُ بَيَّانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٢)
ومأجوج، وتقدم الجمع بينه وبين حديث: ((لا تقوم الساعة حتى لا يُحَجَّ
البيت))، وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة، فينتظم من ذلك أن
الحبشة إذا خرّبت البيت خرج عليهم القحطانيّ، فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل
ذلك يحجون في زمن عيسى ◌ُليّا بعد خروج يأجوج ومأجوج، وهلاكهم، وأن
الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى، ويتأخر أهل اليمن
بعدها .
ويمكن أن يكون هذا مما يفسّر به قوله: ((الإيمان يمان))؛ أي: يتأخر
الإيمان بها بعد فَقْده من جميع الأرض.
وقد أخرج مسلم حديث القحطانيّ عقب حديث تخريب الكعبة ذو
السويقتين، فلعله رمز إلى هذا (١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٨١/١٨] (٢٩١٠)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٥١٧) و((الفتن)) (٧١١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١/
٣٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢/
٣٠٨)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١٠١٥/٥ و١٠١٦)، و(نعيم بن
حماد) في ((الفتن)) (٣٨٢/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْلَمُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٢] (٢٩١١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الكَبِيرِ بْنُ
عَبْدِ المَجِيدِ أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ
الْحَكَمِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي
حَتَّى يَّمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ))، قَالَ مُسْلِمٌ: هُمْ أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ: شَرِيكَ،
وَعُبَيْدُ اللهِ، وَعُمَيْرٌ، وَعَبْدُ الكَبِيرِ، بَنُو عَبْدِ المَجِيدِ).
(١) ((الفتح)) ٥٥٣/١٦.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل
أربعة أبواب.
٢ - (عُمَرُ بْنُ الْحَكَم) بن رافع بن سنان المدنيّ الأنصاريّ، حليف
الأوس، ثقةٌ [٣] (خت م دَت س) تقدم في ((الرضاع)) ١٧ / ٣٦٤٨.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين روى
عنهم الجماعة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ)؛ أنه (قَالَ: ((لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ
وَاللَّيَالِي) لا تنقضي الدنيا، ولا تقوم الساعة (حَتَّى يَمْلِكَ) بكسر الميم، من
باب ضرب، (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ))) قال النوويّ: بِهاءين، وفي بعض
النسخ: ((الجهجا)) بحذف الهاء التي بعد الألف، والأول هو المشهور.
(١)
انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: ولعل هذا الرجل القحطانيّ هو الذي يقال له:
الجهجاه، وأصل الجهجهة: الصياح بالسَّبُع؛ ليكفّ، يقال: جهجهت بالسبع؛
أي: زجرته بالصياح، ويقال: تَجَهْجَه عني؛ أي: انتهِ. انتهى(٢).
ثم ذكر المصنّف رَّتُهُ فائدة تتعلّق بالإسناد المذكور، فقال: (قَالَ مُسْلِمٌ)؛
أي: ابن الحجّاج، صاحب الكتاب، والظاهر أنه من كلامه، ويَحْتَمِل أن يكون
ملحقاً من الرواة عنه، والأول أقرب. (هُمْ أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ) جملة من مبتدأ وخبره؛
أي: هؤلاء الذين أذكرهم أربعة إخوة، ثم فسّرهم بقوله: (شَرِيك) وما عُطف
عليه بدل تفصيل من مجمل؛ أي: من ((أربعة إخوة))، وهو: ابن عبد المجيد
ليس من رجال ((التقريب))، وأصله. (وَعُبَيْدُ اللهِ) بن عبد المجيد، ليس من
(١) (شرح النوويّ)) ٣٦/١٨.
(٢) ((المفهم)) ٢٤٧/٧.

٤٠٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٣)
رجال ((التقريب)) وأصله أيضاً. (وَعُمَيْرُ) بن عبد المجيد، ليس من رجال
((التقريب)) وأصله أيضاً. (وَعَبْدُ الكَبِيرِ) المذكور في هذا السند، وقوله: (بَنُو
عَبْدِ المَجِيدِ) خبر لمحذوف؛ أي: هم بنو عبد المجيد.
والغرض من هذا أنه لما وقع في سنده عبد الكبير بن عبد المجيد، أبو
بكر الحنفيّ أراد أن يزيد فائدة، وهي أن له ثلاثة إخوة من أب واحد،
فذكرهم، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٨٢/١٨] (٢٩١١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن))
(٢٢٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٩/٢)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في
الفتن)) (٩٦٤/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٣] (٢٩١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ
- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ
الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي تقدّم قبل أربعة أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) نَّه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا
قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ) بالجيم، وتشديد النون: جمع مِجَنّ، وهي الترسة.
(الْمُطْرَقَةُ)؛ أي: التي أُلبست الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية، تقول:
طارقت بين النعلين: أي: جعلت إحداهما على الأخرى، وقال الهرويّ: هي
التي أُطرقت بالْعَصَب؛ أي: أُلبست به، قاله في ((الفتح)) (١).
(١) ((الفتح)) ١٩٨/٧ - ١٩٩.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال في ((العمدة)): ((المطرقة)) بضم الميم، وسكون الطاء المهملة، وفتح
الراء، قال الخطابيّ: هي التي أُلبست الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية منها،
شَبَّه عرض وجوههم، ونتوء وَجَنَاتهم بظهور الترس.
والأطرقة: جمع طِرَاق، وهو جلدة تُقَدَّر على قدر الدرقة، وتلصق عليها.
وقال القاضي البيضاويّ: شبّه وجوههم بالترس؛ لِبَسْطها، وتدويرها،
وبالمطرقة لغلظها، وكثرة لحمها .
وقال الهرويّ: الْمُجانّ المطرقة: هي التي أُطرقت بالعصب؛ أي: ألبست
به، وقيل: المطرقة هي التي ألبست الطراق، وهو الجلد الذي يغشاه، ويعمل
هذا حتى يبقى كأنه ترس على ترس، وقال ابن قرقول: قال بعضهم: الأصوب
فيه المطرَّقة بتشديد الراء، وهو ما ركّب بعضه فوق بعض. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: أما المجانّ: فبفتح الميم، وتشديد النون: جمع
مِجَنّ بكسر الميم، وهو الترس، وأما المطرقة فبإسكان الطاء، وتخفيف الراء،
هذا هو الفصيح المشهور في الرواية، وفي كتب اللغة، والغريب، وحُكِي فتح
الطاء، وتشديد الراء، والمعروف الأول، قال العلماء: هي التي أُلبست
العقب، وأُطرقت به طاقة فوق طاقة، قالوا: ومعناه تشبيه وجوه الترك في
عرضها، وتدوير وَجَنَاتها بالترس المطرقة. انتهى(٢) .
(وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ))) بفتحتين، أو بفتح،
فسكون، قيل: المراد به طول شعورهم، حتى تصير أطرافها في أرجلهم موضع
النعال، وقيل: المراد أن نعالهم من الشعر، بأن يجعلوا نعالهم من شعر
مضفور، وزعم ابن دحية أن المراد به: القندس الذي يلبسونه في الشرابيش،
قال: وهو جلد كلب الماء، قال المباركفوري: والظاهر هو القول الثاني، يدل
على ذلك رواية مسلم الآتية بلفظ: (يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر))(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ينتعلون نعال الشعر)) هذا والحديث الذي بعده
ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير التُّرك، وقد وقع للإسماعيلي من طريق
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٤٢٩/٢١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٨.
(٣) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٨٢/٦.

٤١١
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٣)
محمد بن عباد، قال: بلغني أن أصحاب بَابَك كانت نعالهم الشعر، قلت:
بابك بموحدتين مفتوحتين، وآخره كاف، يقال له: الْخُرَّميّ بضم المعجمة،
وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة، استباحوا المحرمات،
وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم،
كطبرستان، والريّ، إلى أن قُتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه
في سنة إحدى ومائتين، أو قبلها، وقَتْله في سنة اثنتين وعشرين. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رصُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٨٣/١٨ و٧٢٨٤ و٧٢٨٥ و٧٢٨٦ و٧٢٨٧]
(٢٩١٢)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٢٨ و٢٩٢٩) و((المناقب)) (٣٥٨٧
و٣٥٩٠)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٠٣)، و(الترمذيّ) في ((الفتن))
(٢٢١٥)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٤٤/٦ - ٤٥)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٤٠٩٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٧٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٩٢/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٠١)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦٧٤٣ و٦٧٤٤ و٦٧٤٥ و٦٨٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
١٧٦) و((الدلائل)) (٣٣٦/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٤٣)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما قاله المهلّب تَخُّْهُ: في هذا الحديث علامة للنبوة، وأنه
سيبلغ مُلك أمته غاية المشارق التي فيها هؤلاء القوم، على ما ذُكِر في غير هذا
الحديث، وكذلك خلقة وجوههم بالعيان عريضة، وسائر ما وَصَفهم به كما
وَصَفهم .
(١) ((الفتح)) ١٩٨/٧.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
٢ - (ومنها): مشروعيّة التشبيه للشيء بغيره إذا كان فيه شَبَه منه من جهةٍ
مّا، وإن خالف في غير ذلك. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَّثُ: هذه الأحاديث كلها معجزات
لرسول الله عليه، فقد وُجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها وَلـ
صغار الأعين، حُمْر الوجوه، ذُلْف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجوههم
المجانّ المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا،
وقاتلهم المسلمون مرّات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة
للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم،
والحماية، وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
[النجم: ٤]. انتهى (١).
يُوحَى (@)﴾
٤ - (ومنها): ما قيل: هذا الحديث يعارض حديث: ((واتركوا الترك ما
ترکوکم"، فکیف یُجمع بينهما؟ .
[أجيب]: بأنه لا تنافي بينهما؛ إذ النهي مشروط بقوله: ((ما تركوكم)) (٢)،
فمفهومه أنهم إذا لم يَتركوا لم يُتركوا، بل يُقاتَلون، وقد وعد الله ◌ُعَلَ بالنصر
للمؤمنين، وقد وقع ذلك للمسلمين الذين قاتلوا الترك بعد النبيّ وَّر، كما سجّلته
كُتُب التواريخ، وكما وقع في وقعة عين جالوت وغيرها، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلَكُمْ أُمَّةٌ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وُجُوهُهُمْ مِثْلُ
الْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم في هذا الباب قبل أربعة
أحادیث.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٨.
(٢) أخرجه النسائيّ وغيره، وحسّنه الشيخ الألبانيّ كَُّهُ.

٤١٣
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٥)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً صِغَارَ
الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الآنُّفِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ) قال القرطبيّ: أي: يصنعون من الشعر حبالاً،
ويصنعون منه نعالاً، كما يصنعون منه ثياباً. قال: هذا ظاهره، ويَحْتَمِل أن يريد
بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها
إلى أرجلهم كالنعال. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير بعيد من معنى
الحديث جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ذُلْفَ الآنُفٍ)؛ أي: صغارها، والعرب تقول: أملح النساء
الذُّلْف، وقيل: الذلف الاستواء في طرف الأنف، وقيل: قِصَر الأنف،
وانبطاحه، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويّ تَخْلَثُ: هو بالذال المعجمة، والمهملة، لغتان المشهور
المعجمة، وممن حكى الوجهين فيه صاحبا ((المشارق))، و((المطالع)) قالا:
رواية الجمهور بالمعجمة، وبعضهم بالمهملة، والصواب: المعجمة، وهو بضم
الذال، وإسكان اللام: جمع أذلف، كأحمر وحُمْر، ومعناه: فُطْس الأنوف،
قصارها، مع انبطاح، وقيل: هو غَلَظ في أرنبة الأنف، وقيل: تطامن فيها،
(٢)
.
وكله متقارب. انتهى
(١) ((المفهم)) ٢٤٧/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٣٧.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((ذُلْف الأنوف)) ويروى: الآنف، فالأول جمع
الكثرة كفلس وفلوس، والثاني جمع قلّة، كأفلس، ويُجمع أيضاً على آناف،
وأنف كل شيء أوّله، والذلف في الإنسان بالذال المعجمة: صغر الأنف،
واستواء الأرنبة، وقصرها، وقيل: تطامن الأرنبة، والأول أعرف، وأشهر،
تقول: رجل أذلف بَيِّن الذلف، وقد ذَلَف. والمرأة ذلفاء، من نساء ذُلْف، ولا
شك في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك غالباً، وقد سماهم النبيّ وَّ في
الرواية الأخرى، فقال: ((يقاتل المسلمون الترك))، وهذا الخبر قد وقع على
نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم تَّتُهُ
وكان الله قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرّة، فغلبوا على عراق العجم
وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، ولا يردّهم عن
المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى
أن يُهلكهم، ويبيد جَمْعهم، ولما علم النبيّ وَّ لي عددهم، وكثرتهم، وحدّة
شوكتهم قال والر: ((اتركوا الترك ما تركوكم))، لكنا نرجو من فضل الله تعالى
النصر عليهم، والظفر بهم، وذلك لِمَا رواه أبو داود من حديث عبد الله بن
بريدة، عن أبيه، عن النبيّ وَلّ قال: ((تقاتلكم الترك، قوم صغار الأعين))،
قال: يعني: الترك، قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقونهم بجزيرة العرب،
فأمَّا في السياقة الأُولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض،
ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيُصطلمون(١))(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٦] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَا
تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلُّ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْماً وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ،
يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ))).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل بابين.
(١) من الاصطلام؛ أي: يستأصلون.
(٢) ((المفهم)) ٢٤٧/٧ - ٢٤٨.

٤١٥
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٧)
وقوله: (حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْلَكَ) اختلف في أصل الترك، فقال
الخطابيّ: هم بنو قنطوراء، أَمَة كانت لإبراهيم ظلَّا، وقال كراع: هم الديلم،
وتعقّب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغزّ، وقال أبو عمرو: هم من أولاد يافث،
وهم أجناس كثيرة، وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لَمّا بنى ذو
القرنين السدّ كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين، فتُركوا، لم يدخلوا مع قومهم،
فسُمُّوا الترك، وقيل: إنهم من نسل تُبَّع، وقيل: من ولد افريدون بن سام بن نوح،
وقيل: ابن يافث لصلبه، وقيل: ابن كومى بن يافث، ذكره في ((الفتح))(١) .
والحديث قد مضى البحث فيه مستوفَى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تُقَاتِلُونَ بَيْنَ يَدَى السَّاعَةِ قَوْماً، نَّعَالُهُمُ الشَّعَرُ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ
الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، حُمْرُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الأَعْيُنِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة،
تقدّم قريباً .
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسي، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته،
ثقةٌ ثبت، رُبّما دَلَّس، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٥١/٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيّ مولاهم البجليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٤٦) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٠٣.
٥ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]
ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين
(١) ((الفتح)) ١٠٤/٦.

٤١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
بالجنّة، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاز المائة، وتغير (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٥.
و((أبو هريرة ﴿به)) ذُكر قبله.
وقوله: (حُمْرُ الْوُجُوهِ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم: جمع أحمر،
قال النوويّ: أي بيض الوجوه، مشوبة بحمرة. انتهى، وقال القاري: حُمر
الوجوه؛ أي: من شدة حرارة باطنهم، وغليان الغضب في أجوافهم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير القاري هذا محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٨٨] (٢٩١٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ - وَاللَّفْظُ
لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ،
وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَالَكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَالَكَ، ثُمَّ قَالَ:
يُوشِكَ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ، وَلَا مُدْتٌ،َ قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ:
مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ
أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْياً، لَا يَعُدُّهُ عَدَداً))، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي نَضْرَةَ، وَأَبِي
الْعَلَاءِ: أَتْرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؟ فَقَالَا: لَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم أيضاً قريباً .
٤ - (الْجُرَيْرِيِّ) بالضمّ سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط
قبل موته بثلاث سنين [٥] مات سنة أربع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤٠ / ٢٦٦.
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٩٢/١٥.

٤١٧
(١٨) - بَابُ بَيَانٍ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٨)
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون وضاد معجمة ساكنة - المنذر بن مالك بن قُطَعة
الْعَبديّ الْعَوَقِيّ البصريّ مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] مات سنة ثمان، أو تسع ومائة
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ
- بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابي ﴿مَا، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة
بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في (الإيمان)) ١١٧/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَقْتُهُ، وفي رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
جابر بن عبد الله صحابيّ ابن صحابيّ، وهو من المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك العوفيّ؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ) ◌َِّا (فَقَالَ) جابر رَُّهُ: (يُوشِكُ) مضارع أوشك؛ أي: يقرب (أَهْلُ
الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَئِ) بالبناء للمفعول، يقال: جبيتُ المالَ والخراجَ أجبيه جِبايَةً:
جمعته، وجبوته أجبوه جِباوة مثله، قاله الفيّوميّ ◌َُّهُ(١). (إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ) مكيال
معروف لأهل العراق، قال الأزهريّ: هو ثمانية مكاكيك، والمكّوك صاع
ونصف. (وَلَا دِرْهَمٌ)؛ أي: من زكاة، ولا خَراج. (قُلْنَا) معاشر الحاضرين
لجابر ظله: (مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟)؛ أي: من أيّ سبب يكون ذلك المنع؟ (قَالَ)
جابر: (مِنْ قِبَلِ الْعَجَم)؛ أي: من جهة ملوك، وجيوش العجم من الفرس،
وغيرهم، (يَمْنَعُونَ ذَاكَ)؛ أي: دفع حقوق المسلمين للمسلمين ظلماً وعدواناً،
(ثُمَّ قَالَ) جابر ◌َُّهِ: (يُوشِكَ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَىْ إِلَيْهِمْ دِينَارٌ، وَلَا مُدْيٌّ)
بضمّ الميم، وسكون الدال المهملة، آخَره ياء، بوزن قُفْل: مكيال معروف
لأهل الشام يسع خمسة عشر مكّوكاً. (قُلْنَا) لجابر: (مِنْ أَيْنَ ذَالَكَ؟) المنع،
(قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ) حيث يمنعون.
(١) ((المصباح)) ١/ ٩١.

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وحاصل المعنى: أن معظم بلدان المسلمين سيسيطر عليها الكفّار،
ويمنعون من وصول حقوق المسلمين إليهم في العراق، والشام، وغير ذلك،
وقد تقدّم البحث في هذا في شرح حديث أبي هريرة رؤيته في ((باب لا تقوم
الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب))، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ سَكَتَ) وفي بعض النسخ: ((أسكت)) بالهمزة، قال النوويّ تَخْذّتُهُ: أما
أسكت فهو بالألف في جميع نُسخ بلادنا، وذكر القاضي أنهم رووه بحذفها،
وإثباتها، وأشار إلى أن الأكثرين حذفوها، وسكت، وأسكت لغتان، بمعنى
صَمَتَ، وقيل: أسكت بمعنى أطرق، وقيل: بمعنى أعرض. انتهى (١).
وقوله: (هُنَيَّةً)؛ أي: قليلاً، قال النوويّ: ((هنيّة)) بتشديد الياء، بلا همز،
قال القاضي: رواه لنا الصدفيّ بالهمزة، وهو غلط، ويقال فيها أيضاً: هُنيهة.
وقال الفيّوميّ كَخْذُهُ: الْهَنُ خفيفُ النون: كناية عن كلّ اسم جنس،
والأنثى هَنَةٌ، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيصغّر على هُنَيْهَةٍ، ومنه
يقال: مكث هُنَيْهَةً؛ أي: ساعة لطيفة، وفي لغة هي واو، فيصغّر في المؤنث
على هُنَيَّةٍ، والهمز خطأ؛ إذ لا وجه له، وجمعها هَنَوَاتٌ، وربما جُمعت هَنَاتٍ
على لفظها، مثل عِدَاتٍ. انتهى (٢) .
(ثُمَّ قَالَ) جابر رَظُهُ بعد سكوته: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ
أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَقْياً) وفي رواية: ((يحثو المالَ حثياً))، قال أهل اللغة:
يقال: حثيت أحثي حثياً، وحثوتُ أحثو حَثْواً، لغتان، وقد جاءت اللغتان في
هذا الحديث، وجاء مصدر الثانية على فعل الأُولى، وهو جائز من باب قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (1﴾ [نوح: ١٧]، والحثو: هو الْحَفْن
باليدين، قال النوويّ تَخْلُ: هذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة
الأموال، والغنائم، والفتوحات، مع سخاء نفسه. انتهى(٣).
وقوله: (لَا يَعُدُّهُ عَدّاً)) مصدر مؤكّد، ووقع في بعض النسخ: ((عَدَدا)) والعدد
بمعنى المعدود، وهذا الخليفة هو المهديّ، كما تدّل عليه بعض الروايات.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٨.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٩/١٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢.

٤١٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٨٨)
(قَالَ) الْجُريريّ: (قُلْتُ لأَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك الراوي عن
جابر رَُّه، (وَأَبِي الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير - بكسر الشين، وتشديد
الخاء المعجمتين - العامريّ البصريّ، ثقة [٢] (ت١١١) أو قبلها، وكان مولده
في خلافة عمر، فوَهِم من زعم أن له رؤية، روى له الجماعة، تقدّمت ترجمته
في ((الحيض)) ٧٨٣/٢٠.
(أَتَرَيَانٍ) بفتح التاء، ويجوز ضمها: أي: أتظنّان (أَنَّهُ)؛ أي: أن الخليفة
الذي يحثي المال حثياً، ولا يعدّه عدّاً (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الأمويّ الخليفة
الراشد المتوفّى في رجب سنة (١٠١) تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٤٦/٦.
(فَقَالَا: لَا)؛ أي: لا نظنّه عمر؛ لعدم مطابقة الحديث له؛ لأنه قال: ((يكون في
آخر أمتي)»، وعمر في أولها، وأيضاً فعمر لم يُذكر بالحثي المذكور؛ لأنه لم
تكثر عنده الأموال، وإنما ينطبق هذا على المهديّ المنتظر، حيث يفيض المال
في وقته، ويستغني كلّ أحد، حتى إن رب الصدقة ليهمّه من يقبل صدقته، كما
ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وأيضاً فقد صرّح في بعض الأحاديث بأنه
المهديّ، كما يأتي قريباً، فتعيّن حَمْله عليه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظها هذا من أفراد
المصنّف تَخَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٨٨/١٨ و٧٢٨٩] (٢٩١٣)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٥/٣ و٣٨ و٤٨ - ٤٩ و٣١٧ و٣٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٦٨٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٠١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل))
(٣٣٠/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القرطبيّ تَخُّ: قوله: ((يحثي المال حثياً))؛ أي:
يصبّه صبّ، يقال: حتى يحثي حثياً، وحثا يحثو حثواً، وقد وقع الفعلان في
مسلم، والمصدر حَثْياً بفتح الحاء، وإسكان الثاء، وضبط عن أبي بحر: حثِيّاً
بكسر الثاء، وتشديد الياء، وليس بمعروف، وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الخليفة هو عمرَ بن عبد العزيز؛ لقوله وَيّ: ((في آخر أمتي))، وذلك لا يصدق
على زمن عمر بن عبد العزيز، إلا بالتوسّع البعيد، ولأنه لم يَصُبّ المال كما
جاء في هذا الحديث، وقد روى الترمذيّ، وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا
الخليفة، وسمّياه بالمهديّ، فروى الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود رَُّّه قال:
قال رسول الله وَله: ((لا تذهب الدنيا حتى يَملك العرب رجل من أهل بيتي،
يواطئ اسمه اسمي))، قال: حديث حسنٌ صحيحٌ. وخرّجه أبو داود، وزاد فيه:
(يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً، وجوراً)).
ومن حديث أبي هريرة رَظُه: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك
اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي))، قال: حديث حسنٌ
صحيحٌ.
ومن حديث أبي سعيد نظُله قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث،
فسألناه، فقال: ((إن في أمتي المهديّ، يخرج يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً
- زيد الشاكّ - قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرجل،
فيقول: يا مهديّ أعطني، يا مهديّ أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع
أن يحمله))، قال: هذا حديث حسن.
وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ رَُّله قال: قال
رسول الله وقال: ((المهديّ في أمتي: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض
قسطاً وعدلاً، كما مُلئت جوراً وظلماً، يَملك سبع سنين)) (١).
ورَوى أيضاً أبو داود عن أم سلمة رَؤُنا عن رسول الله وَّه قال: (يكون
اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه
ناسٌ من أهل مكة، فيخرجونه، وهو كارهٌ، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويُبعث
إليه بعث من أهل الشام، فيُخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فاذا رأى
الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ
رجل من قُريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم، وذلك بعثُ
كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فَيَقْسِم المالَ، ويعمل في الناس بسُنّة
(١) حديث حسن، رواه أبو داود برقم (٤٢٨٥).