النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(١٥) - بَابٌ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَعِمَارَتِهَا قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٦٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٤] (٢٩٠٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ:
((لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ
الأَرْضُ شَيْئاً))).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبدِ القاريّ
- بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨]
(١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لَيْسَتِ السَّنَةُ)؛ أي:
القحط الشديد، قال في (النهاية)): السنة: الجدب، وهي من الأسماء الغالبة،
ويقال: أسنتوا: إذا أجدبوا، قلبوا لامها تاء. (بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا)؛ أي: بأن لا
ينزل عليكم المطر، (وَلَكِنٍ) بالتخفيف، (السَّنَةُ)؛ أي: القحط والجدب (أَنْ
تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا) بالبناء للمفعول، وكرّره للتأكيد والتكثير، (وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ
شَيْئًا))) قال القاضي: المعنى: أن القحط الشديد ليس بأن لا تمطروا، بل بأن
تمطروا، ولا تنبت الأرض شيئاً، وذلك لأن حصول الشدّة بعد توقّع الرخاء،
وظهور مخائله، وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلاً من أول الأمر،
والنفس مترقّبة لحدوثها. انتهى.
قال الشاعر [من الطويل]:
أَضَاءَ لَنَا بَرْقٌ وَأَبْطَا رَشَاشُهَا
أَظَلَّتْ عَلَيْنَا مِنْ نَدَاكَ غَمَامَةٌ
وَلَا غَيْتُهَا يَهْمِي فَيَرْوِي عِطَاشُهَا(١)
فَلَا غَيْمُهَا يَجْلُو فَيَيْأَسَ طَامِعٌ
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: أراد النبيّ وَّه بقوله: ((ليست السَّنَة ألا تُمطروا)): أن
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٢٦/٤ - ١٣٢٧.

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الأحق باسم السَّنَة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرق الأرض، ويفسد ما
عليها بكثرته، وتواليه، وإنما كان هذا أحقّ بالاسم؛ لأنه أمنع من التصرف،
وأضيق للحال، وأعدم للقوت، وأسرع في الهلاك، وأسلوب هذا الحديث
كأسلوب قوله ويتر: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»،
وقوله: ((ليس المسكين بالطّاف عليكم))، إلى غير ذلك مما في بابه. انتهى.
وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد: ((إن السَّنَة ليس بأن لا يكون فيها
مطر ... ))، المراد بالسنة: القحط، ومنه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ
بِالسّنِينَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٠]، وليس المراد نفي كونه سنة من حيث اللغة،
ولكن المراد أن عدم إنبات الأرض بسبب عدم المطر قحط عاديّ، لا عجب
فيه، وإنما العجب من قحط ينشأ من عدم إنبات الأرض بالرغم من كون
السماء تمطر وتمطر، وفيه إشارة إلى أن مثل ذلك سيقع بقرب من القيامة، قاله
صاحب ((التكملة))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: مناسبة إيراد المصنّف تَّهُ لهذا الحديث هنا بين
علامات الساعة إشارة إلى أن عدم إنبات الأرض مع وجود المطر من الفتن
التي تكون عند قرب الساعة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ به هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٦٤/١٥] (٢٩٠٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٩٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٢/٢ و٣٥٨)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٩٩٥)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٦٨٧/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/٣)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٢١٣/٦ - ٢١٤.

٣٦٣
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٦٥)
(١٦) - (بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٥] (٢٩٠٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وََّ،
وَهُوَ مُسْتَقْبِلُّ الْمَشْرِقِ يَقُولُ: ((أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ
حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ذُكر في السند الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مهاجر التجيبيّ المصريّ(١) مولاهم المصري، ثقة
ثَبْت من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، ذُكر قبل باب.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه ابن عمر ضَّهًا من العبادلة الأربعة،
ومن المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ لَّهِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُ: ((أَلَا
إِنَّ الْفِتْنَةَ)؛ أي: البلاء والشر والمحنة، قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخَّتُهُ: الفتنة
لهُهنا بمعنى الفِتَنِ؛ لأن الواحدة ههنا تقوم مقام الجميع في الذِّكر؛ لأن الألف
واللام في الفتنة ليسا إشارة إلى معهود، وإنما هما إشارة إلى الجنس، مثل
قوله: ﴿الَّانِيَّةُ وَالزَِّ﴾ [النور: ٢] وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]،
(١) تقريب التهذيب ٤٧٨/١.

٣٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فأخبر وَلا عن إقبال الفتن من ناحية المشرق، وكذلك أكثر الفتن من المشرق
انبعثت، وبها كانت، نحو الْجَمَل، وصِفِين، وقَتْل الحسين، وغير ذلك، مما
يطول ذكره، مما كان بعد ذلك من الفتن بالعراق، وخراسان إلى اليوم، وقد
كانت الفتن في كل ناحية من نواحي الإسلام، ولكنها بالمشرق أكثر، ومثل هذا
الحديث قوله ◌َّ: ((إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم، كمواقع القَطْر)).
وقد يَحْتَمِل أن تكون الفتنة في هذا الحديث معناها الكفر، وكانت
المشرق يومئذ دار كفر، فأشار إليها، والفتنة لها وجوه في اللغة، منها
العذاب، ومنها الإحراق، ومنها الحروب التي تقع بين الناس، ومنها الابتلاء
والامتحان، وغير ذلك، على حسبما قد ذكره أهل اللغة. انتهى كلام ابن
عبد البرّ كَذَتْهُ(١).
(هَا هُنَا) مشيراً إلى المشرق، (أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا) كرّره للتأكيد، (مِنْ
حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))) قال الداوديّ: للشمس قرن حقيقةً، ويَحْتَمِل أن يريد
بالقرن: قوّة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وهذا أوجه، وقيل: إن
الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجود عَبَدتها له، قيل:
ويَحْتَمِل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه، وقال الخطابيّ:
القرن: الأمة من الناس، يَحْدُثون بعد فناء آخرين، وقرن الحيّة أن يضرب المثل
فيما لا يُحْمَد من الأمور، وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر،
فأخبر ◌َلّ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان
من قِبَل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه
الشيطان، ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.
وقال الخطابيّ: نَجْد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نَجْده بادية
العراق، ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من
الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور،
ومكة من تهامة. انتهى.
قال الحافظ: وعُرِف بهذا وَهَاء ما قاله الداوديّ: إن نجداً من ناحية
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ تََّثُ ١٧/ ١٢.

٣٦٥
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٦٥)
العراق، فإنه توهّم أن نجداً موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء
ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً. انتهى(١)،
وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال في ((العمدة)): ذهب الداوديّ إلى أن للشيطان قرنين على الحقيقة،
وذكر الهرويّ أن قرنيه ناحيتي رأسه، وقيل: هذا مَثَل؛ أي: حينئذ يتحرك
الشيطان، ويتسلط، وقيل: القرن القوة؛ أي: تطلع حين قوة الشيطان، وإنما
أشار ◌َّله إلى المشرق؛ لأن أهله يومئذ كانوا أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون
من تلك الناحية، وكذلك كانت هي وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور
الخوارج في أرض نجد والعراق، وما ورائها من المشرق، وكانت الفتنة
الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قَتْل عثمان رَظُه، وكان ◌َِّ يُحَذِّر من
ذلك، ويُعَلِّم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوّته وَّه. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض تَخُّْ في ((المشارق)) عند قوله: ((من قبل المشرق)):
الأظهر هنا قول من قال: إنه مشرق الأرض، وبلاد فارس، وكسرى، وما
وراءها، بدليل قوله: ((من حيث تطلع الشمس))، وبدليل معاني الحديث، من
طلوع الفتن، والبدع منها، الذي يدل عليه قوله: ((قرن الشيطان)) وقد فسرناه،
وقيل: أراد بلاد نجد، وربيعة، ومضر، بدليل أنه قد جاء ذلك مبيّناً في حديث
آخر، فالوجهان صحيحان، ونجد، وبلاد مضر، وربيعة، وفارس، وما وراءها،
كله مشرق من المدينة، والشرق، والمشرق سواء. انتهى كلام عياض تَخّتُهُ(٣)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦ /٧٢٦٥ و٧٢٦٦ و٧٢٦٧ و٧٢٦٨ و٧٢٦٩
(١) ((الفتح)) ٥٠٣/١٦ - ٥٠٤، ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٩٣).
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ١٥٦/٣٥.
(٣) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٤٩٩/٢.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
و ٧٢٧٠] (٢٩٠٥)، و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)) (٣١٠٤) و((بدء الخلق))
(٣٢٧٩) و((المناقب)) (٣٥١١) و((الطلاق)) (٥٢٩٦) و((الفتن)) (٧٠٩٢ و٧٠٩٣)،
و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٦٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٧٥/٢)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢١٠١٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨/٢ و٢٣
و٥٠ و٩٢ و١١١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٤٤٩)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٦٤٨ و١٦٤٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٢/١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه عَلَماً من أعلام نبوة رسول الله وَله لإخباره بالغيب
عما يكون بعده.
٢ - (ومنها): ذمّ البلدان التي يشيع فيها الفساد، ويتمرّد أهلها .
٣ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخّْلهُ: إشارة رسول الله وَل ــ والله
أعلم - إلى ناحية المشرق بالفتنة؛ لأن الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد
ذات البين هي قَتْل عثمان بن عفان نظته، وهي كانت سبب وقعة الجمل،
وحروب صفِّين كانت في ناحية المشرق، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد،
والعراق، وما وراءها من المشرق.
قال أبو عمر: رَوينا عن حذيفة رضُبه أنه قال: أول الفتن قتل عثمان نظُّه،
وآخرها الدجال، ومعلوم أن أكثر البدع إنما ظهرت، وابتُدأت من المشرق،
وإن كان الذين اقتتلوا بالجمل وصفّين منهم كثير من أهل الحجاز والشام، فإن
الفتنة وقعت في ناحية المشرق، فكانت سبباً إلى افتراق كلمة المسلمين،
ومذاهبهم، وفساد نيّات كثير منهم إلى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة، والله
أعلم. وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضيُه أراد الخروج إلى العراق،
فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار
السِّحر، وبها فسقة الجنّ، وبها الداء العضال.
قال أبو عمر: سئل مالك عن الداء العضال، فقال: الهلاك في الدِّين.
وأما السِّحر فمنسوب إلى أرض بابل، وهي من العراق، وتُنسب أيضاً
إلى مصر.

٣٦٧
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٦٦)
وأما فسقة الجن فهذا لا يُعرف إلا بتوقيف ممن يجب التسليم له، وذلك
معدوم في هذه القصة.
ولأهل الكوفة والبصرة روايات رواها علماؤهم في فضائلها، ذكر أبو
بكر بن أبي شيبة وغيره كثيراً منها، ولم تختط الكوفة، ولا البصرة إلا برأي
عمر روايته، ونزلها جماعة من كبار الصحابة، وكان بها العلماء والعبّاد
والفضلاء وأهل الأدب والفقهاء وأهل العلم، وهذا أشهر، وأغرب من أن
يحتاج إلى استشهاد؛ لأنه عِلْمٌ ظاهر، وعِلْمُ فسقة الجن عِلْم باطن، وكل آية
تعرف لناحيتها فضلاً تنشره إذا سئلت عنه، وتطلب العيب لمن عابها، ومن
طلب عيباً وجده، والفاضل حيث كان فهو فاضل، والمفضول الساقط حيث
كان من البلدان لا تصلحه بلدة؛ لأن الأرض لا تقدس صاحبها، وإنما يقدس
المرء عمله، وإن من مدح بلدة وذم أخرى يحتاج إلى توقيف ممن يجب التسليم
له، على أنه لا مدح ولا ذم لبلدة، إلا على الأغلب من أحوال أهلها، وأما
على العموم فلا، وقد عمَّ البلاء والفتن اليوم في كل جهة من جهات الدنيا.
انتهى كلام ابن عبد البرّ تَخْذَّهُ(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْبَى الْقَطَّانِ، قَالَ الْقَوَارِبِرِيُّ:
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَامَ عِنْدَ بَابٍ حَقْصَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: ((الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، مِنْ
حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))، قَالَهَا مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً، وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ فِي
رِوَايَتِهِ: قَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ بَابٍ عَائِشَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
(١) ((الاستذكار)) ٥١٩/٨.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخْسِيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة،
وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ
حافظٌ إمامٌ قدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل بابين.
وقوله: (قَامَ عِنْدَ بَابٍ حَفْصَةَ) وفي رواية عبيد الله بن سعيد: ((عند باب
عائشة))، ولا تعارض بينهما؛ لتقارب بابيهما، فتنبّه.
وقوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) معنى ((قال)): أشار، ففيه إطلاق القول
على الفعل، وهو شائع في استعمالهم، وما أكثره في الأحاديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ،
وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ: ((هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا
هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، غير:
١ - (سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، وقد تقدّم قريباً.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ مِنْ بَيْتٍ

٣٦٩
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٦٨)
عَائِشَةَ، فَقَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))؛ يَعْنِي:
الْمَشْرِقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة،
صدوق يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب
[٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ِّ؛ أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ مِنْ بَيْتٍ
عَائِشَةَ) ◌َّا (فَقَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَا هُنَا)؛ أي: في جهة المشرق، قال
القاضي عياض تخلّثه: قوله: ((رأس الكفر ... إلخ)) إشارة إلى من نبّه عليه من
أهل نجد، وربيعة، ومُضر؛ لأنهم الذين عاندوا النبوّة، وقَسَوْا عن إجابة
الحقّ، وقبول الدعوة، وهم بالصفة التي وَصَفَ أهل خيل وإبل، وأصحابُ
وَبَر، ونجدٌ مشرقٌ من المدينة، أو من تبوك على ما ذُكِر أنه قال بعض هذا
الحديث بتبوك.
والمراد برأس الكفر: مُعظمه، وشرّه، وقد تأوّل بعضهم أنه قال ذلك،
وأهل المشرق يومئذ أهل كفر، وأن مراده بقوله: ((رأس الكفر نحو المشرق))
فارس، وما ذكرناه أولى؛ لقوله في الحديث: ((أهل الوبر قبل مطلع الشمس))،
وفارس ليسوا أهل وَبَر، وقوله: ((من ربيعة ومضر))، وأن الموصوفين بعد ذلك
بالجفاء والخيلاء هم أولئك لا غيرهم، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: ((اللَّهُمَّ
اشدُد وطأتك على مضر))، قال في الحديث: ((وأهل المشرق يومئذ من مضر
مخالفون له))، ويكون هذا الكفر ما كانوا عليه من عداوة الدين والتعصّب عليه،
ويعضده حديث ابن عمر ◌ًا عنه وَ ل﴿ حيث قال: ((اللَّهُمَّ بارك لنا في يمننا،
وفي شامنا))، قالوا: يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: ((هنالك

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الزلازل، والطاعون، وبها يطلع قرن الشيطان))، رواه البخاريّ. انتهى كلام
القاضي(١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال في ((الفتح)): وفي ذلك إشارة إلى شدّة كفر المجوس؛ لأن مملكة
الفُرْس، ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة،
وكانوا في غاية القسوة والتكبّر والتجبّر حتى مزّق مَلِكهم كتاب النبيّ وَّ، فدعا
عليهم أن يُمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق، فمزّق الله تعالى مُلْكهم (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما سبق عن القاضي أقرب وأحسن من
هذا، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) نحو
قوله: ((رأسُ الأمر الإسلام))؛ أي: ظهور الكفر من قبل المشرق، والمراد
باختصاص المشرق به: مزيد تسلّط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في
عهده وَّر، ويكون حين يخرج الدجّال من المشرق؛ فإنه منشأ الفتن العظيمة،
ومثار الْكَفَرة التُّرْك. انتهى.
وقال ابن عبد البرّ كَخُّ: أما قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) فهو أن
أكثر الكفر وأكبره كان هناك؛ لأنهم كانوا قوماً لا كتاب لهم، وهم فارس،
ومن وراءهم، ومن لا كتاب له فهو أشدّ كفراً من أهل الكتاب؛ لأنهم لا
يعبدون شيئاً، ولا يتبعون رسولاً، فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ((رأس الكفر
نحو المشرق)). انتهى(٣).
وقوله: (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))) تقدّم شرحه في الحديث الذي
قبله، وقوله: (يَعْنِي: الْمَشْرِقَ)؛ أي: يقصد النبيّ وَّ بقوله: ((ها هنا)) جهة
المشرق، وهذه العناية توضيح من بعض الرواة، ويَحْتمل أن يكون ابن
عمر ضيًّا، أو من دونه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((إكمال المعلم)) ٣١١/١ - ٣١٢.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٢٤/٦، ((كتاب بدء الخلق)) رقم (٣٣٠٠).
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٨/ ١٤٢.

٣٧١
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٦٩ - ٧٢٧٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ -
أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِماً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيَقُولُ: ((هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ
الْفِتْنَةَ هَا هُنَا - ثَلَاثاً - حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الرازيّ، أبو يحيى، كوفي الأصل، ثقةٌ فاضلٌ
[٩] (ت٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٢٩/٤٣.
٣ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان، واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن
صفوان بن أمية الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٣/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُشِيرُ بِيَدِهِ ... إلخ) جملة حاليّة من المفعول، وكذا قوله: ((ويقول)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧٠] (.) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، وَوَاصِلُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيمِيُّ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبَانَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ
فُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا
أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَا هُنَا - وَأَوْمَاً(١) بِيَدِهِ نَحْوَ
الْمَشْرِقِ - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ))، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ،
وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأَ، فَقَالَ اللهُ رَتْ لَهُ: ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا
(١) وفي نسخة: ((وأومى بيده)).

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَّكَ فُونَ﴾ [طه: ٤٠]. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ سَالِمٍ
لَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن
صالح بن عمير الأمويّ مولاهم، ويقال له: الجعفيّ، نسبة إلى خاله حسين بن
عليّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مُشْكُدانة - بضم الميم، والكاف، بينهما شين
معجمة ساكنة، وبعد الألف نون - وهو وعاء المسك بالفارسية، صدوقٌ، فيه
تشيع [١٠] (ت٢٣٩) (م د س) تقدم في ((الاستسقاء)) ٢٠٨٨/٥.
٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو
محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م٤) تقدم في ((الطهارة)) ١٢/ ٥٨٧.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ) أحمد بن عمر بن حفص بن جهم بن واقد
الكِنْديّ، أبو جعفر الجلّاب ـ بالجيم - ثقةٌ [١٠] (٢٣٥) (م ل) تقدم في
((الصيام)) ٢٦٩٤/٢٩.
[تنبيه]: قوله: (الْوَكِيعِيُّ) بفتح الواو، وکسر الكاف: نسبة إلى وكيع، قيل
له: الوكيعيّ؛ لأنه رحل إلى وكيع بن الجرّاح، وأكثر عنه، قاله في ((اللباب))(١).
٤ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن الكوفيّ،َ صدوقٌ عارف، رُمي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٥ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوان - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي ـ ابن
جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة
أربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛
(١) (اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٧١/٣ - ٣٧٢.

٣٧٣
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٧٠)
لاتحاد كيفيّة الأخذ، والأداء منه ومنهم، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى والد ابن
فضيل، والباقيان مدنيّان، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال،
وفيه ابن عمر ◌ًا، وتقدّم القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
عن فُضيل بن غزوان؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ:
يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةٍ) ((ما أسألكم))،
و((أركبكم)) صيغتان للتعجّب، والمراد أنكم تكثرون السؤال عن الأشياء
الصغيرة، مما يدلّ على الورع حتى عن الصغائر، ولكنكم تكثرون ارتكاب
الكبائر، وهي إثارة الفتن، والتفريق بين المسلمين، والخروج على الأئمة،
وكان ذلك كلّه معروفاً من أهل العراق(١).
ونظير قول سالم هذا ما وقع لأبيه ابن عمر ﴿ها، فقد أخرج البخاريّ في
((صحيحه))، عن ابن أبي نُعْم، قال: كنت شاهداً لابن عمر، وسأله رجل عن
دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا،
يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبيّ وَّ، وسمعت النبيّ وَل يقول:
((هما ريحانتاي من الدنيا))(٢).
قال سالم: (سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﴿ُها (يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَا هُنَا - وَأَوْمَأَ)؛ أي: أشار النبيّ وَّلـ
(بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِق) وهذا يدلّ على أن سالماً: يَحْمل جهة المشرق في حديث
الباب على العراق، وهو راوي الحديث، فيكون أقرب إلى الصواب، والله
تعالى أعلم.
(مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا) بالتثنية، (الشَّيْطَانِ))) تقدّم شرحه. (وَأَنْتُمْ) معاشر
أهل العراق (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)؛ أي: تتقاتلون ظلماً، ولا تبالون
بذلك، وهذا مناف لسؤالكم عن الصغيرة، (وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى)عَهُ (الَّذِي قَتَلَ)
بحذف العائد، وهو كثير في الكلام، كما قال في ((الخلاصة)):
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣١٦/٦.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٣٤/٥.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيْرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلِ اوْ وَصَفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهِبْ))
أي: الذي قتله (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأَ) نعت لمصدر محذوف؛ أي:
قتلاً خطأً، (فَقَالَ اللهُ رَى لَهُ)؛ أي: لموسى (﴿وَقَلْتَ نَفْسًا فَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ
وَفَّكَ فُونَا﴾).
غرض سالم تَخْتُهُ بذكر قصّة موسى علَّلا أنه إنما قتل القبطيّ خطأ، ولم
يتعمّد قتله، ولكنه أصابه الغمّ من أجل ذلك، كما ذكره الله ◌َ في الآية
المذكورة، وأنتم تقتلون المسلمين قصداً وعمداً، ومع ذلك لا تغتمون على هذه
المقاتلة، ولا تمتنعون منها .
وإنما ذكر سالم هذه الآية الكريمة استدلالاً على أن موسى ظلِّلا كان
أصابه الغمّ من أجل قَتْله القبطيّ، مع أنه قتله خطأ، فكيف أنتم تقتلون
المسلمين عمداً، ولا تبالون، وهذا ارتكابكم الكبائر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ ◌َُّهُ في ((تفسيره))؛ وقوله
تعالى: ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا﴾؛ يعني جلّ ثناؤه بذلك: قَتْله القبطي الذي قتله حين
استغاثه عليه الإسرائيلي، فوکزه موسی.
وقوله: ﴿فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ يقول تعالى ذِكره: فنجّيناك من غمك بقتلك
النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى
أهل مَدْين، فلم يصلوا إلى قتلك وقَوْدك.
وكان قَتْله إياه فيما ذُكر خطأ، ثم أورد حديث سالم المذكور هنا.
قال: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَفَّكَ فُونَا﴾ فقال بعضهم:
ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختباراً.
ثم أخرج الطبريّ عن سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن
عباس ﴿ّ، عن قول الله لموسى: ﴿وَفَّكَ فُونَا﴾ فسألته على الفتون ما هي؟
فقال لي: استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً قال: فلما أصبحت
غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال: فقال ابن عباس: تذاكر
فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكاً، فقال
بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكّون، ولقد كانوا يظنون أنه

٣٧٥
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٧٠)
يوسف بن يعقوب؛ فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال
فرعون: فكيف ترون؟ قال: فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث
رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا
ذبحوه؛ فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار
يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من
الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كلّ مولود ذكر، فيقلّ
أبناؤهم، ودَعُوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فتشبّ الصغار مكان من يموت من
الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن
يقلّوا بمن تَقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يُذبح فيه الغلمان،
فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها
الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما
يراد به، فأوحى الله إليها: (وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ) وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدته
فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها:
ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي
إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى
جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن
لبعض: إن في هذا مالاً وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه،
فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها؛ فلما فتحته رأت فيه
الغلام، فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس،
(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً) من كلّ شيء إلا من ذِكر موسى، فلما سمع
الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم، يريدون أن يذبحوه، وذلك
من الفتون يا ابن جُبير، فقالت للذباحين: انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا
يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم
وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم أَلُمكم، فلما أتت به فرعون قالت: (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي
وَلَكَ) قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال: والذي يُحلف

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به، لهداه الله به كما هدى به
امرأته، ولكن الله حَرَمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن،
لتختار له ظئراً، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى
أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحَزَنها ذلك، فأمرت به
فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئراً يأخذ منها، فلم يقبل
من أحد، وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته: قصّيه واطلبيه، هل تسمعين له
ذكراً، أحيٌّ ابني، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله
وعدها، فبصرت به أخته عن جُنُب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين
أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون،
فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نُصحهم له، هل يعرفونه؟ حتى شكوا في
ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبير، فقالت: نُصحهم له وشفقتهم عليه،
رغبتهم في ظؤورة المَلِك، ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها
الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه،
فانطلق البُشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت
إليها، فأُتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي حتى ترضعي
ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئاً قطّ، قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي
وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي
لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أمّ موسى ما
كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى
منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحَفِظه
لِمَا قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به
من الظلم والسخرة التي كانت فيهم.
فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمّ موسى: أزيريني ابني، فوعدتها يوماً
تزيرها إياه فيه، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا
استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كلّ
إنسان منكم، فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت
أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نَحَلته وأكرمته، وفرحت

٣٧٧
(١٦) - بَابُ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - حديث رقم (٧٢٧٠)
به، وأعجبها ما رأت من حُسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون،
فلينحله، وليكرمه، فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية
فرعون حتى مدّها، فقال عدوّ من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه
سيصرعك ويعلوك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن
جُبَير، بعد كلّ بلاء ابتلي به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون،
فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيّ الذي قد وهبته لي؟ قال: ألا ترين يزعم أنه
سيصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق، ائت
بجمرتين ولؤلؤتين، فقرّبهنّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت
أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحداً لا يؤثر
الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين،
فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه
بعدما قد همّ به، وكان الله بالغاً فيه أمره.
فلما بلغ أشدّه، وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص
إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كلّ امتناع،
فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما
من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني،
فغضب موسى واشتدّ غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني
إسرائيل، وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قِبَل الرضاعة غير أمّ
موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره؛
فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال
موسى حين قتل الرجل: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلَّ مُبِينٌ) ثُمَّ
قَالَ: (رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له: إن بني
إسرائيل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخُذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في
ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه؛ لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بيِّنة
ولا ثبت، فطلبوا له ذلك؛ فبينما هم يطوفون لا يجدون ثَبَتاً، إذ مرّ موسى
من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه الإسرائيلي على

٣٧٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى،
فغضب موسى، فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، قال للإسرائيلي لِمَا
فعل بالأمس واليوم: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) فنظر الإسرائيلي موسى بعدما قال،
فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون
بعدما قال له: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما
أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجَز الفرعوني فقال: (يَا مُوسَى أَتْرِيدُ
أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ) وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد
موسى ليقتله، فتتاركا؛ فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من
الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟
فأرسل فرعون الذباحين، فسلك موسى الطريق الأعظم، فطلبوه وهم لا
يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر
طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن
جُبير.
وعن مجاهد، قوله: ﴿قُوْنَا﴾ قال: بلاءً، إلقاؤه في التابوت، ثم في
البحر، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً. انتهى كلام ابن
جرير ◌َُّهُ(١).
وقوله: (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ) شيخه الثالث في السند (فِي رِوَايَتِهِ) لهذا
الحديث (عَنْ سَالِم)؛ أي: رواه بـ((عن))، و(لَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ) كما شيخاه:
عبد الله بن عمرَّ بن أبان، وواصل بن عبد الأعلى، فإنهما صرّحا
بالسماع.
والحديث متّفقٌ عليه، دون قصّة سالم، وقد مضى تخريجه، ولله تعالى
الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((تفسير الطبري)) ٣٠٥/١٨ - ٣١٠.

(١٧) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ - حديث رقم (٧٢٧١)
٣٧٩
(١٧) - (بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ)
أما دوس فهو: ابن عُدْثان - بضم العين المهملة، وبعد الدال الساكنة
مثلثة - ابن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطن
كبير من الأزد، يُنسب إليهم خلق كثير، قاله في ((اللباب))(١).
وأما ذو الخلصة - فبفتح الخاء المعجمة، واللام، بعدها صاد مهملة -
وحَكَى ابن دُريد فتح أوله، وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام ضمها، وقيل:
بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أشهر، والخلصة نبات له حَبّ أحمر، كخرز
العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت:
الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة، وحَكَى المبرِّد أن موضع ذي الخلصة
صار مسجداً جامعاً لبلدة يقال لها: العَبَلات، من أرض خثعم، ووَهِم من
قال: إنه كان في بلاد فارس، قاله في ((الفتح))(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧١] (٢٩٠٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاً مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ
الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ))، وَكَانَتْ صَنَماً تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ بِتَالَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، أبو بكر الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أو أبو عروة اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥١٣/١.
(٢) ((الفتح)) ٧١/٨.

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
والباقون ذُكروا قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْذُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
ابن المسيِّب من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة
◌ُبه .
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) وفي رواية الإسماعيليّ: ((حدّثني الزهريّ))، (عَن) سعيد (بْنِ
الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى تَضْطَرِبَ)؛ أي: يضرب بعضها بعضاً، (أَلَيَاتُ)
بفتح الهمزة، واللام: جمع أَلْية بالفتح أيضاً، مثل جَفْنة وجَفَنات، والآلية:
العجيزة، وجمعها أعجاز، و((ألياتُ)) مضاف إلى (نِسَاءِ دَوْسٍ) بفتح الدال،
وإسكان الواو، آخره سين مهملة، القبيلة المشهورة، وهي قبيلة أبي هريرة نظر ته،
(حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ))) وفي رواية البخاريّ: ((على ذي الخلصة))، (وَكَانَتْ)؛
أي: ذو الخلصة، أنثها لاكتسابها التأنيث من المضاف إليه، (صَنَماً) الصَّنَمُ
- بفتحتين -: يقال: هو الوَثَن المتخذ من الحجارة، أو الخشب، ويُروَى عن
ابن عباس، ويقال: الصَّنَمُ: المتخذ من الجواهر المعدنية، التي تذوب،
والوَثَنُ: هو المتخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصَّنَمُ: ما يُتخذ
من خشب، أو نحاس، أو فضة، والجمع: أَصْنَامٌ. انتهى (١).
(تَعْبُدُهَا) تقدّم وجه تأنيثها، (دَوْسٌ) القبيلة المذكورة، (فِي الْجَاهِلِيَّةِ)؛
أي: في الأيام التي كانت قبل الإسلام، وأما بعد الإسلام فقد هدمها جرير بن
عبد الله البجليّ ◌َظُه، فقد أخرج الشيخان عن جرير بنظُه قال لي النبيّ ◌َّ:
((ألا تُريحني من ذي الخلصة))، وكان بيتاً في خثعم، يسمى الكعبة اليمانية،
فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا
أثبت على الخيل، فضرب في صدري، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري،
وقال: ((اللَّهُمَّ ثبّته، واجعله هادياً مهديّاً))، فانطلق إليها، فكسرها، وحرّقها، ثم
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١.