النص المفهرس
صفحات 341-360
(١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٧) ٣٤١ الذي يكون على يدي عيسى ابن مريم ◌َّاهِ، كما تقدَّم، وكما يأتي، ويَحْتَمِل أن يعود على ملكه، ووجدته في أصل الشيخ: ((فيفتحها الله))، بضمير المونّث، فيعني بذلك مملكته، أو أرضه التي يَغلب عليها. انتهى(١). (قَالَ) جابر بن سمرة: (فَقَالَ نَافِعٌ)؛ أي: ابن عتبة: (يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ)؛ يعني: أن خروج الدجال لا يكون إلا بعد فتح الروم؛ لِمَا دلّ عليه هذا الحديث. والحديث أيضاً من معجزات النبيّ وَّر، حيث أخبر بما سيقع بعده، وقد وقع بعضه، وسيقع الباقي أيضاً؛ لأنه خبره حقّ لا يتخلّف؛ لأنه لا ينطق عن [النجم: ٤]، والله تعالى أعلم. الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث نافع بن عتبة رُه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلُهُ. (المسألة الثانية): فى تخريجه : أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٥٦/١٢] (٢٩٠٠)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٩١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٧/٤ و٣٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٦/١٥ - ١٤٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٢٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩٣/٤)، و(ابن قانع) في ((معجم الصحابة)) (٣/ ١٣٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٧٢ و٦٨٠٩)، وعلّقه (البخاريّ) في (التاريخ الكبير)) (٨١/٨ - ٨٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٣) - (بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْلَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٥٧] (٢٩٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ (١) ((المفهم)) ٢٣٨/٧. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ خُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: الطَّلَعَ النَّبِيُّ نَّهِ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: (مَا تَذَاكَرُونَ؟(١))، قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: ((إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ(٢) قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ)»، فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ نَّهِ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (فُرَاتُ الْقَزَّازُ) ابن أبي عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٨/ ٩٧٦. ٦ - (أبو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ، ورُبّما سُمي عمراً، وُلد عام أحد، ورأى النبيّ بَِّ، وروى عن أبي بكر، فمن بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة يه، قاله مسلم وغيره (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٧/ ١٦٣١. ٧ - (حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ)- بفتح الهمزة - (الْغِفَارِيُّ) أبو سَرِيحة - بمهملتين، مفتوح الأول - الصحابيّ، من أصحاب الشجرة، مات سنة اثنتين وأربعين (م٤) تقدم في ((القدر)) ١/ ٦٧٠٢. (١) وفي نسخة: ((ما تذكرون)). (٢) وفي نسخة: ((حتى تروا)). (١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٧) ٣٤٣ [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة على الإطلاق، وأن حذيفة نظبه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا نحو خمسة أحاديث، وليس له في البخاريّ رواية أصلاً (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة (الْغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء: نسبة إلى غِفار بن مُليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، كما قاله في ((اللباب))(٢). (قَالَ) حُذيفة ◌َُّهُ: (اطَّلَعَ النَّبِيُّ ◌َّه) بتشديد الطاء، أصله اطلع، فأُبدلت تاء الافتعال طاء؛ لوقوعها بعد حرف الإطباق، وهو الطاء، كما قال في ((الخلاصة)): طَاتَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُظْبَقِ فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالاً بَقِي أي: أشرف النبيّ وَّهِ (عَلَيْنَا) معاشر الصحابة (وَ)الحال (نَحْنُ نَتَذَاكَرُ)؛ أي: نتدارس شأن الساعة. (فَقَالَ) وَهِ: ((مَا تَذَاكَرُونَ؟))) أصله تتذاكرون، فحُذفت منه إحدى التاءين؛ تخفيفاً، كما في ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿فَنَزَّلُ اٌلْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) ووقع في بعض النسخ: ((ما تذكرون؟)) (قَالُوا)؛ أي: الصحابة المسؤولون، وفيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: قلنا: (نَذْكُرُ السَّاعَةَ)؛ أي: أمر القيامة، واحتمال قيامها في أي ساعة من الساعات. (قَالَ) وَّ: ((إِنَّهَا)؛ أي: الساعة التي تتذاكرونها، ويَحْتَمِل أن تكون ((ها)) ضمير القصّة، وهو ضمير الشأن؛ أي: إن الشأن والقصّة، والأول أقرب. (لَنْ تَقُومَ) الساعة (حَتَّى تَرَوْنَ) (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٩/٣ - ٢١. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٨٧/٢. ٣٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وفي بعض النسخ: ((حتى تروا)) بحذف النون، وهو الوجه؛ لأن ما بعد حتى يُنصب بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعدها، إذا كان مستقبلاً، كما هنا، قال في ((الخلاصة» : وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً أَوْ مُؤَوَّلَا بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (قَبْلَهَا)؛ أي: قبل قيام الساعة (عَشْرَ آيَاتٍ)؛ أي: علامات، وإنما اقتصر عليها مع أن الآيات أكثر من ذلك بكثير كما في أخبار أخرى؛ لأنها أكبرها(١). (فَذَكَرَ) النبيّ ◌َّهَ في بيات تلك العشر (الدُّخَانَ) بالتخفيف، بدل من عشراً، أو خبر مبتدأ محذوف، وقال الطيبيّ: هو الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وذلك كان في عهد رسول الله رَله. انتهى. ويؤيده ما قال ابن مسعود ظُه، وهو عبارة عما أصاب قريشاً من القحط، حتى يُرَى الهواء لهم كالدخان، لكن قال حذيفة: هو على حقيقته؛ لأنه سئل عنه، فقال: ((يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلة، والمؤمن يصير كالزكام، والكافر كالسكران))، فقوله: يصير كالزكام؛ أي: كصاحب الزكام، أو مصدر بمعنى المفعول؛ أي: كالمزكوم، أو هو من باب المبالغة، كرجل عدل(٢). وقال النوويّ كَخّتُهُ: هذا الحديث يؤيد قول من قال: إن الدخان دخان يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، وأنه لم يأت بعدُ، وإنما يكون قريباً من قيام الساعة، وقد سبق في ((كتاب بدء الخلق)) قول من قال هذا، وإنكار ابن مسعود عليه، وأنه قال: إنما هو عبارة عما نال قريشاً من القحط، حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان، وقد وافق ابن مسعود جماعةٌ، وقال بالقول الآخر حذيفة، وابن عمر، والحسن، ورواه حذيفة عن النبيّ وَّ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، ويَحْتَمِل أنهما دخانان؛ للجمع بين هذه الآثار. انتهى(٣). (وَالدَّجَّالَ) من الدّجْل، وهو السحر؛ أي: المسيح، فإنه سَيّاح يقطع (١) ((فيض القدير)) ٣٤٤/٢. (٣) (شرح مسلم)) ٢٨/١٨. (٢) (مرقاة المفاتيح)) ١٠٣/١٠ - ١٠٤. ٣٤٥ (١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٧) نواحي الأرض في زمن قليل. (وَالدَّابَّةَ) التي تجلو وجه المؤمن بالعصى، وتَخْطم أنف الكافر، قال النوويّ كَّتُهُ: هي الدابّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [النمل: ٨٢]، قال المفسرون: هي دابة عظيمة تخرج من صَدْع في الصفا، وعن ابن عمرو بن العاص أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال. انتهى(١). قيل: للدابة ثلاث خرجات: أيام المهدي، ثم أيام عيسى ◌ِالَّلاً، ثم بعد طلوع الشمس من مغربها، ذكره ابن الملك(٢) . (وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) قال المناويّ: لا يقدح فيه قول الهيوليين: إن الفلكيات بسيطة لا تختلف، ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه؛ لأنه لا مانع من انطباق منطقة البروج على معدل النهار، بحيث يصير المشرق مغرباً، وعكسه(٣)، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]. (وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ نََّ) من السماء إلى الأرض حَكَماً عدلاً؛ أي: المنضم إلى ظهور المهدي الأعظم، فهو من باب الاكتفاء، وسيأتي عند مسلم في ((باب ذكر الدجّال)) من حديث النواس بن سمعان تظله مرفوعاً: ((فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق، بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدّر منه جُمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه، فيطلبه، حتى يدركه بباب لُدّ، فيقتله ... )) الحديث. وفي (النهاية)): ((لُدّ)) هو موضع بالشام، وقيل: بفلسطين، وفي (القاموس)): (لُدّ) بالضم قرية بفلسطين، يَقتل عيسى عَلَّهُ الدجال عند بابها. انتھی . (وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) بألف فيهما، وبهمزة؛ أي: سدّهما، وخروجهما منه، وقد تقدّم الكلام فيهما مستوفَى. (وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ) معنى خسف المكان: ذهابه في الأرض، وغيوبته فيها (٤)، قيل: قد وُجد الخسف في مواضع، لكن يَحْتَمِل (١) ((شرح مسلم)) ٢٨/١٨. (٣) ((فيض القدير)) ٣٤٤/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠٤/١٠. (٤) ((فيض القدير)) ٣٤٤/٢. ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وُجد، كأن يكون أعظم مكاناً، وقدراً (١). (خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ) قال القاري كَخَُّ: بالرفع في الثلاثة على تقدير أحدُها، أو منها، ولو رُوي بالجرّ لكان له وجه من البدلية. انتهى(٢). قال المناويّ: جزيرة العرب هي: مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن، على ما حُكي عن مالك تَّتُ سُميت به؛ لأنه يحيط بها بحر الهند، وبحر القُلُزُم، ودجلة، والفرات. انتهى(٣). (وَآَخِرُ ذَلِكَ)؛ أي: ما ذُكر من الآيات، (نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ) وفي رواية ((تخرج من أرض الحجاز))، قال القاضي عياض: لعلها ناران، تجتمعان، تحشران الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز، ذكره القرطبيّ تَخْتُهُ. ثم الجمع بينه وبين ما في البخاريّ من أن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق إلى المغرب، بأن آخريتها باعتبار ما ذُكر من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذُكر معها، فإنه يبقى مع كل آية منها أشياء من أمور الدنيا، كذا ذكره بعض المحققين (٤). (تَطْرُهُ)؛ أي: تسوق تلك النار (النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ) بفتح الشين، وتكسر؛ أي: إلى مجمعهم، وموقفهم، قيل: المراد من المحشر: أرض الشام؛ إذ صحّ في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام، لكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها، أو تجعل واسعة تَسَعُ خَلْق العالم فيها . وقال المناويّ تَخْذُلُ: ((إلى محشرهم))؛ أي: محل حشرهم للحساب، وهو الشام، قال الخطابيّ: هذا قبل قيام الساعة، يُحشر الناس أحياءً إلى الشام، بدليل قوله: ((تبيت معهم حيث باتوا، وتَقيل معهم حيث قالوا))، وهذا الحشر آخر الأشراط، كما في هذا الحديث، وما ورد مما يخالفه مؤول. وقال الحافظ تَخْتُ: ويترجح من مجموع الأخبار أن أول الآيات المُؤْذِنة (١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠٤/١٠. (٣) ((فيض القدير)) ٣٤٤/٢. (٢) (مرقاة المفاتيح)) ١٠٤/١٠. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٠٤. ٣٤٧ (١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٧) بتغيير أحوال العالم الأرضي: الدجال، فنزول عيسى لعلّا، فخروج يأجوج ومأجوج، وكلها سابقة على طلوع الشمس، وأولها المُؤْذِن بتغيير أحوال العالم العلويّ: طلوع الشمس، وخروج الدابة في يومه، أو يقرب منه، وأول أشراط الساعة: نار تخرج من المشرق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: رَمَزَ بعضهم لترتيب هذه الآيات بقوله: ((مَدْعِي طَد))، فالميم المهديّ، والدال الدجّال، والعين عيسى لعلّها، والياء يأجوج ومأجوج، والطاء طلوع الشمس من مغربها، والدال الأخيرة دابّة الأرض، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة بن أَسِيد ◌َظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . [تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ، وقال: ولم يرفعه غير فرات عن أبي الطفيل، من وجه صحيح، قال: ورواه عبد العزيز بن رُفيع، وعبد الملك بن ميسرة، موقوفاً. هذا كلام الدارقطنيّ، وقد ذكر مسلم رواية ابن رفيع موقوفةً كما قال، ولا يقدح هذا في الحديث، فإن عبد العزيز بن رفيع ثقة حافظ متفق على توثيقه، فزيادته مقبولة. انتهى كلام النوويّ ◌َتُهُ. قال الجامع عفا الله عنه: جواب النوويّ عن مسلم فيما اعتُرض عليه صحيح، لكن قوله: ((فإن عبد العزيز ... إلخ)) سهو منه، أو من النسّاخ، فإن الذي رَفَعه هو فرات القزّاز، كما كلام الدراقطنيّ، وأما عبد العزيز فقد وقفه، فتنبه . ومما يؤيّد الرفع دون الوقف أن له شواهد من حديث أبي هريرة نظُله عن النبيّ وَّه: ((بادروا بالأعمال ستاً ... )) الحديث يأتي في مسلم. ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس ... )) الحديث يأتي لمسلم، وغير ذلك(١). (١) راجع ما كتبه الشيخ ربيع المدخليّ حفظه الله تعالى في دراسته ص ٤٣٥ - ٤٣٧. ٣٤٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة والحاصل: أن الحديث صحيح مرفوعاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٥٧/١٣ و٧٢٥٨ و٧٢٥٩ و٧٢٦٠ و٧٢٦١] (٢٩٠١)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣١١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٨٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٤/٦)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٤١)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٥٦٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٤ و٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٢٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٠٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٦٣/١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٩١ و٦٨٤٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٢٩ و٣٠٣٠ و٣٠٣١ و٣٠٣٢ و٣٠٣٣)، و(الشيبانيّ) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٥٨/٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٥٥/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٩١٧/٢ و٩١٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَل حيث أخبر بما سيقع من أشراط الساعة الكبرى، وهي هذه العشرة: ((الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم وَ الر، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم)). ٢ - (ومنها): ما قيل: إن أول الآيات الدخان، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ثالثلا، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، فإن الكفار يُسْلِمون في زمن عيسى لعلّ حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال، ونزوله، لم يكن الإيمان مقبولاً من الكفار، فالواو لمطلق الجمع، فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها، ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات. وقال في ((فتح الودود)»: قيل: أول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ظلّل، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم الريح التي تقبض عندها أرواح أهل الإيمان، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، ثم تخرج دابة الأرض، ثم يأتي الدخان. ٣٤٩ (١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٨) قال صاحب ((فتح الودود)): والأقرب في مثله التوقف، والتفويض إلى عالمه. انتھی(١). وذكر القرطبي في ((تذكرته)) مثل هذا الترتيب، إلا أنه جعل الدجال مكان الدخان . وذكر البيهقي عن الحاكم مثل ترتيب القرطبيّ، وجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها، فالظاهر، بل المتعيّن هو ما قال ((صاحب فتح الودود)) من أن الأقرب في مثله هو التوقف، والتفويض إلى عالمه(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما أجود هذا التحقيق، فالواجب على العاقل في مثل هذه النصوص تفويض تفاصيلها، وحقائقها إلى من أنزلها إلى نبيّه وَله الذي جعل الله رَك بيان ما أنزله إليه، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فهو ◌َّ أعلم بمراد الله من غيره بلا شكّ ولا ريب، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من إثبات طلوع الشمس من مغربها الردّ على أصحاب الهيئة، ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة، لا يختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه، قال الكرمانيّ تَخْذُّهُ: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلى تقدير تسليمها، فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي مُعَدَّل النهار، بحيث يصير المشرق مغرباً، وبالعكس(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٥٨] (.) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَاطَّلَعَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: ((مَا تَذْكُرُونَ؟»، قُلْنَا: السَّاعَةَ، قَالَ: ((إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: (١) ((عون المعبود)) ٢٨٩/١١. (٣) ((الفتح)) ٣٥٥/١١ - ٣٥٦. (٢) ((عون المعبود)) ٢٨٩/١١. ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْقٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّلُ، وَدَائَةُ الأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةٍ عَدٍَ، تَرْحَلُ النَّاسَ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، مِثْلَ ذَلِكَ، لَا يَذْكُرُ النَِّيِّ نَّهِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَّا فِي الْعَاشِرَةِ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ رَِّ، وَقَالَ الآخَرُ: وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريباً. ٤ - (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْع) المكيّ، نزيل الكوفة، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ شُعْبَةٌ ... إلخ) موصول بالسند السابق، وليس معلّقاً، فلشعبة إسنادان : أحدهما: عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الُفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ إلخ مرفوعاً . والثاني: عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، مِثْلَ ذَلِكَ، لكن لَا يَذْكُرُ النَّبِيّ وَّهِ، بل جعله موقوفاً. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم انتقاد الدارقطنيّ على مسلم بهذا الموقوف، وإعلاله المرفوع به، والجواب عنه بأن الرفع أصحّ، فلا انتقاد على مسلم فيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ) (تكون)) هنا تامّة؛ أي: حتى تقع، وتوجد . وقوله: (وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةٍ عَدَنٍ)؛ أي: أقصى أرضها، وهو غير منصرف، وقيل: منصرف باعتبار البقعة، والموضع، ففي ((المشارق)): عدن (١٣) - بَابٌ فِي الآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٨) ٣٥١ مدينة مشهورة باليمن، وفي ((القاموس)): عدن - محركة - جزيرة باليمن(١). وقال النوويّ تَخْلُهُ: قوله: ((من قعرة عدن)) هكذا هو في الأصول: ((قعرة)) بالهاء، والقاف مضمومة(٢) . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضبط النوويّ القاف بالضمّ، والذي تقتضيه عبارة ((القاموس)) جواز الوجهين: الفتح، والضمّ، فتنبه، والله تعالى أعلم. قال: ومعناه: من أقصى قعر أرض عدن، وعدن مدينة معروفة مشهورة باليمن، قال الماورديّ: سُمِّيت عدناً من العدون، وهي الإقامة؛ لأن تُبّعاً كان يحبس فيها أصحاب الجرائم، وهذه النار الخارجة من قعر عدن واليمن، هي الحاشرة للناس، كما صرّح به في الحديث، أما قوله ﴿ في الحديث الذي بعده: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى))، فقد جعلها القاضي عياض حاشرةً، قال: ولعلهما ناران يجتمعان لحشر الناس، قال: أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، ويكون ظهورها، وكثرة قوّتها بالحجاز. انتهى. قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي هذا: وليس في الحديث أن نار الحجاز متعلقة بالحشر، بل هي آية من أشراط الساعة، مستقلة، وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمةً جدّاً، من جنب المدينة الشرقيّ، وراء الحرّة، تواتر العلم بها عند جميع الشام، وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة. انتهى كلام النوويّ تَخْذَّتُهُ(٣). وقوله: (تَرْحَلُ النَّاسَ) وفي رواية: ((تسوق الناس))؛ أي: تطردهم النار، وقال النوويّ: قوله: ((ترحل الناس)) هو بفتح التاء، وإسكان الراء، وفتح الحاء المهملة المخففة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وكذا نقل القاضي (١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠٣/١٠. (٢) قال في ((القاموس)): الْقُعْرة بالضمّ: الْوَهْدة. اهـ. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٨. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة عن روايتهم، ومعناه: تأخذهم بالرحيل، وتزعجهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الضبط الذي ذكره النوويّ، وعزاه إلى الجمهور عندي محلّ نظر؛ لأن رَحَلَ ثلاثيّاً لازم، وليس متعدّياً إذا كان بالمعنى المراد هنا، فالضبط الصحيح أن يكون بضمّ أوله، وتشديد الحاء، من الترحيل، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَاشِرَةِ ... إلخ) هذا من كلام شعبة، يقول: قال لي أحد الشيخين، وهما فرات، وعبد العزيز، فِي بيان الخصلة: هي نزول عيسى ظلّ، وقال الآخر: هي ريح تُلقي الناس في البحر. وقوله: (وَرِبِحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ)؛ أي: تهبّ شديدة، فترميهم في البحر، ولعل الجمع بينهما - أي: بين هذه الرواية التي فيها: ((ترحّل الناس)) - أن المراد بالناس: الكفار، وأن نارهم تكون منضمة إلى ربح شديدة الجري سريعة التأثير، في إلقائها إياهم في البحر، وهو موضع حشر الكفار، أو مستقر الفجار، كما ورد أن البحر يصير ناراً، ومنه قوله تعالى: [التكوير: ٦] بخلاف نار المؤمنين، فإنها لمجرد ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ التخويف، بمنزلة السوط مهابة لتحصيل السَّوق إلى المحشر، والموقف الأعظم (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فُرَاتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ تَحْتَهَا نَتَحَدَّثُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَالَ الآخَرُ: رِيحٌ تُلْقِهِمْ فِي الْبَحْرِ). (١) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٨. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠٣/١٠. (١٣) - بَابٌ فِي الْآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٥٩) ٣٥٣ رجال هذا الإسناد: ستّة: وكلهم تقدّموا قريباً . وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير محمد بن جعفر؛ أي: ساق محمد بن جعفر الحديث بمثل حديث معاذ بن معاذ. وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ ... إلخ)؛ أي: وأظن فراتاً قال في روايته: (تَنْزِلُ)؛ أي: تلك النار (مَعَهُمْ)؛ أي: مع الناس (إِذَا نَزَلُوا) في مكان للاستراحة، أو نحوه. وقوله: (وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)؛ أي: تستريح في وقت القائلة، يقال: قال يقيل قَيْلاً، وقَيْلُولةً: نام نصفَ النهار، والقائلة وقت القيلولة، وقد تُطلق على القيلولة، قاله الفيّوميّ تَذْتُهُ(١). وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ ... إلخ) قال الرشيد العطّار كَثْتُهُ في ((غُرر الفوائد)) (٣٨): وهذا الرجل المبهم اسمه هو فيما يظهر لي: عبد العزيز بن رُفيع المكيّ، وقد بيّن ذلك غير واحد من الثقات في روايتهم لهذا الحديث عن شعبة، منهم: معاذ بن معاذ العنبريّ، وأبو النعمان الحكم بن عبد الله العجليّ، فإنهما روياه عن شعبة، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل، عن أبي سَرِيحة موقوفاً، وأخرجه مسلم في (صحيحه)) من حديث مَن سمّينا عن شعبة، عن عبد العزيز بإسناده موقوفاً، ثم ذكر قول الدارقطنيّ في ((التتبّع))، وقال: فتبيَّن بما ذكرناه أن هذا الحديث من هذا الوجه متّصل الإسناد إلى أبي سَرِيحة رَظُه، ولكنه موقوف عليه. انتهى كلام العطّار تَخْذَتْهُ(٢). [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَظّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٦١٨٨) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن فُرات، عن أبي الطفيل، عن أبي سَرِيحة، قال: كان رسول الله وَّل في غرفة، ونحن تحتها نتحدّث، قال: فأشرف علينا رسول الله وَله، فقال: ((ما تذكرون؟)) قالوا: الساعةَ، قال: ((إن الساعة لن تقوم حتى ترون عشر آيات: خسف بالمشرق، (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٢١. (٢) ((غُرر الفوائد)) رقم (٣٨). ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس - فقال شعبة: سمعته، وأحسبه قال ــ: تنزل معهم حيث نزلوا، وتقیل معهم حیث قالوا)). قال شعبة: وحدّثني بهذا الحديث رجل، عن أبي الطفيل، عن أبي سَرِيحة، ولم يرفعه إلى النبيّ وََّ، فقال أحد هذين الرجلين: ((نزول عيسى ابن مريم))، وقال الآخر: (ريح تُلقيهم في البحر)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٦٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فُرَاتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطَّفَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ. بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَابْنِ جَعْفَرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ) البصريّ القيسيّ، أو الأنصاريّ، ثقةٌ، له أوهام [٩] (خ م ت س) تقدم في ((التوبة)) ٧ /٦٩٧٩. والباقون تقدموا قريباً . قال الجامع عفا الله عنه: رواية أَبي النُّعْمَانِ الْحَكَم بْنِ عَبْدِ اللهِ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٦١] (.) - (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ بِنَحْوِهِ، قَالَ: وَالْعَاشِرَةُ نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَّ، قَالَ شُعْبَةُ: وَلَمْ يَرْفَتْهُ عَبْدُ العَزِيزِ). (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ٧. ٣٥٥ (١٤) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ - حديث رقم (٧٢٦٢) رجال هذا الإسناد: ستّة: وكلهم تقدّموا، وغرضه بيان متابعة عبد العزيز لفرات، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٤) - (بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْلَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٦٢] (٢٩٠٢) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى))). رجال هذا الإسناد: عشرة: وكلّهم تقدّموا قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَقْلَتُهُ بالنسبة للأول، ومن سُباعيّاته بالنسبة للثاني، وأن أوائله مسلسل بالمصريين، وأواخره بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وأنه أحد ما قيل: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌َظُبه، وفيه أبو هريرة تَخْتُهُ سبق الكلام فيه قريباً . شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ؛ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ) سعيد (بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُوَّ هُرَيْرَةَ) تَبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لا) نافية، (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى تَخْرُجَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الخروج، (نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) قال القرطبيّ كَُّّهُ في ((التذكرة)»: قد خرجت نار ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلةٌ عظيمةٌ في ليلة الأربعاء، بعد العتمة، الثالث من جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرّت إلى ضحى النهار يوم الجمعة، فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرّة، تُرَى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط، عليه شراريف، وأبراج، ومآذن، وتُرَى رجال يقودونها، لا تمرّ على جبل إلا دكّته، وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر، وأزرق، له دويّ كدويّ الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقيّ، واجتمع من ذلك ردٌ صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء، من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة، ومن جبال بصرى. وقال النوويّ: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في ((ذيل الروضتين)): وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كُتُب من المدينة الشريفة، فيها شرح أمر عظيم حدَث بها، فيه تصديق لِمَا في ((الصحيحين))، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكُتُب، فمن الكتب، فذكر نحو ما تقدم. ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقيّ المدينة نار عظيمة، بينها وبين المدينة نصف يوم، انفجرت من الأرض، وسال منها واد من نار، حتى حاذى جبل أُحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرّة بنار عظيمة، يكون قدرها مثل مسجد المدينة، وهي برأي العين من المدينة، وسال منها وادٍ يكون مقداره أربع فراسخ، وعرضه أربع أميال، يجري على وجه الأرض، ويخرج منه مهاد، وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال: ولا أقدر أصف عِظَمها، ولها دويّ، قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعاراً، ودام أمرها أشهراً، ثم خَمَدت، والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب، هي التي ظهرت بنواحي المدينة، كما فهمه القرطبيّ وغيره، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى . ٣٥٧ (١٤) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ - حديث رقم (٧٢٦٢) وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة، في زمن خالد بن سنان العبسيّ، فقام في أمرها، حتى أخمدها، ومات بعد ذلك في قصة له، ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في ((كتاب الجماجم))، وأوردها الحاكم في ((المستدرك)) من طريق يعلى بن مهديّ، عن أبي عوانة، عن أبي يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عبس يقال له: خالد بن سنان، قال لقومه: إني أطفي عنكم نار الحدثان، فذكر القصة، وفيها فانطلق، وهي تخرج من شقّ جبل من حرّة يقال لها: حرة أشجع، فذكر القصة في دخوله الشقّ، والنار كأنها جبل سقر، فضربها بعصاه، حتى أدخلها، وخرج، ذكره في (الفتح))(١). (تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى))) قال ابن التين تَخَذْتُ: يعني: من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصرى، وهي من أرض الشام، وأضاء يجيء لازماً، ومتعدياً، يقال: أضاءت النارُ، وأضاءت النارُ غيرها، و((بُصْرَى)) بضم الموحّدة، وسكون المهملة، مقصوراً: بلد بالشام، وهي حَوْران(٢). وقال أبو البقاء: ((أعناق)) بالنصب على أن ((تضيء)) متعدٍّ، والفاعل ((النارُ))؛ أي: تجعل على أعناق الإبل ضوءاً، قال: ولو رُوي بالرفع لكان متجهاً؛ أي: تضيء أعناق الإبل به، كما جاء في حديث آخر: ((أضاءت له قصور الشام)). وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر، أخرجه ابن عديّ في ((الكامل)) من طريق عمر بن سعيد التنوخيّ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب نظُبه، يرفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يَسِيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار، تضيء له أعناق الإبل ببصرى))، وعُمر ذكره ابن حبان في ((الثقات))، ولَيّنه ابن عديّ، والدارقطنيّ، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضاً الطبرانيّ في آخر حديث حذيفة بن أَسِيد المتقدّم: وسمعت (١) ((الفتح)) ٥٥٥/١٦ - ٥٥٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧١١٨). (٢) بفتح الحاء، وسكون الواو. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رسول الله والله يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رُومان، أو ركوبة، تضيء منها أعناق الإبل ببصرى)). قال الحافظ: و((ركوبة)) ثنية صعبة المرتقى في طريق المدينة إلى الشام، مَرّ بها النبيّ وَّ في غزوة تبوك، ذكره البكريّ، و((رومان)) لم يذكره البكريّ، ولعل المراد: رُومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين، وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة، مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق وَلّر، والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتَقَدُّم الثانية على الأُولى في الذكر لا يضرّ. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو تحقيقٌ مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تعظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٦٢/١٤] (٢٩٠٢)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧١١٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٤٣/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٣٩)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٩٩٦/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٥١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٥) - (بَابٌ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَعِمَارَتِهَا قَبْلَ السَّاعَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٦٣] (٢٩٠٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابََ، أَوْ بَهَابَ))، قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِسُهَيْلِ: فَكَمْ ذَلِكَ(٢) مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا مِيلاً). (١) ((الفتح)) ١٦ /٥٥٥ - ٥٥٦. (٢) وفي نسخة: ((وكم ذلك؟)). ٣٥٩ (١٥) - بَابٌ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَعِمَارَتِهَا قَبْلَ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٦٣) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) ابن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويُلَقّب شاذان، ثقةٌ [٩] ماتَ في أول سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٥٢/٥٦. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضىعنه . شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: («تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ، أَوْ يَهَابَ))) قال القرطبيّ تَخْلُ: الأول بكسر الهمزة، والثاني بالياء المكسورة، عند أكثرهم، وعند ابن عيسى: ((أو نِهَاب))، بالنون المكسورة، وهو موضع بينه وبين المدينة القَدْر الذي كَنَى عنه سهيل بكذا كذا ميلاً، وقد تقدَّم: أن من أهل اللسان من حَمَل هذا على الأعداد المعطوفة التي أوَّلها إحدى وعشرون، وآخرها تسعة وتسعون، وهذا إخبار منه سليم بأن الناس يكثرون بالمدينة، ويتّسعون في مساكنها، وبنيانها، حتى يصل بنيانهم ومساكنهم إلى هذا الموضع، وقد كان ذلك - والله تعالى أعلم - في مدة بني أمية، ثم بعد ذلك تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها، كما تقدَّم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أنها عادت الآن في الوقت الحاضر إلى هذا الحدّ، بل تجاوزته، كما لا يخفى على من حقّق النظر فيها، والله تعالى أعلم. وقال ياقوت في ((معجم البلدان)): إهاب بالكسر: موضع قرب المدينة، ذكره في خبر الدجال في ((صحيح مسلم))، قال: بينهما كذا وكذا؛ يعني: من (١) ((المفهم)) ٧/ ٢٤٣. ٣٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة المدينة، كذا جاءت الرواية فيه عن مسلم على الشك: ((أو يهاب)) بكسر الياء عند الشيوخ كافّة، وبعض الرواة قال بالنون: ((نِهاب))، ولا يُعرف هذا الحرف (١) . في غير هذا الحديث. انتهى وقال ابن الأثير: هو موضع قرب المدينة، شرّفها الله تعالى. انتهى (٢). (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن معاوية: (قُلْتُ لِسُهَيْلٍ)؛ أي: ابن أبي صالح: (فَكَمْ ذَلِكَ) وفي نسخة: ((وكم ذلك))؛ أي: كم يكون مقدار بُعد مسافة إهاب، أو يهاب (مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ) سهيل: (كَذَا وَكَذَا(٣) مِيلاً) ((الميل)) بكسر الميم: عند العرب مقدار مَدَى البصر من الأرض، قاله الأزهريّ، وعند القدماء من أهل الهيئة: ثلاثة آلاف ذراع، وعند الْمُحْدَثين: أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظيّ؛ لأنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع، والإصبع ست شُعَيرات بطن كلّ واحدة إلى الأخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً، والمحدثون يقولون: أربع وعشرون إصبعاً، فإذا قُسم الميل على رأي القدماء كلّ ذراع اثنين وثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، وإن قُسم على رأي المحدثين أربعاً وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(٤). قال الجامع عفا الله عنه: الميل بالتقدير المعاصر يكون (١٨٤٨) مترّاً (٥)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث أبي هريرة رظلّه هذا من أفراد المصنّف تَخُّْهُ، أخرجه هنا [٧٢٦٣/١٥] (٢٩٠٣) ولم أجد من أخرجه غيره، والله تعالى أعلم. (١) ((معجم البلدان)) ١/ ٢٨٣. (٢) ((لسان العرب)) ٨٠٦/١. (٣) قال صاحب ((التكملة)): ولم أطّلع في شيء من الكتب على تحديد هذا المكان بالضبط، أو على تحديد جهاته. اهـ. ٢١٣/٦. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٨٨/٢. (٥) راجع: ((الإيضاحات العصريّة للمقاييس، والمكاييل، والأوزان، والنقود الشرعيّة)) ص٧١ لمحمد صبحي بن حسن حلاق.