النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٥) - بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٢) (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا)؛ أي: من الدعاء، (فَقَالَ وَِّ: ((سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث خصال، وقال القاري: أي: من المسؤولات، أو ثلاث مرّات، (فَأَعْطَانِ ثِنْتَيْنٍ) وقوله: (وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً) زيادة توضيح، ثمّ الخصال المسؤولة فقال: (سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَّةِ)؛ أي: بالقحط العام؛ يعني: أنه لا يُهلكهم بقحط يعمهم، بل إن وقع قحط، فيكون في ناحية يسيرة، بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام، فللَّه الحمد والشكر على جميع نعمه (١). (فَأَعْطَانِيهَا)؛ أي: الخصلة المسؤولة، (وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ) بفتحتين، وفي نسخة بسكون الراء؛ أي: بالغرق العامّ، كقوم فرعون في اليمّ، وقوم نوح بالطوفان. وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق))؛ يعني: أن لا يهلك جميعهم بطوفان كطوفان نوح؛ حتى يُغرق جميعهم، وهذا فيه بُعدٌ، ولعل هذا اللفظ كان بالعدوّ، فتصحّف على بعض الرواة؛ لقرب ما بينهما في اللفظ، ويدلّ على صحة ذلك أن هذا الحديث قد رواه عن النبيّ وَّ خَبّاب بن الأرَتِّ، وثوبان، وغيرهما، وكلهم قال بدل: ((الغرق)) المذكور في هذا الحديث: ((عدوّاً من غير أنفسهم))، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: دعواه التصحيف المذكور فيه نظر لا يخفى، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَأَعْطَانِهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ)؛ أي: حربهم الشديد (بَيْنَهُمْ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: البأس: الحروب والفتن، وأصله من بئس يبأس: إذا أصابه البؤس، وهو الضرّ، ويقال: بأساً؛ أي: ضرّاً، (فَمَنَعَنِيهَا))) بل جعل الله تعالى بأسهم بينهم، حتى كان بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وهذا أمر قضاه الله تعالى، ولا مردّ لأمر قضاه الله رَّت: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤]، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُّبه هذا من أفراد المصنّف تَخْذ ◌ُهُ. (١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ١٤. (٢) ((المفهم)) ٢١٩/٧. ٢٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٢/٥ و٧٢٣٣] (٢٨٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٥/١ و١٨١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٤/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨٤/٢)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٢٨/٣)، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِيَّ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الْفَزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ)؛ يعني: أن حديث مروان بن معاوية عن عثمان بن حكيم مثل حديث عبد الله بن نُمير عن عثمان المذكور. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية عن عثمان بن حكيم هذه ساقها أبو يعلى تَخْلُ في ((مسنده))، فقال: (٧٣٤) - حدّثنا زهير، حدّثنا مروان بن معاوية الْفَزاريّ، عن عثمان بن حكيم، أخبرنا عامر بن سعد، عن أبيه، أنه كان مع رسول الله وَّل، فمَرّ بمسجد بني معاوية، فدخل، فركع فيه ركعتين، ثم قام، فناجى ربه، وانصرف، فقال: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يُهلك ٢٦٣ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ وَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٤) أمتي بالغَرَق، ولا بالسَّنَة - يعني: بالجوع - فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها)). انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٦) - (بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ نَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٤] (٢٨٩١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ، كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَاللّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ، هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئاً لَمْ يُحَدَّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِساً أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: ((مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ، لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئاً، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ، كَرِيَاحِ الصَّيْفِ، مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ))، قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة [٢] ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء نظا فه (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٢ - (حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) واسم اليمان حُسيل - بمهملتين، مصغّراً - ويقال: حِسْل - بكسر، ثم سكون - الْعَبْسيّ - بالموحّدة - حليف الأنصار، الصحابي الشهير، ومات حذيفة نظره في أول خلافة عليّ نَظُه سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧. والباقون كلهم تقدّموا قبل أربعة أبواب. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٢/ ٨٤. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، إلا أبا إدريس، فشاميّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين الأولين، وصحّ في هذا الحديث عنه أن رسول الله وسلّ أخبره بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضاً استُشهد ◌َظُه بِأُحُد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله (الْخَوْلَانِيَّ) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الواو -: نسبة إلى خلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في ((اللباب)) (١). (كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) ﴿ّ: (وَاللهِ إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في ((الخلاصة)): فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لأَعْلَمُ النَّاسِ)؛ أي: لأكثرهم علماً (بِكُلِّ فِتْنَةٍ)؛ أي: بليّة، (هِيَ كَائِنَةٌ)؛ أي: حاصلة وواقعة (فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ)؛ أي: القيامة، (وَمَا بِي) ((ما)) نافية؛ أي: ليس لي سبيل إلى علم ذلك (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ)؛ أي: إلا كون رسول الله ﴿ ﴿ (أَسَرَّ إِلَيَّ)؛ أي: عَلّمني سرّاً من غيري (فِي ذَلِكَ)؛ أي: المذكور من الفتن، (شَيْئاً) التنوين للتكثير، والتعظيم؛ أي: علماً كثيراً عظيماً، وقوله: (لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي) تأكيد لمعنى قوله: ((سرّاً))، وقال في ((المشارق)): قوله: ((وما بي إلا أن يكون رسول الله (وَّ) كذا في الأصول كلها، قال الوقشيّ: الوجه حذف ((إلا))، وبه يستقلّ الكلام، قال القاضي تَّتُهُ: هو مساق الحديث، وما يدلّ عليه مقتضاه؛ أي: ما اختصّ علم ذلك بي؛ لأن النبيّ ◌َِّ أسرّ جميعه إليّ، ولكن لمّا ذكره من أن النبيّ وَّ قال، وهو في (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٤٧٢. ٢٦٥ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَِّيِّ ◌َلِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٤) مجلس فيه غيره، فماتوا، وبقي هو وحده، ولقوله في الحديث الآخر: ((نسيه من نسيه))، وقد يُخَرَّج للرواية وجه، أن يكون قوله: وما بي من عذر في التحدث بها، والإعلام، إلا ما أسرّ إليّ وَّه من ذلك، مما لم يعلمه غيري، ولعله حدّ له أن لا يُذيعه، أو رأى ذلك من المصلحة. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((ما بي إلا أن يكون رسول الله وَّ)) كذا وقع هذا اللفظ، وكذا صحّ في الرواية: ((وما بي إلا أن يكون)) بـ ((إلا)) الإيجابية، و((أن)) المصدرية، فقيل: الوجه إسقاط ((إلا))؛ لأنَّ مقصود الكلام أن حذيفة أخبر عن نفسه بأنه يعلم كل فتنة تكون بين يدي الساعة، فيظن سامع هذا القول أن رسول الله وَل﴿ أسرّ إليه من ذلك بشيء لم يسرّه إلى غيره، فنفى هذا الظنّ بذلك القول، ثم نبّه على سبب علمه بذلك، فقال: ((ولكن رسول الله وَل قال، وهو يحدّث مجلساً أنا فيه عن الفتن))، فيعني بذلك أنه سمع من النبيّ وَّ في ذلك المجلس مع الناس، لكنه حَفِظ ما لم يحفظ غيره، وضَبَط ما لم يضبط غيره، كما قال في الحديث الآتي. وقيل: ((إلا)) ثابتة في الرواية، فلا سبيل إلى تقدير إسقاطها، ومعنى الكلام مع ثبوتها: وما بي عذرٌ في الإعلام بجميعها، والحديث عنها، إلا ما أسرّ إليّ النبيّ وَّهُ مِمَّا لم يُحَدِّث به غيري، فيكون في كلامه إشارة نَظُبه إلى أن النبيّ وَّهِ عَهِد إليه، وأسرّ له ألا يحدّث بكل ما يعلمه من الفتن، أو لا يُذيعه إن رأى في ذلك مصلحة، وهذا أَولى؛ لِمَا ذكرناه من ثبوت الرواية، ولأن المعلوم من حال حذيفة أن النبيّ وَّ خصّه من العلم بالفتن، وأسرّ إليه منها بما لم يخصّ به غيره، وأما ما لم يسرّه إليه، ولا خصّه به، فهو الذي يحدث به، كما جاء متصلاً بقوله: ((لكن النبيّ ◌َّ قال، وهو يحدّث مجلساً أنا فيهم عن الفتن))، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من تحقيق القرطبيّ الأخير من أن إثبات ((لا)) صواب، وأن المعنى عليه، هو الوجه الصحيح، وخلاصة ذلك أن (١) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ١/ ٧١. (٢) ((المفهم)) ٢٢٢/٧ - ٢٢٣. ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة حذيفة ظُه يقول: إنه أعلم الناس بكلّ فتنة تكون إلى قيام الساعة، وذلك لكونه ◌َ﴾ أسرّ إليه بعلم ذلك ما لم يُسرّ إلى أحد غيره، وأما ما يُحدّث به الناسَ من بعض الفتن فإنما هو مما سمعه حذيفة منه وَّله مع غيره، ولكنه حفظ، ونسيه غيره، وهذا النوع هو الذي استدرك حذيفة رصُّه بقوله: (وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ﴿ قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من ((رسول الله))، وقوله: (مَجْلِساً)؛ أي: أهل مجلس، فهو مما حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامه، فانتصب انتصابه، كما قال في ((الخلاصة)): وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا ويَحْتَمِل أن يكون ((مجلساً)) منصوباً بنزع الخافض؛ أي: يُحدّث في مجلس، وقوله: (أَنَا فِيهِ) صفة لـ(مجلساً))، (عَنِ الْفِتَنِ) متعلّق بـ«يُحدّث))، (فَقَالَ) توكيد لـ((قال)) الأول، (رَسُولُ اللهِ وَلَّ) وقوله: (وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ:) جملة حاليّة من الفاعل، و((يَعُدّ)) بفتح أوله، وضمّ العين مضارع عَدّ، من العدّ، يقال: عدّ الشيءَ يعُدّه عدّاً، من باب نصر: إذا أحصاه، و((الفتن)) بكسر، ففتح: جمع فتنة، قال الفيّوميّ تَخْذُ: الفِتْنَةُ: المحنة، والابتلاء، والجمع فِتَنٌ، وأصل الفِتْنَةِ من قولك: فَتَنْتُ الذهب، والفضة: إذا أحرقته بالنار؛ ليبيّن الجيّد (١) . من الرديء. انتهى وقد تقدّم البحث بأتمّ من هذا في أول ((كتاب الفتن))، وبالله التوفيق. وقوله: ((مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ) مقول ((قال))، وجملة ((وهو يعدّ الفتن)) حاليّة معترضة بينهما؛ أي: ثلاث من تلك الفتن (لَا يَكَدْنَ)؛ أي: لا يقربن، (يَذَرْنَ)؛ أي: يتركن (شَيْئاً) مما في الأرض، بل تهلك كله، وهذه الثلاث لم يُعرف تعيينها، والله تعالى أعلم. (وَمِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك الفتن، (فِتَنْ) تكون (كَرِيَاحِ الصَّيْفِ)؛ أي: مؤذية كأذيّة الرياح التي تأتي في الصيف، فإنها حارّة ضارّة، (مِنْهَا)؛ أي: تلك الفتن، (صِغَارٌ)؛ أي: قليلة الضرر، أو قليل من تصيبه، (وَمِنْهَا كِبَارٌ)))؛ أي: كثيرة الضرر، أو كثير من تصيبه. (قَالَ حُذَيْفَةُ) ◌َُّبه: (فَذَهَبَ)؛ أي: مات (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢. ٢٦٧ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِّ نَ ◌ّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٤) (أُولَئِكَ الرَّهْطُ)؛ أي: الجماعة الذين سمعوا منه ◌ّ معي هذا الحديث، (كُلَّهُمْ) توكيد للفاعل، (غَيْرِي) فلذلك كنت أعلم الناس بشأن الفتن، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة بن اليمان ◌ًا هذا من أفراد المصنّف نَحْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٤/٦] (٢٨٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/ ٣٨٨ و٤٠٧)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٦٣٧)، و(الحاكم) في (المستدرك)) (٥١٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٣٠/٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٥١/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَل، حيث أخبر بما يكون من الفتن إلى قيام الساعة. ٢ - (منها): بيان منقبة عظيمة للصحابيّ الجليل حذيفة بن اليمان حيث خصّه النبيّ وَّ بأسرار ما خصّ بها غيره، من علمه ما سيقع من الفتن في آخر الزمان. ٣ - (ومنها): بيان شدّة حرص حذيفة رضيُه على تلقي علم الفتن من رسول الله وَّر، وهو الذي يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله وَل عن الخير، وكنت أسأله عن الشرّ؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَنٌ، قلت: وما دَخَنه؟ قال: قوم يَهدون بغير هديي، تَعرف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صِفهم لنا، قال: هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك))، متّفقٌ عليه، وقدم تقدّم هذا الحديث في ((كتاب الإمارة)) برقم [٤٧٧٥/١٣] (١٨٤٧) وتقدّم شرحه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَقَاماً مَا تَرَكَ شَيْئاً يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَّهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ذُكر في الباب الماضي . ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، تقدّم قريباً . ٥ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. و(حُذَيْفَة) ◌ُبه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق فمروزيّ، وحذيفة سكن الكوفة، واستعمله عمر ثها على المدائن، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، كما أشرت إليه في الحديث الماضي. ٢٦٩ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَِّيِّ ◌َ ◌ّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٥) شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) رَظُبه أنه (قَالَ: قَامَ)؛ أي: خطيباً وواعظاً، (فِينَا)؛ أي: فيما بيننا، أو لأجل أن يعظنا، ويخبرنا بما سيظهر من الفتن؛ لنكون على حذر منها في كل زمن. (رَسُولُ اللهِ وَّةَ)، وقوله: (مَقَاماً) يَحْتَمِل أن يكون مصدراً ميميّاً لـ((قام))، أو ظرف مكان، أو زمان. (مَا تَرََكَ شَيْئاً)؛ أي: مما يتعلق بأمر الدين، مما لا بدّ منه (١). (يَكُونُ) بمعنى يوجد، صفة ((شيئاً))، (فِي مَقَامِهِ) متعلق بـ(ترك))، وقوله: (ذَلِكَ) صفة ((مقامه))، أو بدل منه، إشارة إلى زمانه. (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) غاية لـ((يكونُ))، والمعنى: قام مقاماً، فما ترك شيئاً يحدُث فيه، وينبغي أن يُخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة (إِلَّا حَدَّثَ بِهِ)؛ أي: أخبر بذلك الشيء الكائن. وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: هذا المجرور الذي هو ((في مقامه)) يجوز أن يتعلّق بـ(تَرَكَ))، والأليق أن يكون متعلّقاً بـ((حَدَّثَ))؛ لأنَّ الظاهر من الكلام أنه أراد أنه ما ترك شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا حدّث به في ذلك المقام، وهذا المقام المذكور في هذا الحديث هو اليوم الذي أخبر عنه أبو زيد عمرو بن أخطب رقڅبه المذكور بعدُ، وبالحريّ يتسع يوم للإخبار عمّا ذكره، على أنه قد رَوَى الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُبه قال: ((صلّى بنا رسول الله وَّ صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيباً، فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حَفِظه مَن حَفِظه، ونسيه من نسيه))، فظاهر هذا أن هذا المقام كان من بعد العصر، لا قبل ذلك، ويجوز أن يكون كانت الخطبة من بعد صلاة الصّبح إلى غروب الشمس، كما في حديث أبي زيد، واقتصر أبو سعيد في الذكر على ما بعد العصر، وفيه بُعْدٌ، وعلى كل تقدير فعمومات هذه الأحاديث يراد بها الخصوص؛ إذ لا يمكن أن يُحَدِّث في يوم واحد، بل ولا في أيام، ولا في أعوام بجميع ما يَحْدُث بعد النبيّ وَّه تفصيلاً، وإنما مقصود هذه العمومات الإخبار عن رؤوس الفتن والمحن ورؤسائها، كما قال حذيفة نظراته: ((لكن رسول الله وَّيه قال: وهو يحدّث مجلساً أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله وَله، (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٥٦/٦. ٢٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة وهو يَعُدّ الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهنّ كرياح الصّيف، منها صغار، ومنها کبار)). قال القرطبيّ: قلت: على أني أقول: إن النبيّ ◌َّ كان الله تعالى قد أعلمه بتفاصيل ما يجري بعده لأهل بيته، وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أمته من كبار الفتن، وصغارها، وأعيان أصحابها، وأسمائهم، وأنه بَثّ الكثير من ذلك عند من يصلح لذلك من أصحابه، كحذيفة فقال: ((ما ترك رسول الله وَ﴿ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً، إلا قد سمّاه لنا باسمه، واسم أبيه، وقبيلته))، أخرجه أبو داود. وبهذا يُعلم أن أصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير، والحظ الوافر، لكن لم يُشيعوها؛ إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيء من ذلك حدّثوا به، ونقضوا عن عهدته. ولحذيفة ربه في هذا الباب زيادة مزيّة، وخصوصية لم تكن لغيره منهم؛ لأنَّه كان كثير السؤال عن هذا الباب، كما دلت عليه أحاديثه، وكما دل عليه اختصاص عمر رَضُه له بالسّؤال عن ذلك دون غيره. وأبو زيد المذكور في هذا الباب: هو عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة - الأنصاريّ، من بني الحارث بن الخزرج، صَحِب النبيّ وََّ، وقال: غزوت معه ستّ غزوات، أو سبعاً، وقد تقدم القول في حديث حذيفة نظرائه في (كتاب الإيمان)). انتهى(١). (حَفِظَهُ) - فتح الحاء المهملة، وكسر الفاء -، من باب عَلِمَ، يقال: حَفِظْتُ المالَ وغيرَه حِفْظاً: إذا منعته من الضَّيَاعِ والتَّلَف، وحَفِظْتُهُ: صُنته عن الابتذال، واحْتَفَظْتُ به، والتَّحَقُّظُ: التحرّز، وحَافَظَ على الشيء مُحَافَظَةً، ورجل حَافِظٌ لدينه، وأمانته، ويمينه، وحَفِيظٌ أيضاً، والجمع حَفَظَةٌ، وحُفَّاظٌ، مثلُ كافر في جَمْعه، وحَفِظَ القُرْآنَ: إذا وعاه على ظهر قلبه، واسْتَحْفَظْتُهُ الشيءَ: سألته أن يحفظه، وقيل: استودعته إياه، وفُسّر: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن (١) ((المفهم)) ٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢. ٢٧١ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِّ وَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٥) كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] بالقولين، قاله الفيّوميّ ◌َّهُ(١). أي: وعى المحدّثَ به (مَنْ حَفِظَهُ)؛ أي: من وفّقه الله تعالى لحفظه، (وَنَسِيَهُ) بفتح النون، وكسر السين المهملة، من باب تَعِبَ نِسياناً؛ أي: غفل عنه (مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ)؛ أي: هذا القيام، أو هذا الكلام بطريق الإجمال، (أَصْحَابِي هَؤُلَاءٍ)؛ أي: الموجودون من جملة الصحابة ظه، لكن بعضهم لا يعلمونه مفصلاً؛ لِمَا وقع لهم بعض النسيان الذي هو من خواص الإنسان، وأنا الآخر ممن نسي بعضه، وهذا معنى قوله: (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن، قال القاري: وأبعد من قال: إن الضمير لقوله: ((شيئاً)). (لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ) اللام في (ليكون)) مفتوحة، على أنه جواب لقَسَم مقدَّر، والمعنى: والله ليقع شيء مما ذكره النبيّ وَّ﴾(٢)، وقوله: (قَدْ نَسِيتُهُ) صفة لـ((الشيء))، أو حال منه، (فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ)؛ أي: فإذا عاينته تذكرت ما نسيته، والعدول من المضي إلى المضارع؛ لاستحضار حكاية الحال. وحاصل المعنى: أن حذيفة رضيُله ربما نسي بعض الأمور التي أخبر بها النبيّ ◌َّ أنها ستكون، ثم إذا رآها تقع عياناً تذكّرها، والله تعالى أعلم. ثم شبّه الموصوف بالمعايَن، (كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ)؛ أي: ثم ينساه، (ثُمَّ إِذَا رَآهُ) عياناً (عَرَفَهُ) وتذكّره، قال القاضي عياض: قوله: ((كما يذكر الرجل)) قيل: هذا الكلام فيه اختلال من تغيير الرواة، وصوابه: كما لا يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، أو كما ينسى الرجل وجه الرجل ... إلخ، وبه يصحّ تمثيله، وفي البخاريّ فيه تلفيق أيضاً. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): قوله: «فأعرفه كما يعرف الرجلُ الرجلَ إذا غاب عنه، فرآه، فعرفه)) في رواية محمد بن يوسف، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: ((كما يعرف الرجلُ)) بحذف المفعول، وفي رواية الكشميهنيّ: ((الرجل وجه الرجل، غاب عنه، ثم رآه، فعرفه)). قال عياض: في هذا الكلام تلفيق، وكذا في رواية جرير: ((وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره، كما يذكر الرجل وجه (١) ((المصباح المنير)) ١٤٢/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ٤٢٩/٨. (٢) ((عون المعبود)) ٢٠٥/١١. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه، عرفه)) قال: والصواب: كما ينسى الرجل وجه الرجل، أو كما لا يذكر الرجل وجه الرجل، إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. قال الحافظ تَخْتُ: والذي يظهر لي أن الرواية في الأصلين مستقيمة، وتقدير ما في حديث سفيان: إنه يرى الشيء الذي كان نسيه، فإذا رآه عرفه، وقوله: كما يعرف الرجل الرجل غاب عنه؛ أي: الذي كان غاب عنه، فنسي صورته، ثم إذا رآه عرفه، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن المبارك، عن سفيان، بلفظ: ((إني لأرى الشيء نسيته، فأعرفه، كما يعرف الرجل إلخ)). انتهى كلام الحافظ تَخُّْ(١) وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة رصّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٥/٦ و٧٢٣٦ و٧٢٣٧ و ٧٢٣٨] (٢٨٩١)، و(البخاريّ) في ((القدر)) (٦٦٠٤)، و(أبو داود) في ((الفتن)) (٤٢٤٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٥/٥ و٣٨٦ و٣٨٩ و٤٠١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٣١/٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٧٢/٤ و٤٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٣٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَّل ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار. ٢ - (ومنها): أن فيه كثرةَ علمه وَله بما يكون في مستقبل الزمان، وكثرة علم حذيفة رضيبه، وشدّة اهتمامه بذلك، واجتنابه من الآفات والفتن. ٣ - (ومنها): أنه قد استدَلّ بهذا الحديث بعض أهل البدع والهوى على إثبات الغيب لرسول الله وَله، وهذا جهل من هؤلاء؛ لأن علم الغيب مختصّ بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسول الله وَّة، فمن الله بالوحي، والدليل (١) ((الفتح)) ٤٩٥/١١. ٢٧٣ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ نَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٦) على هذا قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا (٨ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦، ٢٧]؛ أي: ليكون معجزة له. فكل ما ورد عنه من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله تعالى له به إعلاماً على ثبوت نبوّته، ودليلاً على صدق رسالته، قال عليّ القاري كَُّ في ((شرح الفقه الأكبر)): إن الأنبياء لم يعلموا المغيّبات من الأشياء إلا ما أعلمهم الله أحياناً، وذكر الحنفية تصريحاً بالتكفير باعتقاد أن النبيّ وَّر يعلم الغيب؛ لمعارضة قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية [النمل: ٦٥]، كذا في ((المسائرة))، وقال بعض الأعلام في إبطال الباطل من ضروريات الدين: إن علم الغيب مخصوص بالله تعالى، والنصوص في ذلك كثيرة، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، و﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَارِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، فلا يصح لغير الله تعالى أن يقال له: إنه يعلم الغيب، ولهذا لمّا قالت جارية عند رسول الله وَل تغني في العرس: وَفِينَا نَبِيٍّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أنكر ذلك عليها، وقال: ((دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين))، رواه البخاريّ. وبالجملة لا يجوز أن يقال لأحد: إنه يعلم الغيب. نَعَم الإخبار بالغيب بتعليم من الله تعالى جائز، وطريق هذا التعليم إما الوحي، أو الإلهام عند من يجعله طريقاً إلى علم الغيب. انتهى. وفي ((البحر الرائق شرح كنز الدقائق)) من كتب الحنفيّة: لو تزوج رجل بشهادة الله تعالى ورسوله وَله لا ينعقد النكاح، ويكفر؛ لاعتقاده أن النبيّ وَلّ يعلم الغيب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَنَسِيَّهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). (١) ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)) ٢٠٦/١١. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش هذه ساقها أحمد تَُّهُ في ((مسنده))، فقال : (٢٣٣٢٢) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله وسير مقاماً، فما ترك شيئاً يكون بين يدي الساعة إلا ذكره في مقامه ذلك ◌َليلة، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قال حذيفة: فإني لأرى أشياء، قد كنت نسيتها، فأعرفها كما يعرف الرجل وجه الرجل، قد كان غائباً عنه يراه، فيعرفه، وقال وكيع مرّةً: فرآه، فعرفه. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيَّفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ (٢)، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ، إِلَّا أَنّي لَمْ أَسْأَلُهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً . ٢ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ - بفتح الخاء (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٨٥/٥. (٢) وفي نسخة: ((مما هو كائن إلى يوم القيامة، أو إلى أن تقوم الساعة)). ٢٧٥ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ نَه فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٧) المعجمة، وسكون الطاء المهملة - صحابيّ صغير، وَلي الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٦. والباقون ذُكروا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذه الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. شرح الحديث : (عَنْ حُذَيْفَةَ) رَظُه؛ (أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ) ووقع في بعض النسخ: ((إلى يوم القيامة)). (فَمَا) نافية، (مِنْهُ)؛ أي: مما أخبرني النبيّ وَِّ به، (شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ)؛ أي: إلا استفسرته، وطلبت منه إيضاحه لي بالتفصيل، كما سبق مثاله في قوله: ((فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دشَّن، قلت: وما دَخَنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تَعرف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك)). قال حذيفة ◌َظُبه: (إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلُهُ) وَيِّ (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ) فإني لم أسأله، ومعنى ذلك: أنه وَّ أخبره بخروج أهل المدينة منها، لكنه نسي أن يسأله السبب الذي يُخرجهم منها، وأخرج عمر بن شبّة من حديث أبي هريرة تَظُه: (قيل: يا أبا هريرة من يُخرجهم؟ قال: أمراء السوء))، وهذا موقوف على أبي هريرة رضيبه. [تنبيه]: قد وردت أحاديث في خروج أهل المدينة: فمنها: ما أخرجه الشيخان من طريق الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة المسيِّب، أن أبا هريرة نظّ ◌ُعنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافِ - يريد عوافي السباع والطير - وآخر من يُحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما)). وأخرجا أيضاً من حديث سفيان بن أبي زهير عنه أنه قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((تُفتح اليمن، فيأتي قوم يَبِسّون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، وتُفتح الشام، فيأتي قوم يبسّون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خیر لهم لو كانوا يعلمون)). ومعنى: ((يبسون)): يسوقون دوابهم. ومنها: ما رَوى مالك عن ابن حَمَاس - بمهملتين، وتخفيف - عن عمه، عن أبي هريرة، رفعه: ((لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذئب، فيعوي على بعض سواري المسجد، أو على المنبر، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: للعوافي، الطير والسباع))، أخرجه معن بن عيسى في ((الموطأ)) عن مالك، ورواه جماعة من الثقات خارج ((الموطأ)). ومنها: ما روى أحمد، والحاكم، وغيرهما من حديث مِحجن بن الأدرع الأسلمي قال: بعثني النبيّ وَّ لحاجة، ثم لقيني، وأنا خارج من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي، حتى أتينا أُحُداً، ثم أقبل على المدينة، فقال: ((ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها، كأينع ما يكون، قلت: يا رسول الله من يأكل ثمرها؟ قال: عافية الطير والسباع)) . ومنها: ما رَوى عمر بن شَبّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله ﴿ المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: ((أما والله ليدعنّها أهلها مذلّلة أربعين عاماً للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع))(١)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الفتح)) ١٨٩/٥ - ١٩٥ رقم (١٨٧٤). ٢٧٧ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ نَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٨ - ٧٢٣٩) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة نظّته هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٧/٦ و٧٢٣٨] (٢٨٩١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٦/٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٢٢/٧)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٩١٢/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٤٧٢)، و(المقرئ الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (٨٨٩/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠. [تنبيه]: رواية وهب بن جرير عن شعبة هذه ساقها ابن منده تَخُّْهُ في ((الإيمان))، فقال: (٩٩٦) - أخبرنا محمد بن الحسن أبو طاهر، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة بن اليمان، قال: (قام فينا رسول الله وَّر، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة، إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٩] (٢٨٩٢) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَاصِم - قَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم - أَخْبَرَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ - يَعْنِي: عَمْرَوَّ بْنَ أَخْطَبَ - قَالَ: (١) ((الإيمان لابن منده)) ٩١٢/٢. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَزَّلَ، فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ، فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف العبدي مولاهم، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلد بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [4] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتِ) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥](١) (خ م قد ت س ق) تقدم في ((الحج)) ٣١٨٨/٦٠. ٥ - (عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ) ((علباء)) بكسر أوله، وسكون اللام، بعدها موحّدة، ومدّ - ابن أحمر اليشكريّ - بفتح التحتانية، وسكون المعجمة - البصريّ، صدوق من القراء [٤]. رَوَى عن أبي زيد عمرو بن أخطب، وعكرمة مولى ابن عباس، والأسود بن كلثوم. وروى عنه أبو عليّ الرَّحَبيّ، وداود بن أبي الْفُرات، والحسين بن واقد، وعزرة بن ثابت وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: لا بأس به، لا أعلم إلا خيراً، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وهو أحد القراء، له اختيار، ذكره الدانيّ. (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): من السابعة: لأنه سمع من بعض الصحابة، كما في ((الفتح)) ١٢ /٦٩٠. ٢٧٩ (٦) - بَابُ إِخْبَارِ النَّبِّ وَّهِ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٣٩) أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ) بن رفاعة الأنصاريّ الأعرج، غزا مع النبيّ وَّرَ ثلاث عشرة غزوة، ومسح رأسه، وقال: ((اللَّهُمَّ جَمِّله، فما شاب بعدها))، ونزل البصرة، روى عن النبيّ ◌َّ، وعنه ابنه بشير، وأبو قلابة، وعلباء بن أحمر، وعمرو بن بجدان، وغيرهم(١). وقال في ((الإصابة)): أبو زيد بن أخطب اسمه عمرو بن أخطب بن رفاعة بن محمود بن بشر بن عبد الله بن الضيف بن أحمر بن عديّ بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ، مشهور بكنيته، وهو جدّ عزرة بن ثابت لأمه، أخرج الترمذيّ من طريق أبي عاصم، عن عزرة، عن علباء بن أحمر، عن أبي زيد بن أخطب، قال: مسح النبيّ وَّ يده على وجهي، ودعا لي، وفي رواية أحمد في هذا الحديث وحده: زادني جمالاً، قال: فأخبرني غير واحد أنه بلغ بضعاً ومائة سنة أسود الرأس واللحية، وفي رواية لأحمد من وجه آخر عن أبي نَهِيك، حدّثني أبو زيد، قال: استسقى رسول الله وَالآ ماء، فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة، فأخذتها، فقال: ((اللَّهُمَّ جمِّله)) قال: فرأيته ابن أربع وتسعين، ليس في لحيته شعرة بيضاء، وصححه ابن حبان، والحاكم(٢). أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتاب الستة إلا خمسة أحاديث(٣)، هذا الحديث عند مسلم فقط، وعند (١) ((تقريب التهذيب)) ٤١٨/١. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٩٩/٤. (٣) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٣٣/٨ - ١٣٤. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أبي داود، والنسائيّ حديث، وعند الترمذيّ حديث، وفي ((الشمائل)) له حديث، وعند ابن ماجه حدیث. شرح الحديث: عن أبي (زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ) الأنصاريّ ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ الْفَجْرَ)؛ أي: صلاة الفجر، (وَصَعِدَ) بكسر العين؛ أي: رقي (الْمِنْبَرَ) النبويّ، وهذا صريح في أن هذه الواقعة كانت في المسجد النبويّ. (فَخَطَبَنَا)؛ أي: وعظنا، وذكّرنا (حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ)؛ أي: صلاتها، (فَنَزَلَ) عن المنبر (فَصَلَّى) الظهر، (ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ)؛ أي: صلاتها، (ثُمَّ نَزَلَ) عن المنبر (فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) قال في ((العمدة)): أفاد هذا الحديث بيان المقام المذكور زماناً، ومكاناً، وأنه كان على المنبر، من أول النهار إلى أن غابت الشمس(١). ثم ظاهر الحديث أنه لم يتخلّل بين تلك الخطب إلا النزول للصلاة، ثم الصعود، ويَحْتَمِل أن يكون بينها استراحات، لكن هذا الاحتمال بعيد من سياق الحديث، فلا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ)؛ أي: بما وقع قبل ذلك من الأمور الغيبيّات، كالوقائع التي حصلت في الأمم السابقة، (وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ) في المستقبل إلى يوم القيامة، ففي حديث عمر نظريته قال: ((قام فينا النبيّ وَّ مقاماً، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حَفِظ ذلك من حَفِظه، ونسيه من نسيه)) رواه البخاريّ، قال في ((العمدة)): قوله: ((حتى دخل)) كلمة ((حتى)) غاية للمبدأ، وللإخبار؛ أي: حتى أخبر عن دخول أهل الجنة، والغرض أنه أخبر عن المبدأ، والمعاش، والمعاد جميعاً، وإنما قال: ((دخل)) بلفظ الماضي موضع المستقبل مبالغةً: للتحقق المستفاد من خبر الصادق. انتهى(٢). علماً بذلك الحديث (أَحْفَظُنَا)؛ أي: (فَأَعْلَمُنَا)؛ أي: أكثر الصحابة . (١) ((عمدة القاري)) ١١٠/١٥. (٢) ((عمدة القاري)) ١١٠/١٥.