النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَةَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٧) فما بال المقتول؟ قال: ((إنه أراد أن يقتل أخاه)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلاَحَ، فَهُمَا فِي جُرُفٍ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، دَخَلَاهَا جَمِيعاً))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلِّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٦. ٢ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، وآخره شين معجمة - أبو مريم العبسيّ الكوفيّ، ثَقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. والباقون تقدّموا قريباً . وقوله: (فَهُمَا فِي جُرُفٍ جَهَنَّمَ) وقال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في معظم النسخ: ((جُرُف)) بالجيم، وضم الراء، وإسكانها، وفي بعضها: ((حَرْف)) بالحاء، وهما متقاربتان، ومعناه: على طرفها قريب من السقوط فيها. انتهى(٢). وقال القاضي عياض ◌َُّ في ((المشارق)): ((على جرف جهنم)) كذا للعذريّ، والطبريّ، والباجيّ، والسمرقنديّ، ولابن ماهان: ((في حرّ(٣))، ورواه بعضهم: ((جوف)) بالجيم، والواو، ورواه بعضهم: ((حرف)) بالحاء المهملة مفتوحة، والراء، ومعانيها كلها مفهومة متقاربة، صحيحة، والوجه هنا (١) ((السنن الكبرى)) ٣١٦/٢، و((المجتبى)) ١٢٥/٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/١٨. (٣) ((في حرّ)) بالحاء المهملة، والراء، وغير فاء، مصدر حرّت النار تَحِرّ حرّاً، وحَرَارة، قاله القرطبيّ كَظُّ. ((المفهم)) ٢١٤/٧. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة فيه: جُرُفها، كما قال تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]، أو حرفها، والله أعلم. انتهى(١). وقال المناويّ كَخَّتُهُ: ((جرف)) - بالجيم، وضم الراء، وسكونها، وبحاء مهملة مفتوحة، وسكون الراء -؛ أي: جانب، أو طرف جهنم؛ أي: هما قريب من السقوط فيها، فإذا قتله وقعا فيها جميعاً، أما القاتل فظاهر، وأما المقتول فلقصده قتل أخيه، وفيه أن من نوى معصيةً، وأصرّ آثم، وإن لم يفعلها، قاله المناويّ ◌َّهُ(٢). [تنبيه]: ذكر الدار قطنيّ كَخَّتُهُ هذا الإسناد مما خالف فيه الثوريّ شعبة، فلم يرفعه، قال: وأخرج مسلم حديث غندر، عن شعبة، عن منصور، عن ربعيّ بن حراش، عن أبي بكرة، عن النبيّ وَّر: ((إذا التقى المسلمان ... )) الحديث، قال: وعلّقه البخاريّ، وقال: قال غندر وشبابة، وقال: لم يرفعه الثوريّ عن منصور. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ: أن هذا الحديث اختلف فيه شعبة والثوريّ، فرفعه شعبة، ووقفه الثوريّ، وتقديم رفع شعبة في هذا واضح؛ لأنه إمام حجة، فلا تردّد في ترجيحه، ومما يؤيّد ذلك أن الحديث تقدّم من طريق الأحنف عن أبي بكرة مرفوعاً، فهذا أقوى ما يُستدلّ به على ترجيح الرفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية ربعيّ بن حراش عن أبي بكرة ◌َظُه هذه ساقها ابن ماجه تَّتُهُ في ((سننه))، فقال: (٣٩٦٥) - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن منصور، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن أبي بكرة، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا المسلمان حَمَل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على جُرُف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعاً)). انتهى(٣). (١) ((مشارق الأنوار)) ١٤٧/١. (٣) ((سنن ابن ماجه)) ١٣١١/٢. (٢) ((فيض القدير)) ٢٨١/١. ٢٤٣ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٨] (١٥٧)(١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)). رجال هذا الإسناد: خمسةٌ : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ مَّ د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِِّ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُتبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وفيه أبو هريرة ظ به أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ)؛ أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: الحديث الآتي، وهو عبارة عن صحيفة مشهورة لهمّام بن منبّه فيها (١٣٨) حديثاً، ومن جملتها هذا الحديث المشار إليه هنا. (مَا) موصولة خبر ((هذا))، (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) نَظُبه (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرَ) أبو هريرة ◌َظُهُ (أَحَادِيثَ) وقد أسلفت آنفاً أنها (١٣٨) حديثاً. (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ:) فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، ((لا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانٍ) بكسر الفاء، بعدها همزة مفتوحة، تثنية فئة، وهي الجماعة، قال بعضهم: المراد بهما: من كان مع عليّ (١) تقدّم، فهو مكرّر. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ومعاوية ﴿ًّا لمّا تحاربا بصِفِين(١). (عَظِيمَتَانٍ)؛ أي: لأنهما خلاصة الأمة، وأهل القرون المفضّلة، (وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ) ((المقتلة)) بفتح الميم، مصدر ميميّ؛ أي: قتلٌ عظيمٌ، فإن كان المراد من الفئتين فئة عليّ وفئة معاوية ها، كما زعموا فقد قُتل بينهما، وحَكَى ابن الجوزي في ((المنتظم)) عن أبي الحسن البراء قال: قُتل بصِفِّين سبعون ألفاً، خمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق، وخمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، فمن أصحاب أمير المؤمنين عليّ خمسة وعشرون بدريّاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وكانت فيه تسعون وقعةً، وحُكي عن ابن سيف أنه قال: أقاموا بصفين تسعة، أو سبعة أشهر، وكان القتال بينهم سبعين زحفاً، قال: وقال الزهريّ: بلغني أنه كان يُدفن في القبر الواحد خمسون رجلاً، ذكره في ((العمدة))(٢). (وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ))؛ أي: دينهما واحدٌ؛ لأن كلّاً منهما كان يتسمى بالإسلام، أو المراد: أن كلّاً منهما كان يَدّعِي أنه المحقّ، وذلك أن عليّاً كان إذ ذاك إمام المسلمين، وأفضلهم يومئذ باتفاق أهل السُّنَّة، ولأن أهل الحلّ والعقد بايعوه بعد قتل عثمان رَظُبه، وتخلف عن بيعته أهل الشام. وقال الكرمانيّ: ((دعواهما واحدة))؛ أي: يدعي كل منهما أنه على الحق، وخصمه مبطل، ولا بدّ أن يكون أحدهما مصيباً، والآخر مخطئاً، كما كان بين عليّ ومعاويةٌ رَّها، وكان عليّ هو المصيبَ، ومخالفه مخطئ ضي معذور في الخطأ؛ لأنه بالاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وقال وَلّى: ((إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر)). انتهى. قال في ((العمدة)): وفيه نظر، وهو موضع التأمل، بل الأحسن السكوت عن ذلك. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فئتان)) بكسر الفاء، بعدها همزة مفتوحة: تثنية فئة؛ أي: جماعة، ووصفهما في الرواية الأخرى بالعِظَم؛ أي: بالكثرة، والمراد بهما: من كان مع عليّ ومعاوية لمّا تحاربا بصفين. وقوله: ((دعواهما واحدة))؛ أي: دينهما واحد؛ لأن كلّاً منهما كان (١) ((عمدة القاري)) ١٦/ ١٤١. (٣) ((عمدة القاري)) ١٤١/١٦. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤١/١٦. ٢٤٥ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٨) يتسمى بالإسلام، أو المراد: أن كلّاً منهما كان يدعي أنه المحقّ، وذلك أن عليّاً رَظُبَّه كان إذ ذاك إمام المسلمين، وأفضلهم يومئذ باتفاق أهل السُّنَّة، ولأن أهل الحلّ والعقد بايعوه بعد قتل عثمان رظُه، وتخلّف عن بيعته معاوية في أهل الشام، ثم خرج طلحة، والزبير، ومعهما عائشة، إلى العراق، فدَعَوُا الناس إلى طلب قتلة عثمان؛ لأن الكثير منهم انضموا إلى عسكر عليّ فخرج عليّ إليهم، فراسلوه في ذلك، فأبى أن يدفعهم إليهم، إلا بعد قيام دعوى من وليّ الدم، وثبوت ذلك على من باشره بنفسه، ورحل عليّ بالعساكر طالباً الشام داعياً لهم إلى الدخول في طاعته، مجيباً لهم عن شُبَههم في قتلة عثمان بما تقدم، فرحل معاوية بأهل الشام، فالتقوا بصِفِّين بين الشام والعراق، فكانت بينهم مقتلة عظيمة، كما أخبر به وله، وآل الأمر بمعاوية ومن معه عند ظهور عليّ عليهم إلى طلب التحكيم، ثم رجع عليّ إلى العراق، فخرجت عليه الحرورية، فقتلهم بالنهروان، ومات ◌َظُه بعد ذلك، وخرج ابنه الحسن بن علي ◌ّ بعده بالعساكر لقتال أهل الشام، وخرج إليه معاوية، فوقع بينهم الصلح، كما أخبر به ◌َله في حديث أبي بكرة تَظُه أن الله يصلح به بين فئتين (١) من المسلمين. انتهى ٠ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٢٨/٤ و٧٢٢٩] (١٥٧)(٢)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٠٨ و٣٦٠٩) و((استتابة المرتدّين)) (٣٩٣٥) و((الفتن)) (٧١٢١)، و(همّام بن منبّه) في ((صحيفته)) (٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٢ و٥٣٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧٣٤)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (١٧٢/٨) و ((الدلائل)) (٤١٨/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٨١/٧ - ٢٨٢ (كتاب المناقب)) رقم (٣٦٠٨). (٢) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر. ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ ◌َّير حيث أخبر بالمقاتلة التي تكون بعده، فكانت كما أخبر وعدالله. ٢ - (ومنها): بيان أن المتقاتلين من الجهتين مسلمون لا يضرّ بإيمانهم قتالهم للمسلمين، ولذلك سمّاهم الله رت في كتابه بالمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فسمّاهم المؤمنين، وسمّاهم النبيّ وَّ في الحديث الماضي بالمسلمين، فقال: ((إذا التقى المسلمان ... )) الحديث. ٣ - (ومنها): أنه تقدّم أن المراد بالفئتين: عليّ ومن معه، ومعاوية ومن معه، ويؤخذ من تسميتهم مسلمين، ومن قوله: ((دعوتهما واحدة)) الردّ على الخوارج، ومن تبعهم في تكفيرهم كلّاً من الطائفتين. ٤ - (ومنها): أن حديث: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) دلّ على أن عليّاً وَظُ كان هو المصيب في تلك الحرب؛ لأن أصحاب معاوية قتلوه، وقد أخرج البزار بسند جيّد عن زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر عليّ، فالزموها، فإنها على الحقّ. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيّد عن الزهريّ قال: لمّا بلغ معاويةَ غلبةُ عليّ على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه أهل الشام، فسار إليه عليّ، فالتقيا بصفين، وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفيّ أحد شيوخ البخاري في (كتاب صفين))، من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع عليّاً في الخلافة، أَوَ أنت مثله؟ قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل مني، وأحقّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه، ووليه، أطلب بدمه، فأتوا عليّاً، فقولوا له: يدفع لنا قَتَلة عثمان، فأتوه، فكلموه، فقال: يدخل في البيعة، ويحاكمهم إليّ، فامتنع معاوية، فسار عليّ في الجيوش من العراق، حتى نزل بصِفّين، وسار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فتراسلوا، فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال إلى أن قُتل من الفريقين فيما ذكر ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) نحو سبعين ٢٤٧ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٨) ألفاً، وقيل: كانوا أكثر من ذلك، ويقال: كان بينهم أكثر من سبعين زحفاً. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي الرضا، سمعت عمّاراً يوم صفين يقول: من سَرّه أن يكتنفه الحور العين، فليتقدم بين الصفين محتسباً، ومن طريق زياد بن الحارث: كنت إلى جنب عمار، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا واحد، ولكنهم قوم حادوا عن الحقّ، فحقّ علينا أن نقاتلهم، حتى يرجعوا. وذكر ابن سعد أن عثمان رُه لمّا قُتل، وبويع عليّ أشار ابن عباس عليه، أن يُقِرّ معاوية على الشام، حتى يأخذ له البيعة، ثم يفعل فيه ما شاء، فامتنع، فبلغ ذلك معاوية، فقال: والله لا ألي له شيئاً أبداً، فلما فرغ عليّ من أهل الجمل أرسل جرير بن عبد الله البجليّ إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فامتنع، وأرسل أبا مسلم كما تقدم، فلم ينتظم الأمر، وسار عليّ في الجنود إلى جهة معاوية، فالتقيا بصفين في العشر الأول من المحرم، وأول ما اقتتلوا في غُرّة صفر، فلما كاد أهل الشام أن يُغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، ودعوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين، فجرى ما جرى من اختلافهما، واستبداد معاوية بمُلك الشام، واشتغال عليّ بالخوارج. وعند أحمد من طريق حبيب بن أبي ثابت: أتيت أبا وائل، فقال: كنا بصفين، فلما استحرّ القتل بأهل الشام، قال عمرو لمعاوية: أرسل إلى عليّ المصحف، فادعه إلى كتاب الله، فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبٍ [آل عمران: ٢٣] فقال عليّ: ٢٣ الَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ نعم أنا أولى بذلك، فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا أمير المؤمنين ما ننظر بهؤلاء القوم، ألا نمشي عليهم بسيوفنا، حتى يحكم الله بيننا، فقال سهل بن حنيف: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، فقد رأيتنا يوم الحديبية، فذكر قصة الصلح مع المشركين، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١). (١) ((الفتح)) ٨٦/١٣. ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن لا يخوض في شأن هاتين الطائفتين، بل يُحسن الظن بكلتيهما، ومن أحسن ما نُقل عن عمر بن عبد العزيز: لما سئل عن القتال الذي جرى بين الطائفتين، قال: تلك داء طهّر الله منها سيوفنا، فلا نقذّر بها ألسنتنا، أو كما قال، رحم الله عمر، ورضي عنه، ما أعظم احترامه وإعزازه لأصحاب النبيّ وَل9، وهذا هو واجب كلّ مسلم تجاه الصحابة ، فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ رَُّته قال: قال النبيّ ◌َّ: ((لا تسبّوا أصحابي، فلوا أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه))، وأخرج الترمذيّ عن عبد الله بن مغفل نظ به قال: قال رسول الله وَّ: ((اللهَ اللهَ في أصحابي، اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه))، وفي سنده ضعف، لكن يشهد له ما قبله. وأخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية رضيبه من طريق ابن منده، ثم من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازيّ، قال: جاء رجل إلى عمي، فقال له: إني أبغض معاوية، قال له: لم؟ قال: لأنه قاتل عليّاً بغير حقّ، فقال له أبو زرعة: رَبُّ معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فما دخولك بينهما؟ . وخلاصة الأمر: أنه يجب على المسلم صون لسانه، ويده، وقلبه عن الكلام في أصحاب رسول الله وَلّ، وترك الخوض في ذلك، فإن دعت حاجة إلى بيان بعض الأمور المتعلّقة بهم فليتكلّم بالتبجيل والاحترام، بقدر ما تدعو الحاجة إليه، والحذر الحذر عن تقليد بعض المنحرفين، فإنه عين الهلاك، نسأل الله ◌ُعَلَ أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه رؤوف رحيم، جواد كريم، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ٢٤٩ (٤) - بَابٌ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - حديث رقم (٧٢٢٩) (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ))، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ الْقَتْلُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)(١) بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري - بتشديد التحتانية - المدني، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لا) نافية، (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ) بفتح الهاء، وإسكان الراء، آخره جيم، فسّره في الحديث، قال أبو هريرة رَظُه: (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرين مجلس تحديث رسول الله وَل﴿ بهذا الحديث: (وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) وَلِهِ: ((الْقَتْلُ الْقَتْلُ))) مكرّراً للتوكيد، الهرج هو الاختلاط، يقال: هَرَج الناسُ يَهْرِجون، من باب ضرب؛ أي: اختلطوا، قال ابن منظور تَخْلُهُ: وأصل الهرج: الكثرة في المشي، والاتساع، والهرج: الفتنة في آخر الزمان، والهرج: شدّة القتل، وكثرته، وفي الحديث: ((بين يدي الساعة هرج))؛ أي: قتال، واختلاط. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): الهرج بفتح الهاء، وسكون الراء، وفي آخره جيم، قال في ((العباب)): الهرج: الفتنة، والاختلاط، وقال الصغانيّ: وأصل الهرج: الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات يهرجها ليلته جمعاء، ويقال للفرس: مَرّ يَهْرِج، وإنه لَمِهْرَج، ومِهْراج، إذا كان كثير الجري، وهَرَج القوم (١) ((تقريب التهذيب)) ٦٠٨/١. (٢) (لسان العرب)) ٣٨٩/٢. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة في الحديث: إذا أفاضوا فيه، فأكثروا، والهراجة: الجماعة يهرجون في الحديث، وقال ابن دريد: الهرج: الفتنة في آخر الزمان، وقال القاضي: الفِتَن بعض الهرج، وأصل الهرج والتهارج: الاختلاط والقتال، ومنه قوله: ((فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة))، ومنه: يتهارجون تهارج الْحُمُر، قيل: معناه يتخالطون رجالاً ونساءً، ويتناكحون مُزاناً، ويقال: هرجها يهرجها: إذا نكحها، ويهرجها بفتح الراء، وضمها، وكسرها(١). انتهى باختصار(٢). قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة رظله هذا بهذا السياق المختصر من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وإلا فالحديث متفقٌ عليه مطوّلاً، وقد تقدّم في ((كتاب العلم)) برقم [٦٧٩٢/٥]، وتقدّم بيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٥) - (بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٠] (٢٨٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا حَقَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ (٣)، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ، أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ (١) هكذا قال في ((العمدة)) مثلث الراء، والذي في ((القاموس)) و((شرحه)) أنه بضم الراء وكسرها فقط، فليُتنبّه. (٢) ((عمدة القاري)) ٩٢/٢. (٣) وفي نسخة: ((بسنة بعامة)). ٢٥١ (٥) - بَابٌ هَلَاُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٠) اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكَ بَعْضاً، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً)). رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ، أبو قلابة البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، قال العجليّ: فيه نَصْبٌ يسير [٣] مات بالشام هارباً من القضاء، سنة أربع ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٣ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثد الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢. ٤ - (ثَوْبَانُ) بن بُجدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن الهاشميّ مولى النبيّ وَل﴿، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢. والباقون تقدموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء. شرح الحديث : (عَنْ ثَوْبَانَ) رَظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ)؛ أي: جَمَعها لأجلي، قال التوربشتيّ: زويتُ الشيءَ: جمعته، وقبضته، يريد به: تقريب البعيد منها، حتى اطّلع عليه اطلاعه على القريب منها . وحاصله: أنه طوى له الأرض، وجعلها مجموعة كهيئة كفّ في مرآة نَظَرَه، (فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا)؛ أي: جميعها، قال القرطبيّ تَُّهُ: معنى ((زوى))؛ أي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوّى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، وكما قال: ((إني لأبصر قصر ٢٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة المدائن الأبيض)»، ويَحْتَمِل أن يكون مَثّلها الله تعالى له، فرآها، والأول أَولى. (١) . انتھی (وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ) بالبناء للمفعول، (لِي مِنْهَا) قال الخطابيّ تَظْتُ: توهّم بعض الناس أن ((مِنْ)) في ((منها)) للتبعيض، وليس ذلك كما توهّمه، بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه: أن الأرض زُويت لي جملتها مرّةً واحدةً، فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تُفتح لأمتي جزءاً فجزءاً حتى يصل مُلك أمتي إلى كل أجزائها . قال القاري: أقول: ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن مُلك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض، فالمراد بالأرض أرض الإسلام، وإن ضمير ((منها)) راجع إليها على سبيل الاستخدام، والله أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الخطابيّ هو الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: قوله: ((إن أمتي سيبلغ ملكها إلخ)): هذا الخبر قد وُجد مبرره، كما قال ◌َ﴾، وكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن مُلك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق، مما وراء خراسان، والنهر، وكثير من بلاد الهند، والسند، والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر وَليقول أنه أُريه، ولا أخبر أن مُلك أمته يبلغه. انتهى(٣). وقال النوويّ كَّتُهُ: وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله، كما أخبر به ◌َّ، قال العلماء: المراد بالكنزين: الذهب، والفضة، والمراد كنزي كسرى، وقيصر، ملكي العراق، والشام، وفيه إشارة إلى أن مُلك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال، فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب، وصلوات الله (١) ((المفهم)) ٢١٦/٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١٣/١٦. (٣) ((المفهم)) ٢١٧/٧. ٢٥٣ (٥) - بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٠) وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ [النجم: ٤]. انتهى(١). يُوحَى (وَأُعْطِيتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطاني الله تَ (الْكَنْزَيْنِ)، وقوله: (الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ) بدلان مما قبلهما؛ أي: كنز الذهب والفضة، قال التوربشتيّ: يريد بالأحمر والأبيض: خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم. وقال القرطبيّ تَخُّ: قوله: ((أعطيت الكنزين)) يعني به: كنز كسرى، وهو مَلِك الفرس، ومُلك قيصر، وهو مَلِك الروم، وقصورهما: بلادهما، وقد دلّ على ذلك قوله ◌َّ في الحديث الآخر حين أخبر عن هلاكهما: (لتُنفَقَنّ كنوزهما في سبيل الله))، رواه مسلم، وعبّر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأنَّ الغالب كان عندهم الفضّة، والجوهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر رَهُبه، فإنَّه سيق إليه تاج كسرى، وحِلْيته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حَوَته مملكته على سعتها، وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، لمّا فُتحت بلاده. انتهى (٢). (وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ)؛ أي: بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين، قال الطيبيّ كَثّتُهُ: السنة: القحط والجدب، وهي من الأسماء الغالبة، ووقع في نسخة: ((بعامّة)) بزيادة الباء. وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((بسنة بعامة)) كذا صحت الرواية بالباء في ((بعامة))، وكأنها زائدة؛ لأنَّ ((عامة)) صفة لـ((سنة))، فكأنه قال: بسنة عامة، ويعني بالسنة: الجدب العامّ الذي يكون به الهلاك العام، ويُسمّى الجدبُ والقحط سنةً، ويُجمع على سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ بِلِسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]؛ أي: بالجدب المتوالي. انتهى (٣). (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً) وهم الكفار، وقوله: (مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ) (١) ((شرح النوويّ)) ١٣/١٨. (٣) ((المفهم)) ٢١٧/٧. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٢١٧. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة صفة ((عدوّاً))؛ أي: كائناً من سوى أنفسهم، وإنما قيّده بهذا القيد لِمَا سأل أوّلاً ذلك، فمُنِعٍ على ما يأتي في الحديث التالي. (فَيَسْتَبِيحَ)؛ أي: العدوّ، وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد، (بَيْضَتَهُمْ)؛ أي: يستأصل مُجتمعهم، وقال الطيبيّ تَخْتُ: أراد بالبيضة؛ أي: مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومُستقرّ دعوتهم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد: عدوّاً يستأصلهم، ويُهلكهم جميعهم، وقيل: أراد: إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلها من طعم أو فرخ، وإذا لم يهلك أصل البيضة ربما سلم بعض فراخها، والنفي منصبّ على السبب والمسبَّب معاً، فيُفهم منه أنه قد يُسلط عليهم عدوّ، لكن لا يستأصل شأفتهم. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: بيضة المسلمين: معظمهم، وجماعتهم، وفي (الصحاح)): بيضة كل شيء: حَوْزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدوّ على كافّة المسلمين، حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل مَن بين أقطار الأرض، وهي: جوانبها. انتهى (٢). (وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً)؛ أي: حكمت حكماً مُبْرَماً (فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ)؛ أي: بشيء، بخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه كما حُقق في باب الدعاء(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إذا قضيت قضاء لا يرد)) يُستفاد منه أنه لا يستجاب من الدعاء إلا ما وافقه القضاء، وحينئذ يُشكل ما قد رُوي عنه وَالّ أنه قال: ((لا يردّ القضاء إلا الدعاء))، ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن القضاء الذي لا يردّه دعاء، ولا غيره، هو الذي سبق عِلم الله بأنه لا بُدّ من وقوعه، والقضاء الذي يردّه الدعاء، أو صلة الرحم، هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ, أُمّ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١/ ٣٦٣٧. (٢) ((المفهم)) ٢١٨/٧. (٣) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١٣/١٦. ٢٥٥ (٥) - بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٠) الْكِتَبِ [الرعد: ٣٩]، وقد تقدّم ذلك في ((كتاب القدر)). انتهى (١). ٣٩ (وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ)؛ أي: عهدي وميثاقي، (لأُمَّتِكَ)؛ أي: لأجل أمة إجابتك، (أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ)؛ أي: بحيث يعمهم القحط، ويهلكهم بالكلية، قال الطيبيّ: اللام في ((لأمتك)) هي التي في قوله سابقاً: ((سألت ربي لأمتي))؛ أي: أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك، والكاف هو المفعول الأول، وقوله: ((أن لا أهلكهم)) هو المفعول الثاني، كما هو في قوله: ((سألت ربي أن لا يهلكها)) هو المفعول الثاني(٢). (وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ)؛ أي: الذين هم (بِأَقْطَارِهَا)؛ أي: بأطرافها، جمع قُطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستبيح عدوّ من الكفار بيضتهم، ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم، وجواب ((لو)) ما يدل عليه قوله: ((وأن لا أسلط)). وقوله: (أَوْ قَالَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، (مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا)؛ أي: نواحي الأرض، (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكَ بَعْضاً، وَيَسْبِي) كَيَرْمي بالرفع عطف على ((يهلك))؛ أي: ويأسر (بَعْضُهُمْ) بوضع الظاهر موضع المضمر، (بَعْضاً))) آخر، قال القاري: وفي نسخة بالنصب؛ أي: بنصب ((يسبي)) على أن يكون عطفاً على ((يكون)). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً))، ظاهر (حتى)): الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام أنه لا يسلّط عليهم عدوّهم، فيستبيحهم، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسَبْي بعضهم لبعض، وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرّقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدوّ، فقويت شوكة العدوّ، واستولى، كما شاهدناه في أزماننا هذه في المشرق والمغرب، وذلك أنه لمّا اختلف ملوك الشرق، وتجادلوا استولى كفار الترك على جميع عراق العجم، ولمّا اختلف ملوك المغرب، وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة (١) ((المفهم)) ٢١٩/٧. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١/ ٣٦٣٧. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة منها، وها هم قد طَمِعوا في جميع بلاد الإسلام، نسأل الله تعالى أن يتدارك المسلمين بالعفو، والنصر، واللطف، ولا يصحّ أن تكون ((حتى)) هنا بمعنى (كي)) لفساد المعنى، فتدبّره. انتهى(١). وقال الطيبيّ: ((حتى)) بمعنى ((كي))(٢)؛ أي: لكي يكون بعض أمتك يُهلك بعضاً، فقوله: ((إني إذا قضيت قضاء فلا يرد)) توطئة لهذا المعنى، ويدل عليه حديث خَبّاب بن الأرت ظُه قال: قال رسول الله وَ ل: ((إني سألت الله ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يُهلك أمتي بسنة، فأعطاني، وسألته أن لا يُسَلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضَهم بأس بعض، فمنعنيها))، رواه الترمذيّ، وصححه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثوبان رضّه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٠/٥ و٧٢٣١] (٢٨٨٩)، و(أبو داود) في (الفتن)) (٤٢٥٢)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٧٦)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٨/٥ و٢٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١١/٦)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٣٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧١٤ و٧١٣٨)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٢٨٤/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨١/٩) و((الدلائل)) (٥٢٦/٦ - ٥٢٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٠١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَللو، حيث أخبر بما سيكون بعده، فوقع كما أخبر به وَله . ٢ - (ومنها): بيان عظمة منزلة النبيّ وَّل عند الله ◌ُعَلَ حيث يكرمه بإعطاء (١) ((المفهم)) ٢١٨/٧. (٢) قد عرفت في كلام القرطبيّ أن كونها بمعنى ((كي)) لا يصحّ، فتأمله. ٢٥٧ (٥) - بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٠) ما سأله في أمته من ظهور عدوّهم عليهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع أهل الدنيا كلهم، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على هذه الأمة، الأمة المرحومة. ٣ - (ومنها): بيان عظمة هذا الدين، وأنه يملأ الأرض كلّها، وقد وُجد ذلك، وقد أخرج أحمد في ((مسنده))، وصححه ابن حبّان من حديث المقداد بن الأسود نظُله قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر، ولا وبر، إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعِزّ عزيز، أو ذُلّ ذليل، إما يعزهم الله ◌َ، فيجعلهم من أهلها، أو يُذلهم، فيدينون لها))(١). وأخرج أيضاً، وصححه الحاكم، من حديث تميم الداريّ ◌ُه قال: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعِزّ عزيز، أو بذُلّ ذليل، عزّاً يُعزّ الله به الإسلام، وذلّاً يذل الله به الكفر))، وكان تميم الداري . يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلّ، والصغار، والجزية(٢). ٤ - (ومنها): ما قاله المظهر تَّتُهُ: (اعلم) أن الله تعالى في خلقه قضاءين: مبرماً ومعلقاً، أما القضاء المعلّق فهو عبارة عما قدّره في الأزل معلّقاً بفعل، كما قال: إن فَعَل الشيء الفلانيّ كان كذا وكذا، وإن لم يفعله فلا يكون كذا وكذا، من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِثٌ﴾ الآية [الرعد: ٣٩]. وأما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدّره ◌َّ في الأزل من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، بحيث لا يتغير بحال، ولا يتوقف على المقضيّ عليه، ولا المقضيّ له؛ لأنه من علمه بما كان وما يكون، وخلاف معلومه مستحيل قطعاً، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال الله تعالى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ الآية [الرعد: ٤١]، فقوله: ((إذا قضيت قضاء فلا يردّ)) من القبيل الثاني، ولذلك لم يُجَب إليه، وفيه أن الأنبياء ◌ِلَيْلا مستجابو (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/٦. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٠٣/٤. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الدعوة إلا في مثل هذا(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَ لَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ، حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ رُبّما وَهِم [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، كجعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير قتادة. [تنبيه]: رواية قتادة عن أبي قلابة هذه ساقها ابن حبّان ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال: (٦٧١٤) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، أن نبيّ الله وَّ قال: ((إن الله زَوَى لي الأرضَ، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين: الأحمر، والأبيض، وإن مُلك أمتي (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٦٣٨/١١. ٢٥٩ (٥) - بَابٌ هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ - حديث رقم (٧٢٣٢) سيبلغ ما زُوي لي منها، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكهم بسنة عامّة، وأن لا يُسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، فيهلكهم، ولا يُلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا أعطيت عطاءً، فلا مردّ له، إني أعطيتك لأمتك أن لا يهلكوا بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوّاً من غيرهم)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٢] (٢٨٩٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْم مِنَ الْعَالِيَّةِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّيْنَا مَّعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَقَالَ رََّ: ((سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثاً، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - الكوفيّ، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) - بنون، مصغراً - الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله أربع وثمانون سنةَ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عباد بن حُنيف - بالحاء المهملة، والنون، مصغّراً - الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل الأربعين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤. ٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٠٩/١٥. ٢٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ٥ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. وشيخه ((ابن أبي شيبة)) ذُكر في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل، وفيه رواية الراوي عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ظه، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم موتاً، وأول من رمى بسهم في سبيل الله څبه. شرح الحديث: عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص نَظُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ)؛ أي: يوماً من الأيام، فـ((ذات)) مقحمة. (مِنَ الْعَالِيَةِ) قال المجد دَّتُ: أَلعالية: قُرى بظاهر المدينة، وهي العوالي، والنسبة إليها عاليّ، وعُلْويّ بالضمّ نادر. انتهى (١). (حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةً) هم بطن من الأنصار، وقيل: كان المسجد في المدينة. (دَخَلَ) في ذلك المسجد (فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ)؛ أي: تحية، أو فريضة، (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ)؛ أي: مقتدين بِهِ وَّه (وَدَعَا) بَ (رَبَّهُ طَوِيلاً)؛ أي: زماناً كثيراً، أو دعاء عريضاً بعد الصلاة، والظاهر أن أصحابه دعوا معه، أو أمّنوا، والأظهر أن طويلاً قيد للصلاة، والدعاء، ويحتمل أن يكون قيْداً للصلاة فقط؛ لِمَا في حديث خباب بن الأرتّ ◌َ﴿به قال: صلى رسول الله وَل صلاة، فأطالها، قالوا: يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: ((أَجَلْ، إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة ... )) الحديث، رواه الترمذيّ، وصحّحه. (١) ((القاموس المحيط)) ص٩٠٨.