النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٢) - بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ - حديث رقم (٧٢١٥)
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) هي حفصة بنت عمر ◌َّ المذكورة في الحديث
الماضي، كما صرّح به الحافظ المزيّ كَُّ في ((تحفته)(١)، لكن قال النوويّ:
وقد ذكر مسلم الحديث بعد هذه الرواية من رواية حفصة، وقال: ((عن أم
المؤمنين))، ولم يسمّها، قال الدارقطنيّ: هي عائشة، قال: ورواه سالم بن أبي
الجعد عن حفصة، أو أم سلمة، وقال: والحديث محفوظ عن أم سلمة، وهو
أيضاً محفوظ عن حفصة، ذكره القاضي عياض(٢).
والأصح أنها حفصة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ) بفتح الميم، والنون؛ أي: قوّة تمنعهم،
وتحميهم، قال الفيّوميّ تَظُّهُ: يقال: هو في مَنَعَةٍ بفتح النون؛ أي: في عزّ
قومه، فلا يقدر عليه من يريده، قال الزمخشريّ: وهي مصدر مثل الأَنَفَةِ،
والْعَظَمَة، أو جمع مَانِع، وهم العشيرة، والْحُمَاة، ويجوز أن تكون مقصورة من
المناعة، وقد تسكن فيّ الشِّعر، لا في غيره، خلافاً لمن أجازه مطلقاً، وأزال
مَنَعَةَ الطير؛ أي: قوّته التي يمتنع بها على من يريده، والمَنَاعَةُ بالفتح مثل
(٣)
.
المَنَعَةِ. انتهى
وقوله: (وَلَا عَدَدٌ)؛ أي: وليس لهم جماعة متعدّدون.
وقوله: (وَلَا عُدَّةٌ)) بضمّ العين، وتشديد الدال المهملتين: ما أُعدّ من
مال، أو سلاح، أو غير ذلك، والجمع عُدَدٌ، مثل غُرْفَة وغُرَف، والعُدَّةُ أيضاً:
الاستعداد، والتأهب، أفاده الفيّوميّ كَظُّهُ(٤)، والمعنى: ليس لهم أسلحة
يدفعون بها عن أنفسهم.
وقوله: (قَالَ يُوسُفُ) بن ماهك (وَأَهْلُ الشَّأْم)؛ يعني: جيش يزيد بن
معاوية .
وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ) وكان ممن يقوّي أمر ابن الزبير
،
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٧٨/١١ - ٢٧٩ و٢٨١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤١٤/٨، و((شرح النوويّ)) ٥/١٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٨١/٢.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
ولما حوصر بابن الزبير أذن له بأن يخرج من حزبه، لصون نفسه، وقال له: قد
أذنت له، وأقلتك بيعتي، فأبى عبد الله بن صفوان أن يتركه في تلك الحالة،
حتى قُتل معه، وهو متعلّق بأستار الكعبة، حكاه الزبير بن بكار، كما في
(تهذيب التهذيب))(١) .
ومن حسن إنصافه أنه مع كونه من أنصار ابن الزبير أنكر أن يكون
الجيش الذي غزا ابن الزبير مصداقاً لهذا الحديث(٢).
وقوله: (أَمَا وَاللهِ مَا هُوَ بِهَذَا الْجَيْشِ)؛ أي: ما الجيش الذي يُخسف بهم
بهذا الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية إلى مكة لقتال الزبير، كما ظهر أنه لم
يُخسف بهم، والذي أثار هذا الحديث في وقت ابن الزبير أنه عندما طالبه
يزيد بن معاوية ليبايعه، فرّ من المدينة إلى مكة، واستجار بالبيت، ووافقه على
رأيه جماعة، فجهز يزيد جيشاً من أهل الشام إلى مكة، فتحدّث الناس أن ذلك
الجيش يُخسف بهم، وذكروا الحديث عن رسول الله وَلّر، فقال عبد الله بن
صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، فظهر صدق ما قاله، حيث إن ذلك
الجيش لم يُخسف بهم، والله تعالى أعلم(٣).
وقوله: (قَالَ زَيْدٌ)؛ يعني: ابن أبي أُنيسة.
[تنبيه]: رواية عبد الملك العامري، عن عبد الرحمن بن سابط هذه لم
أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢١٦] (٢٨٨٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبِثَ رَسُولُ اللهِ لَ ◌ّهِ فِي مَنَامِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ
صَنَعْتَ شَيْئاً فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ: ((الْعَجَبُ إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ
الْبَيْتَ (٤) بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ))،
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٦/٥.
(٣) راجع: ((الكوكب الوهّاج)) ٢٦/ ٧٣.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٦٤/٦.
(٤) وفي نسخة: ((بالبيت)).

٢٠٣
(٢) - بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ - حديث رقم (٧٢١٦)
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ، قَالَ: «نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ،
وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكاً وَاحِداً، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى،
يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) ذُكر في الباب الماضي.
٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدّب البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ) بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال.
هو: القاسم بن الفضل بن معدان، أبو المغيرة البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء
[٧] (١٦٧) (بخ م ٤) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٥٨/٤٥.
[تنبيه]: قوله: ((الْحُدّانيّ)) - بضمّ الحاء، وتشديد الدال المهملتين -: نسبة
إلى حُدّان، وهم بطن من الأزد، وهو حُدّان بن شمس بن عمرو بن غنم بن
غالب بن عثمان بن نصر بن الأزد، قاله في ((اللباب))(١).
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل
البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العَوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو
خُبيب - بالمعجمة، مصغراً - كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من
المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، إلى أن قُتل في ذي الحجة سنة ثلاث
وسبعين (ع) تقدم في «الطهارة» ٦١٠/١٦.
٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ُّهَا، أم المؤمنين، تقدّمت قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأن فيه صحابيّ عن صحابيّة هي
خالته، وفيه عائشة ◌َؤُهَا أفقه نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٣٤٧.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) ◌ِّهَا؛ (أَنَّ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌َؤُّ، وأخرجه
البخاريّ من طريق محمد بن سُوقة، عن نافع بن خبير، حدّثتني عائشة، قال في
((الفتح)): قوله: ((حدثتني عائشة)) هكذا قال إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن
سُوقة، وخالفه سفيان بن عيينة، فقال: عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير،
عن أم سلمة، أخرجه الترمذيّ، ويَحْتَمِل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما،
فإن روايته عن عائشة أتمّ من روايته عن أم سلمة، وقد أخرجه مسلم من وجه
آخر عن عائشة، ورَوَى من حديث حفصة شيئاً منه، وروى الترمذيّ من حديث
صفية نحوه. انتهى(١).
(قَالَتْ: عَبِثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي مَنَامِهِ) بكسر الباء، قيل: معناه اضطرب
بجسمه، وقيل: حَرّك أطرافه، كمن يأخذ شيئاً، أو يدفعه(٢).
وقال القرطبيّ: قوله: ((عبث رسول الله وَلّ في منامه)) وجدته مقيّداً بفتح
الباء؛ أي: أتى بكلمات كأنها مختلطة، يقال: عبث الشيء يعبثه: إذا خلطه،
بفتح الباء في الماضي، وكَسْرها في المضارع، فأمَّا عَبِث بكسر الماضي، وفتح
المضارع فمعناه: لعب. انتهى (٣).
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَنَعْتَ شَيْئاً فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ) فيما مضى من
زمانك، (فَقَالَ) وَ: ((الْعَجَبُ) بالرفع فاعل لفعل محذوف؛ أي: حملني عليه
العجب، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو العجب؛ أي: الأمر الغريب الذي
يُتعجّب منه، ثم بيّن ذلك العجب بقوله: (إِنَّ نَاساً) بكسر همزة ((إنّ))؛ لوقوعها
في الابتداء، كما قال في ((الخلاصة)):
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ
وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيمِينٍ مُكْمِلَهْ
وقوله: (مِنْ أُمَّتِي) صفة لـ((ناساً))، (يَؤُمُّونَ)؛ أي: يقصدون (الْبَيْتَ)؛
أي: الكعبة، ووقع في بعض النسخ: ((يؤمون بالبيت)). قال القرطبيّ: أُشرب -
(١) ((الفتح)) ٤٨٢/٥، (كتاب البيوع)) رقم (٢١١٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/١٨ - ٧.
(٣) ((المفهم)) ٢٢٧/٧.

٢٠٥
(٢) - بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ - حديث رقم (٧٢١٦)
أي: ضُمّن - يؤمون معنى ينزلون، فعدّاه بالباء، وهو مما يتعدّى بنفسه (١)،
وقوله: (بِرَجُلٍ)؛ أي: بسبب قتال رجل (مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ)؛ أي: لاذ
والتجأ، واستجار منهم بالبيت، (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِاَلْبَيْدَاءِ) وفي رواية البخاريّ:
((فإذا كانوا ببيداء من الأرض))، وفي حديث صفية على الشكّ، وتقدّم عن أبي
جعفر الباقر قال: هي بيداء المدينة، والبيداء: مكان معروف بين مكة والمدينة،
تقدم شرحه في ((كتاب الحجّ)). (خُسِفَ بِهِمْ))) بالبناء للمفعول، وفي رواية
البخاريّ: ((يخسف بأولهم وآخرهم))، زاد الترمذيّ في حديث صفية: ((ولم ينج
أوسطهم))، وزاد في حديث حفصة المتقدّم: ((فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر
عنهم))، واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط، وأن العرف
يقضي بدخوله فيمن هلك، أو لكونه آخراً بالنسبة للأول، وأولاً بالنسبة للآخر،
فيدخل، قاله في ((الفتح))، قالت عائشة ﴿ّ: (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الطَّرِيقَ
قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ) المستحقّين للهلاك، وغير المستحقّين، فكيف يُخسف بهم
كلهم؟، وفي رواية البخاريّ: ((قالت: قلت يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم
وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((وفيهم أسواقهم)) كذا عند البخاريّ بالمهملة،
والقاف، جمع سُوق، وعليه ترجم البخاريّ، والمعنى: أهل أسواقهم، أو السوقة
منهم، وقوله: ((ومن ليس منهم))؛ أي: من رافقهم، ولم يقصد موافقتهم، ولأبي
نعيم من طريق سعيد بن سليمان، عن إسماعيل بن زكريا: ((وفيهم أشرافهم))
بالمعجمة، والراء، والفاء، وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيليّ: ((وفيهم
سواهم))، وقال: وقع في رواية البخاريّ: ((أسواقهم))، فأظنه تصحيفاً، فإن
الكلام في الخسف بالناس، لا بالأسواق، وعقّبه الحافظ، فقال: بل لفظ:
((سواهم)) تصحيف، فإنه بمعنى قوله: ((ومن ليس منهم))، فيلزم منه التكرار،
بخلاف رواية البخاريّ، نعم أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس
في لفظ أسواقهم ما يمنع أن يكون الخسف بالناس، فالمراد بالأسواق: أهلها؛
أي: يُخسف بالمقاتلة منهم، ومن ليس من أهل القتال، كالباعة.
(١) ((المفهم)) ٧/ ٢٢٧.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وغرض عائشة ظيًّا من هذا كله أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا
إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة، فوقع الجواب بأن العذاب يقع
عاماً؛ لحضور آجالهم، ويُبعثون بعد ذلك على نياتهم.
(قَالَ) وَّهِ: (نَعَمْ) يجمع الطريق المختلفين قصداً وعملاً، (فِيهِمُ
الْمُسْتَبْصِرُ)؛ أي: العارف لِمَا يقصده الجيش المتعمّد لانتهاك بيت الله الحرام،
قال النوويّ: المستبصر: هو المستبين لذلك، القاصد له عمداً. (وَالْمَجْبُورُ)؛
أي: المكره الذي لم يخرج باختياره، وإنما أخرجه قهراً، قال النوويّ:
المجبور: هو المكره، يقال: أجبرته فهو مُجْبَر، هذه هي اللغة المشهورة،
ويقال أيضاً: جبرته فهو مجبور، حكاها الفراء وغيره، وجاء هذا الحديث على
هذه اللغة(١). (وَابْنُ السَّبِيلِ) المراد به سالك الطريق معهم، وليس منهم،
(يَهْلِكُونَ مَهْلَكاً)؛ أي: هلاكاً (وَاحِداً)؛ يعني: أن العذاب يقع على جميعهم،
فيهلكون معاً، (وَيَصْدُرُونَ)؛ أي: يرجعون، ويُبعثون في الآخرة (مَصَادِرَ شَتَّى)؛
أي: مراجع مختلفة باختلاف نيّاتهم، كما قال: (يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)))
الحسنة، والسيّئة، فيجازيهم بحَسَبها، والمعنى: أنه يُخسف بالجميع؛ لشؤم
الأشرار، ثم يعامَل كلُّ أحد عند الحساب بحسب قصده.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: ((المستبصر)): البصير بالأمور، و(المجبور)): المكره
الذي لا حيلة له في دفع ما يُحمل عليه، وهو من جبرت الرجلَ على الشيء يفعله،
فهو مجبور، ثلاثيّاً، ويقال: أجبرته رباعيّاً، وهو الأصحّ والأكثر، فهو مُجْبَرٌ.
وقوله: ((يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتّى)): المهلك:
الهلاك، ويصدرون: يرجعون، وأصل الصّدر: الرجوع عن موضع الماء،
وشتّى: مختلفين بحَسَب نيَّاتهم. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٢).
وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من
مجالستهم، ومجالسة البغاة، ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به،
وفيه أن من كَثّر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا، والله
تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٧.
(٢) ((المفهم)) ٢٢٦/٧ - ٢٢٨.

٢٠٧
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢١٧)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢١٦/٢] (٢٨٨٤)، و(البخاريّ) في ((البيوع))
(٢١١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٥/٦ و٢٥٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٧٥٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١١/٥)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢١٧] (٢٨٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَشْرَفَ عَلَى أُطُم مِنْ آَطَامِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا
أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ، كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم ذُكروا في البابين الماضيين غير واحد، وهو:
١ - (أُسَامَةُ) بن زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد،
وأبو زيد، الصحابي المشهور، مات رظُه سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمس
وسبعين بالمدينة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَامَةَ) زاد في رواية للبخاريّ: (ابن زيد)) وفي رواية الحميديّ،
وابن أبي عمر في ((مسنده)) عن ابن عيينة، عن الزهريّ، ((أخبرني عروة، أنه
سمع أسامة بن زيد)). (أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ أَشْرَفَ)؛ أي: نظر من مكان مرتفع، وقال
في ((العمدة)): هو من الإشراف، وهو الاطلاع من علو، وفي رواية عند

٢٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
الإسماعيليّ: ((أوفى))، وهو بمعنى أشرف؛ أي: اطّلع من علو (عَلَى
أُطُم) بضمتين، وهو الحصن، والقَصْر، (مِنْ آَطَام الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ) وَّ: (هَلْ
تَرَوَّنَ مَا أَرَى؟) ثمّ بيّن الذي رآه، فقال: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوع اللام في
خبرها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ
لَامُ ابْتِدَاءِ نَحْوُ (إِنِّي لَوَزَرْ)»
(لأَرَى) يَحْتَمل أن تكون الرؤية بمعنى العلم، أو رؤية العين، بأن تكون
الفِتَن مُثِّلت له حتى رآها، كما مثّلت له الجنة والنار في القبلة، حتى رآهما،
وهو يصلي، وهذا الاحتمال هو الظاهر، والأقرب، والله تعالى أعلم.
(مَوَاقِعَ الْفِتَنِ)؛ أي: مواضع سقوطها، (خِلَالَ بُيُوتِكُمْ)؛ أي: أوساطها،
وقيل: الخلال: النواحي، (كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ)؛ أي: المطر، شبّه سقوط الفتن،
وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم.
ووقع عند البخاريّ من رواية المستملي، والكشميهنيّ: ((كوقع المطر))،
والتشبيه في الكثرة والعموم، لا خصوصية لها بطائفة، وفيه إشارة إلى الحروب
الجارية بينهم، كقتل عثمان رظُه، ويوم الحرّة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد
الراء - وفيه معجزة ظاهرة للنبيّ وَّة، قاله في ((العمدة))(١).
ووقع في رواية البخاريّ: ((فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع
القطر)).
وقال في ((الفتح)): في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان: ((إني
لأرى مواقع الفتن))، قال:
والمراد بمواقع الفتن: مواضع السقوط، والخلال: النواحي، قال
الطيبيّ: (تقع)) مفعولٌ ثان، ويَحْتَمِل أن يكون حالاً، وهو أقرب، والرؤية
بمعنى النظر؛ أي: كُشف لي، فأبصرت ذلك عياناً.
وإنما اختصت المدينة بذلك؛ لأن قَتْل عثمان رَُّه كان بها، ثم انتشرت
الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالْجَمَل، وبصِفِّين كان بسبب قتل
عثمان رظُه، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصِفّين، وكل قتال وقع في
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١٨٢.

٢٠٩
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢١٧)
ذلك العصر إنما تولّد عن شيء من ذلك، أو عن شيء تولد عنه، ثم إن قتل
عثمان كان أشدّ أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ
ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بين حديث الباب، وبين
الحديث: ((ألا إن الفتنة من قِبَل المشرق))، وحَسُن التشبيه بالمطر؛ لإرادة
التعميم؛ لأنه إذا وقع في أرض معيّنة عمّها، ولو في بعض جهاتها(١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ◌ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢١٧/٣ و٧٢١٨] (٢٨٨٥)، و(البخاريّ) في
((فضائل المدينة)) (١٨٧٨) و((المظالم)) (٢٤٦٧) و((المناقب)) (٣٥٩٧) و((الفتن))
(٧٠٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٩/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٪
٢٠٠ و٢٠٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٤٨/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٧٪
١٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٥٣/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَله، حيث أخبر بما سيكون، وقد
ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان رصُّبه، وهَلُمّ جرّا، ولا سيما يوم الحرّة.
٢ - (ومنها): بيان ما ابتليت به هذه الأمة من الفتن المتتالية، وهذا أمر
قد قضاه الله ◌ُعَلَ، لا مردّ له، وقد دعا النبيّ وَّل في دفعه عن أمته، ولكن الله
تعالى لم يُجبه إلى ذلك؛ لحكمة يعلمها الله رَك، ففي حديث سعد بن أبي
وقّاص نَّه أن رسول الله وَلَّ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد
بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف
إلينا، فقال ◌َلّ: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألت
ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنَة، فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أمتي بالغرق،
(١) ((الفتح)) ١٦ /٤٤٨.
..

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها))، رواه مسلم.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخّْتُهُ: أنذر النبيّ ◌َل في حديث زينب
بقرب قيام الساعة، كي يتوبوا قبل أن تَهْجُم عليهم، وقد ثبت أن خروج يأجوج
ومأجوج قرب قيام الساعة، فإذا فُتح من ردمهم ذاك القدر في زمنه وَّ لم يزل
الفتح يتسع على مرّ الأوقات، وقد جاء في حديث أبي هريرة ◌َظُه رفعه: ((ويل
للعرب من شرّ قد اقترب، موتوا إن استطعتم))، قال: وهذا غاية في التحذير من
الفتن، والخوض فيها، حيث جعل الموت خيراً من مباشرتها، وأخبر في
حديث أسامة ظنه بوقوع الفتن خلال البيوت؛ ليتأهبوا لها، فلا يخوضوا فيها،
ويسألوا الله الصبر، والنجاة من شرها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢١٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَظَتُهُ في ((صحيحه))،
فقال :
(٦٦٥١) - وحدّثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
الزهريّ، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبيّ وَ ل﴿ على أُظُم من
آطام المدينة، فقال: ((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإني لأرى الفتن
تقع خلال بيوتكم، كوقع القطر)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢١٩] (٢٨٨٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال كَّتُهُ ١١/١٠.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٨٩/٦.

٢١١
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢١٩)
سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ،
الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ
السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأَ فَلْيَعُذْ بِهِ)).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو ابن محمد بن بكير البغداديّ، ذُكر في الباب.
٢ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: ابن عليّ بن محمد الخلّال نزيل مكة، تقدّم
قريباً .
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ذُكر في السند الماضي.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، تقدّم
قبل باب.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ
المدنيّ، نزيل بغداد، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم أيضاً قبل باب.
٨ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المخزوميّ المدني الفقيه، تقدّم قريباً.
٩ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الفقيه المدنيّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
١٠ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُله تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيَّين، هما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة أحفظ من
روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي) سعيد (بْنُ الْمُسَيِّبِ،

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(قَالَ: قَالَ
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) بَّه
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ) في رواية المستملي: ((فتنة)) بالإفراد، والمراد:
جميع الفتن، وقيل: هي الاختلاف الذي يكون بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم
على الإمام، ولا يكون الْمُحِقّ فيها معلوماً، بخلاف عليّ ومعاوية ط﴾(١).
(الْقَاعِدُ فِيهَا)؛ أي: في زمنها عنها (خَيْرٌ مِنَ الْقَائِم)؛ لأن القائم يَرَى،
ويسمع ما لا يراه، ولا يسمعه القاعد، فهو أقرب إلى الفتنة منه.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((القاعد فيها خير من القائم)) زاد الإسماعيليّ من
طريق الحسن بن إسماعيل الكلبيّ، عن إبراهيم بن سعد بسنده فيه في أوله:
((النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد))، والحسن بن
إسماعيل المذكور وثقه النسائيّ، وهو من شيوخه، وهذه الزيادة عند مسلم من
رواية أبي داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد، وكان أخرجه أولاً من طريق
يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، كرواية محمد بن عبيد الله شيخ البخاريّ
فيه، فكأن إبراهيم بن سعد كان يذكره تامّاً وناقصاً.
ووقع في رواية خَرَشة بن الْحُرّ عند أحمد، وأبي يعلى، مثل هذه الزيادة.
ولهذه الزيادة شاهدٌ من حديث ابن مسعود عند أحمد، وأبي داود،
بلفظ: ((النائم فيها خير من المضطجع)) وهو المراد باليقظان، في الرواية
المذكورة؛ لأنه قابله بالقاعد. انتهى (٢).
(وَالْقَائِمُ) بمكانه (فِيهَا)؛ أي: في تلك الحالة، (خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي) في
أسبابها، (وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) إليها؛ أي: الذي يسعى، ويعمل
فيها، وفي حديث ابن مسعود: ((والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها
خير من المُجري، قَتْلاها كلها في النار)).
قال النوويّ: القصد بيان عِظَم خطرها، والحثّ على تجنبها، والهرب
منها، وعن التسبب في شيء منها، وأن شرها يكون على حسب التعلق بها(٣).
وقال في ((العمدة)): معنى ((القاعدُ خيرٌ من القائم)): الذي لا يستشرفها،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١٩٠.
(٣) ((فيض القدير)) ٩٨/٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٦/١٦ - ٤٧٧.

٢١٣
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢١٩)
وقال الداوديّ: الظاهر أنه إنما أراد أن يكون فيها قاعداً، وحَكَى ابن التين عنه
أن الظاهر أن المراد من يكون مباشراً لها في الأحوال كلها؛ يعني: أن بعضهم
في ذلك أشدّ من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها، بحيث يكون سبباً
الإثارتها، ثم من يكون قائماً بأسبابها، وهو الماشي، ثم من يكون مباشراً لها،
وهو القائم، ثم من يكون مع النّظّارة، ولا يقاتل، وهو القاعد، ثم من يكون
مُحَسِّناً لها، ولا يباشر، ولا ينظر، وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه
شيء من ذلك، ولكنه راض، وهو النائم، والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية:
من يكون أقلّ شرّاً ممن فوقه، على التفصيل المذكور. انتهى(١).
(مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا)؛ أي: انتصب لها، وتطلّع إليه، وتعرّض لها،
(تَسْتَشْرِفُهُ)؛ أي: تغلبه، وتصرعه، وقيل: هو من الإشراف على الهلاك؛ أي:
تستهلكه، وقيل: من طلع لها بشخصه طالعته بشرّها .
وقال المناويّ تَخْلُهُ: ((من تشرّف لها)) بفتح المثناة، والمعجمة، وتشديد
الراء: تطلع إليها؛ أي: الفتنة، ((تستشرفه))؛ أي: تجره لنفسها، وتدعوه إلى
الوقوع فيها، والتشرف: التطلع، واستعير هنا للإصابة بشرورها(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُ: قوله: ((من تشرَّف لها تستشرفه))؛ أي: من تعاطاها،
أو تَشَوّف إليها صرعته، وأهلكته، وهو مأخوذ من أشرف المريضُ على
الهلاك: إذا أشفى عليه، وقد رُوي: ((من يتشرّف إليها))، على أنه فعل مضارع
مجزوم بالشرط، والأول على أنه فعل ماض بموضع جزم بالشرط. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((من تشرف لها)) بفتح المثناة، والمعجمة،
وتشديد الراء؛ أي: تطلّع لها بأن يتصدَّى ويتعرض لها، ولا يُعرِض عنها،
وضُبط أيضاً من الشرف، ومن الإشراف، وقوله: ((تستشرفه))؛ أي: تُهلكه بأن
يُشرف منها على الهلاك، يقال: استشرفت الشيء: علوته، وأشرفت عليه،
يريد: من انتصب لها انتصبت له، ومن أعرض عنها أعرضت عنه.
وحاصله: أن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرّها، ويَحْتَمِل أن يكون
(١) ((عمدة القاري)) ١٣٨/١٦ و١٩٠/٢٤.
(٢) ((فيض القدير)) ٩٩/٤.
(٣) ((المفهم)) ٢١١/٧.

٢١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
المراد: مَن خاطر فيها بنفسه أهلكته، ونحوه قول القائل: من غالبها غلبته.
انتھی .
(وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأَ)؛ أي: عاصماً، أو موضعاً يلتجئ إليه، ويعتزل
فيه، (فَلْيَعُذْ بِهِ)؛ أي: فليلجأ إلى ذلك الموضع.
ووقع في رواية البخاريّ: ((فمن وجد منها ملجأ، أو معاذاً، فليَعُذ به))،
قال في ((الفتح)): قوله: ((ملجأ))؛ أي: يلتجئ إليه من شرّها، وقوله: ((أو معاذاً))
بفتح الميم، وبالعين المهملة، وبالذال المعجمة: هو بمعنى الملجأ، قال ابن
التين: ورويناه بالضم؛ يعني: مُعاذاً، وقوله: ((فليعذ به))؛ أي: ليعتزل فيه؛
لِيَسْلَم من شر الفتنة، وفي رواية سعد بن إبراهيم: ((فليستعذ))، ووقع تفسيره في
حديث أبي بكرة الآتي عند مسلم، ولفظه: ((فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق
بإبله، وذكر الغنم، والأرض، قال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له؟
قال: يَعْمِد إلى سيفه، فيدُقّ على حدّه بحجر، ثم لينجُ إن استطاع)).
وفيه التحذير من الفتنة، والحثّ على اجتناب الدخول فيها، وأن شرّها
يكون بحَسَب التعلق بها، والمراد بالفتنة: ما ينشأ عن الاختلاف في طلب
المُلك، حيث لا يُعْلَم المحقّ من المبطل. انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢١٩/٣ و٧٢٢٠ و٧٢٢١] (٢٨٨٦)،
و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٠١) و((الفتن)) (٧٠٨١ و٧٠٨٢)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٢٣٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٢/٢)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٣٧٣/١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٥٩)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٩٠/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في هذا الحديث:
(١) ((الفتح)) ١٦ /٤٧٨.

٢١٥
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢١٩)
قال الطبريّ تَخْتُ: اختلف السلف في هذا الحديث، فحمله بعضهم على
العموم، وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقاً، كسعد،
وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، في آخرين، وتمسكوا بالظواهر
المذكورة وغيرها، ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة: بلزوم البيوت، وقالت
طائفة: بل بالتحول عن بلد الفتن أصلاً، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إذا هُجم
عليه شيء من ذلك يكفّ يده، ولو قُتل، ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه،
وعن ماله، وعن أهله، وهو معذور إن قَتَل، أو قُتِل.
وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام، فامتنعت من الواجب عليها،
ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان، وجب على كل
قادر الأخذ على يد المخطئ، ونَصْر المصيب، وهذا قول الجمهور.
وفصّل آخرون، فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا
إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع، وتُنَزَّل الأحاديث التي في هذا الباب
وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعيّ، قال الطبريّ: والصواب أن يقال: إن
الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قَدَر عليه، فمن أعان
المحقّ أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي
ورد النهي عن القتال فيها .
وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حقّ ناس مخصوصين، وأن
النهي مخصوص بمن خوطب بذلك، وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر
الزمان، حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب المُلك، وقد وقع
في حديث ابن مسعود رظُه الذي سبقت الإشارة إليه: ((قلت: يا رسول الله،
ومتى ذلك؟ قال: أيام الهرج، قلت: ومتى؟ قال: حين لا يأمن الرجل
جليسه))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حَمْله على الزمان الذي تكون فيه
المقاتلة لطلب المُلك، والتنافس في الدنيا أرجح، وأما إذا كان القتال لإحقاق
الحقّ، ومناصرة صاحب الحقّ، ودفع البغاة عليه، كما وقع لعليّ .
(١) ((الفتح)) ٤٧٨/١٦، ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٨١).

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فالحمل عليه بعيد، وإن حمله بعض السلف، كما سلف آنفاً؛ لأن آية: ﴿وَإِن
طَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَِّى
تَبْغِى حَتَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ﴾ [الحجرات: ٩] تردّه، فتأمل بالإمعان، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: الحديث المشار إليه هو ما أخرجه أحمد في ((مسنده) عن
عمرو بن وابصة الأسديّ، عن أبيه، قال: إني بالكوفة في داري، إذ سمعت
على باب الدار السلام عليكم، أألج؟ قلت: عليكم السلام فلِجْ، فلما دخل،
فإذا هو عبد الله بن مسعود، قلت: يا أبا عبد الرحمن أية ساعة زيارة هذه؟
وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال علي النهار، فذكرت من أتحدث إليه، قال:
فجعل يحدثني عن رسول الله وَلي، وأحدثه، قال: ثم أنشأ يحدثني، قال:
سمعت رسول الله والله يقول: ((تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع،
والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها
خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري،
قَتْلاها كلها في النار))، قال: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: ((ذلك أيام
الهرج)) قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: ((حين لا يأمن الرجل جليسه)). قال:
قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: ((اكفف نفسك، ويدك، وادخل
دارك)). قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن دخل رجل على داري؟ قال:
((فادخل بيتك)). قال: قلت: أفرأيت إن دخل على بيتي؟ قال: فادخل
مسجدك، واصنع هكذا، وقبض بيمينه على الكوع، وقل: ربي الله، حتى
تموت على ذلك))(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٢٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعٍ بْنٍ
(١) (مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١/ ٤٤٨، قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ كَّفُ في
(«مجمع الزوائد)» ٣٠٢/٧: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. انتهى.

٢١٧
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٠)
الأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنٍ مُعَاوِيَةَ، مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَزِيدُ:
((مِنَ الصَّلَاةِ صَلَةٌ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ))).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة
المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه،
وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت٩٤) وقيل
غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ) بن حارثة بن نَضْلة بن عون بن
عبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب العدويّ المدنيّ، يقال: له صحبة، وذكره أبو
نعيم في التابعين.
روى عن خاله نوفل بن معاوية الدِّيليّ، وعنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، ذكره الزبير بن بكار في أولاد مطيع، قال: وأمهم أم كلثوم
بنت معاوية بن عروة، أخرج له الشيخان حديثاً واحداً مقروناً من حديث
الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن الزهريّ عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مطيع، عن نوفل، مثل حديث أبي هريرة،
ذكره ابن حبان في الصحابة، ونسبه هكذا عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود بن
المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشيّ، وكذا نسب أخاه عبد الله بن مطيع،
قال الحافظ: ووَهِمَ في ذلك، والصواب ما تقدم، وذكره ابن منده في ((معرفة
الصحابة))، وعاب ذلك عليه أبو نعيم، وقال: عداده في التابعين، والله أعلم.
تفرّد به الشيخان، وليس له عندهما إلا هذا الحديث، فتنبّه.
٣ - (تَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن عروة، وقيل: ابن عمرو بن صخر بن يعمر بن
نُفاثة بن عديّ بن الدِّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أبو معاوية الدِّيليّ - بكسر
المهملة، وسكون التحتانية - صحابيّ شَهِد مع النبيّ وَّر فتح مكة، وحَجّ مع
أبي بكر الصديق ﴿ّ سنة تسع، ومع النبيّ وَّر سنة عشر، روى عن النبيّ ◌ََّ،
وروى عنه ابن أخته عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، وعراك بن مالك،
وعوف بن الحارث، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وخرج

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
إلى المدينة، فنزل بها في بني الديل، ومات بها في خلافة يزيد بن معاوية،
وقد بلغ مائة سنة، أو أكثر.
قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر (١) قال: أخبرنا أبو بكر بن
عبد الله بن أبي سبرة، عن جواثة بن عبيد الديليّ، قال: عُمِّر نوفل بن معاوية
الديليّ في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، قال محمد بن عمر:
وكان نوفل بن معاوية قد شَهِد بدراً مع المشركين من قريش، وشَهِد معهم
أُحداً، والخندق، وكان له ذِكر، ونكاية، فأسلم بعد ذلك، وشهد مع
رسول الله وَ له فتح مكة، وشهد معه حُنيناً، والطائف، ونزل المدينة في بني
الدِّيل، وحج مع أبي بكر الصديق سنة تسع، وحج مع النبيّ وَّ سنة عشر،
ورَوَى عن رسول الله أحاديث، ومات بالمدينة في خلافة معاوية، وقال غيره:
في خلافة يزيد بن معاوية(٢).
روى له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحدیث.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
(٣)
لم أجد من ساقه بتمامه١١٢،
هذا
دولليب
[تنبيه]: حديث نوفل بن معاوية
وقد أخرج النسائيّ جزء الصلاة، فقال:
(٤٧٩) - أخبرنا عيسى بن حماد زُغبة، قال: حدّثنا الليث، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله ولايه
يقول: ((من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله))، قال ابن عمر: سمعت
رسول الله وَلا يقول: ((هي صلاة العصر))، خالفه محمد بن إسحاق:
(١) هو: الواقديّ.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٣٠/ ٧٠.
(٣) وهكذا وقع عند البخاريّ حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة من طريق
الزهريّ ◌َفُ ما نصّه ١٣١٨/٣ :
(٣٤٠٧) - وعن ابن شهاب، حدّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن
عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية، مثل حديث أبي هريرة
هذا، إلا أن أبا بكر يزيد: ((من الصلاة صلاة، من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله)).

٢١٩
(٣) - بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ - حديث رقم (٧٢٢٠)
(٤٨٠) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثني
عمي، قال: حدّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي
حبيب، عن عراك بن مالك، قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: ((صلاة من
فاتته، فكأنما وُتر أهله وماله))، قال ابن عمر: قال رسول الله وَّة: ((هي صلاة
(١)
العصر)). انتهى(١).
فقوله: ((من)) شرطيّة، جوابها: ((فكأنما وُتر)).
وقوله: ((وتر)) بالبناء للمفعول، و((أهله)) بالنصب عند جمهور النحاة على
أنه مفعول ثان لِوُتِرَ، وأضمر المفعول الأول نائب فاعل، وهو عائد على ((من))
من قوله: ((من فاتته))، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، فـ(وتر)) متعد إلى
مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: (وتر))
هنا: نقص، فعلى هذا يجوز نصبه، ورفعه؛ لأن من رَدَّ النقصَ إلى الرجل
نَصَبَ، وأضمر ما يقوم مقام الفاعل، ومن ردّه إلى الأهل رفع.
وقال القرطبي: يروى بالنصب على أن ((وُتِرَ)) بمعنى سُلِبَ، وهو يتعدى
إلى مفعولين، وبالرفع على أن ((وتر)) بمعنى أخِذَ، فيكون ((أهله)) هو المفعول
الذي لم يُسمَّ فاعله.
وحقيقة الْوَتْر، كما قال الخليل: هو الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله
في المال مجاز، لكن قال الجوهري: المَوتُورُ هو الذي قُتل له قتيل، فلم يدرك
بدمه، تقول منه: وُتِرَ، وتقول أيضا: وَتَرَهُ حَقَّه؛ أي: نقصه، وقيل: الموتور:
من أُخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه، وذلك أشد لِغَمِّهِ، فوقع التشبيه بذلك لمن
فاتته الصلاة؛ لأنه يجتمع عليه غَمَّانِ؛ غمّ الإثم، وغمّ فَقْد الثواب، كما يجتمع
على الموتور غمّان؛ غمّ السلب، وغمّ الطلب بالثَّأر.
وقيل: معنى وتر: أُخذ أهله وماله، فصارَ وتراً؛ أي: فرداً، ويؤيد الذي
قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع،
فذكر نحو هذا الحديث، وزاد في آخره: ((وهو قاعد)).
قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت شرح هذا الحديث، وبيّنت ما وقع
(١) (سنن النسائي (المجتبى))) ٢٣٨/١.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فيه من الاختلاف في سنده، في ((شرح النسائيّ))، فارجع إليه (١) تستفد علماً،
وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ،
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: («تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْطَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ
الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ، أَوْ مَعَاذَاً فَلْيَسْتَعِذْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٧٣/٦.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو المذكور في السند الماضي.
٤ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولي قضاء
المدينة، وكان ثقةً، فاضلاً، عابداً [٥] (ت١٢٥) وقيل: بعدها وهو ابن اثنتين
وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقیان ذُکرا قبل حدیث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٢٢] (٢٨٨٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ،
حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّخَّامُ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدُ السَّبَخِيُّ إِلَّى
مُسْلِمٍ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ فِي أَرْضِهِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ
فِي الْفِتَنِ حَدِيثاً؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
(١) ((ذخيرة العقبى)) ٣٢١/٦ - ٣٢٦ رقم (٤٧٨/١٧).