النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٤)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ
[١٠] (ت٢٢٩) أو بعدها بسنة (م صد) تقدم في ((الصيام)) ٢٧٠٩/٣٢.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦)
وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٧.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ: وقع في نسخة ابن الحذّاء:
((حدّثنا شيبان بن عبد الرحمن)) بدل: حدّثنا شيبان بن فرّوخ، وهذا خطأ
فاحشٌ، وصوابه: شيبان بن فرّوخ، وهو الأبلّيّ، من شيخ مسلم، وأما
شيبان بن عبد الرحمن، فهو النحويّ، يُكنى أبا معاوية، وليس في طبقة من
يروي عنه مسلم، هو أعلى من ذلك. انتهى(١).
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم البصريّ، أبو سعيد، ثقةٌ ثقةٌ،
قاله يحيى بن معين [٧] أخرج ه البخاريّ مقروناً، وتعليقاً (ت١٦٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك رَُّّهَ ذُكر في الباب.
٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفيل بن عبد العزى بن رِياح بتحتانية القرشيّ
العدويّ، أمير المؤمنين الخليفة المشهور، جمّ المناقب، استُشهد في ذي
الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفاً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣/ ٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
رضى عنه ،
أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير عمر
فمدنيّ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ◌َّا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَظُبه؛ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ) بن الخطّاب
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٢٨/٣.
رضىعنه
١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
(بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ)؛ أي: طلبنا أن نراه، (وَكُنْتُ رَجُلاً حَدِيدَ
الْبَصَرِ)؛ أي: قويّه نافذه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
(فَرَأَيْتُهُ)؛ أي: سبقت الناس في رؤيته؛ لكوني حديد البصر، (وَلَيْسَ أَحَدٌ
يَزْعُمُ)؛ أي: يقول (أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي)؛ يعني: أنه لم يوجد من يدّعي رؤية الهلال
مُ عنه
في ذلك الوقت إلا هو. (قَالَ) أنس (فَجَعَلْتُ)؛ أي: شرعت (أَقُولُ لِعُمَرَ) .
(أَمَا تَرَاهُ)؛ أي: أما ترى الهلال في موضع كذا وكذا، (فَجَعَلَ)؛ أي: فكان
عمر (لَا يَرَاهُ، قَالَ) أنس: (يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ)؛ أي: سأرى الهلال، (وَ)الحال
(أَنَا مُسْتَلْقٍ)؛ أي: مضطجع بظهري (عَلَى فِرَاشِي) الظاهر أنه أراد أنه سيراه إذا
كَبِر من غير مشقّة، بلِ وهو مضطجع على فراشه. (ثُمَّ أَنْشَأَ)؛ أي: بدأ
عمر رَّهِ (يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ)؛ أي: عن شأن كفّار قريش الذين قُتلوا في
معركة بدر الكبرى، وقوله: (فَقَالَ) تفسير لقوله: ((أنشأ)). (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
كَانَ يُرِينَا) بضمّ حرف المضارعة؛ أي: يُبصّرنا (مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ) جمع مَصْرَع،
كمَقْعَد: محل الصَّرْع؛ أي: الطرح على الأرض، والمراد هنا: مواضع قَتْلهم؛
أي: المواضع التي قُتلوا فيها، (بِالأَمْسِ)؛ أي: أمس يوم القتل؛ يعني: اليوم
الذي قبل يوم قتلهم. (يَقُولُ) ◌ِ ((هَذَا) مشيراً إلى موضع معيّن، (مَصْرَعُ فُلَاذٍ
غَداً، إِنْ شَاءَ اللهُ)، قَالَ) أنس: (فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ)؛ أي: أرسِل
النبيّ وَّةِ، وهو الله رَتْ، (مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ)؛ أي: المواضع المحدّدة، (الَّتِي
حَدَّ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ) أنها مصرعهم، وفي رواية النسائيّ: (مَا أَخْطَؤوا تِكَ)) باسم
الإشارة للمؤنثة البعيدة؛ أي: تلك المواضع التي أشار إليها النبيّ وَّ أنها
مصارعهم. (قَالَ) عمر: (فَجُعِلُوا فِي بِتْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، وفي الرواية
الآتية: ((ثم أَمَرَ بهم، فسُحِبُوا، فَأَلْقُوا في قليب بدر))، وفي رواية بعدها:
((فَأُلْقُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَظْوَاءِ بَدْرٍ))، والطويّ: هي البئر، وقوله: (بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ) جملة حاليّة من النائب عن الفاعل. (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وََّ) وفي رواية
النسائيّ: ((فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ وَِّ))، (حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ)؛ أي: إلى أن وصل إلى
مواضع صَرْعهم، وهي البئر التي جُعلوا فيها، (فَقَالَ: ((يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَیَا
قُلَانِ بْنَ قُلَانٍ) برفع ((فلان)) الأول؛ لأنه نكرة مقصودة، وأما لفظة ((ابن))
فمنصوبة لا غير؛ لكونها مضافة، وقد أشار ابن مالك إلى هذا في ((الخلاصة))
حيث قال :
١٤٣
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٤)
نَحْوِ ((أَزَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ»
وَنَحْوَ ((زَيْدٍ)) ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
(هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللهُ﴾ِنَ (وَرَسُولُهُ نََّ)؛ أي: من الذلّ،
والهوان، والكآبة، والخيبة، والخسران، والعذاب الأليم، حيث قال تعالى:
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَرِفْسَ الْمِهَادُ
١٢] (حَقّاً؟)؛ أي: ثابتاً، وواقعاً عليكم.
[آل عمران:
وفي رواية حميد عن أنس ظُه، قال: سمع المسلمون من الليل ببئر
بدر، ورسول الله وَّير قائم، ينادي: ((يا أبا جهل بن هشام، ويا شيبة بن ربيعة،
ويا عُتبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلف)). وأخرجه ابن إسحاق، وأحمد،
وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد، ومسلم، من طريق ثابت، عن أنس، فسمّى
الأربعة، لكن قدّم، وأخّر، وسياقه أتم، قال في أوله: ((تركهم ثلاثة أيام حتى
جيّفوا))، فذكره، وفيه من الزيادة: ((فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله،
أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾
[النمل: ٨٠]؟ فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم، لكن لا
يستطيعون أن يُجيبوا)).
قال الحافظ تَُّهُ: وفي بعضه نظر؛ لأن أميّة بن خلف لم يكن في
القليب؛ لأنه كان ضخماً، فانتفخ، فأَلقَوا عليه من الحجارة، والتراب ما غيّبه.
وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة رضي ثنا، لكن يُجمع بينهما بأنه كان
قريباً من القليب، فنودي فيمن نودي؛ لكونه کان من جملة رؤسائهم.
ومن رؤساء قريش، ممن يصحّ إلحاقه بمن سُمّي، من بني عبد شمس بن
عبد مناف: عبيدة، والعاص، والد أحيحة، وسعيد بن العاص بن أُميّة،
وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة بن ربيعة. ومن بني نوفل بن عبد مناف:
الحارث بن عامر بن نوفل، وطُعيمة بن عديّ. ومن سائر قريش: نوفل بن
خُويلد بن أسد، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأخوه عقيل،
والعاصي بن هشام، أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد، أخو خالد، ونُبيه،
ومنّه ابنا الحجّاج السهميّ، وعليّ بن أميّة بن خلَف، وعمرو بن عثمان، عم
طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أمية، أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن
١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
المغيرة، والأسود بن عبد الأسود، أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس بن
عديّ السهميّ، وأميمة بن رفاعة بن أبي رفاعة. فهؤلاء العشرون، تنضم إلى
الأربعة، فتكمل العدّة.
ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم
أنه وَله قال: ((يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ ◌َّ كنتم، كذّبتموني، وصدّقني
الناس ... )) الحديث.
(فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللهُ حَقّاً)))؛ أي: من النصر، والفتح، والعزّ،
والتمكين في الأرض، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
(٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (٣) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ
تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ
عَزِيزٌ ﴾﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَمْ
دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُنَ بِ شَيْئًاً
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
00)﴾ [النور: ٥٥].
(قَالَ) وللنسائيّ: ((فقال))، (عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َُّبُهُ: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ
تُكَلِّمُ) بضمّ أوله، وتشديد اللام، من التكليم، (أَجْسَاداً لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ قَالَ) ◌ِّ:
((مَا) نافية، (أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ)؛ أي: لستم أنتم بأكثر منهم سماعاً لما
أقول؛ يعني: أنهم يسمعون كسماعكم، (غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ
شَيْئاً)))؛ أي: لكنهم لا يستطيعون الإجابة، كاستطاعتكم، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظ ◌ُله هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٩٤/١٨] (٢٨٧٣)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٢٦٨١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٧٤ و٢٠٧٥) وفي ((الكبرى)) (٢٢٠١
و٢٢٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٣ و١١٦٠٩ و١٢٠٦٢ و١٢٤٦٣ و١٢٨٨٣
١٤٥
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٥)
و١٣٢٩٢ و١٣٦٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٢/٧)، و(الطبرانيّ)
في (الأوسط)) (٢٢٠/٨) و((الصغير)) (٢٣٣/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/
١٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّ، حيث أخبر بمصارع
المشركين، فوقع ما أخبر به كما أخبر.
٢ - (ومنها): إنجاز الله رَك ما وعده نبيّه وَّل والمؤمنين من النصر،
والتمكين في الأرض، كما قال الله رَت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ
دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُنَ بِ شَيْئاً
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
[النور: ٥٥].
٥٥
٣ - (ومنها): سماع الموتى لكلام الأحياء، قال المازريّ: قال بعض
الناس: المَيْت يسمع عملاً بظاهر هذا الحديث، ثم أنكره المازريّ، وادعى أن
هذا خاصّ في هؤلاء، ورَدّ عليه القاضي عياض، وأجاد في ذلك، فقال: يُحْمَل
سماعهم على ما يُحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر، وفتنته التي
لا مدفع لها، وذلك بإحيائهم، أو إحياء جزء منهم، يعقلون به، ويسمعون في
الوقت الذي يريد الله تعالى، قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي هذا: وهو
الظاهر المختار الذي يقتضيه أحاديث السلام على القبور، والله أعلم(١).
٤ - (ومنها): إثبات عذاب القبر.
٥ - (ومنها): استفهام التابع متبوعه إذا لم يظهر له وجه ما فعله، حيث
استفهم عمر رَّه النبيّ وَله بقوله: ((كيف تكلّم أجساداً لا أرواح فيها؟))، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغّْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٥] (٢٨٧٤) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّه تَرَلَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثاً، ثُمَّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/١٧ - ٢٠٧.
١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ،
يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَّعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟ فَإِنِّي
قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقَّ))، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا(١)، وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ
بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا))، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَسُحِبُوا،
فَألْقُوا فِي قَلِيبٍ بَدْرٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له:
هُذْبة - بضم أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة -، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائي
بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد :
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٤٣٨٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثابت لزم أنساً أربعين سنة، وفيه أنس بنظُبه من
المكثرين السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) عُّ هذا صريح في كون الحديث من مسند
أنس ظُبه، ورواية سعيد بن أبي عروبة التالية صريحة في كون أنس رواه عن
أبي طلحة ظه، ورجّح الحافظ في ((الفتح)) رواية سعيد بذكر أبي طلحة،
وقال: ورواية سعيد أَولى، فتنبّه. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثاً)؛ أي:
ثلاث ليال، (ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ)؛ أي: البئر التي قُذفوا فيها، وفي رواية
(١) وفي نسخة: ((كيف يسمعون؟ وأنى يجيبون)).
١٤٧
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٥)
البخاريّ في ((المغازي))، عن أبي طلحة: ((أن نبيّ الله وَل أمر يوم بدر بأربعة
وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذفوا في طَوِيّ من أطواء بدر، خبيثٍ،
مُخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومُ
الثالثُ أمر براحلته، فشُدّ عليها رحلها، ثم مشى، واتّبعه أصحابه، وقالوا: ما
نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيِّ، فجعل يناديهم
بأسمائهم، وأسماء آبائهم ... )). (فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا
أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) وفي ذِكر أمية معهم نَظَر؛ لأنه لم يُلْقَ في القليب؛ لأنه كان
ضَخْماً، فانتَفَخ، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيَّه، وأجيب بأنه كان قريباً
من القليب، فنودي فيمن نودي؛ لكونه كان من رؤسائهم، قاله في ((الفتح))(١) .
(يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةً) ووجه تخصيص هؤلاء بالخطاب؛
لأنه تقدم منهم من المعاندة العظيمة، فخاطبهم بذلك توبيخاً لهم(٢). (أَلَيْسَ قَدْ
وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ) من العذاب المهين (حَقّاً؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي) من
النصر والظفر، (رَبِّي حَقّاً))، فَسَمِعَ عُمَرُ) بن الخطاب ◌َظُه (قَوْلَ النَّبِيِّ ◌َِ﴿) هذا
الذي قاله في التوبيخ لهم (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا)
قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في عامّة النسخ المعتمدة: ((كيف يسمعوا، وأنى
يُجيبوا)) من غير نون، وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وسبق
بيانها مرّات، ومنها الحديث السابق في ((كتاب الإيمان)): ((لا تدخلوا الجنة
حتى تؤمنوا)). انتهى كلام النوويّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكر ابن مالك تَخْتُ قاعدة حذف نون الرفع
بلا ناصب، أو جازم في ((الكافية الشافية))، حيث قال:
وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامُ أَيْضاً ثَبَتَا
وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ (نِي)) أَتَّى
فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا
وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي))
((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيَتِي تَدْلُكِي
وقوله: (وَقَدْ جَيَّفُوا) بفتح الجيم، وتشديد التحتانيّة؛ أي: أنتنوا،
(١) ((الفتح)) ٤١/٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧ / ٩٢.
١٤٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
وصاروا جِيَفاً، يقال: جَيَّفَ الميت، وجاف، وأجاف، وأرْوَح، وأنتن بمعنى
واحد، قاله النوويّ(١).
وقال ابن الأثير: ((قد جيّفوا))؛ أي: أنتنوا، يقال: جافت الميتة،
وجَيَّت، واجتافت، والجيفة جُثّة الميت إذا أنتن. انتهى(٢).
(قَالَ) وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وهو الله ◌ُعَلَ، فيه مشروعيّة الحلف دون
استحلاف. (مَا)، نافية (أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ
يُجِيبُوا))، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ) الظاهر أن ((ثُمّ)) هنا ليست للترتيب الزمنيّ، وإنما هي
للترتيب الذِّكريّ بدليل الرواية السابقة، فإنها قَدّمت جعلهم في البئر، ثم ذكرت
مجيئه وَّه إليهم، وقد جمع بعض الشّاح(٣) بأن بعضهم كان مقذوفاً في القليب
قبل المخاطبة، وبعضهم كان خارجها، فألقي فيها بعد المخاطبة، كما في
أميّة بن خلف، وهذا الجمع لا يخفى بُعده عن سياق الروايات، فالجمع الذي
ذكرته أَولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَسُحِبُوا)؛ أي: جرُّوا من مصارعهم (فَأَلْقُوا فِي قَلِيبٍ بَدْرٍ) قال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: القَلِيبُ عند العرب: البئر العاديّة القديمة، مطويةً كانت، أو غير
مطوية، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بريد وبُرُد. انتهى (٤).
وقال المجد تَخْتُ: القَليبُ: البِئرُ، أو العادِيَّةُ القَديمةُ منها، ويُؤَنَّثُ،
جمعه: أقْلِبَةٌ، وقُلْبٌ، وقُلُبِّ. انتهى(٥) .
وقال النوويّ تَخُّْ: القليب، والطّوِيّ بمعنى، وهي البئر المطويّة
بالحجارة، قال أصحابنا: وهذا السحب إلى القليب ليس دفناً لهم، ولا صيانةً،
وحرمةً، بل لدفع رائحتهم المؤذية، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ربه هذا من أفراد
المصنّف نَذْتُهُ .
-
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٧.
(٣) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٤٩/٢٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥١٢/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٢٥/١.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص١٦٣.
١٤٩
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٦)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٩٥/١٨] (٢٨٧٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٦٨١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٤/٣ و١٨٢ و٢١٩ - ٢٢٠ و٢٥٧ - ٢٥٨
و٢٦٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٨٠٨ و٣٨٠٩ و٣٨٥٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٧٢٢ و٦٤٩٨ و٦٥٢٥)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٢/
٤٨٧)، و(البيهقيّ) في ((إثبات عذاب القبر)) (٦٤/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٦] (٢٨٧٥) - (حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ
حَاتِم، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا
أَنَسَّ بْنُ مَالِكِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ أَمَرَ
بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً، وَفِي حَدِيثِ رَوْحٍ: بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً، مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ،
فَأُلْقُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم
نون، وتشديد الياء - أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م ت س ق)
تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٣/٥٢.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ - بالسين المهملة - أبو
محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٤ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجاريّ،
مشهور بكنيته، من كبار الصحابة ﴿، شَهِد بدراً، وما بعدها، ومات
سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيّ وَلّ أربعين سنةً
(ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠.
١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ) ((كان)) هنا تامّة، لا تحتاج إلى منصوب، كما
قال الحريريّ كَُّهُ في ((ملحته)):
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقوله: (وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللهِ وََّ)؛ أي: غلبهم وقهرهم.
وقوله: (أَمَرَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً) ولا تنافي بينه وبين رواية روح
التالية: ((بأربعة وعشرين رجلاً))؛ لأن البضع يطلق على الأربع أيضاً، قال
الحافظ تَّتُهُ: ولم أقف على تسمية هؤلاء جميعهم، بل سيأتي تسمية بعضهم،
ويمكن إكمالهم مما سرده ابن إسحاق من أسماء مَن قُتل من الكفار ببدر، بأن
يضيف على من كان يُذكر منهم بالرياسة، ولو بالتبعية لأبيه، وفي حديث
البراء وظبه أن قتلى بدر من الكفار كانوا سبعين، وكأن الذين طُرحوا في القليب
كانوا الرؤساء منهم، ثم من قريش، وخُصُّوا بالمخاطبة المذكورة؛ لِمَا كان
تقدم منهم من المعاندة، وطُرح باقي القتلى في أمكنة أخرى، وأفاد الواقديّ أن
القليب المذكور كان حفره رجل من بني النّار، فناسب أن يُلقى فيه هؤلاء
الكفار. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر، من قريش بن
مخلد بن النضر بن كنانة الذي سُمِّيت قريش به، على أحد الأقوال، فكان فَأُلاً
مقدّماً لهم، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ) بالصاد المهملة، والنون: جمع صِنديد، بوزن
عِفْريت، وهو السيد الشجاع العظيم (٣).
وقوله: (فَأُلْقُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ) ((الطويّ)) بفتح الطاء المهملة،
وكسر الواو، وتشديد الياء: هي البئر المطويّة بالحجارة، وتُجمع على أطواء،
زاد في رواية البخاريّ: ((خبيث مخبث))؛ أي: غير طيب، ومخبث بضم الميم،
وكسر الباء الموحدة، من قولهم: أخبث؛ أي: اتخذ أصحاباً خُبَئاً .
(١) ((الفتح)) ٩/ ٤٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٧٦/٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٦/٣.
١٥١
(١٩) - بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ - حديث رقم (٧١٩٧)
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير قتادة.
[تنبيه]: رواية قتادة عن أنس تظله هذه ساقها البخاريّ تَظُّهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٣٧٥٧) - حدّثني عبد الله بن محمد، سمع رَوح بن عُبادة، حدّثنا
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذَكَر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة،
أن نبيّ الله ◌َّهِ أَمَر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذفوا في
طَوِيٍّ من أطواء بدر، خَبِيث مُخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة
ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته، فشُد عليها رحلها، ثم
مشى، واتَّبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على
شفة الرَّكِيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا
فلان بن فلان، أيسُرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا
حقّاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكَلِّم
من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله وَلجر: ((والذي نفس محمد بيده، ما
أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم))، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً،
وتصغيراً، ونِقْمةً، وحسرةً، ونَدَماً. انتهى(١)(٢) .
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٩) - (بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٧] (٢٨٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً
عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))،
فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ رَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا ﴾﴾؟ فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَاكِ
الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٤٦١/٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧/ ٩٢.
١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ذُكر في الباب.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) - بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم - ابن إياس
السَّعْديّ المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) ذُكر في الباب.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة
- بالتصغير - ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زهير التيميّ
المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة ﴿، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤/ ٢٢.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف دَّثُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة أخذه منهما، ثمّ فصّل؛ لاختلافهما في ذلك، وأن فيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وفيه عائشة رضيّا أفقه نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:) وقوله: ((مَنْ
حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))) مقول (قال)) و((مَنْ)) موصولة، و((حوسب)) مبنيّ
للمفعول، والجملة صلة ((من))، وقوله: ((عُذِّب)) بالبناء للمفعول أيضاً خبر
((مَنْ))؛ لأنه مبتدأ، والمعنى: أنه من حاسبه الله تعالى يوم القيامة يعذّبه؛ لأنه
لا بدّ أن يكون عليه تبعات، فيُعذّب عليها.
قالت عائشة رضي﴿ّ: (فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ وَّ) اسم (ليس)) يَحْتمل أن
يكون ضمير الشأن، ويَحْتَمل أن تكون «ليس)» بمعنى ((لا))، وفي رواية للبخاريّ:
[الانشقاق: ٨])
٨
((أو ليس يقول الله تعالى)). (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
١٥٣
(١٩) - بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ - حديث رقم (٧١٩٧)
((حساباً)) منصوب على أنه مفعول مطلق، و((يسيراً)) صفته (فَقَالَ) وَهِ: ((لَيْسَ
ذَاكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث، والأصل فيه ((ذا)) وهو اسم يُشار به
إلى المذكر، فإن خاطبت جئت بالكاف، فقلت: ذاك، وذلك فاللام زائدة،
والكاف للخطاب، وهو مبتدأ خبره قوله: (الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ)؛ أي:
عَرْض الناس على الميزان، (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))) وقال
النوويّ كَُّ: معنى ((نوقش)) استُقصي عليه، قال القاضي عياض: وقوله:
(عُذِّب)) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة، وعَرْض الذنوب، والتوقيف
عليها هو التعذيب؛ لِمَا فيه من التوبيخ، والثاني: أنه مفضٍ إلى العذاب بالنار،
ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: ((هلك)) مكان ((عذِّب))، قال النوويّ بعد نقل
كلام عياض هذا: وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه: أن التقصير غالب في
العباد، فمن استُقصي عليه، ولم يسامَح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى
يعفو، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. انتهى (١).
قال في ((العمدة)): قوله: ((عُذِّب)) له معنيان: أحدهما: أن نفس مناقشة
الحساب يوم عَرْض الذنوب، والتوقيف علی قبيح ما سلف له تعذیب، وتوبيخ،
والآخر أنه مُفْضٍ إلى استحقاق العذاب؛ إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من
عند الله تعالى، وبفضله، وإقداره له عليها، وهدايته لها، وأن الخالص لوجهه
تعالى من الأعمال قليل، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: ((هَلَك)) مكان
((عُذِّب)). انتهى(٢) .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((نوقش)) بالقاف، والمعجمة، من المناقشة،
وأصلها الاستخراج، ومنه نَقَشَ الشوكةً: إذا استخرجها، والمراد هنا: المبالغة
في الاستيفاء، والمعنى: أن تحرير الحساب يُفضي إلى استحقاق العذاب؛ لأن
حسنات العبد موقوفة على القبول، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول، لا
يحصل النجاة، والله تعالى أعلم(٣) .
(١) ((شرح النوويّ) ٢٠٨/١٧ - ٢٠٩.
(٣) ((الفتح)) ٣٤٥/١ - ٣٤٦ رقم (١٠٣).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٣٧/٢.
١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ على الشيخين في إسناد هذا الحديث، قال
النوويّ تَخْتُهُ: هذا مما استدركه الدارقطنيّ على البخاريّ ومسلم، وقال:
اختَلَف العلماء عن ابن أبي مليكة، فرُوي عنه عن عائشة، ورُوي عنه عن
القاسم عنها، وهذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه من القاسم،
عن عائشة، وسمعه أيضاً عنها بلا واسطة، فرواه بالوجهين، وقد سبقت نظائر
هذا. انتهى كلام النوويّ تَخْذَهُ(١).
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال الدارقطنيّ: رواه حاتم بن أبي صَغِيرة،
عن عبد الله بن أبي مليكة، فقال: حدّثني القاسم بن محمد، حدّثتني عائشة،
وقوله أصحّ؛ لأنه زاد، وهو حافظ متقنٌ.
وتعقّبه النووي وغيره بأنه محمول على أنه سمع من عائشة، وسمعه من
القاسم، عن عائشة، فحدَّث به على الوجهين.
قال الحافظ: وهذا مجرد احتمال، وقد وقع التصريح بسماع ابن أبي
مليكة له عن عائشة في بعض طرقه، كما في السند الثاني من هذا الباب - يعني:
عند البخاريّ(٢) - فانتفى التعليل بإسقاط رجل من السند، وتعيَّن الحمل على أنه
سمع من القاسم، عن عائشة، ثم سمعه من عائشة بغير واسطة، أو بالعكس،
والسرّ فيه أن في روايته بالواسطة ما ليس في روايته بغير واسطة، وإن كان
مؤداهما واحداً، وهذا هو المعتمَد، بحمد الله. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(٣)،
وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/١٧.
(٢) ونصّ البخاريّ في ((صحيحه)) ٢٣٩٤/٥: ((حدّثني عمرو بن عليّ، حدّثنا يحيى،
عن عثمان بن الأسود، سمعت ابن أبي مليكة، قال: سمعت عائشة ◌َّا، قالت:
سمعت النبيّ وَ﴾ ... )) الحديث.
(٣) ((الفتح)) ١١/ ٤٠١.
١٥٥
(١٩) - بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ - حديث رقم (٧١٩٧)
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٩٧/١٩ و٧١٩٨ و٧١٩٩ و٧٢٠٠] (٢٨٧٦)،
و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٠٣) و(التفسير)) (٤٩٣٩) و((الرقاق)) (٦٥٣٧)، و(أبو
داود) في ((الجنائز)) (٣٠٩٣)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٣٧)، و(النسائيّ)
في ((الكبرى)) (٤٩٧/٦ و٤٩٨ و٥١٠)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (٦٠/١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٧/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٨/٦)،
و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١١٦/٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٦٩
و٧٣٧٠ و٧٣٧١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٦٦/٨)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٤٣٢/٧)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٦٥٨/٣)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٤٣١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عائشة لها، وشدّة حرصها على تفهم معاني
الحديث، والتحقيق.
٢ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَّ لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم.
٣ - (ومنها): إثبات الحساب، والعرض، والعذاب يوم القيامة.
٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ المناظرة، ومقابلة السُّنَّة بالكتاب، وتفاوت
الناس في الحساب.
٥ - (ومنها): بيان أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نُهي
الصحابة ◌ُّه عنه في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وفي
حديث أنس رَُّّه: ((كنا نُهينا أن نسأل رسول الله وَل عن شيء ... ))، وقد وقع
نحو ذلك لغير عائشة ينا، ففي حديث حفصة ﴿ّا أنها لمّا سمعت: ((لا يدخل
النار أحد ممن شهد بدراً، والحديبية)) قالت: أليس الله يقول: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا
ج
وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فأجيبت بقوله: ﴿ثُمَّ تُنَجِّى الَّذِينَ أُنَّقَواْ﴾ الآية [مريم: ٧٢]،
وسأل الصحابة ضَّه لمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:
٨٢] أينا لم يظلم نفسه؟ فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشرك، والجامع بين هذه
المسائل الثلاث ظهور العموم في الحساب، والورود، والظلم، فأوضح لهم أن
المراد في كل منها أمر خاصّ، ولم يقع مثل هذا من الصحابة ظه إلا قليلٌ،
مع توجه السؤال، وظهوره، وذلك لكمال فهمهم، ومعرفتهم باللسان العربيّ،
١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
فيُحْمَل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات على من سأل تعنتاً، كما قال
تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]،
وفي حديث عائشة رضيؤثّا: ((فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سَمَّى الله
فاحذروهم))، ومن ثَمّ أنكر عمر رَظُّه على صبيغ لمّا رآه أكثر من السؤال عن
(١)
مثل ذلك، وعاقبه، قاله فى ((الفتح))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ،
لم يَتَكَّلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حُسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
و((أيوب)) هو: السختيانيّ ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها البيهقيّ تَظّثُ
في ((شعب الإيمان))، فقال:
(٢٦٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق إملاءً، ثنا
أبو مسلم، ويوسف بن يعقوب، قالا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد،
عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن رسول الله وَ ل قال: ((من
حوسب عُذِّب))، قالت عائشة: يا رسول الله، فأين قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ.
بِيَمِينِ.
[الانشقاق: ٧]؟ قال: ((ذلكم العرض، ولكنه من نوقش الحساب
عُذُّب))، رواه البخاريّ في ((الصحيح)) عن سليمان، ورواه مسلم عن أبي
الربيع، عن حماد. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٣٤٦/١ رقم (١٠٣).
(٢) ((شعب الإيمان)) ٢٥٢/١.
١٥٧
(١٩) - بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ - حديث رقم (٧١٩٩ - ٧٢٠٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ،
حَدَّثَنَا يَحْبَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّنَ - حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ،َ حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا
هَلَكَ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ: ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: ((ذَاكِ
الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ،
تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ) حاتم بن أبي صغيرة، وأبو صغيرة اسمه
مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضاً
قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث.
[تنبيه]: هذا الرواية هي التي أعلّ بها الدارقطنيّ الحديث، وانتقد على
الشيخين إخراجهما له في ((الصحيحين)) حيث خالف أبو يونس سائر الرواة،
فزاد في الإسناد: القاسم، وقد تقدّم الجواب عنهما بأنهما لم يريا مثل هذا علّة
في الحديث؛ لإمكان الحمل على أن ابن أبي مليكة سمعه من القاسم عن
عائشة، ثم سمعه عنها بلا واسطة، فكان يُحدّث بالوجهين، ومثل هذا كثير في
أحاديث الحفّاظ، فلا انتقاد، ولا اعتراض عليهما، فتنبّه، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى - وَهُوَ
الْقَطَّانُ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َه
قَالَ: ((مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي يُونُسَ).
١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ) بن موسى بن باذان المكيّ، مولى بني جُمَح، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٧].
روى عن أبيه، وسليمان الأحول، وابن أبي مليكة، وسالم بن عبد الله بن
عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وغيره.
وروى عنه الثوريّ، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، ويحيى القطان،
والفضل بن موسى، ومروان بن معاوية، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم،
ومكيّ بن إبراهيم، وآخرون.
قال ابن المدينيّ: سألت يحيى؛ يعني: القطان عنه، فقال: كان ثقةً ثبتاً، قلت:
عُمر بن ذَرّ أحب إليك أم عثمان؟ قال: عثمان، قلت: هو أحب إليك، أو سيف؟ فقدَّم
عثمان، وقال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به ثقةٌ، وقال ابن سعد:
كان ثقة، كثير الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.
قال الميمونيّ عن أحمد: مات قبل ابن جريج، وقال الواقديّ وغير
واحد: مات سنة خمسين ومائة، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة
(١٤٩) وقيل: سنة (١٥٠) وأرخه ابن قانع، والقرّاب تبعاً لخليفة سنة (١٦٠).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة هذه ساقها
الترمذيّ تَخْثُهُ في ((جامعه))، فقال:
(٣٣٣٧) - حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن
الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((من
نوقش الحساب هلك)). قلت: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِتَبَهُ،
بِيَمِينِهِ ﴾﴾ - إلى قوله -: ﴿يَِيرًا﴾ قال: ((ذلكِ العرض))، قال أبو عيسى:
هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٣٥/٥.
(٢٠) - بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ - حديث رقم (٧٢٠١)
١٥٩
(٢٠) - (بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٠١] (٢٨٧٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ
بِثَلَاثٍ يَقُولُ: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ الإمام،
تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْبَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - أبو سعيد
الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله ثلاث وستون سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع القرشيّ مولاهم المكيّ، ثم الواسطيّ،
تقدّم قريباً.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام حظها، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
جابر نظُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بَِّ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ)؛ أي:
ثلاث ليال، وهذا يفيد كمال ضبط الراوي، وإِحكام المرويّ. (يَقُولُ: ((لَا)
ناهية، (يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ))) المعنى: أي: لا يموتنّ
أحدكم في حال من الأحوال، إلا في هذه الحالة، وهي حُسن الظن بالله تعالى
يأن يغفر له، فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت، وليس إليه ذلك حتى
١٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
ينتهي، لكن في الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء؛ لسوء العمل، كيلا
يصادفه الموت عليها، قاله في ((المرقاة))(١).
وقال المناويّ كَّتُهُ: ((لا يموتنّ)) بنون التوكيد ((أحد منكم، إلا وهو
يحسن الظن بالله))؛ أي: لا يموتن أحدكم في حال من الأحوال، إلا في هذه
الحالة، وهي حسن الظن بالله تعالى، بأن يظن أنه يرحمه، ويعفو عنه؛ لأنه إذا
حضر أجله، وأتت رحلته، لم يبق لخوفه معنًى، بل يؤدي إلى القنوط، وهو
تضييق لمجاري الرحمة والإفضال، ومن ثَمّ كان من الكبائر القلبية، فحُسن
الظنّ، وعِظَم الرجاء أحسن ما تزوّده المؤمن لقدومه على ربه. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: نَهَى أن يموتوا على غير حالة حسن الظن، وذلك
ليس بمقدورهم، بل المراد: الأمر بتحسين الأعمال؛ أي: أحسنوا أعمالكم
الآن حتى يحسن بالله ظنكم عند الموت، فإن من ساء عمله قبل الموت يسوء
ظنّه عند الموت. انتهى(٣).
وقال النوويّ تَخْتُ: قال العلماء: هذا تحذير من القنوط، وحثٌّ على الرجاء
عند الخاتمة، وقد سبق في الحديث الآخر قوله {وَالَ: ((أنا عند ظن عبدي بي)).
قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى أن يَظُنّ أنه يرحمه، ويعفو
عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفاً راجياً، ويكونان سواءً، وقيل: يكون
الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غَلَّب الرجاء، أو مَحّضه؛ لأن مقصود
الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات
والأعمال، وقد تعذر ذلك، أو معظمه في هذا الحال، فاستُحِبّ إحسان الظن
المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له، ويؤيده الحديث المذكور بعده:
((يُبعث كل عبد على ما مات عليه))، ولهذا عقّبه مسلم للحديث الأول.
قال العلماء: معناه: يُبعث على الحالة التى مات عليها، ومثله الحديث
الآخر بعده: ((ثم بُعثوا على نياتهم)) (٤)، والله تعالى أعلم.
(٢) ((فيض القدير)) ٤٥٥/٦.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٦٤/٤.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤/ ١٣٦٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/١٧.