النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٠ -٧١٩١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي:
ابْنَ عَطَاءٍ - عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ لَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ
الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ شَيْبَانَ، عَنْ
قَتَادَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٣٨) (خ م س) تقدم في ((القسامة)) ٤٣٦٥/٤.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ) الخفّاف البصريّ، نزيل بغداد، تقدّم قبل
ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ شَيْبَانَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سعيد بن أبي
عروبة .
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة
هذه ساقها الإمام أحمد رَّتُ في ((مسنده))، فقال:
(١٣٤٧١) - حدّثنا عبد الوهاب، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
أنس بن مالك، عن النبيّ وَّ أنه قال: ((إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولى عنه
أصحابه، إنه ليسمع خفق نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقولان له: ما كنت تقول في
هذا الرجل - يعني: محمداً وَلّه؟ - قال: أما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله
ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك في النار، قد أبدلك الله به مقعداً في
الجنة، فيراهما جميعاً)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَعْدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩١] (٢٨٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٣٣/٣.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
[إبراهيم: ٢٧]))، قَالَ: ((نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ:
رَبِِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ نَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ رَى: ﴿يُتَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) - بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلثة -
الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) ٦٥٣/٢٥.
٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية
عمر بن ◌ُبيرة على العراق (ع) ١١٩/٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َظْتُ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، ومَن
بعده كوفيون. وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا
واسطة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِّ وَِّ) أنه (قَالَ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ)
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾))، قَالُ) تأكيد لـ((قال)) الأول، وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآية
مبتدأ محكيّ، خبره جملة قوله: ((نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ)؛ أي: هذه الآية
نزلت في إثبات عذاب القبر؛ أي: في السؤال في القبر، ولمّا كان السؤال
يكون سبباً للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعضٍ، عبّر عنه باسم العذاب،
فالمراد بالتثبيت في الآخرة: هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملَكين إياه.
ثم بيّن كيفية السؤال، وتثبيت المؤمن عنده بقوله: (فَيُقَالُ لَهُ)؛ أي:
للمؤمن المفهوم من قوله: ((الذين آمنوا))، (مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي
مُحَمَّدٌ وَ﴿) وفي رواية النسائيّ: ((وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ وَّهِ؛ أي: ويُسأل عن دينه،
كما بيّن في رواية آخرى، فيقول: ديني دين محمد نَّ. وفي رواية للبخاريّ:

١٢٣
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
((قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
رسول الله)). (فَذَلِكَ قَوْلُهُ رَت)؛ أي: هذا الجواب هو معنى قوله رَت: (﴿يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِّ﴾)))؛ يعني: أنه
يُوَفِّقُه للإجابة المذكورة.
[تنبيه]: قال الحافظ كَّلُ: قد اختصر سعد - يعني: ابن عبيدة - وخيثمة
- يعني: ابن عبد الرحمن - هذا الحديث جدّاً، لكن أخرجه ابن مردويه من
وجه آخر عن خيثمة، فزاد فيه: ((إن كان صالحاً وُفّق، وإن كان لا خير فيه،
وُجد أَبْلَه))، وفيه اختصار أيضاً، وقد رواه زاذان أبو عمر، عن البراء مطوّلاً،
مبيّناً، أخرجه أصحاب السنن، وصححه أبو عوانة، وغيره، وفيه من الزيادة في
أوله: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر))، وفيه: ((فَتُردّ روحه في جسده))، وفيه:
((فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟، فيقول: ربي الله، فيقولان
له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث
فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول: قرأت القرآن،
كتابَ الله، فآمنت به، وصدّقت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ﴾)»، وفيه: ((وأن الكافر تعاد روحه
في جسده، فيأتيه ملَكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه،
لا أدري ... )) الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث البراء نظُّه الذي أشار إليه أخرجه
أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده)) بطوله، فقال:
(١٨٥٥٧) - حدّثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن منهال بن عمرو،
عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبيّ وَّ في جنازة رجل من
الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولَمَّا يُلْحَد، فجلس رسول الله وَّ، وجلسنا
حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه،
فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) مرتين، أو ثلاثاً، ثم قال: ((إن العبد
المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من
السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة،
وحَنوط من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت؛

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله
ورضوان، قال: فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا
أخذها لم يَدَعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك
الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه
الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة
إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي
كانوا يسمّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له،
فيُفتح لهم، فيُشَيِّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به
إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه
إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أُخرجهم تارة أخرى،
قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟
فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما
هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صل﴿، فيقولان له: وما
علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد في
السماء: أن صَدَق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له
باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويُفسح له في قبره مدّ بصره،
قال: ويأتيه رجل حَسَن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر
بالذي يَسُرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَن أنت؟ فوجهك الوجه
يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى
أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة،
نزل إليه من السماء ملائكة سُود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدّ
البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس
الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرَّق في جسده، فينتزعها
كما يُنتزع السَّقُود(١) من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يَدَعوها في
(١) السَّقُود كتَثُّور: حديدة يُشْوَى بها. اهـ. ((ق)).

١٢٥
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة
وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من
الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح
أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يُنتهَى به إلى السماء الدنيا،
فُيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله وهم:
اكتبوا كتابه في سِجِّين في الأرض السفلى، فتُطرح روحه طرحاً، ثم قرأ:
﴿وَمَنْ يُثْرِكْ بِاللّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ
سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه،
فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كَذَب، فافرْشوا له من
النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حَرِّها، وسَمومها، ويُضَيَّق عليه
قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن
الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من
أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشرّ، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب
لا تُقِم الساعة)). انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ظّ هذا مُتَّفَق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
!
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٩١/١٨ و٧١٩٢] (٢٨٧١)، و(البخاريّ) في
((الجنائز)) (١٣٦٩) و((التفسير)) (٤٦٩٩)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٧٥٠)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٢٠)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٥٦ و٢٠٥٧)
وفي ((الكبرى)) (٢١٨٣ و٢١٨٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٢٣)، و(أحمد)
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٨٧/٤.

١٢٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
في ((مسنده)) (٢٨٢/٤ و٢٩١)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢٦٨/١)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (٢/ ٩٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات عذاب القبر، ووجه ذلك أن الحديث كما تقدم فيه
اختصار، وقد تقدم من طريق زاذان، عن البراء مطوّلاً، وفيه تعذيب الكافر عند
عدم إجابته عن سؤال الملَكين، ففيه إثبات عذاب القبر، أو من إطلاق السبب
على المسبَّب، فإن في رواية النسائيّ إثبات سؤال الملكين، وهو سبب لثبوت
العذاب، لكن في بعض المسؤولين دون بعض، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
٣ - (ومنها): إثبات سؤال الملكين لكلّ مقبور.
٤ - (ومنها): رأفة الله تعالى بعباده المؤمنين، حيث يُثَبِّتُهُم عند سؤال
الملكين، مع أن جنسهم غير جنس بني آدم، ومع انفراد كلّ مسؤول عمن
يستأنس به في مثل ذلك الموقف، وهذا فضل عظيم، ولطف جسيم من الله
تعالى لعباده المؤمنين.
٥ - (ومنها): أنه يستفاد منه أهمية التوحيد، حيث إنه هو المسؤول عنه
في أول منزل من منازل الآخرة، فينبغي للعبد أن يخلص في توحيده، ولا
يدنسه بالمعاصي، ولا سيما المعاصي التي تؤدي إلى الشرك، وإن كان خفياً.
نسأل الله تعالى أن يحيينا على التوحيد، وأن يميتنا عليه، ويبعثنا عليه، إنه
بعباده لرؤوف رحيم آمین.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في عذاب القبر:
قال الحافظ وليّ الدين تَخُّْ ما حاصله: إثبات عذاب القبر مذهب أهل
السُّنَّة، وقد تظاهرت عليه أدلّة الكتاب والسَّنَّة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله
تعالى الحياة في جزء من الجسد، ويعذّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به
الشرع وجب قبوله، وقد خالف في ذلك الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض
المرجئة، ونفوا ذلك.
ثم المعذَّب عند أهل السنة الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح
إليه، أو إلى جزء منه، وخالف محمد بن جرير الطبريّ، وعبد الله بن كرام،

١٢٧
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا: وهذا فاسد؛ لأن
الألم، والإحساس، إنما يكون في الحيّ، قال أصحابنا: ولا يَمنع من ذلك
كون الميت قد تفرّقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة، أو أكلته السباع، أو
حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن الله تعالى يُعيده للحشر، وهو رَبَك قادر
على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه، أو أجزاء، وإن أكلته السباع،
والحيتان .
فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يُسأل، ويُقعد،
ويُضرَب بمطارق من حديد، ويعذّب، ولا يظهر له أثر؟.
فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه
يجد لذّة، وآلاماً، لا نُحسّ نحن شيئاً منها، وكذا يجد اليقظان لذّةً، وألماً لِمَا
يسمعه، أو يفكّر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبريل؛ كان يأتي
النبيّ ◌َّر، فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكلّ هذا واضح،
ظاهر، جليّ. انتهى كلام وليّ الدين ◌َّتُهُ.
وقال العلامة بدر الدين العينيّ كَّلُهُ: عذاب القبر حقّ والإيمان به
واجب، وعلى ذلك أهل السُّنَّة والجماعة، خلافاً للمعتزلة، ولكن ذكر القاضي
عبد الجبار رئيس المعتزلة في ((كتاب الطبقات)) تأليفه: إن قيل: إن مذهبكم
أدّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهذا قد أطبقت عليه الأمة.
قيل: إن هذا الأمر إنما أنكره أولاً ضرار بن عمرو، ولمّا كان من
أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل
المعتزلة رجلان: أحدهما يُجَوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع
بذلك وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما يُنكرون قول جماعة من الجَهَلة: إنهم
يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه ذكره أبو عبد الله
المرزباني في ((كتاب الطبقات))، تأليفه.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: إن الملاحدة، ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه
أيضاً، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق وَير أن الله يحيي
العبد، ويردّ إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
السُّنّة والجماعة وكذلك يكمل العقل للصغار؛ ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد
جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير.
وصار أبو هُذَيل، وبِشْر إلى: أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذَّب
بين النفختين، وإنما المسألة إنما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخيّ،
والجبائي وابنه، عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين،
والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وأنه يجري على الموتى من غير
ردّ روحهم إلى الجسد، وأن الميت يجوز أن يتألم ويُحِسّ، وهذا مذهب
جماعة من الكرَّامية، وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في
قبورهم، ويُحْدث الآلام، وهم لا يشعرون، فإذا حُشروا وجدوا تلك الآلام
كالسكران، والمغشي عليهم إن ضُربوا لم يجدوا ألماً، فإذا عاد عقلهم إليهم
وجدوا تلك الآلام، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو وبشر المريسي
ويحيى بن كامل، وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً، وهذه الأقوال
كلها فاسدة تردّها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضاً ذهب الخوارج، وبعض
المرجئة .
ثم المعذَّب عند أهل السُّنَّة والجماعة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة
الروح إلى جسده، أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمد بن جرير، وطائفة،
فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضاً فاسد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قولهم: إن المعذَّب الجسد بعينه أو
بعضه ليس عليه دليل قاطع، بل الأدلة مطلقة؛ كما أفاده الحافظ في
((الفتح))(٢).
وقد جاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة:
منها: حديث الباب، ومنها: حديث صاحبي القبرين، وفيه: ((إنهما
ليعذّبان ... ))، تقدّم في ((كتاب الطهارة)).
ومنها: حديث عائشة ها: ((أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب
القبر))، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فسألت
(١) ((عمدة القاري)) ٤٣٤/٢.
(٢) ((فتح الباري)) في ((الجنائز)) ٢٧٥/٣.

١٢٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
رسول الله له عن عذاب القبر فقال: ((نعم، عذاب القبر حق))، قالت: فما
رأيت رسول الله وَ له بعدُ صلى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر، رواه الشيخان.
ومنها: حديث ابن مسعود، أن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إن الموتى ليعذَّبون في
قبورهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم)). رواه الطبراني في ((الكبير))، بإسناد
حسن .
ومنها: حديث أنس المتقدّم في هذا الباب، أن رسول الله وَل قال:
(لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر))، والله تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن أبي العزّ تَظْتُ في ((شرح العقيدة الطحاويّة)) بعد إيراده
حديث البراء نظُّه الذي أسلفته بطوله ما نصّه: وذهب إلى موجب هذا الحديث
جميع أهل السُّنَّة والحديث، وله شواهد من الصحيح، ثم أورد أحاديث، ثم
قال :
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله وَي في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن
كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا
نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذا
الدار، والشرع لا يأتي بما تُحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تَحار فيه العقول،
فإن عَوْد الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح
إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا، فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من
التعلق، متغايرة الأحكام:
أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً .
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من
وجه .
الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته، وتجردت عنه، فإنها لم
تفارقه فراقاً كلّاً بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة، فإنه وَرَدَ ردّها إليه وقت
سلام المسلِّم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يُوَلَّون عنه، وهذا الرد إعادة
خاصة، لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلقها به يوم بَعْث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن،

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
ولا نسبة لِمَا قبله من أنواع التعلق إليه؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا
نوماً ولا فساداً، فالنوم أخو الموت، فتأمل هذا يُزحْ عنك إشكالات كثيرة.
وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد
منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة تردّ القولين،
وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السُّنّة والجماعة،
تنغَّم النفس وتعذَّب مفردة عن البدن ومتصلة به.
(واعلم): أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات، وهو مستحق
للعذاب ناله نصيبه منه قُبر أو لم يُقبر، أكلته السباع، أو احترق حتى صار
رماداً، ونُسف في الهواء، أو صُلب، أو غَرِق في البحر، وصل إلى روحه
وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما وَرَدَ من إجلاسه، واختلاف
أضلاعه ونحو ذلك، فيجب أن يُفهم عن الرسول وَّ مراده من غير غُلُوّ، ولا
تقصير، فلا يُحمّل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصّر به عن مراده، وما قصده من
الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك، والعدول عنه من الضلال والعدول
عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله تعالى ورسوله وَلـ
أصل كل بدعة وضلالة، نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع
والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، والله المستعان.
فالحاصل: أن الدُّور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد
جعل الله لكل دار أحكاماً تخصها، وركّب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل
أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على
الأرواح، والأبدان تَبَع لها، فإذا جاء يوم حَشْر الأجساد، وقيام الناس من
قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً .
فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون القبر روضة من
رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حقّ لا مرية فيه،
وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، ويجب أن يُعلم أن النار التي في
القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا، ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى يُحَمِّي
عليه التراب، والحجارة التي فوقه وتحته، حتى يكون أعظم حرّاً من جمر
الدنيا، ولو مسّها أهل الدنيا لم يَحُسّوا بها، بل أعجب من هذا أن الرجلين

١٣١
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
يُدفن أحدهما إلى جَنْب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من
رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حرّ ناره، ولا من هذا إلى
جاره شيء من نعيمه، وقدرة الله أوسع من ذلك، وأعجب، ولكن النفوس
مولعة بالتكذيب بما لم تُحِظْ به علماً، وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب
قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، وإذا شاء الله أن يُطْلِع على ذلك بعض عباده
أطلعه، وغيّبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة
التكليف، والإيمان بالغيب، ولَمَا تدافن الناس، كما في الصحيح عنه ◌َّ :
((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع))، ولمّا
كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته. انتهى كلام ابن أبي
العزّ تَخْتُهُ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال ابن أبي العزّ كَّتُهُ: وللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو
خاص بهذه الأمة أم لا؟ ثلاثة أقوال: الثالث التوقف، وهو قول جماعة، منهم
أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد بن ثابت، عن النبيّ وَّ قال:
((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها))، منهم من يرويه: ((تسأل))، وعلى هذا اللفظ
يَحْتَمِل أن تكون هذه الأمة قد خُصت بذلك، وهذا أمر لا يُقطع به، ويظهر
عدم الاختصاص، والله أعلم، وكذلك اختلف في سؤال الأطفال أيضاً: وهل
يدوم عذاب القبر، أو ينقطع؟ جوابه أنه نوعان:
منه ما هو دائم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ
[غافر: ٤٦] وكذلك في حديث
٤٦
البراء بن عازب في قصة الكافر: ((ثم يُفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده
فيها حتى تقوم الساعة))، رواه الإمام أحمد في بعض طرقه.
والنوع الثاني: أنه مدة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خَفّت
جرائمهم، فيعذّب بحسب جُرمه، ثم يخفّف عنه. انتهى(٢).
[تنبيه آخر]: قال ابن أبي العزّ كَخْتُ أيضاً: وقد اختلف في مستقر
(١) (شرح العقيدة الطحاويّة)) ص٣٩٨ - ٤٠١.
(٢) (شرح العقيدة الطحاويّة)) ص٤٠١.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة: فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة،
وأرواح الكافرين في النار، وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها،
يأتيهم من رَوْحها ونعيمها، ورزقها، وقيل: على أفنية قبورهم، وقال مالك:
بلغني أن الروح مرسَلة تذهب حيث شاءت، وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين
عند الله رَّك، ولم يزيدوا على ذلك، وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من
دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت، وقال كعب: أرواح المؤمنين
في عّيين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجّين في الأرض السابعة
تحت خدّ إبليس، وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر
برهوت، وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله، قال
ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خَلْق أجسادها، وقال أبو عمر بن
عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم،
وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش،
تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلّم عليه، وقالت فرقة:
مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عَرَض من أعراض
البدن، كحياته، وإدراكه، وقولهم مخالف للكتاب والسُّنَّة، وقالت فرقة:
مستقرها بعد الموت أبدان أُخَر تناسب أخلاقها، وصفاتها التي اكتسبتها في
حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح، وهذا قول
التناسخية منكري المَعاد، وهو قول خارج عن أهل الاسلام كلهم، ويضيق هذا
المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال، والكلام عليها. ويتلخص من أدلتها: أن
الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في أعلى عليين في
الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وهم
متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة
حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تُحبس
روحه عن دخول الجنة لدَين عليه، كما في ((المسند)) عن عبد الله بن جحش:
((أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَّر فقال: يا رسول الله: ما لي إن قُتلت في سبيل الله؟
قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدَّين، سارّني به جبرائيل آنفاً)). ومن الأرواح
من يكون محبوساً على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه

١٣٣
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩١)
رسول الله وسلم: ((رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة))، ومنهم من يكون
محبوساً في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزناة
والزواني، وأرواح في نهر الدم، تسبح فيه، وتُلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له
السُّنَّة، والله أعلم.
وأما الحياة التي اختص بها الشهيد، وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
١٦٩
[آل عمران: ١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيٌَّ
[البقرة: ١٥٤]، فهي: أن الله تعالى جعل أرواحهم في
١٥٤
وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ
أجواف طير خضر، كما في حديث عبد الله بن عباس ◌ًّا أنه قال: ((قال
رسول الله وَعليه: لمّا أصيب إخوانكم - يعني: يوم أحد - جعل الله أرواحهم في
أجواف طير خضر، تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من
ذهب مُظَلَّة في ظل العرش ... )) الحديث، رواه الإمام أحمد، وأبو داود،
وبمعناه في حديث ابن مسعود، رواه مسلم، فإنهم لمّا بذلوا أبدانهم الله رَّ
حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها، تكون فيها
إلى يوم القيامة، ويكون تنعّمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعّم الأرواح
المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة
الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين، ففي ((الموطأ)) أن كعب بن مالك
كان يحدّث أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن نسمة المؤمن طائر يَعْلُق في شجر
الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)). فقوله: (نسمة المؤمن)) تعمّ
الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم
أنها إذا كانت في جوف طير صَدَق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث
الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من
الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم
يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم.
وحرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما رُوي في ((السنن))،
وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مُدد مِن دَفْنه كما هو، لم يتغير، فَيَحْتَمِل
بقاؤه كذلك في تُربته إلى يوم محشره، ويَحْتَمِل أنه يبلى مع طول المدة، والله

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
أعلم، وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل كان بقاء
جسده أطول. انتهى كلام ابن أبي العزّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنُونَ ابْنَ مَهْدِيٌّ - عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ
الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) وقيل:
بعدها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٨/١٩.
٥ - (خَيْئَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة - بفتح السين المهملة،
وسكون الموحّدة - الجعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يرسل [٣] مات بعد سنة
ثمانين (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣١٢/١٢.
والباقون ذُكروا في الباب، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه،
وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبيه، خيثمة هذه ساقها النسائيّ دَّثُهُ في
((الکبری))، فقال:
(٢١٨٣) - أنبأ إسحاق بن منصور، قال: أنبأ عبد الرحمن، عن سفيان،
عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء، قال: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
(١) ((شرح العقيدة الطحاويّة)) ص٤٠١ - ٤٠٤.

١٣٥
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٣)
فِي الْخَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ قال: ((نزلت في عذاب القبر)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٣] (٢٨٧٢) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُدَيْلٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((إِذَا خَرَجَتْ
رُوحُ الْمُؤْمِنِ، تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ، يُصْعِدَانِهَا))، قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا،
وَذَكَرَ الْمِسْلَكَ، قَالَ: ((وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ، جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْض،
صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ:
انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجْلِ))، قَالَ: ((وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّادٌ:
وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْناً - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيئَةٌ، جَاءَتْ مِنْ قِبَلٍ
الأَرْضِ، قَالَ: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ
رَسُولُ اللهِ وَلِ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س)
تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (بُدَيْلُ) - مصغّراً - ابن ميسرة الْعُقيليّ، بضم العين، البصريّ ثقةٌ [٥]
(ت١٢٥ أو ١٣٠) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٥/٤٧.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ، بالضمّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣]
(ت١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٠/٨٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّّهَ ذُكر قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى
(١) ((السنن الكبرى)) ١/ ٦٦٠، وكذا أخرجه في ((المجتبى)) ١٠١/٤.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة نظُّه أحفظ من
روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ:) ظاهر هذا أنه موقوف على أبي
هريرة ◌َُّه، ولكن آخر الحديث يدلّ على أنه مرفوع، حيث قال أبو
هريرة رَظُه: ((فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا))، فتنبّه. ((إِذَا
خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ، تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ، يُصْعِدَانِهَا))) بضمّ حرف المضارعة؛ أي:
يعرجان بها إلى السماء، وفي رواية النسائيّ: ((إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ، أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ
الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً، مَرْضِيّاً عَنْكِ، إِلَى رَوْحِ اللهِ،
وَرَيْحَانٍ، وَرَبِّ غَيْرِ غَضْبَانَ)).
(قَالَ حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيد راوي الحديث عن بديل، (فَذَكَرَ)؛ أي:
رسول الله وَل﴿، أو الصحابيّ، وهو أبو هريرة، وكأن سبب ذلك نسيان رواية
لفظ النبوة في هذا دون معناه، فذكره بسياق يُشعر بذلك، قاله القاري، وقال
المباركفوري: والظاهر أن فاعل ((ذَكَر)) بديل بن ميسرة شيخ حماد بن زيد.
انتھی(١).
(مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا)؛ أي: من رائحتها الطيّبة، (وَذَكَرَ الْمِسْكَ) قال
الطيبيّ ◌َخْتُ: يَحْتَمِل أن يكون فاعل ((فذكر)) رسول الله وَّر، أو الصحابيّ، يريد
أن رسول الله وَّه وَصَف ◌ِيب ريحها، وذَكر المسك، ولكن لم يُعلم أن ذلك
كان على طريقة التشبيه، أو الاستعارة، أو غير ذلك، وقال الأبهريّ: الأظهر
أن يقال: وذكر أن طيب ريحها أطيب من ريح المسك. انتهى(٢).
(قَالَ) أبو هريرة عن رسول الله وَّر: ((وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ:) أراد به
الجنس؛ أي: كل سماء، (رُوحٌ طَيِّبَةٌ) مبتدأ، أو خبر لمحذوف؛ أي: هي
(جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْض) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: من جهتها،
(١) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ٦٤٥/٥.
(٢) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ٦٤٥/٥، و((الكاشف عن حقائق
السنن)) ١٣٧٨/٤.

١٣٧
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٣)
(صَلَّى اللهُ)؛ أي: أثنى، أو أنزل الرحمة (عَلَيْكِ) قال الطيبيّ تَخْتُهُ: في ((عليكِ))
التفات من الغَيبة في قوله: ((جاءت)) إلى الخطاب، وفائدته مزيد اختصاص لها
بالصلاة عليها، قال القاري: ولمزيد التلذذ بخطابهم إياها، قال ابن حجر:
وكراهة الصلاة استقلالاً على غير الأنبياء والملائكة محلها إن صدرت من
غيرهم، لا منهم؛ لقول العلماء في صلاته وَّر على آل أبي أوفى: إنه من تبرع
صاحب الحق به. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في كراهة الصلاة على غير
الأنبياء، وعدمها في غير هذا المحلّ، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق.
(وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ) بضم الميم؛ يعني: على ظاهرك، وباطنك،
وتقديم الباطن؛ لأنه أهمّ، والنظر إليه أتمّ(٢).
وقال الطيبيّ كَخْلُهُ: قوله: ((تعمرينه)) إستعارة شُبِّه تدبيرها البدن بالعمل
الصالح بعمارة من يتولى مدينة، ويعمرها بالعدل والإحسان. انتهى (٣).
(فَيُنْطَلَقُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية «فينطلقون)) (بِهِ إِلَى رَبِّهِ)، وفي
رواية: ((إلى السماء السابعة))، (ثُمَّ يَقُولُ) الربّ ◌َ: (انْطَلِقُوا بِهِ)؛ أي: بروح
هذا الميت الآن؛ ليكون مستقرّاً في الجنة، أو عندها، (إِلَى آخِرِ الأَجَلِ))) ثم
إلينا مرجعه، والمراد بالأجل هنا مدة البرزخ، قال الطيبيّ كَّتُهُ: يُعلم من هذا
أن لكل أحد أجلين: أولاً، وآخراً، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ
مُسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]؛ أي: أجل الموت وأجل القيامة (٤).
وقال القاضي عياض: المراد بالأول: انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة
المنتهى، والمراد بالثاني: انطلقوا بروح الكافر إلى سجّين، فهي منتهى الأجل،
ويَحْتَمِل أن المراد: إلى انقضاء أجل الدنيا. انتهى(٥).
(١) هو: الهيتميّ الفقيه الشافعيّ، لا الحافظ العسقلانيّ، فتنبّه.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤ /٨٦.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٧٨/٤.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٧٨/٤.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٧.

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
(قَالَ) أبو هريرة عن رسول الله بَّهِ: ((وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ)) -
قَالَ حَمَّدٌ)؛ أي: ابن زيد، (وَذَكَرَ)؛ أي: النبيّ وَّهِ، أو أبو هريرة، (مِنْ نَتْنِهَا)
قال المجد رَّتُهُ: النَّتْنُ: ضدّ الفَوْحِ، نَتُن، ككرُم، وضَرَبَ نتانةَ، وأنتن، فهو
منتنٌ، ومِنتزٌ، بكسرتين، وبضمّتين، وكَقِنديل. انتهى(١).
(وَذَكَرَ)؛ أي: مع النتن، (لَعْناً)؛ أي: لعنة الله له، (وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ)
من الملائكة وغيرهم، (رُوحٌ خَبِيئَةٌ) خبر لمحذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر؛
أي: هذه (جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ، قَالَ) أبو هريرة عن رسول الله وَله: ((فَيُقَالُ)
قال الطيبيّ تَُّهُ: ذكر هنا ((فيقال))، وفيما سبق ((ثم يقول)) مراعاة لحسن
الأدب، حيث نسب الرحمة إلى الله تعالى، والغضب لم يُنسب إليه، كما قوله
تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. (انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى
آخِرِ الأَجَلِ)»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هذا صريح في كون الحديث مرفوعاً، كما أشرت
إليه سابقاً. (فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ رَيْطَةً) بفتح الراء، وإسكان التحتانيّة: كلّ مُلاءة
ليست لَفقتين، وقيل: كلّ ثوب رقيق ليّن، والجمع رِيَط، ورِياط؛ أي: ردّ ◌َله
طرف ريطة (كَانَتْ عَلَيْهِ)؛ أي: على بدنه بمعنى أنه لابِسها، (عَلَى أَنْفِهِ) متعلّق
بـ((ردّ)).
وقال النوويّ: الريطة بفتح الراء، وإسكان الياء: هو ثوب رقيق، وقيل:
هي الملاءة، وكان سبب ردّها على الأنف بسبب ما ذَكَر من نتن ريح رُوح
الكافر. انتهى (٢).
وقوله: (هَكَذَا) تفسير من أبي هريرة لكيفيّة الردّ؛ أي: ردّ وَلّ كردّي
هذا، وكان أبو هريرة رضيُه وضع ثوبه على أنفه، بكيفية خاصة صدرت منه في
تلك الحال.
قال الطيبيّ تَخْتُ: إنَّما ردّ وَلَ الريطة على أنفه لَمّا كُشف له، وشمّ من
نتن ريح روح الكافر، كما أنه ◌َّ غطى رأسه حين مرّ بالحِجْر لما شاهد من
عذاب أهلها. انتهى(٣).
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٢٦٠.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٧٨/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٧.

١٣٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٩٣)
[تنبيه]: حديث أبي هريرة ره هذا أخرجه النسائيّ بسياق آخر، فقال:
(١٨٣٣) - أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال:
حدّثني أبي، عن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَلِيل
قال: ((إذا حُضِر المؤمنُ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي
راضيةً مرضيّاً عنك، إلى رَوْحِ الله، وريحانٍ، وربِّ غير غضبان، فتخرج
كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتون به باب
السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به
أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحاً به من أحدكم بغائبه يَقدَم عليه، فيسألونه ماذا
فَعَل فلان؟، ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا
قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتُضر أتته
ملائكة العذاب بِمِسْح، فيقولون: اخرجي ساخطةً مسخوطاً عليك إلى
عذاب الله مك، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض،
فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)). انتهى (١)، وهو
حديث صحيح، وصححه ابن حبّان، والحاكم، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظله هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٧١٩٣] (٢٨٧٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان))
(٩٦٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((إثبات عذاب القبر)) (٤٤/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يُلْقَى به المؤمن من الكرامة عند موته.
٢ - (ومنها): بيان كرامة المؤمن على الله تعالى حيث يكرمه عند موته
بهذه الكرامة العظيمة.
(١) (سنن النسائي (المجتبى)) ٨/٤، وأخرجه أيضاً في ((الكبرى)) ٦٠٣/١ رقم
(١٩٥٩).

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
٣ - (ومنها): حضور ملائكة الرحمة عند المؤمن في حالة احتضاره،
مبشرةً بهذه البشائر العظيمة، تشريفاً له وتكريماً، وهو معنى ما أشارت إليه
الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (٣) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ
الذُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ
٣١
﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
(٣٢)
مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم
٤ - (ومنها): بيان ما يلقاه الكافر من الذلّ، والهوان عند خروج روحه،
أعاذنا الله تعالى من حال أهل النار، وأكرمنا بالفوز العظيم في دار القرار، إنه
الرؤوف الرحيم آمين .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٩٤] (٢٨٧٣) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسِّ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا
شَيَْانُ بْنُ فَرُّوخَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، وَكُنْتُ رَجُلاً حَدِيدَ
الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا
تَرَاهُ، فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ، وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ
يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهَ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرِ
بِالأَمْسِ، يَقُولُ: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَداً، إِنْ شَاءَ اللهُ)، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَ الَّذِي
بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِتْرٍ،
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((يَا فُلَانُ بْنَ
فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بَنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ حَقَاً؟ فَإِنِّي قَدْ
وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللهُ حَقّاً)، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَاداً لَا
أَرْوَاحَ فِيهَا؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ
يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئاً)).