النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) أي: لا منار، ولا اهتداء به، وقوله: وَلَا يُرَى الضَّبُّ بِهَا يَنْحَجِرْ أي: لا ضبّ، ولا انحجار؛ نفياً للأصل والفرع؛ أي: القيد والمقيّد، وقيل: هذا على سبيل التهكم؛ إذ لا يجوز على الله تعالى أن ينزل برهاناً أن يشرك به غيره. انتهى(١) . (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ)؛ أي: رآهم، ووجدهم متفقين على الشرك، منهمكين في الضلالة (فَمَقَتَهُمْ)؛ أي: أبغضهم، وكرههم، وقوله: (عَرَبَهُمْ، وَعَجَمَهُمْ) بدل من الضمير في ((مقتهم))، والمراد بالعجم: غير العرب، والمعنى: أنه أبغضهم بسوء صنيعهم، وخُبْث عقيدتهم، واتفاقهم قبل بعثة محمد ◌َ﴿ على الشرك، وانغماسهم في الكفر، قوم موسى لعلّ* كفروا بعيسى غلَلاّ، وعبدوا عزيراً، وذهبوا إلى أنه ابن الله، وقوم عيسى الظُّلا ذهبوا إلى التثليث، أو إلى أنه ابن الله، وغير ذلك، قاله القاري (٢). وقال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((فمَقَتهم عربهم وعجمهم إلخ)): المقت: أشدّ البغض، والمراد بهذا المقت والنظر: ما قبل بعثة رسول الله وَالقول، والمراد ببقايا أهل الكتاب: الباقون على التمسك بدينهم الحقّ من غير تبديل. انتهى (٣). وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ... إلخ)): ((نظر)): بمعنى أبصر، والمقت: أشد البغض، وأراد بالعجم هنا: كل من لا يتكلم بكلام العرب، ويعني بذلك قبل بعث النبيّ وَل﴾، وذلك أن كِلا الفريقين كان يعبد غير الله، أو يُشرك معه غيره، فكان الكل ضُلّالاً عن الحقّ، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع، فأبغضهم الله لذلك أشدّ البغض، لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم، حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولاً، وأنزل عليهم كتاباً قطعاً لمعاذيرهم، وإظهاراً للحجة عليهم. وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب؛ لأنَّهم كانوا متمسكين بالحقّ الذي جاءهم به نبيّهم، ويعني بذلك - والله أعلم - من كان في ذلك الزمان متمسِّكاً (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٩٦/١١. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٩/ ٥٥٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/١٧ - ١٩٨. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها بدين المسيح ظلّا؛ لأنَّ من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى ظلَّا، ولا متمسِّكاً بما في التوراة، ولا دخل في دين عيسى، فلم يبق أحد من اليهود متمسِّكاً بدينٍ حقّ إلا من آمن بالمسيح، واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به، فلا تنفعه يهوديته، ولا تمسكه بها؛ لأنَّه قد ترك أصلاً عظيماً مِمَّا فيها، وهو العهد الذي أُخذ عليهم في الإيمان بعيسى لِلَّلاَ، وكذلك نقول: كل نصرانيّ بلغه أمر نبيّنا وَّرَ، وشَرْعنا، فلم يؤمن به لم تنفعه نصرانيته؛ لأنَّه قد ترك ما أُخذ عليه من العهد في شرعه، ولذلك قال ◌َليه : ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة: يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت إلا كان من أصحاب النار))، رواه مسلم. (١) انتهى(١). (إِلَّا بَقَايَا) جمع بقيّة، يقال: بقي من الدين كذا: إذا فضل، وتأخّر، وتبقّى مثله، والاسم: البقيّة، وجمعها بقايا، وبقيّات، مثلُ عطيّة، وعطايا، وعطيّات، قاله الفيّوميّ كَُّ(٢). (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ أي: من اليهود، والنصارى، تبرؤوا عن الشرك، كذا قاله بعضهم، والأظهر أن المراد بهم: جماعة من قوم عيسى ظلَّ أبقوا متابعته؛ إلى أن آمنوا بنبينا وَله . (وَقَالَ) الله رَتْ: (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ)؛ أي: أرسلتك يا محمد (لأَبْتَلِيَ)؛ أي: لأمتحنك كيف تصبر على إيذاء قومك إياك، (وَأَبْتَلِيَ بِك)؛ أي: أمتحن قومك، هل يؤمنون بك، أم يكفرون؟. وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك)) معناه: لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به، من تبليغ الرسالة، وغير ذلك، من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله تعالى، وغير ذلك، وأبتلي بك من أرسلتك إليهم، فمنهم من يُظهر إيمانه، ويخلص في طاعاته، ومن يتخلف، ويتمرّد بالعداوة والكفر، ومن ينافق، والمراد أن يمتحنه؛ ليصير ذلك واقعاً بارزاً، فإن الله تعالى إنما يعاقب العباد على ما وقع منهم، لا على ما يعلمه قبل وقوعه، وإلا فهو رجل عالم بجميع الأشياء قبل وقوعها، وهذا (١) ((المفهم)) ٧/ ١٦٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٨/١. ٦٣ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) نحو قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ أي: نعلمهم فاعلين ذلك، متصفين به. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخّلُ: قوله: ((إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك))؛ أي: لأمتحنك بتبليغ الرسالة، والصبر على معاناة أهل الجاهلية، وأمتحن بك؛ أي: من آمن بك، واتبعك أثبته، ومن كذّبك، وخالفك انتقمت منه، وعاقبته. انتھی(٢) . (وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً)؛ أي: عظيماً، فالتنوين للتعظيم، (لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ)؛ أي: لم نَكْتَفِ بإيداعه الكتب، فيغسله الماء، بل جعلناه قرآناً محفوظاً في صدور المؤمنين، قال تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتٌ بَبِنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلّْ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ [الحجر: ٩]، أو المراد بالغسل: النسخ، والماء مثل؛ أي: لا ينزل بعده كتاب ينسخه، ولا نزل قبله كتاب يبطله، كما قال تعالى: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيِّنِ يَدَيِّهِ [فصلت: ٤٢]. ١٤٢ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وقال النوويّ كَّلُهُ: أما قوله تعالى: ((لا يغسله الماء)) فمعناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان، وأما قوله تعالى: ((تقرأه نائماً ويقظان)) فقال العلماء: معناه: يكون محفوظاً لك في حالتَي النوم واليقظة، وقيل: تقرأه في يُسر وسهولة. انتهى(٣). وقال الطيبيّ تَّتُ: أي: كتاباً محفوظاً في القلوب، لا يضمحلّ بغسل القراطيس، أو كتاباً مستمرّاً متداوَلاً بين الناس، ما دامت السموات والأرض، لا يُنسخ، ولا يُنسَى بالكلية، وعبّر عن إبطال حكمه، وترك قراءته، والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء، على سبيل الاستعارة، أو كتاباً واضحاً آياته، بَيِّناً معجزاته، لا يبطله جَوْر جائر، ولا يُدحضه شبهة مناظر، فمثّل إبطال المعنى بإبطال الصورة، وقيل: كنى به عن غزارة معناه، وكثرة جدواه، من قولهم: (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٧. (٢) ((المفهم)) ١٦٣/٧. ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها مال فلان لا يفنيه الماء، أو النار. انتهى (١). وقال القرطبيّ ◌َخُّْهُ: قوله: ((وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء))؛ أي: يسّرت تلاوته، وحفظه، فخَفّ على الألسنة، ووَعَتْه القلوب، فلو غُسلت المصاحف لَمَا انغسل من الصدور، ولَمَا ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ ﴾ [القمر: ١٧]، وفي الإسرائيليات: أن ١٧) يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَكِرٍ موسى ظلّلا قال: يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد وَالية(٢). (تَقْرَؤُهُ)؛ أي: أنت، حال كونك (نَائِماً، وَيَقْظَانَ) بسكون القاف، والمعنى: يصير لك مَلَكة، بحيث يحضر في ذهنك، وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائماً ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به: هو يفعله نائماً. قال القاري: كذا ذكره الطيبيّ كَُّ وخلاصته: أنه في قلبك، وأنت نائم، وأقول: لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه وَير؛ لأنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وقد شوهد كثير من الناس صغيراً وكبيراً أنهم يقرؤون، وهم نائمون. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((تقرؤه نائماً ويقظان)) يَحْتَمِل أن يريد بذلك أنه يوحى إليه القرآن في اليقظة والمنام، وقد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي. ويَحْتَمِل أن يكون معنى نائم هنا: مضطجعاً؛ يعني: في صلاة المريض، قالهما القاضي، وفيهما بُعْدٌ، وأشبه منهما - إن شاء الله تعالى - أن الله يسّره على لسان نبيّهِ وَّة، وذكره، بحيث كان يقرؤه نائماً، كما كان يقرؤه منتبهاً، لا يُخِلّ منه بحرف، لا سيما وقد كان 08 تنام عيناه ولا ينام قلبه. وقد شاهدنا المديمين على تكرار القران يقرؤون منه الكثير وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم. انتهى (٤). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٩٦/١١. (٢) ((المفهم)) ١٦٣/٧. (٤) ((المفهم)) ٧/ ١٦٣. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٥٥/٩. ٦٥ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ) من التحريق، أو الإحراق؛ أي: أُهلك (قُرَيْشاً)؛ أي: مشركهم. وقال القرطبيّ تَخُّهُ: قوله: ((أن أحرّق قريشاً))؛ أي: أُغيظهم بما أُسمعهم من الحقّ الذي يخالف أهواءهم، ويؤلم قلوبهم بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلام آبائهم، وقتالهم، ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار، ولا يصحّ أن يُحمَل ذلك على حقيقته؛ لأنَّ النبيّ وَّ لم يصحّ عنه أنه حرّق أحداً من قريش بالنار، بل قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: ((لا يعذب بالنار إلا الله))(١). (فَقُلْتُ: رَبِّ) بحذف حذف النداء؛ أي: يا ربّ (إِذاً) منوّناً بتنوين العوض، إذ أصله: إذا حرّقتهم، (يَثْلَغُوا) بفتح أوله، وثالثه، وبالثاء المثلثة؛ أي: يشدخوه، ويشجّوه، كما يُشدخ الخبز؛ أي: يكسر، والمعنى: أنهم يَشدخون، ويكسرون (رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ) بفتح حرف المضارعة، والدال؛ أي: يصيّروا رأسي (خُبْزَةً)؛ أي: فيتركوه بالشدخ بعد الشكل الكرويّ مصَفّحاً مثل خبزة . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إذاً يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً)) الرواية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة، والغين المعجمة، ومعناه: يشدخوا، قاله الهرويّ، وقال شَمِر: الثلغ: فَضْخَك الشيءَ الرطب باليابس، وقد رواه العذريّ: ((فقلعوا)) - بالقاف، والعين المهملة - ولا يصحّ مع قوله: ((فيدعوه خبزة))، ومعنى هذا أنه شبّه الرأس إذا شُدخ بالخبزة، إذا شُدخت لتُتْرَد. قلت(٢): وهذا الذي قاله النبيّ وَل من نحو ما قاله موسىَلَله حين أُمر وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا بتبليغ الرسالة إلى فرعون ف﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣) وَهُمْ عَلَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ يَطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ (® [الشعراء: ١٤) ١٢ - ١٤]، فهذا صريحٌ في أنهما خافا غير الله، وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلََّّ اللَّهُ﴾. [الأحزاب: ٣٩]، وهذا نصّ في أن الرسل لا تخشى إلا الله، وهذا هو المناسب (١) رواه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ. (٢) القائل هو القرطبيّ كَّهُ. ٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها لمعرفتهم بالله، وأنه ليس في الوجود فاعل، ولا خالق إلا هو، وخصوصاً لأولي العزم من الرسل، وخصوصاً لمحمد، وموسى - صلى الله عليهما .. ويرتفع التعارض من وجهين: أحدهما: أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكّنهم، وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم، وقبل تأمينهم، فلما مُكّنوا، وأُمِّنوا لم يخشوا إلا الله، ولذلك كان النبيّ وَ ج ﴿ في أول أمره يُحرَس، وهو في منزله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة: ٦٧] أخرج رأسه إليهم، فقال: ((اذهبوا فقد عصمني ربي)) (١). وثانيهما: على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم، لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فَجْأته، ووقوع بادرته، حتى إذا راجع الإنسان عقله، وتدبّر أمره اضمحلّ ذلك الخوف أيَّ اضمحلال، وحصل له من معرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). (قَالَ) الله تعالى لنبيّه وَّهِ: (اسْتَخْرِجْهُمْ)؛ أي: أَخْرج كفّار قريش من بلدهم مكة، قال القرطبيّ: والسين والتاء زائدتان، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. (كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ) وفي رواية العذريّ: ((كما أخرجوك))؛ أي: مثل ما أخرجوك منها؛ جزاءً وفاقاً، وإن كان بين الإخراجين بَوْن بَعيد، فإن إخراجهم إياه بالباطل، وإخراجه وَلّ إياهم بالحقّ. وقال القرطبيّ: وهذا يدلّ على أن هذا القول صدر عن النبيّ وَّ بالمدينة بعد الهجرة؛ فإنَّ أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة(٣). (وَاغْزُهُمْ)؛ أي: وجاهدهم، فالواو لمطلق الجمع، فإن القتال مقدّم على الإخراج. (نُغْزَِكَ) بضم النون، من أغزيته: إذا جهّزته للغزو، وهيأت له أسبابه؛ أي: نيسّر لك أسباب الغزو. وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((واغزُهم نُغزك))؛ أي: اعزم على غزوهم، واشرع فيه نُعِنْك على غزوهم، وننصرك عليهم. (١) رواه الترمذيّ. (٣) ((المفهم)) ١٦٥/٧. (٢) ((المفهم)) ١٦٤/٧ - ١٦٥. ٦٧ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) (وَأَنْفِقْ)؛ أي: ما في جُهدك في سبيل الله، (فَسَنْفِقَ عَلَيْكَ)؛ أي: نُخلف عليك بَدَله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةُ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفيه وعد، وتسلية له وَّ، ولأصحابه، وكذا لأمته بعده. (وَابْعَثْ)؛ أي: أرسل أنت (جَيْشاً)؛ أي: كبيراً، أو صغيراً، (نَبْعَثْ)؛ أي: نرسل من جندنا (خَمْسَةً)؛ أي: مقدار خمسة (مِثْلَهُ) بالنصب؛ أي: مثل الجيش الذي بعثته، والمعنى: نبعث من الملائكة خمسة أمثال تُعينهم، كما فعل الله ذلك ببدر، قال تعالى: ﴿بَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا [آل عمران: ١٢٥]، وكان ١٣٥ يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةٍ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ المشركون يومئذ ألفاً، والمسلمون ثلثمائة. وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: (نبعث خمسة مثله)): هذا يدلّ على أن هذا كان قبل غزوة بدر؛ لأنَّ النبيّ وَ ◌ّ كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه، ونيّف، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر، فأمدّه الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، كما نطق القرآن به. انتهى(١). (وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ)؛ أي: بمعونته، أو معه، (مَنْ عَصَاَكَ)؛ أي: بعدم الإيمان بك. (قَالَ) النبيّ وَِّ: (وَأَهْلُ الْجَنَّةِ)؛ أي: المتأهّلون لدخولها، والصالحون له، (ثَلَاثَةٌ)؛ أي: ثلاثة أجناس، من الأشخاص. ثم أشار إلى الأول بقوله: (فُو سُلْطَانٍ)؛ أيّ صاحب حكم، وولاية عامّة، أو خاصّة، كالولاية على أهل بيته، لحديث: ((كلكم راع ... )). وقال الطيبيّ: قوله: ((ذو سلطان))؛ أي: سلطان؛ لأنه ذو قهر، وغلبة، من السلاطة، وهي التمكن من القهر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، ومنه سُمي السلطان، وقيل: ذو حجة؛ لأنه تقام الحجج به. (٢) انتھی(٢). (١) ((المفهم)) ١٦٥/٧. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٩/١٠. ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها (مُقْسِطٌ) بالرفع، صفة المضاف؛ أي: عادل، يقال: أقسط، فهو مقسط: إذا عدل، وقسط فهو قاسط: إذا جار، فالهمزة فيه للسلب، كما يقال: شكا إليه، فأشكاه، قاله القاري(١). والمعنى: أنه عادل في رعيّته، يقيم فيهم العدل والحقّ، قال الأبيّ تَخَّتُ: ويدخل فيه الرجل في أهله؛ لحديث: ((كلّكم راع، ومسؤول عن رعيته)). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ((مقسط)) وما بعده مرفوع على أنها صفات لـ(ذو))، وهي بمعنى صاحب، والمقسط: العادل، والمتصدّق: المعطي للصدقات، والموفق: المسدَّد لفعل الخيرات. انتهى(٢). (مُتَصَدِّقٌ)؛ أي: محسن إلى الناس؛ أي: يُنفق ماله في الفقراء والمساكين، ووجوه الخير. (مُوَفَّقٌ) بصيغة اسم المفعول؛ أي: مهيَّأ له أسباب الخيرات، ومفتّح له أبواب البرّ والطاعات. ثم أشار إلى الثاني بقوله: (وَرَجُلٌ رَحِيمٌ)؛ أي: على الصغير والكبير، كثير الرحمة والإحسان إليهم، (رَقِيقُ الْقَلْبِ)؛ أي: ليّنه عند التذكير، والموعظة، أو معناه: الشفيق، فيكون بمعنى الرحيم. وقوله: (لِكُلِّ ذِي قُرْبَى) تنازعاه ((رحيم))، و((رقيق القلب))، وقوله: (وَمُسْلِم) بالجرّ عطفاً على ((ذي قربى))، والمعنى: أنه رحيم لكل أصحاب القرابة خصوصاً، ولكلّ مسلم عموماً. وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: ((رحيم)): كثير الرحمة، والقربى: القرابة، ورقيق القلب: ليّنه عند التذكير والموعظة، ويصحّ أن يكون بمعنى الشفيق. وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((رقيق القلب)) مفسِّر لقوله: ((رحيم))؛ أي: يَرِقّ قلبه، ويرحم كلَّ من بينه وبينه لحمة القرابة، أو صلة الإسلام. انتهى (٣). قال القاري تَخُّْهُ: والظاهر أن يراد بالرحيم صفة فِعْلية، يظهر وجودها (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٤٣/١٤. (٢) ((المفهم)) ١٦٥/٧. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٩/١٠. ٦٩ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) في الخارج، وبالرقيق صفة قلبية، سواء ظهر أثرها أم لا، والثاني أظهر، فيكون باعتبار القوّة، والأول باعتبار الفعل، ويمكن أن تتعلق رحمة الرحيم إلى المعنى الأعم من الإنسان، والحيوان، الشامل للمؤمن والكافر، والدوابّ، فيكون الثاني أخصّ، والحاصل أن التأسيس أولى من التأكيد. انتهى(١). ثمّ أشار إلى الثالث بقوله: (وَ)رجلٌ (عَفِيفٌ)؛ أي: متّصف بالعفّة، يقال: عَفّ عفّاً، وعَفافاً، وعَفافةً بفتحهنّ، وعِفّةً بالكسر، فهو عَفٍّ، وعَفِيف: إذا كَفّ عما لا يحلّ، ولا يَجْمُلُ، كاستعفّ، وتعفّف، قاله المجد تَظُّهُ(٢). وقوله: (مُتَعَفِّفْ)؛ أي: متكلّف للعقّة، فالعفيف من كانت العفّة راسخة فيه، والمتعفّف من يتكلّف العفّة، ويكتسبها؛ يعني: متّصف بالعفّة الطبيعيّة، والمكتسبة، وقوله: (ذُو عِيَالٍ) أتي به؛ إشارة إلى أن العيال كثيراً ما يحملون العبد على التكسبّ بغير وجه شرعيّ لأجلهم، فهذا الرجل بعيد عن هذا، فهو عفيف متعفّف. وقال القاري: ((عفيف)) بالرفع على أنه الثالث من الثلاثة؛ أي: مجتنب لِمَا لا يحلّ ((متعفف))؛ أي: عن السؤال، متوكل على الله رَمَّت، في أمره، وأمْر عياله، مع فرض وجودهم، فإنه أصعب، ولهذا قال: ((ذو عيال)): أي: لا يحمله حب العيال، ولا خوف رزقهم على ترك التوكل بارتكاب سؤال الخلق، وتحصيل المال الحرام، والاشتغال بهم عن العلم والعمل، مما يجب عليه. ويَحْتَمِل أنه أشار بالعفيف إلى ما في نفسه من القوّة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف إلى إبراز ذلك بالفعل، واستعمال تلك القوّة، وإظهار العفة عن نفسه . قال الطيبيّ ◌َخُّْهُ: وإذا استَقرأتَ أحوالَ العباد على اختلافها، فلعلّك لم تجد أحداً يستأهل أن يدخل الجنة، ويحقّ له أن يكون من أهلها، إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام، غير خارج عنها. انتهى(٣). (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٤٣/١٤. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٨٩٠. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٩/١٠. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها (قَالَ) النبيّ وَِّ: (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ)؛ أي: خمسة أجناس، وفيه إشارة إلى كثرتهم. ثم أشار إلى الأول بقوله: (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) - بفتح الزاي، وسكون الموحّدة -؛ أي: لا رأي له، ولا عقل كاملاً يَعقِله، ويمنعه عن ارتكاب ما لا ينبغي، وقيل: هو الذي لا مال له، وقيل: الذي ليس عنده ما يعتمده، وقد ورد: ((الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له))(١)، وفي ((القاموس)): الزبر: العقل، والكمال، والصبر، والانتهار، والمنع، والنهي. انتهى، ولكلِّ وجه في المعنى. وفي ((شرح السُّنَّة))؛ أي: لا عقل له، وفي ((الغريبين)): يقال: ما له زبر؛ أي: عقل. وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((الذي لا زبر له)) والزبر هنا: العقل، قاله الهرويّ، وفي ((الصحاح)): يقال: ما له زبر؛ أي: عقل، وتماسك. قال القرطبيّ: وسمّي العقل زبراً؛ لأنَّ الزبر في أصله هو المنع والزجر، يقال: زبره يزبُره بالضم زبراً: إذا انتهره، ومنعه، ولمّا كان العقل هو المانع لمن اتّصف به من المفاسد، والزاجر عنها سمّي بذلك، وقد قيل في الزبر في هذا الحديث: إنه المال، وليس بشيء. انتهى (٢). وقال التوربشتيّ: المعنى لا يستقيم على تفسير الزبر بالعقل؛ لأن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يُحكم بأنه من أهل النار؟ وأرى الوجه فيه أن يُفَسَّر بالتماسك، فإن أهل اللغة يقولون: لا زبر له؛ أي: لا تماسك له، وهو في الأصل مصدر، والمعنى: لا تماسك له عند مجيء الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشة، ولا يتورع عن حرام. (١) رواه أحمد في ((مسنده)) بلفظ: قال رسول الله وَله: ((الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له))، قال الحافظ الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٨٨/١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير دويد، وهو ثقة. انتهى. وقال المنذريّ كَُّ في ((الترغيب والترهيب)): ٨٦/٤: رواه أحمد، والبيهقيّ، وزاد: ((ومال من لا مال له)). (٢) ((المفهم)) ١٦٥/٧. ٧١ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) قال القاري: التماسك إنما هو من كمال العقل، وحاصل بالصبر، فيُحمل على أحدهما، وأغرب الطيبيّ في قوله: لعل الشيخ ذهب إلى أن قوله: ((الذين هم فيكم تبع)) قسم آخر من الأقسام الخمسة، ولذلك فسره بقوله: يعني به: الخدّام الذين يكتفون بالشبهات، والمحرمات، وعليه كلام القاضي، حيث قال: ((الذين هم فيكم تبع)) يريد به الخدام الذين لا مطمح لهم، ولا مطمع إلا ما يملؤون به بطونهم، من أي وجه كان، ولا تتخطى هممهم إلى ما وراء ذلك، من أمر دينيّ، أو دنيويّ. قال القاري: أقول: والظاهر أن الضعيف وُصِف باعتبار لفظه تارةً بالمفرد، وباعتبار الجنس أخرى بالجمع، أو الموصول الثاني بيان، أو بدل مما قبله؛ لعدم العاطف، كما في الأصول المشهورة، وعليه كلام الأشرف، حيث قال: ((الذي)) في قوله: ((الذي لا زبر له)) بمعنى الذين للجمع، قال الشاعر [من الطويل] : هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجِ دِمَاؤُهُمْ وهو الذي جوّز جعل قوله: ((الذين هم فيكم تبع)) بدلاً من قوله: ((الذي لا زبر له)). انتھی کلامه. وعلى هذا لا يتوجه الإشكال الذي أورده الشيخ التوربشتيّ، ويتعين تقسيم الأقسام الخمسة: أحدها: الضعيف، وثانيها: الخائن، وثالثها رجل، ورابعها: البخيل، وخامسها: الشنظير. انتهى كلام الطيبيّ(١). ووجه غرابته أنه ليس في كلام الشيخ والقاضي ما يدل على جعله قسماً آخر، وهما أعقل من أن يخالفا النصّ على الخمس بالزيادة عليه، لا سيما عند عدم وجود العاطف، على ما في الأصول المشهورة، ولا دلالة لتفسيرهما على ما توهّم الفاضل؛ إذ لا منافاة بين الوصف السابق واللاحق، بل الثاني مميز للأول. وحاصله: أن القسم الأول هو جنس الضعيف في أمر دينه، الناقصون في عقولهم، الذين هم فيكم تبع، لا يبغون أهلاً؛ أي: لا يطلبون زوجة، ولا (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٨٠/١٠. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها سُرّيّةً، فأعرضوا عن الحلال، وارتكبوا الحرام، ولا مالاً؛ أي: ولا يطلبون مالاً حلالاً، من طريق الكدّ والكسب الطيب، فقيل: هم الخدم الذين يكتفون بالشبهات، والمحرمات التي سَهُل عليهم مأخذها عما أبيح لهم، وليس لهم داعية إلى ما وراء ذلك، من أهل، ومال. وقيل: هم الذين يدورون حول الأمراء، ويخدمونهم، ولا يبالون من أيّ وجه يأكلون، ويلبسون، أمِنَ الحلال، أم من الحرام؟ ليس لهم مَيْل إلى أهل، ولا إلى مال، بل قَصَروا أنفسهم على المأكل، والمشرب، ثم الإشكال الذي أورده الشيخ على معنى ((لا زبر له)) لا تعلّق له بأن يكون ما بعده قسماً آخر، أو لا، والله أعلم. انتهى (١). (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعاً) قال صاحب ((التكملة)): كذا وقع منصوباً في نُسخ ((صحيح مسلم))، وفي رواية الطبرانيّ: ((هم فيكم تبعٌ))، وهو أوفق بالقياس، وأما كونه منصوباً، فيمكن تأويله على أنه حال من فعل محذوف، كأنه قال: هم يعيشون فيكم تبعاً، وفي رواية أحمد: ((هم فيكم تبعاً، أو تُبعاء)) شكّ يحيى، وعلى الوجه الأخير هو جمع تابع، كفُضَلاء جمع فاضل، والله تعالى (٢) أعلم. انتهى (٢). وقال القاري: قوله: (تبع)) بفتحتين: جمع تابع، كخَدَم جمع خادم، قال الطيبيّ: ((تبع) وقع في بعض نُسخ ((المصابيح)) مرفوعاً، كما في ((صحيح مسلم))، على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ خبره الظرف، والجملة خبر ((هم))، وفي بعضها منصوباً، كما في الحميديّ و((جامع الأصول))، وهو حال من الضمير المستتر في الخبر. انتهى (٣). (لَا يَتْبَعُونَ أَهْلاً، وَلَا مَالاً) روي بتشديد التاء، وتخفيفها، فعلى الأول هو مضارع من الاتباع، وعلى الثاني مضارع من تَبع، ووقع في بعض النسخ: (يبتغون)) بالموحّدة، والغين المعجمة؛ أي: لا يطلبون. (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٤٤/١٤. (٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٢٣٠. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٩/١٠. ٧٣ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((لا يتبعون أهلاً ولا مالاً)) هذا تفسير من النبيّ ◌َ﴿ لقوله أولاً: ((الضيف الذي لا زبر له))، فيعني بذلك أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية، ولا دينية، بل يُهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة هي أوصاف هذه الطائفة المسمّاة بالقلندرية(١). انتهى(٢). وقال القاري كَّتُهُ: قوله: ((لا يبغون)) بفتح الياء، وتسكين الموحّدة، وضم الغين المعجمة، في النسخ المصححة المعتمدة(٣)، وفي بعضها بفتح الياء، وتشديد الفوقية، وكسر الموحدة، والعين المهملة، من الاتّباع، وفي نسخة بضم الياء، وسكون الفوقية، وكسر الموحدة، والعين المهملة، قال النوويّ: ((لا يتبعون)) بالعين المهملة، يخفف، ويشدد، من الإتباع، وفي بعض النسخ: ((يبغون)) بالغين المعجمة. انتهى(٤). وقال صاحب ((التكملة)): هذه الجملة تفسير لـ((الضعيف الذي لا زبر له))، والمعنى: أنهم لا يسعون في تحصيل منفعة دينيّة، ولا دنيويّة، بل يُهملون أنفسهم إهمال الأنعام، فلا يطلبون أهلاً ولا مالاً بطريقة معروفة، بل هم تبع لقادتهم يسيرون معهم حيث ساروا، وإنما استحقّوا النار؛ لأنهم لم يستعملوا ما وهبهم الله تعالى من العقل والفكر لتمييز الكفر من الإيمان، فوقعوا في الكفر تبعاً لقادتهم(٥) . ثم أشار إلى الثاني من الخمسة بقوله: (وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ) مصدر بمعنى المفعول، قال القاضي: أي: لا يخفى عليه شيء مما يمكن أن يُطمع فيه، (وَإِنْ دَقَّ) بحيث لا يكاد يُدرَك، (إِلَّا خَانَهُ)؛ أي: إلا وهو يسعى (١) طريقة صوفيّة أسسها قلندر يوسف العربي الإسبانيّ. (٢) ((المفهم)) ١٦٦/٧. (٣) أي: لكتاب ((المصابيح))، لا لـ((صحيح مسلم))، فتنبّه. (٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٤٤/١٤. (٥) (تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٢٣٠. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها في التفحص عنه، والتطلع عليه حتى يجده، فيخونه، وهذا هو الإغراق في الوصف بالخيانة، قال القاري: بل هو إغراق في وصف الطمع، والخيانة تابعة له، والمعنى: أنه لا يتعدى عن الطمع، ولو احتاج إلى الخيانة، ولهذا قال الحسن البصريّ: الطمع فساد الدين، والورع صلاحه، قال القاضي: ويَحْتَمِل أن يكون خَفِي من الأضداد، والمعنى: لا يَظهر له شيء يُطمع فيه إلا خانه، وإن كان شيئاً يسيراً. قال القاري: لا خفاء في أن المعنى الأسبق أبلغ، وأنسب بقوله: ((وإن دقّ)) فهو بالاعتبار أولى وأحقّ، وإن كان تعدية (خَفِيَ)) باللام في معنى الظهور أظهر، فإنه يقال: خفي له؛ أي: ظهر، وخَفِي عليه الأمر؛ أي: استتر على ما ذكره بعض الشراح، لكن في ((القاموس)): خفاه يَخفيه: أظهره، وخِفِي كرضي: لم يظهر. انتهى. فالمعنى الأول هو المعوّل بفتح الفاء في ((لا يخفى))، إلا إن ثبت الرواية بكسرها، كما لا يخفى، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّق لغة ((خفي)) بمعنى استتر، وبمعنى ظهر، العلامة الفيّوميّ تَخْتُ فقال: خَفِيَ الشيءُ يَخْفَى خَفَاءً بالفتح، والمدّ: استتر، أو ظهر، فهو من الأضداد، وبعضهم يجعل حرف الصلة فارقاً، فيقول: خَفِيَ عليه: إذا استتر، وخَفِيَ له: إذا ظهر، فهو خَافٍ، وخَفِيٌّ أيضاً، ويتعدى بالحركة، فيقال: خَفَيْتُه أَخْفِيهِ، من باب رَمَى: إذا سترته، وأظهرته، وفعلته خِفْيَةً بضم الخاء، وكسرها، ويتعدى بالهمزة أيضاً، فيقال: أَخْفَيْتُهُ، وبعضهم يجعل الرباعيّ للكتمان، والثلاثي للإظهار، وبعضهم يَعْكِس، واسْتَخْفَى من الناس: استتر، واخْتَفَيْتُ الشيءَ: استخرجته، ومنه قيل لنباش القبور: المُخْتَفِي؛ لأنه يستخرج الأكفان، قال ابن قتيبة، وتبعه الجوهريّ: ولا يقال: اخْتَفَى بمعنى توارى، بل يقال: اسْتَخْفَى، وكذلك قال ثعلب: اسْتَخْفَيْتُ منك؛ أي: تواريت، ولا تقل: اخْتَفَيْتُ، وفيه لغة حكاها الأزهريّ، قال: أَخْفَيْتُهُ بالألف: إذا سترته، فَخَفِيَ، ثم قال: وأما اخْتَفَى بمعنى خَفِيَ، فهي لغة ليست بالعالية، ولا بالمنكرة، وقال الفارابيّ أيضاً: اخْتَفَى الرجلُ البئرَ: إذا احتفرها، ٧٥ (١٧) - بَابُ الصَّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) واخْتَفَى: استتر. انتهى كلام الفيّوميّ ◌َُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً لِلُغة (خَفِي) بمعنى استتر، وبمعنى ظهر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((والخائن الذي لا يخفى له طمعٌ ... إلخ)) الخائن: هو الذي يأخذ مما اؤتمن عليه بغير إذن مالكه، و((يخفى له)) - هنا - بمعنى يَظهر، كما قال الشاعر [من الطويل]: خَفَاهُنّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبٍ أي: أظهرهن، وخفي من الأضداد، يقال: خفيت الشيءَ؛ أي: أظهرته، وسترته، قاله أبو عبيد. انتهى (٢). ثم أشار إلى ثالث الخمسة بقوله: (وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ، وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَمَالِكَ)))؛ أي: بسببهما، فـ((عن)) بمعنى الباء، كما في [النجم: ٣]، وقال في ((الكشاف)) في قوله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ تعالى: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]؛ أي: حَمَلهما الشيطان على الزلة بسببها، والمعنى: يخادعك بسبب أهلك ومالك؛ أي: يطمع في مالك وأهلك، فيُظهر عندك الأمانة والعفّة، ويخون فيهما(٣). (وَذَكَرَ)؛ أي: النبيّ وَّر في القسم الرابع من الخمسة (الْبُخْلَ، أَوِ الْكَذِبَ، ((والشنظير الفحاش))) قال التوربشتيّ: أي: البخيل والكذاب، أقام المصدر مقام الفاعل، وقال الطيبيّ: ولعل الراوي نسي ألفاظاً ذكرها في شأن البخيل، أو الكذاب، فعبّر بهذه الصيغة، وإلا كان يقول: والبخيل، أو الكذاب. وقال النوويّ كَُّهُ: هي في أكثر النسخ: ((أو الكذب)) بـ((أو))، وفي بعضها بالواو، والأول هو المشهور في نُسخ بلادنا، وقال القاضي عياض: روايتنا عن جميع شيوخنا بالواو، إلا ابن أبي جعفر، عن الطبريّ، وقال بعض الشيوخ: ولعله الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة، قال الطيبيّ: فعلى هذا قوله: ((وَالشِّنْظِيرُ)) مرفوع فيكون عطفاً على ((رجل))، كما سبق، وعلى تأويل الواو ينبغي أن يكون منصوباً من تتمة الكذب، أو البخل؛ أي: البخيل السيئ (١) ((المصباح المنير)) ١٧٦/١. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٨١/١٠. (٢) ((المفهم)) ٧/ ١٦٧. ٧٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها الخلُق، و((الْفَخَاشُ)) نعت لـ((الشنظير))، وليس بمعنى له؛ أي: يكون مع سوء خلقه فحّاشاً. انتهى (١). قال القاري: المعنى كما قال الشيخ، سواء كان هناك صفة أخرى لهما أم لا، ورُوي بالواو، وحينئذ إما أن يجعل اثنين من الخمسة، فيكون قوله: ((والشنظير)) منصوباً عطفاً على الكذب تتمة له، وإمّا أن يُجعلا واحداً فيكون الشنظير مرفوعاً، كذا قاله شارح، لكن قوله: ((تتمة له)) غير صحيح؛ لأن التعدد المفهوم من الواو، وهو الذي فرّ منه واقع فيه، ولا يصح أن يكون الشنظير عطف تفسير للكذب؛ لِمَا بينهما من التباين، فالصواب: أن الواو بمعنى ((أو))، كما يدلّ عليه الأصول المعتمَدة، والنسخ المصححة. ثم الشنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة: السيئ الخُلُق، وهو مرفوع على الصحيح كما سبق. وقوله: ((الفحاش)) نعت له، وليس بمعنى له؛ أي: المكثر للفحش، والمعنى أنه مع سوء خلقه فحّاش في كلامه؛ لِمَا بينهما من التلازم الغالبي. انتهى كلام القاري(٢). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((وذكر البخل والكذب)) هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبريّ بـ((أو)) التي للشك، قال القاضي: ولعله الصواب، وبه تصحّ القسمة؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضيف الذي وُصف، والخائن الذي وُصف، والرجل المخادع الذي وُصف، قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشنظير الفحّاش، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يَحْتَمِل أن يكون الرابع مَن جَمَعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشنظير الفخّاش. وكذلك قوله: ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال))، قال: كذا قيّدناه بخفض ((مسلم)) عطفاً على ما قبله، وفي رواية أخرى: ((ومسلم عفيف)) بالرفع، وحذف الواو. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠/ ٣١٨١. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٤٩/١٤. ٧٧ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) قال القرطبيّ: العفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش، وعما لا يليق. والمتعفف: المتكلّف للعفة، والشنظير: السيّئ الخلق، وفي ((الصحاح)): رجل شنظير، وشنظيرة؛ أي: سيئ الْخُلُق، قالت امرأة من العرب : شِنْظِيرَةٌ زَوَّجَنِيهِ أَهْلي مِنْ حُمْقِهِ يَحْسَبُ رَأْسِي رِجْلِي كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ أُنْثَى قَبْلِي وربما قالوا: شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفخَّاش: الكثير الفحش، وقيل: الشنظير: هر الفحاش، قال صاحب ((العين)): يقال: شنظر بالقوم: شَتَم أعراضهم. والشنظير: الفحّاش من الرجال الغلق، وكذلك من الإبل. انتهى(١). وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ))) بيّن به الاختلاف بين شيوخه الثلاثة: أبو غسّان، وابن المثنّى، وابن بشّار، فلم يذكر أبو غسّان في روايته جملة: ((وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ))، وذكره الآخران، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عياض بن حمار ظه هذا من أفراد المصنّف نَخَذَتُهُ . (المسألة الثانية): فى تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٧٩/١٧ و٧١٨٠ و٧١٨١ و٧١٨٢] (٢٨٦٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٠٨٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٠٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٩٢/١٧ و٩٩٣ و٩٩٤ و٩٩٥ و٩٩٧)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٣ و٦٥٤ و٧٤٥٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٩٩/٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٦/٢)، (١) ((المفهم)) ١٦٨/٧. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (٤٥٧/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٠/٩) وفي ((شعب الإيمان)) (٤٥٧/٧)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٥٤) ١٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان اهتمام النبيّ وَّ في تعليم أمته ما لا يعلمونه، مما علّمه الله رَك بالوحي. ٢ - (ومنها): بيان أن ما يملكه الإنسان حلال لا يحرم منه شيء، كما كان الجاهليّة يعتقدون تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فإن هذا مما افتروه من عند أنفسهم، كما بيّن الله رَك ذلك بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍْ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا (١)﴾ [المائدة: ١٠٣]. يَعْقِلُونَ ٣ - (ومنها): بيان أن الله ◌ُعَلَ خلق عباده حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فأغوتهم، وأضلّتهم، وهذا معنى الحديث الآخر: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تُنتَج البهيمة بهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسّون فيها من جدعاء ... )) الحديث متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الجاهليّة قبل مبعث النبيّ وَّ، من انحرافهم عن الدين، حتى مقتهم الله رَك إلا طائفة من أهل الكتاب استمرّوا على منهج أنبيائهم لمؤمثلا . ٥ - (ومنها): بيان أنه لم ينقطع أهل الحقّ من الأرض خلال فترات الأنبياء، وإن قلّوا، كما قال الله رَّت: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (١٥٩) [الأعراف: ١٥٩]. ٦ - (ومنها): أن بعثة النبيّ وَّ ابتلاء له، هل يقوم بالتبليغ، ويصبر على أذى قومه، وقد بلّغ، وصبر، وكذلك ابتلاء لقومه به، هل يؤمنون، أم لا؟. ٧ - (ومنها): بيان تيسير الله تعالى القرآن، وتسهيله على النبيّ وَّ، وعلى أمته، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ (13)﴾ [القمر: ١٧]، وهو محفوظ بحفظه تعالى، لا يضيع، ولا يغسله الماء، فقد ٧٩ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٨٠) قيّض الله تعالى له حفظة بررة، كما وعد بذلك، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا [الحجر: ٩]. الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ ٨ - (ومنها): أن الله ◌ُالَ أمر النبيّ وَّر بجهاد قريش، وإخراجهم من دارهم، وغزوهم، والإنفاق في سبيل قتالهم، وبعث الجيش، وأنه يُمدّهم بخمسة أمثالهم من الملائكة، وقد حصل كلّ ذلك، كما في غزوة بدر، وغيرها . ٩ - (ومنها): بيان أن أهل الجنّة قليلون، فهم ثلاثة أنواع، بينما أهل النار خمسة، وإلى هذا يشير في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾﴾ [سبأ: ١٣]، وغير ذلك [الأنعام: ١١٦]، وقوله: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ من الآيات، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدٍِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: ((كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلَالٌ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِن، تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مهران البصريّ، تقدّم قبل بابين. و «قتادة) ذُکر قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨١] (.) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَام، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِیَاضٍ بْنِ حِمَارٍ، أَنَّ رَسُولَّ اللهِ وَلِ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِّغْتُ مُطَرِّفاً فِي هَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) هو: عبد الرحمن بن بِشْر بن الحكم، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و(يحيى بن سعيد)) هو: القطّان. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير عبد الرحمن بن بشر، ويَحْتَمل أن يكون ضمير يحيى، والأول أظهر بدليل ما بعده، فتنبّه. وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ)؛ أي: قال عبد الرحمن في آخر الحديث. وقوله: (قَالَ يَحْيَى ... إلخ) غرضه بيان تصريح قتادة بالسماع عن مطرّف، فانتفت به تهمة التدليس؛ لأنه معروف به. وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) متعلّق بـ(سمعت)). [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ◌َُّ في ((التقييد)) بعد أن ساق رواية مسلم هذه ما نصّه: هكذا يُروى عن الجلوديّ، والكسائيّ، وفي نسخة ابن ماهان: ((قال يحيى: قال سعيد عن قتادة: سمعت مطرّفاً بهذا الحديث، جعل سعيد بن أبي عروبة بدل شعبة(١). قال القاضي عياض كَّتُهُ في ((الإكمال)) (٣٩٨/٨): وسعيد هذا هو ابن أبي عروبة، وهو الذي رواه عند مسلم، فقيل من طريق ابن أبي عديّ، فَيَحْتَمل أن يحيى سمعه من شعبة، ومن سعيد، فكلاهما يروي عن قتادة، لكن في قول يحيى عمن قال منهما: عن قتادة: سمعت مطرّفاً حجة قويّة لمسلم، وذلك أن (١) (تقييد المهمل)) ٩٢٨/٣.