النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٥) تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، من الصحابة شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ)؛ أنه قال في تفسير قوله رَتْ: (﴿يَوْمَ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) قَالَ) وَِّ: ((يَقُومُ) ووقع في بعض النسخ: ((حين ٦ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ يقوم))، وفي بعضها: ((حتى يقوم))، (أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ) بفتح، فسكون؛ أي: في عرقه؛ لأنه يخرج من البدن شيئاً بعد شيء، كما يرشح الإناء المتحلّل الأجزاء، ووقع في رواية سعيد بن داود: ((حتى إن العرق يُلجم أحدهم إلى أنصاف أذنيه)). (إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ))) هو من إضافة الجميع إلى الجميع حقيقة ومعنى؛ لأن لكل واحد أذنين، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): قوله: ((إلى أنصاف أذنيه)) كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويمكن الفرق بأنه لمّا كان لكل شخص أذنان، فهو من باب إضافة الجمع إلى مثله؛ بناءً على أن أقل الجمع اثنان. انتهى(١). وفي رواية صالح بن كيسان الآتية: ((حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ)) . والرَّشْح بفتح الراء، وسكون الشين المعجمة، بعدهما مهملة، هو العرق، شُبِّه برشح الإناء، لكونه يخرج من البدن شيئاً فشيئاً، وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه، وفيه تعقُّب على من جوّز أن يكون من عرقه فقط، أو من عرقه وعرق غيره. وقال عياض ◌َخْذَتُهُ: يَحْتَمِل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدر خوفه، مما يشاهده من الأهوال، ويَحْتَمِل أن يريد عرقه وعرق غيره، فيشدّد على بعض، ويخفف على بعض، وهذا كله بتزاحم الناس، وانضمام بعضهم إلى بعض، حتى صار العرق يجري سائحاً في وجه الأرض، كالماء في الوادي، بعد أن شربت منه الأرض، وغاص فيها سبعين ذراعاً. (١) ((عمدة القاري)) ١١٠/٢٣. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها قال الحافظ تَخْدَّثُ: واستُشكل بأن الجماعة إذا وقفوا في الماء الذي على أرض معتدلة، كانت تغطية الماء لهم على السواء، لكنهم إذا اختلفوا في الطول والقصر تفاوتوا، فكيف يكون الكل إلى الأذن. والجواب: أن ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة، والأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك، فقد أخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر نظ اته رفعه: («تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة، فَيَعْرَق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبه، ومنهم من يبلغ فاه - وأشار بيده، فألجمها فاه - ومنهم من يغطيه عرقه - وضرب بيده على رأسه -)» ويشهد له حديث المقداد بن الأسود رظُه الآتي، لكنه ليس بتمامه، وفيه: («تُدْنَى الشمسُ يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق ... )) الحديث، فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيهم. وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبان، عن أبي هريرة نظُبه، عن النبيّ قال: ((يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن، كتدلي الشمس إلى أن تغرب))، وأخرج أحمد، وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد، والبيهقيّ في ((البعث)) من طريق عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة: ((يُحشر الناس قياماً أربعين سنة شاخصة أبصارُهم إلى السماء، فيلجمهم العرق من شدة الكرب))(١). وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى: قَالَ: ((يَقُومُ النَّاسُ))، لَمْ يَذْكُرْ: ((يَوْمَ))) بيّن به الاختلاف بين شيوخه، فقد رواه محمد بن المثنّى، فقال: ﴿يَقُومُ النَّاسُ ـ﴾، ورواه الآخرون، فقالوا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فلم يذكر لفظة: النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، بذكر ﴿يَوْمَ﴾، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٧/١٥ - ٤٨، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٣١). ٤٣ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٦) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٧٥/١٦ و٧١٧٦] (٢٨٦٢)، و(البخاريّ) في (التفسير)) (٤٩٣٨) و((الرقاق)) (٦٥٣١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٣٦)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٣٢)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (٥٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣/٢ و١٩)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٩٣/٣٠ و٩٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٣٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٤٦/١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٤٣/١) و((الاعتقاد)) (٢٠٩/١)، و(هناد بن السريّ) في ((الزهد)) (٢٠٠/١ و٤٦٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٦/ ٣٤٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَِّيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ عَوْذٍ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِك (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرِ الثَّمَّارُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّ هَؤُلَاءٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ بِمَعْنَى حَدِيثٍ عُبَيْدِ اللهِ، عَنَّ نَافِعِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِّيثٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَصَالِحٍ : ((حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَّى أَنْصَافٍ أُذُنَيْهِ)). رجال هذه الأسانيد: اثنان وعشرون: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَِّيُّ) من ولد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٦) (م د) تقدم في (الإيمان)) ٤٣٣/٨١. ٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضمرة، أبو عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقة [٨] (ت٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. ٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها ٣ - (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ يَحْيَى) البرمكيّ، أبو محمد البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٧ - (مَعْنُ) بن عيسى القزّاز المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٨ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً. ٩ - (أَبُو نَصْرِ التَّمَّارُ) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. والباقون ذُكرّوا في الباب والبابين قبله، و((أبو خالد الأحمر)) هو: سليمان بن حيّان الكوفيّ، و((الحلوانيّ)) هو: الحسن بن عليّ الخلال، نزيل مكة، و((أيوب)) هو ابن أبي تميمة السختيانيّ. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِع)؛ يعني: أن هؤلاء الخمسة، وهم: مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وعبد الله بْنُ عَوْنٍ، ومالك، وأيوب، وصالح بن كيسان رووا هذا الحدیث عن نافع، عن ابن عمر څا. [تنبيه]: أما رواية عيسى بن يونس عن نافع، فقد ساقها ابن ماجه نَظّتُهُ في ((سننه))، بسند المصنّف فقال: (٤٢٧٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عيسى بن يونس، وأبو خالد الأحمر، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ (6)﴾ قال: ((يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)). انتهى(١). لِرَبِّ الْعَلَمِينَ وقد ساقها البخاريّ تَخُّْهُ في ((صحيحه)) أيضاً، وإنما اخترت رواية ابن ماجه؛ لكونها بسند مسلم، فتنبّه، قال البخاريّ كَُّ : (٦١٦٦) - حدّثنا إسماعيل بن أبان، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ّ، عن النبيّ وَّ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ ، قال: ((يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)). انتهى (٢). اٌلْعَلَمِينَ (١) ((سنن ابن ماجه)) ١٤٣٠/٢. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٩٣/٥. ٤٥ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٧) وأما رواية مالك عن نافع فقد ساقها البخاريّ أيضاً، فقال: (٤٦٥٤) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا مَعْن، قال: حدّثني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﴿ها أن النبيّ وَّ قال: ((﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)). انتهى(١). وأما رواية أيوب السختيانيّ عن نافع، فقد ساقها الطبريّ تَخُّْهُ في ((تفسيره))، فقال: (٢) حدّثني محمد بن خلف العسقلانيّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: تلا رسول الله وَ خلال هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، قال: ((يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أنصاف آذانهم)). انتهى(٣). وأما رواية صالح بن كيسان عن نافع، فقد ساقها عبد بن حميد تَخْلَتُهُ في ((مسنده))، فقال : (٧٦٣) - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، قال: ثنا نافع، أن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يوم القيامة، حتى يغيب أحدهم إلى أنصاف أذنيه في رشحه)). انتهى (٤). وأما رواية موسى بن عقبة عن نافع، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٧] (٢٨٦٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نِِّ قَالَ: ((إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ بَاعاً، وَإِنَّهُ لَيَبْلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ، أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ))، بَشُكْ ثَوْرٌ أَيَّهُمَا قَالَ؟). (١) ((صحيح البخاري)) ١٨٨٤/٤. (٣) ((تفسير الطبريّ)) ٩٢/٣٠. (٢) ليس مرقماً، فتنبّه. (٤) ((مسند عبد بن حميد)) ٢٤٦/١. ٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ الْمدنيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (تَوْرُ) باسم الحيوان المعروف، ابن زيد الدِّيليّ - بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانية - المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٩/٤٠. ٤ - (أَبُو الْغَيْثِ) سالم المدنيّ، مولى ابن مطيع، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان) ٤٠ /٢٦٩. و((أبو هُرَيْرَةَ)) رُه ذكر قبل حديثين. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لَبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْعَرَقَ) بفتحتين: رَشْحُ جلد الحيوان، ويستعار لغيره، قاله المجد ثَُّهُ(١)، وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بقوله: (لَيَذْهَبُ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ بَاعاً) هو قدر مدّ اليدين، كالْبَوْعِ بالفتح، ويُضمّ، قاله المجد تَظْهُ(٢)، والمعنى: أنه ينزل فيها من كثرته شيء كثير جدّاً، فالسبعين للتكثير، لا للتحديد(٣). (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة عطفاً على الأُولى؛ أي: إن العرق (لَيَبْلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ)؛ أي: يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام، فيمنعهم من الكلام وإلى آذانهم بأن يغطي الأفواه، ويعلو عليها؛ إذ الأذن أعلى من الفم، فيكون الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه فقط، ومنهم من يزيد فيبلغ إلى أذنيه (٤). وقوله: (أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ))) ((أو)» للشكّ، كما بيّنه بقوله: (يَشُكْ ثَوْرٌ)؛ أي: ابن زيد، (أَيَّهُمَا) بالنصب مفعولاً مقدّماً لـ(قَالَ)؛ أي: ذكر أبو الغيث في روايته. وفي رواية البخاريّ: ((يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم))، وقوله: ((يَعْرَق الناس)) بفتح الراء، وهي مكسورة في الماضي، وقوله: ((سبعين ذراعاً))، وفي رواية (١) ((القاموس المحيط)) ص ٨٦١. (٣) ((فيض القدير)) ٣٧٦/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٤٢. (٤) ((فيض القدير)) ٣٧٦/٢. ٤٧ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٧) الإسماعيليّ من طريق ابن وهب، عن سليمان بن بلال: ((سبعين باعاً))، كما رواية مسلم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الذي يُلجمه العرق الكافر، أخرجه البيهقيّ في ((البعث)) بسند حسن عنه، قال: ((يشتدّ کرب ذلك اليوم حتى يُلجم الكافر العرقُ، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على الكراسي من ذهب، ويظلل عليهم الغمام)). وبسند قويّ عن أبي موسى: ((قال: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم))، وأخرج ابن المبارك في ((الزهد))، وابن أبي شيبة في ((المصنف))، واللفظ له بسند جيّد عن سلمان: ((قال: تُعْطَى الشمس يوم القيامة حرّ عشر سنين، ثم تُدنى من جماجم الناس، حتى تكون قاب قوسين، فَيَعرَقون، حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم ترتفع حتى يغرغر الرجل))، زاد ابن المبارك في روايته: ((ولا يضر حرها يومئذ مؤمناً، ولا مؤمنةً)). قال القرطبيّ: المراد: من يكون كامل الإيمان؛ لِمَا يدلّ عليه حديث المقداد وغيره أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم. وفي حديث ابن مسعود عند الطبرانيّ، والبيهقيّ: ((إن الرجل ليَفيض عرقاً حتى يسيح في الأرض قامةً، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه))، وفي رواية عنه عند أبي يعلى، وصححها ابن حبان: ((إن الرجل ليُلجمه العرق يوم القيامة، حتى يقول: يا رب أرحني، ولو إلى النار))، وللحاكم، والبزار، من حديث جابر نحوه، وهو كالصريح في أن ذلك كله في الموقف. وقد ورد أن التفصيل الذي في حديث عقبة والمقداد يقع مثله لمن يدخل النار، فأخرج مسلم أيضاً من حديث سمرة، رفعه: ((إن منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته))، وفي رواية: ((إلى حقويه، ومنهم من تأخذه إلى عنقه))، وهذا يَحْتَمِل أن يكون النار فيه مجازاً عن شدّة الكرب الناشئ عن العرق، فيتحد الموردان، ويمكن أن يكون ورد في حق من يدخل النار من الموحدين، فإن أحوالهم في التعذيب تختلف بحسب أعمالهم، وأما الكفار فإنهم في الغمرات، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها (المسألة الثانية): في تخريجه : أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٧٧/١٦] (٢٨٦٣)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٣٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٨/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هول يوم القيامة، وأنه لا هول فوقه، نسأل الله تعالى أن يهوّنه علينا بمنّه وكرمه. ٢ - (ومنها): أن فائدةَ الإخبار بهذه الأمور أن يتنبه السامع، فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنّه، وكرمه. ٣ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة كَّهُ: ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلَّت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض، وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء، والشهداء، ومن شاء الله، فأشدّهم في العَرَق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم مَن بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار، كما تقدم تقريره في حديث بَعْث النار، قال: والظاهر أن المراد بالذراع في الحديث: المتعارَفُ، وقيل: هو الذراع الملكيّ، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عِظَم الهول فيها، وذلك أن النار تَحُفّ بأرض الموقف، وتُدْنَى الشمسُ من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يَرويها من العرق، حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً؟ مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم، مع تنوعهم فيه؟ إن هذا لممّا يَبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمانُ بأمور الآخرة أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يُعترض عليها بعقل، ولا قياس، ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دلّ على خسرانه، وحرمانه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (١) (بهجة النفوس)) ٢١٧/٤، و((الفتح)) ٤٩/١٥. ٤٩ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٨] (٢٨٦٤) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحِ، حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، خَّدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ»، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ، أَمَسَافَةَ الأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَّ (١) الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟، قَالَ: ((فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرٍ أَعْمَالِهِمْ فِي الَّعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَاماً))، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ بِيَدِهِ إِلَى فِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح) البغداديّ القنطريّ، ثقة(٢) [١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٣] (ت١٨٣) على الصحيح، وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع وخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٨. ٤ - (سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ) الكَلاعيّ، ويقال: الْخَبَائريّ - والخبائر من حِمْيَر - أبو يحيى الحمصيّ، ثقةٌ [٣] غَلِطَ من قال: إنه أدرك النبيّ وَلَه . روى عن أبي أمامة، وعبد الله بن الزبير، وعوف بن مالك، والمقداد بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه صفوان بن عمرو، وحَريز بن عثمان، وعبد الرحمن بن يزيد بن (١) وفي نسخة: ((أو الميل)). (٢) هذا أولى من قول ((التقريب)): صدوق، اقرأ ترجمته في ((تهذيب التهذيب)). ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها جابر، ومعاوية بن صالح الحضرميّ، ويزيد بن خمير، وغيرهم. قال ابن معين: كان يقول: استقبلت الإسلام من أوله، وزعم أنه قرئ عليه كتاب عمر، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال شعبة عن يزيد بن خمير: سمعت سُليم بن عامر، وكان قد أدرك النبيّ وَّل، وفي رواية: وكان قد أدرك أصحاب النبيّ وَّ، وهو الصحيح. قال خليفة: مات سنة (١٣٠) وكذا أرَّخه ابن سعد، قال: وكان ثقةً قديماً معروفاً . قال الحافظ: الكلاعيّ والخبائريّ لا يجتمعان، فلأجل ذا قال البخاري في ترجمة الكلاعيّ: ويقال: الخبائريّ، وتبعه غير واحد، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): روى عن عوف بن مالك ظُبه مرسلاً، ولم يلقه، قال: ولم يدرك المقداد بن الأسود، ولا عمرو بن عبسة پا. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولم يُدرك المقداد بن الأسود يردّه تصريحه هنا بقوله: حدّثني المقداد بن الأسود، فقد صرّح بلقائه، وسماع حديثه، ولذا أخرج روايته مسلم هنا، فتنبّه. أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الكِنديّ، ثم الزهريّ، حالف أبوه كِندة، وتبناه، هو: الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فَنُسب إليه، صحابيّ مشهورٌ، من السابقين إلى الإسلام، لم يثبت أنه كان ببدر فارسٌ غيره، مات رَؤُه سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابن سبعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨١/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالشاميين، سوى شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٥١ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٨) شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يزيد (بْنِ جَابِرٍ) فهو منسوب إلى جدّه؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي سُلَيْمُ) بصيغة التصغير، (ابْنُ عَامِرٍ) قال: (حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ) تقدّم أنه المقداد بن عمرو، وأن الأسود تبنّاه في الجاهليّة، فنُسب إليه. (قَالَ) المقداد رضُه: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((تُدْنَى) بالبناء للمفعول، (الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ(«تُدنى))، وكذا قوله: (مِنَ الْخَلْقِ)؛ أي: الذين اجتمعوا في عرصات الموقف. وقال القرطبيّ كَّتُ: قوله: ((تُدنى الشمس))؛ أي: تُقَرَّب، والميل: اسم مشترك بين مسافة الأرض، والْمِرْود الذي تُكحل به العين، ولذلك أشكل المراد على سُليم بن عامر، والأَولى به هنا: مسافة الأرض؛ لأنَّها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المِرْود، فهي متصلة بالرؤوس؛ لقلّة مقدار المرود. (١) . . انتھی (حَتَّى تَكُونَ) الشمس (مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ))، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ) ((ما)) الأُولى نافية، والثانية استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء يقصد المقداد ظله بقوله: ((الميل))، (أَمَسَافَةَ)؛ أي: أيقصد، (الأَرْضِ) لأن الميل بكسر الميم يُطلق عليها . قال الفيّوميّ رَّتُهُ: المِيلُ بالكسر عند العرب: مقدار مَدَى البصر من الأرض، قاله الأزهريّ، وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند الْمُحْدَثين أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظيّ؛ لأنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع، والإصبع ست شُعَيرات، بطن كلّ واحدة إلى الأخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً، والْمُحْدَثون يقولون: أربع وعشرون إصبعاً، فإذا قُسم الميل على رأي القدماء كلّ ذراع اثنين وثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، وإن قُسم على رأي المُحدثين أربعاً وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، والفَرْسَخُ عند الكلّ ثلاثة أميال، وإذا قُدّر المِيلُ بالغلوات، وكانت كلّ غلوة أربعمائة ذراع كان ثلاثين (١) ((المفهم)) ٧/ ١٥٥. ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها غَلْوة، وإن كان كلّ غلوة مائتي ذراع كان ستين غلوة، ويقال للأعلام المبنية في طريق مكة: أميال؛ لأنها بُنيت على مقادير مَدَى البصر من الميل إلى الميل، وإنما أضيف إلى بني هاشم، فقيل: المِيلُ الهَاشِمِيُّ؛ لأن بني هاشم حدَّدوه، وأعلموه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الميل بالتقديرات الحديثة: (١٨٤٨) متراً (٢)، والله تعالى أعلم. (أَمَ الْمِيِلَ) وفي نسخة: ((أو الميل)) بـ(أو)) بدل ((أم))؛ أي: أم يقصد الميل (الَّذِي تُكْتَحَلُ) بالبناء للمفعول، (بِهِ الْعَيْنُ) فإن الميل يُطلق عليها أيضاً، لكن هذا الإطلاق جعله بعضهم من استعمال العوامّ، قال الأصمعيّ وغيره: والعامّة تقول لِمَا يُكتحل به: مِيلٌ، وهو خطأ، وإنما هو مُلْمُولٌ، وقال الليث: الْمِيل: الْمُلْمُول الذي يُكحَل به البصر، ذكره الفيّومِيّ ◌َظُّهُ(٣). والحاصل: أن سُليم بن عامر استشكل المراد بالميل؛ لأنه يُطلق على معنيين: الميل الذي هو عبارة عن المسافة المحدّدة التي بيّناها، أو الميل الذي هو عبارة عن عُود صغير، أو نحوه مما يؤخذ به الكحل من الْمٍكحلة، ثم يُمسح به على أجفان العين، فأشكل عليه لهذا، لكن قال الأبيّ: الأَولى هنا معنى المسافة؛ لأنها إذا كانت بينها وبين الرؤوس مقدار الْمٍرود تكون متّصلة بالرأس لقلة مقدار المرود (٤). وقال الشيخ عبد الحقّ في ((اللمعات)): الظاهر أن المراد: مِيل الفرسخ، وكفى ذلك في تعذيبهم وإيذائهم، وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد. انتهى(٥)، والله تعالى أعلم. (قَالَ) وَهِ: ((فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ)؛ أي: في كثرة العرق، وقلّته، (فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ (١) ((المصباح المنير)) ٥٨٨/٢. (٢) راجع: ((الإيضاحات العصريّة)) لمحمد صبحي بن حسن حلاق ص٧١ - ٧٣. (٤) (شرح الأبيّ)) ٢٢٦/٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٨٨/٢. (٥) ((تحفة الأحوذيّ)) ٨٩/٧. ٥٣ (١٦) - بَابٌ فِي صِفَّةٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - أَعَانَنَا اللهُ عَلَى أَهْوَالِهَا - حديث رقم (٧١٧٨) مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ) بفتح الحاء المهملة، وتُكسر: موضع شدّ الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسعوا، حتى سَمَّوا الإزار الذي يُشدّ على العورة حَقْواً، والجمع: أَحْقٍ، وحُقِيٌّ، مثل فَلْس وفُلُوس، وقد يُجمع على حِقَاءٍ، مثل سَهْم وسهام(١). (وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ) بضمّ أوله، من الإلجام، (الْعَرَقُ إِلْجَاماً))) الإلجام: إدخال اللجام في الفم، والمعنى: يَصِل العرق إلى فمه، فيمنعه من الكلام، كاللجام، كذا في ((المجمع))، قال ابن الملك: إن قلت: إذا كان العرق كالبحر يُلجم البعض، فكيف يصل إلى كعب الآخر؟. قلنا: يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال: يُمسك الله تعالى عَرَق كل إنسان بحسب عمله، فلا يصل إلى غيره منه شيء، كما أمسك جِرْية الحوت في البحر لموسى علّلها. قال القاري كَّتُهُ: المعتمَد هو القول الأخير، فإن أمر الآخرة كله على وفق خرق العادة، أما ترى أن شخصين في قبر واحد، يعذّب أحدهما، وينعَّم الآخر، ولا يدري أحدهما (٢) . عن غيره. انتهى وقال القرطبيّ تَخْذُ: وهذا العرق إنما هو لشدّة الضغط، وحرّ الشمس التي على الرؤوس، بحيث تغلي منها الرأس، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر؛ ولأنها تخرج منها أعناق تلتقط الناس من الموقف، فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله، ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقهم في الأرض مقدار سبعين باعاً، أو ذراعاً، أو عاماً على اختلاف الروايات. [فإن قيل]: فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق، فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحاً واحداً، فكيف يكونون متفاضلين بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى فمه، وما بينهما؟. [قلنا]: يزول هذا الاستبعاد بأوجه، أقربها وجهان: (١) ((المصباح المنير)) ١٤٥/١. (٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ٨٩/٧. ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها أحدهما: أن يخلق الله تعالى ارتفاعاً في الأرض التي تحت قدم كل إنسان، بحسب عمله، فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته. وثانيهما: أن يحشر الناس جماعات في تفرقة، فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا، والقدرة صالحة لأن تُمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره، وإن كان بإزائه، كما قد أمسك جرية البحر لموسى ظلَّ حيث طلب لقاء الخضر، ولبني إسرائيل حين اتبعهم فرعون، والله تعالى أعلم بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل: أن هذا المقام مقام هائل، لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام، ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُلُّ هُوَ نَبَؤُّأَ )﴾ [ص: ٦٧، ٦٨]. انتهى(١). عَظِيمُ ( أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ وقوله: (قَالَ) المقداد ◌َبه (وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ)؛ أي: موضّحاً معنى الإلجام، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المقداد بن الأسود تظلبه هذا من أفراد المصنّف نَخْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) [٧١٧٨/١٦] (٢٨٦٤)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٢١)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (٥٨/١)، و(أحمد) في (مسنده)) (٣/٦ - ٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٠٢/٢) وفي ((مسند الشاميين)) (٣٢٥/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٣٣٠)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السنّة)) (١١٨١/٦)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٤٤/١)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٤٥٨/٤) و((شرح السُّنَّة)) (٤٣١٧)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِّبُ﴾ . (١) ((المفهم)) ١٥٦/٧ - ١٥٧. ٥٥ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) (١٧) - (بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٩] (٢٨٦٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ، وَابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَّارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ ذَاتَ بَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: ((أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً خَلَاَلٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَّفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ، وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً، لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِماً، وَيَقْظَانَ(١)، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشاً، فَقُلْتُ: رَبِّ إِذاً يَغْلَغُوا رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوَكَ(٢)، وَاغْزُهُمْ تُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشاً نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ، مُتَصَدِّقٌ، مُؤَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ، رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ، مُتَعَفِّفٌ، ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ،َ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعاً لَا يَتْبَعُونَ أَهْلاً، وَلَا مَالاً، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعُ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ، وَلَا يُمْسِي إِلَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَمَالِكَ))، وَذَكَرَ الْبُخْلَ، أَوِ الْكَذِبَ، ((وَالشِّنْظِيرُ الْفَخَّاشرُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَنْفِقْ، فَسَنُْفِقَ عَلَيْكَ))). (١) وفي نسخة: ((ويقظاناً)). (٢) وفي نسخة: ((كما أخرجوك)). ٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ رُبَّما وَهِم [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سنبر، بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٤ - (مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) - بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم راء - العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملتين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧. ٥ - (عِيَاضُ بْنُ حِمَارِ الْمُجَاشِعِيُّ) هو: عياض - بكسر أوله، وتخفيف التحتانية، وآخره معجمة - ابن حمار - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم - ابن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، نسبه خليفة وغيره، التميميّ الصحابيّ، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين. رَوَى عن النبيّ وََّ، وروى عنه مطرّف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، والحسن البصريّ، وعقبة بن صُهبان، وغيرهم. ذَكَر عمرو بن شَبّة أن الزبير بن العوام لمّا دخل البصرة في وقعة الجمل، وقف على مسجد بني مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار، فقال له النعمان بن زمام: هو بوادي السباع، فمضى يريده، فيؤخذ منه أن عياضاً كان في خلافة عليّ هُما. أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وعند أبي داود، والترمذيّ عنه حديث آخر، أنه أهدى إلى النبيّ وَ﴿ قبل أن يُسلم، فلم يقبل منه. والباقون ذُكروا قبل بابين. ٥٧ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخُّْهُ، وأن له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصل؛ لِمَا أسلفنا غير مرّة، وأن شيخيه ابن المثنّى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه رَّبُه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب السّة إلا أربعة أحاديث(١): هذا الحديث عند مسلم، والنسائيّ، وحديث: ((من وجد لقطة، فليُشهد ... ))، عند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث: ((أهديتُ للنبيّ وَّ ناقة، فقال: أسلمت؟ ... ))، عند أبي داود، والترمذيّ، وحديث: ((إن الله أوحى إليّ أنْ تواضعوا ... ))، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّرِ) وفي رواية شعبة الآتية: ((عن قتادة، قال: سمعت مطرّفاً))، فصرّح قتادة بالسماع، فانتفت عنه تهمة التدليس. (عَنْ عِيَاضٍ) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة، (ابْنِ حِمَارٍ) بلفظ الحيوان المعروف، وقد صحّفه بعض المتنطعين من الفقهاء؛ لظنه أن أحداً لا يسمى بذلك، قاله في ((التهذيب))(٢)، وقوله: (الْمُجَاشِعِيِّ) بضمّ الميم، وتخفيف الجيم، بعدها ألف، ثم شين معجمة: نسبة إلى مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، من تميم، قاله في (اللباب))(٣). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ ذَاتَ يَوْم)؛ أي: يوماً من الأيام، فـ((ذات)) مقحمة، وقيل: هو من إضافة الشيء إلى نَّفسه، على رأي من يجيزه. (فِي خُطْبَتِهِ: ((أَلَا) بالتخفيف: أداة تحضيض، (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ)؛ أي: الذي جهلتموه، (مِمَّا عَلَّمَنِي) قال القاري: يَحْتَمِل أن تكون ((مِنْ)) بياناً لـ((ما))، أو تبعيضية على أنه منقطع عما قبله، خبر لِمَا بعده، (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٥٠/٨ - ٢٥٢. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ١٧٩/٨. (٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٦٤/٣ - ١٦٥. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها مستأنف؛ أي: من جملة ما علّمني، (يَوْمِي هَذَا)؛ أي: في اليوم الحاضر؛ أي: بما أوحى الله إليّ في هذا اليوم بخصوصه. (كُلَّ مَالٍ نَحَلْتُهُ)؛ أي: أعطيته (عَبْداً) من عبادي، وملكته إياه، فلا يدخل الحرام، (حَلَالٌ)؛ أي: فلا يستطيع أحد أن يحرّمه من تلقاء نفسه، ويمنعه من التصرف فيه تصرّف المُلّاك في أملاكهم، وهذا من مقول الله تعالى كما يدل عليه قوله: ((وإني خلقت عبادي إلخ))، قاله القاري كَذُّهُ(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: معنى ((نحلته)): أعطيته، وفي الكلام حذف؛ أي: قال الله تعالى: كلّ مال أعطيته عبداً من عبادي، فهو له حلال، والمراد: إنكار ما حرّموا على أنفسهم من السائبة، والوصيلة، والبحيرة، والحامي، وغير ذلك، وأنها لم تَصِرْ حراماً بتحريمهم، وكل مال ملكه العبد، فهو له حلال، حتى يتعلق به حقّ. انتهى (٢). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: معنى ((نحلته)): أعطيته، والنِّحلة: العطية - كما تقدَّم - ويعني بها هنا: العطية بطريق شرعيّ، فكأنه قال: كل من ملّكته شيئاً بطريق شرعيّ قليلاً كان أو كثيراً، خطيراً كان أو حقيراً، فالانتفاع له به مباح مطلقاً، لا يُمنَع من شيء منه، ولا يزاحَم عليه، والمال هنا: كل ما يُتَمَوَّل، ويُتَمَلَّك من سائر الأشياء، وفائدة هذه القضية الكلية رَفْع توهّم من يتوهم أن ما يُستلذّ، ويُستطاب من رفيع الأطعمة، والملابس، والمناكح، والمساكن محرّم، أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما قد ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة. انتهى (٣). (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُتَفَاءَ) جمع حَنيف، وهو: المائل عن الأديان كلّها إلى فطرة الإسلام، وهذا نحو قوله ◌َّي: ((كل مولود يولد على الفطرة))، وقد تقدَّم في (كتاب القدر))، قاله القرطبيّ تَخَذُّهُ(٤). وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((حنفاء))؛ أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين، منيبين لقبول الهداية، وقيل: المراد: حين أَخَذ عليهم العهد في الذرّ، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢](٥). (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٥٣/٩. (٣) ((المفهم)) ٧١١/٦ - ٧١٢. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٩٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٩٧. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٧١٢. ٥٩ (١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٧٩) وقوله: (كُلَّهُمْ) بالجرّ توكيد؛ أي: جميعهم، فهو توكيد لـ((عبادي))، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: ((كل مولود يولد على الفطرة))، وهي التوحيد المطلق، وما به يتعلق؛ لقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اٌللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: لا تُبَدِّلوا مخلوقاته باليهودية، والنصرانية، والمجوسية، ونحوها، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]؛ أي: المستقيم، فلا تعدلوا عن الجادّة إلى الطرق الزايغة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ أي: عن الطريق الحقيقي الواصل إليه، المقبول لديه، لمن أراد المنة عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآٍ وَلَوْ شَآءَ [النحل: ٩]، قاله القاري كَذَهُ(١). ◌َدَدُكُمْ أَجْمَعِينَ ثم بَيَّن الله وَلَ سبب ضلالة الخلق، وغوايتهم عن الحقّ بقوله: (وَإِنَّهُمْ)؛ أي: العبَاد الحنفاء، (أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ)؛ أي: جاءتهم بالوسوسة (فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)؛ أي: صَرَفتهم، وساقتهم، من اجتاله؛ أي: ساقه، وذهب به، وقيل: الافتعال هنا للحمل على الفعل، كاختطب زيد عمراً؛ أي: حَمَله على الخطبة؛ أي: حملتهم الشياطين على جولانهم، ومَيَلانهم عن دينهم، قاله القاري كَذَتُهُ . وقال النوويّ كَُّهُ: قوله: ((فاجتالتهم عن دينهم)) هكذا هو في نُسخ بلادنا: ((فاجتالتهم)) بالجيم، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وعن رواية الحافظ أبى عليّ الغسانيّ: ((فاختالتهم)) بالخاء المعجمة، قال: والأول أصحّ، وأوضح؛ أي: استخفّوهم، فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل، كذا فسّره الهرويّ، وآخرون، وقال شَمِر: اجتال الرجل الشيءَ: ذهب به، واجتالَ أموالهم: ساقها، وذهب بها، قال القاضي: ومعنى ((فاختالوهم)) بالخاء على رواية من رواه؛ أي: يحبسونهم عن دينهم، ویصدونهم عنه. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((وإنهم أتتهم الشياطين إلخ))؛ يعني: شياطين الإنس، من الآباء، والمهتمين بتعليمهم، وتدريبهم، وشياطين الجنّ (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٥٤/٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٩٧. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها بوساوسهم، ومعنى اجتالتهم: أجالتهم؛ أي: صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية، كما قال وَله: ((حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجسانه))، وفي الرواية الأخرى: ((حتى يُعبّر عنه لسانه))؛ يعني: بما يُلقي إليه الشيطان من الباطل، والفساد المناقض لفطرة الإسلام. انتهى (١). (وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ)؛ أي: من البحيرة، والسائبة، وغيرهما، وتوضيحه ما حققه القاضي، حيث قال: قوله: ((كل مال نحلته)) حكاية ما أعلمه الله تعالى، وأوحى إليه في يومه هذا، والمعنى: ما أعطيت عبداً من مال، فهو حلال له، ليس لأحد أن يحرِّم عليه، وليس لقائل أن يقول: هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقاً؛ لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد نَحَله، وأعطاه، وكل ما نحله، وأعطاه فهو حلال، فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال، وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق؛ لأنا نقول: الرزق أعمّ من الإعطاء، فإنه يتضمن التمليك، ولذا قال الفقهاء: لو قال لامرأته: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فأعطته ألفاً بانت، ودخل الألف في ملکه، ولا كذلك الرزق. انتھی(٢). (وَأَمَرَتْهُمْ)؛ أي: أمرت الشياطين العباد الحنفاء (أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا)؛ أي: إشراكاً، أو شيئاً (لَمْ أَنْزِلْ) من الإنزال، (بِهِ)؛ أي: بوجوده (سُلْطَاناً)؛ أي: حجةً وبرهاناً، سُمي به؛ لتسلطه على القلوب عند هجوم الخواطر عليها بالقهر والغلبة، والمعنى: ما ليس على إشراكه دليل عقليّ، ولا نقليّ، إذ لو كان أحدهما لبيَّنْه ◌ُِّلَ، بل أمر بخلافه، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّّ تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والقرآن الكريم مشحون بالأدلة على بطلان الإشراك بالله تعالى، قال القاضي: ((ما)) مفعول ((يشركوا))، يريد به الأصنام، وسائر ما عُبد من دون الله تعالى؛ أي: أمَرَتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته، ولم ينصب دليلاً على استحقاقه للعبادة، وقال الطيبيّ كَخَّثُهُ: ((ما لم أنزل به سلطاناً))؛ أي: لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ (١) ((المفهم)) ٦/ ٧١٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٥٤/٩.