النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
فَطَلَبُ الْهُدَى بِهِنَّ عَنَاءُ
وَإِذَا الْبَيِّنَاتُ لَمْ تُغْنِ شَيْئاً
رَبِّ إِنَّ الْهُدّى هُدَاكَ وَآيَا تُكَ نُورٌ تَهْدِي بِهَا مَنْ تَشَاءُ
اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، وتولّنا فيمن تولّيت، اللهم أرنا الحقّ حقّاً،
وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ الدُّخَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٤٠] (٢٧٩٨) - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ جُلُوساً، وَهُوَ
مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَاصّاً عِنْدَ أَبْوَابٍ
كِنْدَةَ، يَقُصُّ، وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ، فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ
الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ، وَجَلَسَ، وَهُوَ غَضْبَانُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا اللهَ، مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئاً، فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلِ: اللهُ
أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ، أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللهَ رَتْ قَالَ
لِنَبِيِّهِ وَّهِ: ﴿قُلْ مَّا أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ اَلْتُكَلِفِينَ ﴾﴾ [ص: ٨٦] إِنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّ﴿ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِذْبَاراً، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ))،
قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ، وَالْمَيْتَةَ، مِنَ
الْجُوعِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ، فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ،
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ
هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، قَالَ اللهُ رَى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
يَغْشَى النَّاسِّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (®﴾ [الدخان: ١٠، ١١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ
عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ
[الدخان: ١٦]، فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ
اُلْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللَّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ).

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
رجال هذا الإسناد: ستّة:
وكلّهم ذُكروا قبل بابين، غير منصور، فتقدّم أيضاً قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌ُه؛
لِمَا مرّ قريباً. (جُلُوساً) جمع جالس، وقوله: (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة من
((عبد الله))، وهو اسم فاعل، من اضطجع، ويجوز أن يكون مضّجعاً، بضاد
مشدّدة، من اضّجع، قال الفيّوميّ كَّلُ: اضْطَجَعَ، واضَّجَعَ، والأصل افْتَعَل،
لكن من العرب من يَقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، ومنهم من يقلب
التاء ضاداً، ويُدغمها في الضاد؛ تغليباً للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا
يقال: اّجَعَ بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تدغم في الطاء؛ فإن الضاد أقوى منها،
والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد شاذٌ، لا يقاس عليه. انتهى(١).
وقوله: (بَيْنَنَا) ظرف متعلّق بـ((مضطجعاً))، (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ:
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ) كنية عبد الله بن مسعود ◌َظُه؛ (إِنَّ قَاصّاً)؛ أي: واعظاً،
يعظ الناس، ويقصّ عليهم القصص (عِنْدَ أَبْوَابٍ كِنْدَةَ) وفي رواية للبخاريّ:
(بينما رجل يحدّث في كندة))، وباب كندة هو باب الكوفة، و(كندة)) بكسر
الكاف، وسكون النون: اسم قبيلة مشهورة، وأضيف إليهم الباب؛ لكونه في
مکانھم.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((في كندة)) بكسر الكاف، وسكون النون، قال
الكرمانيّ: موضع بالكوفة، قال العينيّ: يَحْتَمِل أن يكون حديث الرجل بين قوم
هم من كندة القبيلة. انتهى(٢).
(يَقُصُّ) يقال: قصصتُ الخبرَ قصصاً، من باب نصر: إذا حدّثت به على
وجهه، والاسم: الْقَصَصُ بفتحتين(٣). (وَيَزْعُمُ)؛ أي: يدّعي (أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ)؛
أي: العلامة التي تأتي للإنذار بوقوع القيامة، التي ذكرها الله تعالى في قوله:
(١) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١١٠/١٩.

٤٠٣
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، (تَجِيءٌ) فيما بعدُ؛ أي: إنها لم تمض،
(فَتَأْخُذُ) تلك الآية؛ يعني: الدخان، (بِأَنَّفَاسِ الْكُفَّارِ) جمع نفس، بفتحتين؛
أي: تقبض أرواحهم، وتُهلكهم، (وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك
الدخان، (كَهَيْئَةِ الزُّكَام)؛ أي: مثل صفة الزكام، بالضمّ المرض المعروف.
وفي رواية للبخاريّ في تفسير ((سورة الروم)): ((بينما رجل يحدّث في
كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين، وأبصارهم،
يأخذ المؤمن كهيئة الزكام)).
وحاصل ما قاله: أنه فسّر الدخان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ
بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فذكر أن آية الدخان لم تأت بعدُ، وإنما تأتي عند قرب القيامة،
فتأخذ بأنفاس الكفّار، ولا يصيب المؤمنين منها إلا مرض يسير، كهيئة
الزكام(١)، فلما سمع ابن مسعود ما قاله أنكر عليه، كما بيّنه بقوله:
(فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود نَظُه (وَ) الحال أنه قد (جَلَسَ) إذ كان متكئاً،
وقوله: (وَهُوَ غَضْبَانُ) جملة حاليّة أيضاً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرٍ مُفْرَدٍ
وهما إما مترادفان، أو متداخلان. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ) أن تقولوا ما
لا علم لكم به؛ فقد حذّر الله وَلَ منه، قال الله رَى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌّ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَّرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ
﴾ [النحل: ١١٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَحِشَ مَا
اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ
[الأعراف: ٣٣].
٣٣
تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
(مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئاً) مما قال الله تعالى، ورسوله وَ له (فَلْيَقُلْ)؛ أي:
فليتكلم، وليخبر الناس (بِمَا يَعْلَمُ) من ذلك، (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ) شيئاً من ذلك
(فَلْيَقُلِ) بكسر اللام؛ للالتقاء الساكنين، (اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، كما
قال في «الكافية»:
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ(إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى))
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٢٩/٦ - ١٣٠.

٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وتفسّره هنا جملة قوله: (أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ) خبر مقدّم لقوله: (أَنْ يَقُولَ لِمَا)؛
أي: للشيء الذي (لَا يَعْلَمُ) حقيقته (اللَّهُ أَعْلَمُ) فجملة ((أن يقول)) في تأويل
المصدر مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر ((إنّ))، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: فإن
قول أحدكم فيما لا يعلمه: الله أعلم أقرب إلى عِلمه، فإنه عَلِم جهل نفسه،
وفوّض العلم إلى العليم الخبير، والله تعالى أعلم.
وفي الرواية الآتية: «فإن من فقه الرجل أن يقول لِمَا لا عِلْم له به: الله
أعلم))، وفي رواية للبخاريّ: ((فإن من العلم أن يقول لِمَا لا يعلم: لا أعلم))،
قال الحافظ تَّتُهُ؛ أي: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا
مناسب لِمَا اشتهر من أن ((لا أدري)) نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم
قسم من التكلّف، كما أشار إليه ابن مسعود به في قوله: (فَإِنَّ اللهَ رَتْ) الفاء
للتعليل؛ أي: لأن الله وَك (قَالَ لِنَبِيِّهِ بَهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾)
الضمير في ﴿عَيْهِ﴾، راجع إلى تبليغ الوحي، ولم يتقدّم له ذِكر، ولكنه مفهوم من
السياق. وقيل: هو عائد إلى ما تقدّم من قوله: ﴿أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾
[صّ: ٨]، وقيل: راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الدّعاء إلى الله على العموم،
فيشمل القرآن، وغيره من الوحي، ومن قول الرسول بَّر، والمعنى: ما أطلب
منكم من جُعل تعطونيه عليه. (﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْتُكَلِفِينَ﴾)؛ أي: حتى أقول ما لا
أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوّة إليه، والتكلف: التصنع(١).
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ تَخُّْ: يقول الله جلّ ذكره لنبيّه محمد وَّةٍ: قل
يا محمد لمشركي قومك، القائلين لك: (﴿أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾): ما أسألكم
على هذا الذكر، وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجراً؛ يعني: ثواباً وجزاء،
) يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرّصه، وافتراءه، فتقولون:
٨٦
(﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ اْتُكَلِفِينَ
(﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ﴾﴾ [الفرقان: ٤] و(﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخْخِلَقُ ﴾﴾). انتهى(٢).
وفي ذكر ابن مسعود نظريته الآية تعريض بالرجل القائل: يجيء دخان إلخ
بأنه من المتكلّفين، ثم بيّن رَّه قصّة الدخان، فقال: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ لَمَّا
رَأَى مِنَ النَّاسِ)؛ أي: من مشركي مكة، فاللام للعهد الذهنيّ. (إِذْبَاراً)
(١) (فتح القدير)) للشوكانيّ ٢٦٥/٦.
(٢) ((تفسير الطبريّ)) ٢٤٣/٢١.

٤٠٥
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
وإعراضاً عن قبول الإسلام، وفي الرواية الآتية: ((إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشاً لَمَّا
اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ دعا عليهم بسنين كسني يوسف)). (فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ سَبْعُ
كَسَبْعِ يُوسُفَ))) برفع ((سبعٌ))، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: البلاء
المطلوب عليهم سبعُ سنين؛ كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف ظلَّلاَ،
وهي السبع الشِّداد التي أصابهم فيها القحط، وهو ما بيّنه الله رَك في قوله:
﴿ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا فَدَمْتُمْ لَمُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨]، أو يكون
المعنى: المدعوّ عليهم قحط كقحط يوسف عليّ*، ويجوز أن يكون ارتفاعه على
أنه اسم كان التامة، تقديره: ليكن سبعٌ، وفي رواية: ((سبعاً)» بالنصب خبراً
لـ(كان)) الناقصة؛ أي: ليكن سبعاً، وجاء في رواية: «لمّا دعا قريشاً كذّبوه،
واستعصوا عليه، فقال: اللَّهُمَّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف)).
(قَالَ) ابن مسعود: (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بالفتح؛ أي: قحط وجدبٌ، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِلْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، (حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ)
بحاء، وصاد مهملتين، مشددة الصاد؛ أي: استأصلت، وأذهبت النبات،
فانكشفت الأرض، وفي ((المحكم))؛ سنة حَصّاء: جدبة، قليلة النبات، وقيل:
هي التي لا نبات فيها. انتهى(١).
(حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ، وَالْمَيْئَةَ) زاد في رواية البخاريّ: ((والْجِيَف)) بكسر
الجيم، وفتح الياء: جمع الجيفة، وهي ◌ُثّة الميت، وقد أراح، فهي أخصّ من
الميتة؛ لأنها ما لم تلحقه ذكاة(٢). (مِنَ الْجُوعِ)؛ أي: من الجوع الذي حصل
لهم من القحط، (وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ، فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ)؛ أي: مثل
صفة الدخان، وذلك لضَعْف بصره بسبب الجوع، فيُخيّل إليه أنه رأى دخاناً،
وليس بدخان، وإنما هو خيال فقط، قال ابن مسعود ظُه: فهذا هو معنى
الدخان الذي ذكره الله تعالى في كتابه، لا ما يزعمه القاصّ. (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى
النبيّ وَّرِ (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب والد معاوية
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فجاءه أبو سفيان))؛ يعني: الأمويّ والد
معاوية، والظاهر أن مجيئه كان قبل الهجرة؛ لقول ابن مسعود: ((ثم عادوا،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨/٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨/٧.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
فذلك قوله: يوم نبطش البطشة الكبرى، يوم بدر))، ولم يُنقل أن أبا سفيان قَدِم
المدينة قبل بدر، وعلى هذا فَيَحْتَمِل أن يكون أبو طالب كان حاضراً ذلك،
فلذلك قال :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
لكن سيأتي بعد هذا بقليل ما يدلّ على أن القصة المذكورة وقعت
بالمدينة، فإن لم يُحمل على التعدد، وإلا فهو مشكل جداً، والله المستعان.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حضور أبي طالب لهذه القصّة بعيد
جدّاً، فتأمل.
(فَقَالَ) أبو سفيان لرسول الله وَّهِ: (يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ) الى الناس،
والحال أنك (تَأْمُرُ) الناس (بِطَاعَةِ اللهِ) رَ (وَبِصِلَةِ الرَّحِم)؛ يعني: والذين
هلكوا بدعائك من ذوي رحمك، فينبغي أن تصل رحمك بَالدعاء لهم، (وَإِنَّ
قَوْمَكَ) قريشاً (قَدْ هَلَكُوا) بالجوعِ بسبب دعائك عليهم، (فَادْعُ اللهَ لَهُمْ) بأن
يكشف عنهم ما حلّ بهم، فإن كشفت عنهم آمنوا، وفي هذه الرواية اختصار،
بيّنته الرواية الآتية: ((قال: فدعا الله لهم، فأنزل الله رَّ: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابٍ
قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَبِدُونَ ﴾﴾، فمُطروا، فلما أصابتهم الرفاهية قال: عادوا إلى ما
كانوا عليه، قال: فأنزل الله رَّت: ﴿فَأَرْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩])) الآية.
وقال في ((الفتح)): وأخرج الجوزقيّ، والبيهقي من رواية علي بن ثابت،
عن أسباط بن نصر، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن أبي الضحى، عن
مسروق، عن ابن مسعود قال: لمّا رأى رسول الله وَ له من الناس إدباراً، فذكر
نحو الحديث، وزاد: ((فجاءه أبو سفيان، وناس من أهل مكة، فقالوا: يا
محمد إنك تزعم أنك بُعثت رحمةً، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا
رسول الله وَله، فسُقوا الغيث ... )) الحديث، وقد أشاروا بقولهم: بُعثت رحمة
إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
(٢)
﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
١٠٧)
انتھی(٢).
(١) ((الفتح)) ٥١١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٥/٣.

٤٠٧
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
قال ابن مسعود: (قَالَ اللهُ رَتْ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
®﴾) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن كونهم في شكّ ولعب
يقتضي ذلك؛ والمعنى: فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين،
وقيل: المعنى: احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين(١).
وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسََّ﴾ صفة ثانية لـ((دخان))؛ أي: يشملهم، ويحيط
بهم، ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: يقولون: هذا عذاب أليم، أو قائلين ذلك، أو
يقول الله لهم ذلك.
وقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ عَلَيِدُونَ﴾) وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا
ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ وَقَالُواْ
١٣
اُلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿٨ أَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ
مُعٌَّ تَجْنُونَ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوْ اُلْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُمْ عَابِدُونَ
١١٥+
فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
أي: يقولون
؛
ذلك، وقد روي أنهم أتوا النبيّ وَلّ، وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب
أسلمنا، والمراد بالعذاب: الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان، أو
يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة، أو إذا رأوه يوم فتح مكة
على اختلاف الأقوال. والراجح منها: أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل
بهم من الجهد، وشدّة الجوع، ولا ينافي ترجيحُ هذا ما ورد أن الدخان من
آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضاً ما قيل: إنه الذي كان يوم
فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه.
وقوله: ﴿أَنَّ لَمُمُ الذِّكْرَ﴾؛ أي: كيف يتذكرون، ويتعظون بما نزل بهم،
والحال أن ﴿وَقَدْ جََّهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يُبَين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر
الدين، والدنيا، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ﴾؛ أي: أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم،
ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض عنه، بل جاوزوه ﴿وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُنٌ﴾؛ أي: قالوا:
إنما يعلّمه القرآن بشر، وقالوا: إنه مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء، وأنى لهم
الذكرى؟ .
ثم لمّا دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا
(١) ((فتح القدير)) ٤٢٤/٦.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
أجاب سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ اُلْعَذَابِ قَلِيلًا﴾؛ أي: إنا نكشفه عنهم
كشفاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، ثم أخبر الله سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما
كانوا عليه من الشرك، ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان، فقال: ﴿إِنَّكُتْ
عَلَيِدُونَ﴾؛ أي: إلى ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا، فإن الله
سبحانه لمّا كشف عنهم ذلك العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر،
والعناد، وقيل: المعنى: إنكم عائدون إلينا بالبعث، والنشور، والأوّل أَولى(١).
(قَالَ) ابن مسعود رَظُهُ: (أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟) المعنى: أن الذي
يُكشف إنما هو عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة إذا حلّ فلا يُكشف؛ يعني:
أن ما قاله القاصّ من معنى الدخان غير صحيح؛ لأنه يدّعي أنه في الآخرة،
وما يكون فيها لا يُكشف.
ثم بيّن رَّ المعنى المراد هنا (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَى﴾)؛ أي:
الأخذة العظمى، (﴿إِنَّا مُتَقِمُونَ﴾) منهم. قال ابن مسعود: (فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ)
بالقتل والأسر، (وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ)؛ أي: بما كانوا يرونه في السماء حال
الجوع، قال: (وَ) مضت (الْبَطْشَةُ، وَ)مضى أيضاً (اللِّزَامُ) الذي ذكره الله رَّ
في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أي: يكون عذابهم لازماً لهم،
قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر، وهي البطشة الكبرى.
(وَآيَةُ الزُّوم)؛ أي: ومضى أيضاً ما دلّت عليه آية الروم، وهي قوله تعالى:
٣
﴿قُلِبَتِ الرُّوُمَ ﴿ فِيَّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
وقال الشوكانيّ تَخُّْهُ: قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَى﴾ الظرف منصوب
بإضمار اذكر، وقيل: هو بدل من يوم تأتي السماء، وقيل: هو متعلق بـ
﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، وقيل: بما دلّ عليه منتقمون، وهو ننتقم.
والبطشة الكبرى: هي: يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى: أنهم لما عادوا
إلى التكذيب، والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر. وقال
الحسن، وعكرمة: المراد بها: عذاب النار، واختار هذا الزجاج، والأوّل
أولى. قرأ الجمهور: ﴿نَبْطِشُ﴾ بفتح النون، وکسر الطاء؛ أي: نبطش بهم،
(١) ((فتح القدير)) ٤٢٤/٦.

٤٠٩
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة، وقرأ أبو رجاء، وطلحة بضم
النون، وكسر الطاء.
قال: فقد مضى البطشة، والدخان، واللزام. وقد روي عن ابن مسعود،
نحو هذا من غير وجه، وروي نحوه عن جماعة من التابعين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه
الليلة، فقلت: لم؟ قال: طلع الكوكب، فخشيت أن يطرق الدخان. قال ابن
كثير: وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطيّ، ولكن ليس فيه أنه سبب
نزول الآية، وقد عرّفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي
كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدّخان من آيات الساعة،
وعلاماتها، وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح، وحسان، وضعاف بذلك،
وليس فيها أنه سبب نزول الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب
التمسك بما ثبت في «الصحيحين))، وغيرهما: أن دخان قريش عند الجهد،
والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان
الذي هو من أشراط الساعة كابن كثير في ((تفسيره))، وغيره، وهكذا يندفع قول
من قال: إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكاً بما أخرجه ابن سعد عن أبي
هريرة ◌َه قال: كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى
السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾﴾، فإن هذا لا يعارض ما في ((الصحيحين)) على تقدير
صحة إسناده، مع احتمال أن يكون أبو هريرة رُّبه ظنّ من وقوع ذلك الدخان
يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرّح بأنه سبب نزولها .
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود:
البطشة الكبرى: يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم القيامة. قال ابن كثير: وهذا
إسناد صحيح. وقال ابن كثير قبل هذا: فسَّر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا
قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدّخان بما تقدّم، وروي أيضاً
عن ابن عباس من رواية العوفي عنه، وعن أبيّ بن كعب، وجماعة، وهو
مُحْتَمِل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضاً.
انتھی .

٤١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
قال الشوكانيّ تَخَّهُ: بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة يوم
بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم
أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاصٍ من الإنس والجنّ.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الشوكانيّ تَخُّْ حيث رجّح أن المراد
بالبطشة في الآية هو يوم بدر، كما يدلّ عليه سياق الآية، وكما فهمه ابن
مسعود ◌َُّته، وكذا الدخان هو ما حصل لقريش بسبب الجوع، كما مرّ، ولا
ينافي ذلك أن يكون هناك دخان آخر سيأتي، كما هو في ((صحيح مسلم))، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٤٠/١٠ و٧٠٤١ و٧٠٤٢ و٧٠٤٣] (٢٧٩٨)،
و(البخاريّ) في ((الاستسقاء)) (١٠٠٧ و١٠٢٠) و((التفسير)) (٤٦٩٣ و٤٧٦٧
و٤٧٧٤ و٤٨٠٩ و٤٨٢٠ و٤٨٢١ و٤٨٢٢ و٤٨٢٣ و٤٨٢٤)، و(الترمذيّ) في
((التفسير)) (٣٢٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٠/١ - ٣٨١ و٤٣١ و٤٤١)،
و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١١١/٢٥ و١١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٧٦٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٨/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٥/
٣٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٢/٣) وفي ((الدلائل)) (٣٢٦/٢ و٣٢٧)،
و(البغويّ) في ((التفسير)) (١٤٩/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): إنكار أهل العلم بعضهم على بعض، إذا ظنّ المنكر أنه
على الحقّ.
٣ - (ومنها): بيان فضل ابن مسعود رَظ ◌ُنّه حيث يغضب على من أخطأ في
كتاب الله تعالى، ويفسّر القرآن برأيه، ويردّ عليه أبلغ ردّ.

٤١١
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٠)
٤ - (ومنها): النهي عن التكلّف، ودعوى ما لا علم له به، كما
حذّر الله وَك منه، بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]،
وقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية
[النحل: ١١٦].
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه مشركو قريش من العناد والاستكبار حيث
لا يخضعون لآيات الله الكبرى، بل يستمرون على غيّهم وضلالهم، مع علمهم
بحقيقة الأمر، وأنهم على ضلال، فقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم وعن غيرهم
وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا
١٣
فقال: ﴿فَلَّا جَتْهُمْ ءَتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ الآية [النمل: ١٣، ١٤].
وقال: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ، لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونٌّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَِّينَ
[الأنعام: ٣٣].
◌َِايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ
٦ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): هذا الذي أنكره ابن مسعود ظُله قد
جاء عن عليّ رَُّّه، فأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، من طريق الحارث،
عن عليّ قال: آية الدخان لم تمض بعدُ، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ
الكافر، حتى ينفد، ثم أخرج عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة، قال:
دخلت على ابن عباس يوماً، فقال لي: لم أنم البارحة، حتى أصبحت، قالوا:
طلع الكوكب ذو الذنب، فخشينا الدخان قد خرج.
قال الحافظ: وهذا أخشى أن يكون تصحيفاً، وإنما هو الدجال بالجيم
الثقيلة، واللام، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم، من حديث
أبي شَرِيحة رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من
مغربها، والدخان، والدابة ... )) الحديث.
وروى الطبريّ من حديث رِبْعيّ، عن حذيفة مرفوعاً في خروج الآيات،
والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية، قال: ((أما
المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزُّكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه، وأذنيه،
ودبره))، وإسناده ضعيف.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد نحوه، وإسناده ضعيف أيضاً،
وأخرجه مرفوعاً بإسناد أصلح منه، وللطبريّ من حديث أبي مالك الأشعريّ

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
رفعه: ((إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان، يأخذ المؤمن كالزُّكمة ... )) الحديث،
ومن حديث ابن عمر نحوه، وإسنادهما ضعيف أيضاً، لكن تضافر هذه
الأحاديث يدلّ على أن لذلك أصلاً، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن
يكون هو القاصّ المراد في حديث ابن مسعود. انتهى ما قاله الحافظ تَخْذّلهُ،
وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٤١] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ
لِيَحْيَى - قَالَا: حَدَّثَنَا(١) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلاً، يُفَسِّرُ
الْقُرْآنَ بِرَأْبِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ:
يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ، حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ،
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَنْ عَلِمَ عِلْماً، فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ
الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللّهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشاً لَمَّا اسْتَعْصَتْ
عَلَى النَّبِّ وَِّ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِ يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ، وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ
الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا
الْعِظَامَ، فَأَتَّى النَّبِيَّ ◌َ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ
هَلَكُوا، فَقَالَ: ((لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيٌ))، قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَتْ: ﴿إِنَّا
[الدخان: ١٥]، قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ
كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمُ عَبِدُونَ
الرَّفَاهِيَةُ، قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (
١٠
يَخْشَى النَّاسَُّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، ـ
[الدخان: ١٦]، قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ).
نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
يوم

٤١٣
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤١)
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
وكلهم ذُكروا في هذا الباب، وفي الأبواب الأربعة الماضية، غير اثنين،
هما :
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) الْعَبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم أيضاً قريباً.
وقوله: (مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَام) بالضمّ، مرض معروف، وكذا الزُّكمة بالضمّ
أيضاً، وأزكمه الله بالألف، فزَكم بالبناء للمفعول، على غير قياس، فهو
مزكوم(١).
وقوله: (فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ ... إلخ) إنما كان فقهاً؛ لأنه علم
جهل نفسه، فهذا علم شريف، فإن من عرف جهله كفّ عن الكلام بما لا
يعلمه، وطلب العلم كي يزيل جهله، ففيه خير عظيم.
وقوله: (كَسِنِي يُوسُفَ) بتخفيف الياء، مضافاً إلى يوسف.
وقوله: (وَجَهْدٌ) بفتح الجيم؛ أي: مشقّة شديدة، وحُكي ضمّها.
وقوله: (فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، مِنَ الْجَهْدِ) قال القرطبيّ تَخْذُ:
لا شكّ في أن تسمية هذا دخاناً تجوّز، وحقيقة الدخان ما ذُكر في حديث أبي
سعيد، والذي حَمَل عبد الله بن مسعود على هذا الإنكار قوله: ﴿رَّبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا
اُلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (13)﴾ [الدخان: ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُرُ
عَبِدُونَ (9)﴾، ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على
نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأنَّ حديث أبي سعيد إنما دلّ على أن ذلك الدخان
يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، فيجوز انكشافه كما تنكشف فتن
الدجّال، ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت،
فلا معارضة بين الآية والحديث، والشأن في صحة الحديث. انتهى(٢).
وقوله: (فَأَتَى النَّبِيَّ وَّهِ رَجُلٌ) هو أبو سفيان كما بُيّن في الرواية
الماضي، لكن في ((المعرفة)) لابن منده في ترجمة كعب بن مرّة قال: دعا
رسول الله ﴿ على مضر، فأتيته، فقلت: يا رسول الله قد نصرك الله،
(١) ((المصباح)) ٢٥٤/١.
(٢) ((المفهم)) ٣٩٦/٧.

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وأعطاك، واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فهذا أَولى أن
يفسّر به القائل بقوله: يا رسول الله، بخلاف أبي سفيان، فإنه وإن جاء أيضاً
مستشفعاً، لكنه لم يكن أسلم حينئذ(١).
وقوله: (اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ) هكذا وقع في جميع نُسخ مسلم: ((استغفر الله
لمضر))، وفي البخاريّ: ((استسق الله لمضر))، قال القاضي: قال بعضهم:
(استسق)) هو الصواب اللائق بالحال؛ لأنهم كفار، لا يُدعَى لهم بالمغفرة.
قال النوويّ: كلاهما صحيح، فمعنى استسق: اطلب لهم المطر والسُّقْيَا،
ومعنى استغفر: ادع لهم بالهداية التى يترتب عليها الاستغفار. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: فقيل: ((يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد
هلكت)) إنما قال: لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان
الدعاء بالقحط على قريش، وهم سكان مكة، فسرى القحط إلى من حولهم،
فحَسُن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش؛ لئلا
يذكرهم، فيذكر بجرمهم، فقال: لمضر؛ ليندرجوا فيهم، ويشير أيضاً إلى أن
غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقد وقع في الرواية الأخرى: ((وإن
قومك هلكوا))، ولا منافاة بينهما؛ لأن مضر أيضاً قومه، وقد تقدم في المناقب
أنه وَّ كان من مضر. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ)) كذا صحّ في كتاب مسلم من
الاستغفار، ووقع في كتاب البخاريّ: ((استسق الله لمضر))، من الاستسقاء،
وهو مناسب للحال التي كانوا عليها من القحط، غير أن الذي يُبعده إنكار
النبيّ وَّ على القائل بقوله: ((لمضر؟))، فإنَّ طلب السُّقيا لهم لا يُنكر، وإنما
الذي يُنكر طلب الاستغفار لهم.
وقد فسّر البطشة بأنها يوم بدر، وأما اللزام: فهو المذكور بقوله تعالى:
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقد اختلف فيه فقيل: هو العذاب
الدائم، وأنشدوا [من الوافر]:
(١) ((الكوكب الوهّاج)) ٤١٠/٢٥.
(٣) ((الفتح)) ١٠/ ٥٨١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٧.

٤١٥
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤١)
فَقَدْ لَقِيَا حُتُوفَهُمَا لِزَامَا
فَإِمَّا يَنْجُوَا مِنْ خَسْفِ أَرْضٍ
وقال آخر:
وَلَمْ أَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ اللِّزَامِ
وقيل: هو القتل بالسيف يوم بدر، وإليه نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر
الناس، وعلى هذا فتكون البطشة، واللزام شيئاً واحداً. وقال القرطبيّ(١)، وأبو
عبيدة: هو الهلاك والموت.
وأما الروم: فقد روى الترمذيّ من حديث نيار بن مكرم الأسلميّ قال:
لما نزلت: ﴿الَّمْ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾﴾ الآيتين [الروم: ١، ٢]، فكانت فارس يوم
نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على
فارس؛ لأنَّهم وإياهم أهل كتاب، وكانت قريش يحبون ظهور فارس على
الروم؛ لأنَّهم وإياهم ليسوا باهل كتاب، ولا إيمان ببعث، ولما نزلت هذه الآية
خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة بالآية، فقال كبراء المشركين: ألا نُراهنك
على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهن أبو بكر المشركون،
وأقبضوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ البضع ثلاث سنين إلى
تسع، فَسَمِّ بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه، فسمّوا بينهم ست سنين، فمضت
الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، ولمّا دخلت السنة
السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية سنين؛
لأن الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، قال: وأسلم بعد ذلك ناس
كثير. قال: هذا حديث حسن صحيح(٢).
وقال العينيّ كَّتُهُ في ((عمدته)): وقد علمت أن الأحاديث يفسّر بعضها
بعضاً، وذلك أن أبا سفيان لمّا قال: ادع الله لهم قرأ النبيّ ◌َير قوله تعالى:
﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾﴾، كما في رواية البخاريّ عن محمد بن
كثير الذي ذكرناه، وصرّح في رواية مسلم أنه لمّا دعا الله لها أنزل الله تعالى:
﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَبِدُونَ ﴾﴾، فَقَبِل الله دعاءه وَّهِ، فمُطروا، فلما
(١) المقصود به هنا: بقيّ بن مخلد المتوفّى سنة (٢٧٦هـ).
(٢) ((المفهم)) ٣٩٧/٧ - ٣٩٨.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
أصابهم الرفاهية عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى
﴾، والمعنى: فانتظر يا محمد عذابهم، ومفعول ((ارتقب))
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
محذوف، وهو عذابهم.
وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَّ﴾ صفة للدخان في محل الجر؛ يعني: يشملهم،
ويلبسهم، وقيل: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ﴾ مفعول ﴿فَارْتَقِبْ﴾، قوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾؛ يعني: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما
المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران، يخرج من
[الدخان: ١٠، ١١ ]
منخريه، وأذنيه، ودبره، وقوله: ﴿ ... هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (®)
كل ذلك منصوب المحل بفعل مضمر، وهو ((يقولون))، و(يقولون)) منصوب على
الحال؛ أي: قائلين ذلك، قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ موعدة بالإيمان، إن كُشف عنهم
العذاب، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ لَمُمُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: من أين لهم التذكر،
والاتعاظ بعد نزول البلاء، وحلول العذاب، والحال أنه قد جاءهم رسول بما
هو أعظم من ذلك، وأدخل في وجوب الاذكار من كشف الدخان، وهو ما
ظهر على رسول الله وَالر، من الآيات البينات، من الكتاب المعجز وغيره من
المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه، وبَهَتوه بأن عداساً غلاماً أعجمياً لبعض
ثقيف، هو الذي علّمه، ونسبوه إلى الجنون، وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَوْ عَنْهُ
وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُنُ (9)﴾، ثم قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُمْ عَبِدُونَ (®)﴾ إلى
كفركم، ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَىَ﴾، وهو يوم بدر، كما في متن
حديث الباب، وعن الحسن: البطشة الكبرى يوم القيامة.
وقوله: ((فقد مضت)) إلى آخره من كلام ابن مسعود نظر ته، ولم يسنده إلى
النبيّ ◌َێ .
وقال ابن دحية: الذي يقتضيه النظر الصحيح حَمْل أمر الدخان على
قضيتين: إحداهما وقعت، وكانت، والأخرى ستقع.
قال العينيّ: فعلى هذا هما دخانان: أحدهما الذي يملأ ما بين السماء
والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزُّكمة، وهو كهيئة الدخان، وهيئة الدخان
غير الدخان الحقيقيّ، والآخر هو الدخان الذي يكون عند ظهور الآيات،

٤١٧
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤١)
والعلامات، ويقال: هو من آثار جهنم يوم القيامة، ولا يمتنع إذا ظهرت تلك
العلامات أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
وقوله: واللزام اختُلف فيه، فذكر ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) أنه القتل
الذي أصابهم ببدر، روي ذلك عن ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومحمد بن
كعب، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، قال القرطبيّ: فعلى هذا تكون البطشة
واللزام واحداً، وعن الحسن: اللزام يوم القيامة، وعنه: أنه الموت، وقيل:
يكون ذنبكم عذاباً لازماً لكم، وفي ((المحكم)): اللزام: الحساب، وفي
((الصحيح)): عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان،
واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. انتهى.
وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: النبيّ وَّهِ (لِمُضَرَ؟)؛ أي: أتسألني أن أستغفر
لمضر، مع ما هم عليه من معصية الله، والإشراك به؟.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقال رسول الله وَّ: لمضر؟ إنك لجريء))؛
أي: أتأمرني أن أستسقي لمضر، مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به،
ووقع في ((شرح الكرمانيّ)) قوله: ((فقال رسول الله ﴿ ﴿ لمضر))؛ أي: لأبي
سفيان، فإنه كان كبيرهم في ذلك الوقت، وهو كان الآتي إلى رسول الله وَله
المستدعي منه الاستسقاء، تقول العرب: قتلت قريشٌ فلاناً، ويريدون شخصاً
منهم، وكذا يضيفون الأمر إلى القبيلة، والأمر في الواقع مضاف إلى واحد
(١)
.
منهم. انتهى
قال الحافظ: وجَعْله اللام متعلقة بـ((قال)) غريب، وإنما هي متعلقة
بالمحذوف، کما قررته أوّلاً. انتهى.
وقوله: (إِنَّكَ لَجَرِيءٌ)))؛ أي: صاحب جراءة، والإقدام على ما لا ينبغي
لك، قال الأبيّ: هذا على وجه التقرير، والتعريف بكفرهم، واستعظام ما سأل
لهم؛ أي: فكيف يُستغفر، أو يُستسقى لهم، وهم عدوّ الدين؟ قال: ويصحّ هذا
عندي على ما ذكر مسلم من لفظ ((استغفِرْ))؛ لأن الإنكار إنما للاستغفار الذي
(١) ((شرح صحيح البخاريّ) للكرمانيّ ١٨/ ٨٥.

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
سأل لهم، بدليل أنه عدل عنه إلى الدعاء بالسقي، ولو كان استعظامه إنما هو
لطلب السُّقْيا لم يستسق لهم. انتهى(١).
وقوله: (فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ) بتخفيف الياء التحتيّة بعد الهاء المكسورة
بوزن الكراهية؛ أي: السعة، والراحة.
وقوله: (قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ)؛ أي: فسّر ابن مسعود ظُه البطشة
الكبرى بقتلهم، وأسرهم في يوم بدر.
والحديث متّفقٌ عليه، كما مضى تحقيقه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٤٢] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الهِ، قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ،
وَاللَّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (خمسٌ)؛ أي: خمسة علامات (قد مضين)؛ أي: وقعن:
[الأولى]: الدخان، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾
[الدخان: ١٠].
[الثانية]: القمر، قال الله تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ
[القمر: ١].
[الثالثة]: الروم، قال الله تعالى: ﴿الّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾﴾ [الروم: ٢،١].
[الرابعة]: البطشة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَى﴾
[الدخان: ٦١]، وهو القتل الذي وقع يوم بدر.
[الخامسة]: اللزام، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:
٧٧]، قيل: هو القحط، وقيل: هو التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر،
(١) ((شرح الأبيّ)) ١٩٩/٧.

٤١٩
(١٠) - بَابُ الدُّخَانِ - حديث رقم (٧٠٤٣ - ٧٠٤٤)
وقيل: هو الأسر فيه، وقد أُسر سبعون قرشيّاً فيه (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وکلهم ذُكروا قبل حديث.
[تنبيه]: رواية وكيع عن الأعمش هذه قد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٤٥٤٨) - حدّثنا يحيى(٢)، حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن
مسروق، عن عبد الله، قال: ((خمسٌ قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة،
والقمر، والدخان))، انتهى(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٤٤] (٢٧٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ - وَاللَّفْظُ
لَهُ - حَدَّثَنَا غُنْدَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَمْبٍ، فِي
قَوْلِهِ رَل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]،
قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ، شُعْبَةُ الشََّكّ فِي الْبَطْشَةِ، أَوِ
الدُّخَانِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزّمِن، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف بُندار البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) ((عمدة القاري)) ٩٨/١٩.
(٢) هو: ابن موسى البلخيّ، كما في ((الفتح)).
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ١٨٢٥/٤.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) ذُكر قبل حدیثین.
٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٧ - (عَزْرَةُ) بن عبد الرحمن بن زرارة الْخُزاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٦]
(م د ت س) تقدم في ((اللعان)) برقم [٣٧٤٦].
[تنبيه]: كون عزرة هذا هو ابن عبد الرحمن هو الظاهر، لكن رأيت في
((شعب الإيمان)) للبيهقيّ ١٥٥/٧ بعد إیراد الحدیث بالسند المذکور ما نصّه:
قال الحافظ(١): عزرة هو ابن يحيى. انتهى، وهذا غريب، فإن عزرة بن
يحيى لم يُذكر من رجال مسلم أصلاً، لا في ((التهذيبين))، ولا في غيرهما،
وإنما هو من رجال أبي داود، وابن ماجه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
٨ - (الْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ) هو: الحسن بن عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، أرسل عن
ابن عباس [٤] (خ م د س ق) تقدم في ((الأطعمة)) ٥٣٣٣/١٦.
[تنبيه]: قوله: ((الْعُرَنيّ)) - بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون -:
نسبة إلى عُرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش، بطن من بَجِيلة،
قاله في ((اللباب))(٢).
٩ - (يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ) العرنيّ الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان - بزاي،
وموحّدة -، وقيل: بل لقبه، هو صدوقٌ رُمي بالغُلُوّ في التشيع [٣] (م ٤)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
١٠ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ
[٣](٣) اختلف في سماعه من عمر رَظُه، مات بوقعة الجماجم، سنة ثلاث
وثمانين، قيل: إنه غَرِق (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) الظاهر أن المراد بالحافظ هو البيهقيّ، فيكون من كلام الرواة عنه، فليُتأمّل.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٦/٢.
(٣) هذا هو الأشبه مما قال في ((التقريب)): من الثانية، كما يظهر من ترجمته في
(التهذيب))، فتنبّه.