النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٧) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ - حديث رقم (٧٠٣٦).
﴿أَطَّلَعَ﴾
ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله، فقال:
على ﴿اُلْغَيْبٍ﴾؛ أي: أَعَلِم ما غاب عنه، حتى يعلم أنه في الجنة، ﴿أَمِ لَّخَذَ
عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم إلا بإحدى هاتين
الطريقتين، وقيل: المعنى: أَنَظَر في اللوح المحفوظ؟ أم اتخذ عند الرحمن
عهداً؟ وقيل: معنى ﴿أَمِ لَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أم قال: لا إله إلا الله،
فأرحمه بها. وقيل: المعنى: أم قدّم عملاً صالحاً فهو يرجوه، و((اطلع)) مأخوذ
من قولهم: اطلع الجبلَ: إذا ارتقى إلى أعلاه. وقرأ حمزة، والكسائيّ،
ويحيى بن وثاب، والأعمش: ((ووُلدا)) بضم الواو، والباقون بفتحها، فقيل:
هما لغتان، معناهما واحد، يقال: وَلَدٌّ، ووُلْدٌ، كما يقال: عَدَمٌ، وعُدْمٌ، قال
الحارث بن حلزّة [من مجزوء الكامل]:
قَدْ ثَمَّرُوا مَالاً وَوُلْدَا
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِراً
وقال آخر [من الطويل]:
وَلَيْتَ فَلَاناً كَانَ وُلْدَ حِمَارٍ
فَلَيْتَ قُلَاناً كَانَ فِي بَظْنِ أُمِّهِ
وقيل: الولد بالضم للجمع، وبالفتح للواحد. ﴿كَلَّأَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾:
(كلا)) حرف ردع وزجر؛ أي: ليس الأمر على ما قال هذا الكافر، من أنه يؤتى
المال والولد، سنكتب ما يقول؛ أي: سنحفظ عليه ما يقوله، فنجازي به في
الآخرة، أو سنُظهر ما يقول، أو سننتقم منه انتقام من كُتبت معصيته، ﴿وَنَمُّ لَهُ.
مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا﴾؛ أي: نزيده عذاباً فوق عذابه مكان ما يدّعيه لنفسه من الإمداد
بالمال والولد، أو نطوّل له من العذاب، ﴿وَرِثُهُ, مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نُميته، فنرثه
المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه. والمعنى: مسمى ما يقول ومصداقه. وقيل:
المعنى: نحرمه ما تمناه ونعطيه غيره. ﴿وَيَأْنِنَا فَرْدًا﴾؛ أي: يوم القيامة لا مال
له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف يطمع في أن نؤتيه؟ وقيل: المراد بما
يقول: نفس القول لا مسماه، والمعنى: إنما يقول هذا القول ما دام حياً، فإذا
أمتناه حُلنا بينه وبين ما يقوله، ويأتينا رافضاً له، منفرداً عنه، والأوّل أَولى.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(١) (فتح القدير)) للشوكانيّ كَذْتُ ٤ /٤٧٧ - ٤٧٨.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خبّاب بن الأرتّ
رَضُهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٦/٧ و٧٠٣٧] (٢٧٩٥)، و(البخاريّ)
في ((البيوع)) (٢٠٩١) و((الإجارة)) (٢٢٧٥) و((الخصومات)) (٢٤٢٥)
و((التفسير)) (٤٧٣٤ و٤٧٣٥)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٦٢)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى))، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٣٦٥٣)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٤٨٨٥ و٥٠١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٦٥١
و٣٦٥٢ و٣٦٥٤)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٢٠٧/٣ - ٢٠٨)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إجارة المسلم نفسه للكافر، وقد ترجم
البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)) على هذا، فقال: ((باب هل يؤاجر الرجل نفسه من
مشرك في أرض الحرب)).
٢ - (ومنها): بيان أن الحدّاد لا يضره مهنة صناعته، إذا كان عدلاً، قال
أبو العتاهية [من الطويل]:
وَحُبُّكَ لِلُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالْعَدَمْ
أَلَا إِنَّمَا التَّقْوَى هُوَ الْعِزُّ وِالْكَرَمْ
إِذَا أَسَّسَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمْ
وَلَيْسِ عَلَى حُرِّ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ
٣ - (ومنها): أن الكلمة من الاستهزاء يتكلم بها المرء، فيُكتب له بها
سخطة إلى يوم القيامة، ألا ترى وعيد الله تعالى على استهزاء العاص بقوله:
وَذَرِثُهُ, مَا يَقُولُ وَيَأْنِيْنَا
﴿كَلَّأَ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُذُ لَهُ، مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا (َا
فَرْدًا (®﴾ [مريم: ٧٩، ٨٠]؛ يعني: من المال والولد بعد إهلاكنا إياه، ويأتينا
فرداً؛ أي: نبعثه وحده تكذيباً لظنه.
٤ - (ومنها): جواز الإغلاظ في اقتضاء الدَّين لمن خالف الحقّ، وظهر
منه الظلم والعدوان.
٥ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، والله تعالى أعلم.

٣٨٣
(٧) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوَيَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ - حديث رقم (٧٠٣٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٣٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ وَكِيعٍ،
وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: قَالَ: كُنْتُ قَيْناً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ
عَمَلاً، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَديّ، ثم
المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٧ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقيان ◌ُكرا في الباب وقبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أبو معاوية،
وعبد الله بن نُمير، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، رووا هذا
الحديث عن الأعمش بسنده الماضي.
وقوله: (كُنْتُ قَيْئاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ) القين بفتح القاف، وسكون التحتانية
بعدها نون: هو الحدَّاد.
وقوله: (فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلِ عَمَلاً) هو أنه عمل له سيفاً؛ لأنه كان
حدّاد، وفي رواية لأحمد: ((فاجتمعت لي عند العاص بن وائل دراهم)).
وقوله: (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ)؛ أي: أطلب منه أن يقضيني حقّي.
[تنبيه]: أما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ تَّهُ في
((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال:

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
(١١٣٢٢) - أنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلاً قَيْناً، وكان لي على
العاصي بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر
بمحمد وَله، فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تُبعث، قال:
فإني إذا متُّ، ثم بُعثت جئتني، وَلِي ثَمّ مال، وولد، فأعطيك، فأنزل الله رجمات :
﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَيِنَا﴾ - إلى قوله -: ﴿وَيَأْتِنَا فَرْدًا﴾. انتهى(١).
وأما رواية عبد الله بن نُمير عن الأعمش، فقد ساقها الإمام أحمد دَخَّتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٢١١١٣) - حدّثني عبد الله بن نمير، أنا الأعمش، عن مسلم، عن
مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاص بن وائل حَقٌّ،
فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد وَله، فقلت: لا والله لا أكفر
بمحمد ◌َ﴿ حتى تموت، ثم تُبعث، قال: فضحك، ثم قال: سيكون لي ثَمّ مال،
وولد، فأعطيك حقّك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَ
مَالًا وَوَلَدًا (٨) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٢٨) الآية. انتهى(٢).
وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، وكذا
رواية ابن عيينة عنه، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ .
(٨) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٣])
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٣٨] (٢٧٩٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلِ:
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٩٥/٦.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١١١/٥.

٣٨٥
(٨) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمٌّ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٨)
اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ اثْتِنَا
بِعَذَابٍ أَلِيمِ، فَتَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِّرُونَ ﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
إِلَى آخِرِ الآيَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيُّ) هو: عبد الحميد بن دينار، صاحب الزياديّ،
ثقةٌ [٤] (خ م د س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٤/ ١٦٠٤.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ظُبه، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه
مسلسل بالبصريين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أنس ظُه من المكثرين
السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو المشهور بالخادم، خدم
النبيّ ◌َ﴾ عشر سنين، فنال بركته.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيِّ) هو عبد الحميد بن دينار تابعيّ صغيرٌ، ويقال
له: ابن كُرْدِید، بضم الكاف، وسكون الراء، وکسر الدال المهملة، ثم تحتانية
ساكنة، ثم دال أخرى، والزياديّ الذي نُسب إليه من وَلَد زياد الذي يقال له:
ابن أبي سفيان، قاله في ((الفتح)) (١).
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رَّهِ (يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْل) فرعون هذه الأمة،
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال أبو جهل: اللَّهُمَّ إن كان هذًّا ... إلخ)) ظاهر في
(١) ((الفتح)) ٣٠٩/٨، (كتاب التفسير)) رقم (٤٦٤٨).

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نُسب إلى جماعة، فلعله بدأ به، ورضي
الباقون، فُنُسب إليهم.
وقد رَوَى الطبرانيّ من طريق ابن عباس أن القائل ذلك هو النضر بن
الحارث، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾﴾ [المعارج: ١]،
وكذا قال مجاهد، وعطاء، والسديّ، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح؛ لاحتمال
أن يكونا قالاه، ولكن نسبته إلى أبي جهل أولى.
وعن قتادة قال: قال ذلك سَفَهَة هذه الأمة، وجَهَلتها .
وروى ابن جرير من طريق يزيد بن رُومان أنهم قالوا ذلك، ثم لما أمسَوا
نَدِموا، فقالوا: غفرانك اللَّهُمَّ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن
معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: مَنْ سَبَق له من الله أنه سيؤمن، وقيل:
المراد: من كان بين أظهرهم حينئذ، من المؤمنين، قاله الضحاك، وأبو مالك،
ويؤيده ما أخرجه الطبريّ من طريق بن أبزى قال: ((كان رسول الله وَل بمكة،
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾، ثم خرج إلى المدينة،
فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وكان من بقي من
المسلمين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، فأَذِن الله في فتح مكة))، فهو العذاب
الذي وعدهم الله تعالى.
ورَوَى الترمذيّ من حديث أبي موسى، رفعه: ((قال: أنزل الله على أمتي
أمانين))، فذكر هذه الآية، قال: ((فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار))، وهو
يقوي القول الأول، والحمل عليه أولى، وأن العذاب حَلّ بهم لمّا تركوا الندم
على ما وقع منهم، وبالغوا في معاندة المسلمين، ومحاربتهم، وصدِّهم عن
المسجد الحرام، والله أعلم(١).
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدَِ) بنصب ((الحقَّ) على أنه خبر
(١) ((الفتح)) ١٤٩ - ١٥٠.

٣٨٧
(٨) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٨)
((كان))، والضمير للفصل، ويجوز الرفع. قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بها،
ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سُنَّة، والمعنى: إن كان
القرآن الذي جاءنا به محمد ﴿ ﴿ هو الحق (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) قالوا
هذه المقالة مبالغةً في الجحود، والإنكار، قال أبو عبيدة: يقال: أمطر في
العذاب، ومَطَر في الرحمة، وقال في ((الكشاف)): قد كثر الإمطار في معنى
العذاب(١).
(أَوِ انْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم) سألوا أن يعذّبوا بالرجم بالحجارة من السماء، أو
بغيرها من أنواع العذاب الشديد، فأجاب الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية، (فَنَزَلَتْ) الآية، وهي قوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ﴾) يا محمد موجود (﴿فِهِمَّ﴾) فإنك ما دُمت فيهم فهم في مُهلة من
العذاب الذي هو الاستئصال، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ رُوي
أنهم كانوا يقولون في الطواف: غفرانك؛ أي: وما كان الله معذبهم في حال
كونهم يستغفرونه. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين
أظهرهم؛ أي: وما كان الله ليعذبهم، وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما
خرجوا من بين أظهرهم عذّبهم بيوم بدر، وما بعده. وقيل: المعنى: وما
كان الله معذبهم، وفي أصلابهم من يستغفر الله. (﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾)
لَمّا بيّن سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان: وجود
رسول الله 853* بين أظهرهم، ووقوع الاستغفار، ذكر بعد ذلك أن هؤلاء
الكفار؛ أي: كفار مكة، مستحقون لعذاب الله؛ لِمَا ارتكبوا من القبائح،
والمعنى: أيّ شيء لهم يمنع من تعذيبهم؟ قال الأخفش: إن ((أن)) زائدة، قال
النحاس: لو كان كما قال لرفع ﴿يُعَذِّبُهُمُ﴾ [التوبة: ١٤](٢).
وجملة (﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) في محل نصب على
الحال؛ أي: وما يمنع من تعذيبهم؟ والحال أنهم يصدّون الناس عن المسجد
الحرام، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله صل﴾ وأصحابه
ـيّ من
البيت.
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ١٧٥/٣.
(٢) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ١٧٦/٣.

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وقوله: (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ أي: اقرأ إلى نهاية الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانُواْ أَوْلِيَاءَهٌ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
فقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ؟﴾ جملة في محل نصب على أنها حال من
فاعل ﴿يَصُدُّونَ﴾ وهذا كالردّ لِمَا كانوا يقولونه من أنهم وُلاة البيت، وأن أمره
مفوّض إليهم، ثم قال تعالى مبيّناً لمن له ذلك: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ الْمُنَّقُونَ﴾؛
أي: ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين
يعلمون، ولكنهم يعاندون، والله تعالى أعلم(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٨/٨] (٢٧٩٦)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٦٤٨ و٤٦٤٩)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه المشركون من العناد والتمرّد على الإسلام.
٣ - (ومنها): بيان كونه ◌َ﴾ رحمة للأمة حيث يدفع الله عنهم العذاب
بوجوده مع استحقاقهم له، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً
[الأنبياء: ١٠٧]، فكان رحمة للكفار في تأخير عذاب الاستئصال
لْعَلَمِينَ
عنهم، وأما كونه رحمة للمؤمنين ففي الدنيا والآخرة.
٤ - (ومنها): أن الاستغفار سبب في دفع عقوبة الدنيا حتى من الكفّار،
فقد أخَّر الله عن المشركين العذاب مع كفرهم، حيث استغفروه، فكيف
بالمؤمنين، ففيه بيان عظم الاستغفار، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ .
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ١٧٦/٣.

٣٨٩
(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَانَ لَطْفَ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
(٩) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفَ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٣٩] (٢٧٩٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى
الْقَيْسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلِ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟
قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّتِ وَالْعُزَّىَّ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ،
أَوْ لِأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ، وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ
عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَِّي بِيَدَيْهِ، قَالَ:
فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقَأَ مِنْ نَارٍ، وَهَوْلاً، وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْواً عُضْواً))، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ رَكْ،
لَا نَدْرِي فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ: ﴿كَّ إِنَّ الْإِسَنَ لَطْغَ
) أَن رَّءَاهُ أُسْتَغْفَى
) أَرََّيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَّ
عَبْدًا إِذَا صَلَى
أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْهَى
٨
إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى
٧
أَوْ أَمَرَ بِلنَّقْوَىَ ﴿٨ أَبَيْتَ إِن كَذَّبَ وَوَلَ (٣)﴾ [العلق: ٦ - ١٣]، - يَعْنِي: أَبَا جَهْلٍ - ﴿
أَ
١٧
(١) فَيَدْعُ نَادِيَهُ,
(١٩) نَاصِيَةِ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
(﴿ كَلَا لَيِن لَّرْ بَتَهِ لَتَسْفَمَّا بِالنَّاصِيَةِ
يَعْلَمْ بِأَنَّ اَلَهَ يَرَى
كَلَّا لَا تُطِعُهُ﴾ [العلق: ١٤ - ١٩]، زَادَ عُبَيْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: وَأَمَرَهُ
سَنَدْعُ الزَّيَانِيَّةَ
بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَدُ ﴾﴾؛ يَعْنِي: قَوْمَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطفيلَ،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني
تيم، فُنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٩/٣.

٣٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
٤ - (نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) النعمان بن أشيم الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي
بالنصب [٤] (١١٠) (خت م مد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٨/٦٨.
٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأن
نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ربه أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّه؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْل) اللعين، فرعون هذه
الأمة، وهذا من مرسل أبي هريرة ظُه؛ لأنه لم يشهد القصّة، ويَحتَمِل أنه
سمعه من النبيّ ◌َ ﴿، أو من غيره من الصحابة ﴿ه، وعلى كونه مرسلاً، فلا
يضرّ؛ لأن مراسيل الصحابة في حكم الموصولات، كما قال في ((ألفيّة الأثر)):
كَسَامِعِ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ انَّضَحْ
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحّْ
رَآهُ لَا مُمَيِّزاً لَا تَحْتَ ذِي
إِسْلَامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي
(هَلْ يُعَفِّرُ) بتشديد الفاء المكسورة، من التعفير، وهو التمريغ(١).
(مُحَمَّدٌ) وَِّ (وَجْهَهُ)؛ أي: يسجد، ويُلصق وجهه بالعَفَر، وهو التراب، قاله
النوويّ، وقال ابن الجوزيّ: تعفير الوجه إلصاقه بالتراب، ويقال للتراب:
العَفَر(٢). (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟)؛ أي: فيما بينكم على أن ((الأَظْهُر)) مقحمة؛ للإشارة
إلى وقوعه على وجه الظهور، أو الاستناد إلى ظهر أحد، وحمايته، ورعايته،
قال الطيبيّ: يريد به سجوده على التراب، وإنما آثر التعفير على السجود؛
تعنتاً، وعناداً، وإذلالاً، وتحقيراً. (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُبه؛ أي: ناقلاً عن غيره؛
لِمَا سبق آنفاً. (فَقِيلَ)؛ أي: قال لأبي جهل الحاضرون لديه: (نَعَمْ)؛ أي:
يصلي، ويسجد بين أظهرنا، لا يخاف إلا الله رَ. (فَقَالَ) أبو جهل: (وَاللَّتِ
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٣١.
(٢) (كشف المشكل)) ٥٧٢/٣.

(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَيْنَ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
٣٩١
وَالْعُزَّى) أقسم بصنميه قائلاً: (لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ)؛ أي: يصلي، ويعفّر
وجهه لله وَالَ. (لأَطَأَنَّ)؛ أي: لأدوسنّ (عَلَى رَقَبَتِهِ) الشريفة التي أعزّها الله
تعالى، وأعلاها على جميع الرقاب المنيفة وَل﴾، (أَوْ) إن لم أفعل هذا
(لأُعَفِّرَنَّ)؛ أي: لأمرّغنّ (وَجْهَهُ) الشريف الذي أكرمه الله تعالى على جميع
الوجوه من كلّ شريف ◌ََّ (فِي التُّرَابِ، قَالَ) أبو هريرة تَظُهُ: (فَأَتَى) أبو جهل
اللعين (رَسُولَ اللهِ نَّهَ)، وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة حاليّة من المفعول،
والحال من الفاعل قوله: (زَعَمَ) بفتحتين، من باب نصر؛ أي: قصد أبو جهل
بظنّه الباطل، قال القاري: وفي نسخة (١): زَعِمَ بكسر العين، ففي ((القاموس)):
زَعِمَ، كَفَرِحَ: طَمِعَ(٢) .
وقال الطيبيّ: ((زعم)) وقع حالاً من الفاعل، بعد الحال من المفعول،
و((زعم)) بمعنى طمع، وأراد، قال في ((أساس البلاغة)): ومن المجاز: زعم فلان
في غير مَزْعَم: طَمِع في غير مَظْمَع؛ لأن الطامع زاعم ما لم يستيقن. انتهى(٣).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: زَعَمَ زَعْماً، من باب قَتَل، وفي الزَّعْمِ ثلاث لغات:
فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكَسْرها لبعض قيس، ويُطلقَ بمعنى القول،
ومنه زَعَمَتِ الحنفية، وزَعَمَ سيبويه؛ أي: قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُشْقِطَ
السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢]؛ أي: كما أخبرت، ويُطلق على الظنّ، يقال:
في زَعْمِي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ يُعَثُواْ﴾.
[التغابن: ٧]. قال الأزهريّ: وأكثر ما يكون الزَّعْمُ فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقّق،
وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما
كان باطلاً، أو فيه ارتياب، وقال ابن الْقُوطيّة: زَعَمَ زَعْماً: قال خبراً لا يُدرَى
أحقُّ هو، أو باطل؟ قال الخطابيّ: ولهذا قيل: زَعَمَ مَطِيَّةُ الكَذِبِ، وَزَعَمَ غَيْرَ
مَزْعَم: قال غير مقول صالح، وادّعى ما لم يمكن. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: ((زعم)) هنا مستعمَل في الباطل، والظنّ الفاسد،
كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(١) أراد نسخة ((المشكاة)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٠/ ١٣١.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٣٢/١٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٢٥٣/١.

٣٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
(لِيَطَأَ)؛ أي: ليضع رجله الخبيث، واللام مكسورة، وقال ابن الملك:
وفي نسخة(١) بفتح اللام، على أنه لام تأكيد، قال القاري: فالفعل مرفوع
حينئذ(٢). (عَلَى رَقَبَتِهِ) الشريفةِ نََّ، (قَالَ) أبو هريرة: (فَمَا فَجِئَهُمْ) بكسر
الجيم، وتُفتح، ففي ((القاموس)): فجئه، كسَمِع، ومَنَع: هَجَم عليه، وأتاه بغتة؛
أي: فما أتى قومه فجاءة، (مِنْهُ)؛ أي: من النبيّ وَّه، أو من إتيانه إليه، (إِلَّا)
والحال (وَهُوَ)؛ أي: أبو جهل (يَنْكِصُ) بكسر الكاف، وتُضمّ؛ أي: يرجع،
وفي ((القاموس)): نَكَص على عقبيه نُكُوصاً: رجع عما كان عليه من خير،
خاصّ بالرجوع عن الخير، ووَهِم الجوهريّ في إطلاقه، أو في الشرّ نادر.
قال القاري: الحديث يدلّ على استعماله في الشرّ، وكذا آية: ﴿فَلَمَّا
تَرَآءَتِ اُلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ثم صنيع ((القاموس)) يُشعر أنه
بضم الكاف في المضارع، لكن اتّفق القراء على كسره، حتى لم يوجد في
الشواذّ أيضاً، نعم قال الزجاج: يجوز ضم الكاف، ذكره الكرماني في قوله
تعالى: ﴿عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦]. انتهى(٣).
(عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ أي: قهقرى، (وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ)؛ أي: يَحْذَر بهما، ويدفع
شيئاً بسببهما .
قال الطيبيّ تَخْتُ: المستثنى فاعل ((فَجِئ))؛ أي: فما فَجِئ أصحابَ أبي
جهل من أمر أبي جهل، إلا نكوص عقبيه، وقد سدّ الحال هنا مسدّ الفاعل،
كما سدّت مسدّ الخبر في قوله وَل﴾: ((أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو
ساجدٌ))، وفيه إرخاء عنان الكلام للمعنى، لا لِلّفظ، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير
المستتر في ((فجئهم)) لأبي جهل، والمجرور في ((منه)) للأمر؛ أي: فما فَجِئ أبو
جهل أصحابَهُ من الأحوال إلا هذه الحالة. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة المرتضى تَخُّْ في ((التاج)): نَكَصَ عن
الأَمْرِ يَنْكُصُ نَكْصاً، بالفَتْح، ونُكُوصاً بالضَّمّ، ومُنْكَصاً؛ كمَظْلَبِ: تَكَأْكاً عَنْه،
(١) أي: من ((المشكاة)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٣١/١٠.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ١٣١/١٠.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٣٢/١٢.

٣٩٣
(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَيْنَى﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
وأَحْجَمَ، وانْقَدَعَ. وقال أَبو تُرَابٍ: نَكَصَ عن الأَمْرِ، ونَكَفَ بمَعْنَىَّ وَاحِدٍ؛
أي: أَحْجَمَ. يُقَال: أَرادَ فُلانٌ أَمراً، ثُمَّ نَكَصَ، من حَدِّ نَصَرَ، وضَرَبَ: رَجَعَ،
كما في ((الصّحاح)). وقال الأَزْهَرِيّ: قَرَأَ بعضُ القُرَّاءِ: ((يَنْكُصُون)) بالضَّمِّ،
وأَنْكَرَه الصَّاغَانِيّ. وقال: لا أَعْرِفُ مَن قَرَأَ بهذِهِ القِرَاءَة. وقال الزَّجَّاج: الضَّمُّ
جائزٌ، ولكنَّه لم يُقْرأ به. وإِطْلاقَ المُصَنِّف (١) صَرِيحٌ في أَنَّ مُضارِعَه بالضَّمِّ لا
غيْر، كما هو قاعِدَة كِتابِهِ، وهو وَهَمٌ صَرِيحٌ، وقُصُورٌ ظاهِرٌ، لا سِيَّمَا والكلمةُ
قُرْآنِيَّة، وأَجْمَعَ القُرَّاءُ كُلُّهُم على كَسْرِ الكافِ في قَوْله تَعالَى: ﴿فَكُنتُمْ عَلَى
أَعْقَبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. وعِبَارَةُ ((الصّحاح)) سالِمَةٌ من هذَا، فإِنّه ◌َذَكَرَ الوَجْهَيْن، كما
تَقَدَّمَ. وقال ابنُ دُرَيْدٍ: نَكَصَ على عَقِبَيْهِ: رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَليْهِ مِنْ خِيْرٍ، قال:
وهو خاصٌّ بالرُّجُوعِ عن الخيْرِ، قال: وكَذَا فُسِّرَ فِي التَّنْزِيلِ، ووَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ
في إِطْلاقِهِ، وقد يُقَالُ: أن لا حَصْرَ فيه، عَلَى أَنَّ التَّقِيِيدَ الَّذِي نَقَلَهُ المُصَنِّف
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِنَّمَا قالَهُ ابنُ دُرَيْدٍ، وتَبِعَهُ بَعْضُ فُقَهاءِ اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ عن
الجُمْهُورِ أَنَّ النُّكُوصَ كالرُّجُوعِ وَزْناً ومَعْنيّ، وإِليه ذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ،
والزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ القَطَّاعِ، وغيْرُهَم، وكَفَى بهم عُمْدَةً، ويُؤَيِّدُ الإِظْلاقَ قَولُ
عَلِيِّ رَُّهُ فِي صِفِّينَ: والشَّيْطَانُ قَدَّمَ لِلوَثْبَةِ يَداً، وأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً، قال ابنُ
أَبِي الحَدِيدِ: النُّكُوصُ: الرُّجُوعُ إِلَى وَرَاء، وهو القَهْقَرَى، فَتَأَمَّل. أَو في الشَّرِّ
أَيضاً، وهو قَوْلُ ابن دُرَيْدٍ أَيضاً، وهو نَادِرٌ، ونَصُّه: ورُبَّمَا قيلَ في الشَّرِّ.
(٢) .
٠
انتھی
(قَالَ) أبو هريرة: (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: لأبي جهل، (مَا لَكَ؟)؛ أي: أيّ
شيء حملك على الرجوع قهقرى؟، وقال القاري؛ أي: ما حصل لك من
المنع، وما وقع لك مِن الدفع؟ (فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: النبيّ ◌َِّه
(لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ، وَهَوْلاً) بفتح، فسكون؛ أي: خوفاً وأمراً شديداً، وقد هاله
يهوله، فهو هائل(٣). (وَأَجْنِحَةً) جَمْع جناح الطائر، وهي هنا للملائكة الذين
(١) يعني: صاحب ((القاموس)).
(٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ص ٤٥٥٠.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٣٢/١٢.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
يحفظونه، ويؤيده ما ذكره الراوي بقوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَوْ دَنَا مِنِّي)؛ أي:
قرب عندي، (لَاخْتَطَفَتْهُ)؛ أي: لاستلبته، والخطف: استلاب الشيء، وأخْذه
بسرعة(١). (الْمَلَائِكَةُ عُضْواً عُضْواً)) المعنى: لأخذ كل ملك عضواً من أعضائه.
(قَالَ) أبو هريرة ظُبه آخذاً من غيره، كما أسلفته قريباً (فَأَنْزَلَ اللهُ وَت)
الآية الآتية، قال الراوي، والظاهر أنه أبو حازم، (لَا نَدْرِي)؛ أي: لا نعلم، هل
قوله: ((فأنزل الله رَك ... إلخ))، (فِي) جملة (حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّبه؛ أي: فيما
نقله عن النبيّ ◌ََّ، (أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ) عن أحد من الصحابة الذين حضروا الواقعة.
(﴿كَلَّاَ﴾﴾ [العلق: ٦] رَدْعٌ، وزَجْرٌ لمن كفر نِعَم الله علیه بسبب طغيانه،
وإن لم يتقدم له ذِكر. (﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾) المراد به: أبو الجهل، كما هو سبب
نزول الآيات من هذه، فما بعدها إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما
بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أوّل هذه السورة. (﴿لَطْفَ﴾) أنه ليجاوز
الحدّ، ويستكبر على ربه. وقيل: ﴿لَّ﴾ هنا بمعنى: حقاً، قاله الجرجانيّ،
وعلّل ذلك بأنه ليس قبله، ولا بعده شيء يكون ((كلا)) ردّاً له.
وقوله تعالى: (﴿أَنْ زََّاهُ أُسْتَغْقَ ﴾) علة ليطغى؛ أي: لَيطغى أن رأى
نفسه مستغنياً، والرؤية هنا بمعنى العلم، ولو كانت بصرية لامتنع الجمع بين
الضميرين في فعلها لشيء واحد؛ لأن ذلك من خواص أفعال القلوب، وما
أُلحق بها، كما هو معروف في محلّه من كتب النحو، قال الفرّاء: لم يقل:
رأى نفسه كما قيل: قتل نفسه؛ لأن ((رأى)) من الأفعال التي تطلب اسماً
وخبراً، نحو الظنّ، والحسبان، فلا يُقتصر فيه على مفعول واحد، والعرب
تطرح النفس من هذا الجنس، تقول: رأيتني، وحسبتني، ومتى تراك خارجاً،
ومتى تظنك خارجاً، قيل: المراد هنا أنه استغنى بالعشيرة، والأنصار،
والأموال، قرأ الجمهور: ﴿أَنْ رََّهُ﴾ بمد الهمزة، وقرأ قنبل عن ابن كثير
بقَصْرها، قال مقاتل: كان أبو جهل إذا أصاب مالاً زاد في ثيابه، ومركبه،
وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه، وكذا قال الكلبيّ(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢/ ٣٧٣٢.
(٢) ((فتح القدير)) للشوكانيّ تَذْتُ ٢٩/٨.

٣٩٥
(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيْنَ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
ثم هدد تُعَلَ وخوّف، فقال: (﴿إِنَّ إِلَى رَيِّكَ الرُّجْعَ (ج))؛ أي: المرجع،
والرجعى، والمرجع والرجوع مصادر، يقال: رجع إليه مرجعاً، ورجوعاً،
ورُجْعى، وتقدّم الجار والمجرور للقصر؛ أي: الرجعى إليه ◌ُعَلَ لا إلى غيره.
عَبْدًا إِذَا صَلَّى ®))) قال المفسرون: الذي ينهى: أبو
(﴿أَيْتَ الَّذِى يَنْعَى
جهل، والمراد بالعبد: محمد وَّ، وفيه تقبيح لصُنعه، وتشنيع لفعله، حتى كأنه
بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية. (﴿أَرَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَّ (1)﴾)؛ يعني:
العبد المنهيّ إذا صلى، وهو محمد مرَّةٍ، (﴿أَوْ أَمَرَ بِلنَّقْوَىَ (13)﴾)؛ أي:
بالإخلاص، والتوحيد، والعمل الصالح الذي تُتَّقَى به النار، (﴿أَرَيْتَ إِن كَذَّبَ
وَقَوَلٌَّ ﴾﴾؛ يعني: أَبَا جَهْلٍ) فإنه كذّب بما جاء به رسول الله وَّله، وتولى عن
الإيمان، والعناية يَحْتَمِل أن تكون من أبي هريرة ظُبه، أو ممن دونه، والله
تعالى أعلم.
وقوله: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني؛ لأن الرؤية لمّا
كانت سبباً للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن
متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له.
وقد ذكر هنا: ﴿أَرَّتَ﴾ ثلاث مرات، وصرَّح بعد الثالثة منها بجملة
استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأوّل محذوف،
وهو ضمير يعود على ﴿الَّذِى يَتْعَى﴾ الواقع مفعولاً أوّل لـ ﴿أَرَيْتَ﴾ الأولى،
ومفعول ﴿أَرَّتَ﴾ الأُولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية؛ كالجملة
الواقعة بعد ﴿أَرَيْتَ﴾ الثانية، وأما ﴿أَيْتَ﴾ الثانية فلم يُذكر لها مفعول لا أوّل،
ولا ثانٍ، حذف الأوّل لدلالة مفعول ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الثالثة عليه فقد حذف الثاني من
الأُولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من ((رأيت))
للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً، والجمل لا
تُضمر، إنما تُضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب
الشرط المذكور مع ﴿أَرَءَيْتَ﴾ في الموضعين الآخرين؛ فهو محذوف تقديره: إن
كان على الهدى، أو أمر بالتقوى: ﴿أَلَمَّ ◌َعَلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَ (®﴾، وإنما حُذف
لدلالة ذِكره في جواب الشرط الثاني.
وقيل: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الأُولى مفعولها الأوّل الموصول، ومفعولها الثاني

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور، و﴿أَرَءَيْتَ﴾ في
الموضعين تكرير للتأكيد. وقيل كل واحدة من ﴿أَرَيْتَ﴾ بدل من الأُولى، و﴿ أَلَّ
الخبر(١).
يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (®)
﴿﴿أَّ بَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَ (٣)﴾)؛ أي: يَطّلع على أحواله، فيجازيه بها، فكيف
اجترأ على ما اجترأ عليه؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ.
(﴿لَّ﴾) ردع للناهي، واللام في قوله: (﴿لَيْن لَّمْ بَِ﴾) هي الموطئة
للقسم؛ أي: والله لئن لم ينته عما هو عليه، ولم ينزجر، (﴿لَنَسْفَمَّا بِالنَّاصِيَةِ﴾)
السفع: الجذب الشديد، والمعنى: لنأخذنّ بناصيته، ولنجرّنه إلى النار، وهذا
كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقَدَاءِ﴾ [الرحمن: ٤١]، ويقال: سفعت الشيء:
إذا قبضته، وجذبته، ويقال: سفع بناصية فرسه، قال الراغب: السفع الأخذ
بسفعة الفرس؛ أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد: قيل: به سفعة غضب؛
اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتدّ به الغضب، وقيل للصقر:
أسفع؛ لِمَا فيه من لَمْع السواد، وامرأة سفعاء اللون. انتهى.
وقيل: هو مأخوذ مِن سفعت النارُ، والشمسُ: إذا غيَّرت وجهه إلى
سواد، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَثَافِيّ سُفْعاً(٢) فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقوله: (﴿نَصِيَةٍ﴾) بدل من الناصية، وإنما أبدل النكرة من المعرفة؛
لوصفها بقوله: (﴿كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾) وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون
إبدال النكرة من المعرفة، إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين،
فيجوز إبدال النكرة من المعرفة، وأنشدوا [من الوافر]:
لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ وَالصَّهِيلُ
فَلَا وَأَبِيكَ خَيْرٍ مِنْكَ إِنِّي
وقرأ الجمهور بجرّ: ﴿نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ®﴾ والوجه ما ذكرنا، وقرأ
الكسائي في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ؛ أي: هي ناصية، وقرأ أبو
حيوة، وابن أبي عَبْلة، وزيد بن عليّ بنصبها على الذمّ.
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ كظَاتُهُ ٢٩/٨.
(٢) السُّفْع بالضمّ: أُثْفيّة من حديد. اهـ. ((ق)).

٣٩٧
(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
قال مقاتل: أخبر عنه بأنه فاجرٌ خاطىءٌ، فقال: ناصية كاذبة خاطئة،
تأويلها: صاحبها كاذبٌ خاطىء.
سَنَدْعُ الزََّنِيَةَ (®﴾) ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ، (٣)﴾؛ أي: أهل
١٧
﴿فَلَيَدْعُ نَادِيَهُ,
ناديه، والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويجتمعون فيه من الأهل
والعشيرة. والمعنى: لِيَدْع عشيرته وأهله؛ لِيُعِينُوه وينصروه، ومنه قول الشاعر
[من الكامل]:
وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ
أي: أهله. قيل: إن أبا جهل قال لرسول الله وَله: أتهدّدني، وأنا أكثر
[العلق: ١٧، ١٨]؛
سَنَدْعُ الزَّبَنِيَةَ ﴾
١٧
الوادي نادياً؟ فنزلت: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ.
أي: الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج. قال الكسائي، والأخفش،
وعيسى بن عمر: واحدهم زابن. وقال أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل:
هو اسم للجمع، لا واحد له من لفظه، كعباديد، وأبابيل. وقال قتادة: هم
الشُّرَط في كلام العرب، وأصل الزبن: الدفع، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى مِنْ أَنَاتِنَا وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتدّ بطشه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
مَطَاعِيمُ فِي الْقُصوَى مَطَاعِينُ فِي الْوَغَى زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلُومُهَا
وقرأ الجمهور: ﴿سَنَدْعُ﴾ بالنون، ولم ترسم الواو، كما في قوله: ﴿يَوْمَ
يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقرأ ابن أبي عبلة: (سَيُدعَى) على البناء للمفعول،
ورفع الزبانية على النيابة.
ثم كرّر الردع والزجر فقال: (﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾)؛ أي: لا تطعه فيما دعاك
إليه من ترك الصلاة.
وقوله تعالى: ﴿وَأُسْجُدْ﴾؛ أي: صلّ لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه:
﴿وَأَقْتَب﴾؛ أي: تقرّب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا
سجدت اقترب من الله بالدعاء. وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد،
واقترب أنت يا أبا جهل من النار، والأوّل أولى.
والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل: سجود التلاوة، ويدلّ
على هذا ما ثبت عنه وَّلّ من السجود عند تلاوة هذه الآية، والله تعالى أعلم.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
وقوله: (زَادَ عُبَيْدُ اللهِ)؛ يعني: شيخه الأول، عبيد الله بن معاذ العنبريّ،
(فِي حَدِيثِهِ)؛ أي: في روايته لهذا الحديث، (قَالَ) أبو هريرة (وَأَمَرَهُ)؛ أي:
أمر الله وَلَ نبيّهِ وَله (بِمَا أَمَرَهُ بِهِ)؛ أي: بقوله: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبٍ﴾، وهذا تأكيد
لِما سبق.
ويَحْتَمل أن يكون المراد توضيحاً لقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالنَّقْوَ
أي: أمر محمد لل أبا جهل بما أمره به من تقوى الله تعالى.
وقوله: (وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى)؛ أي: شيخه الثاني محمد بن عبد الأعلى
الصنعانيّ تفسيراً لقوله تعالى: ﴿فَليَدْعُ نَادِيَهُ، (٣)﴾؛ يَعْنِي: قَوْمَهُ)؛ أي: أهل
ناديه، والنادي: المجلس، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ينبغي أن نزيد على هذا تفسير الآيات الخمس التي في أول
السورة؛ ليتم فهم معنى السورة، فنقول:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ
خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
قال الله رَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ
[العلق: ١ - ٥].
الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِمِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ
الأَكْرَمُ
قرأ الجمهور: ﴿اقْرَأَ﴾ بسكون الهمزة أمراً من القراءة. وقرأ عاصم في
رواية عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفاً ثم حذفها للأمر. والأمر بالقراءة
يقتضي مقروءاً، فالتقدير: اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أمرت
بقراءته، وقوله: ﴿بِسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بمحذوف هو حال؛ أي: اقرأ ملتبساً
باسم ربك، أو مبتدئاً باسم ربك، أو مفتتحاً، ويجوز أن تكون الباء زائدة،
والتقدير: اقرأ اسم ربك كقول الشاعر [من البسيط]:
سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قاله أبو عبيدة. وقال أيضاً: الاسم صلة؛ أي: اذكر ربك. وقيل: الباء
بمعنى على؛ أي: اقرأ على اسم ربك، يقال: افعل كذا بسم الله، وعلى
اسم الله قاله الأخفش. وقيل: الباء للاستعانة؛ أي: مستعيناً باسم ربك،
ووصف الربّ بقوله: ﴿الَّذِى خَقَ﴾ لتذكير النعمة؛ لأن الخلق هو أعظم النعم،
وعليه يترتب سائر النعم. قال الكلبيّ: يعني: الخلائق. ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ
عَلَقِ ﴾﴾؛ يعني: بني آدم. والعلقة: الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح.
وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ بجمع علق؛ لأن المراد بالإنسان الجنس. والمعنى: خلق

٣٩٩
(٩) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيْنَ﴾ - حديث رقم (٧٠٣٩)
جنس الإنسان من جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ كل
المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفاً له؛ لِمَا فيه من بديع
الخلق، وعجيب الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق: الذي خلق الإنسان
فيكون الثاني تفسيراً للأول، والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات
الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أُبهم أوّلاً، ثم فسرّ ثانياً. ثم كرر الأمر بالقراءة
للتأكيد والتقرير، فقال: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾﴾؛ أي: افعل ما أمرت به من
القراءة، وجملة: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به وَّ من قوله: ((ما
أنا بقارىء)) يريد أن القراءة شأن من يكتب، ويقرأ، وهو أميّ. فقيل له: اقرأ،
وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم. قال الكلبي: يعني: الحليم عن جهل
العباد، فلم يعجل بعقوبتهم. وقيل: إنه أمره بالقراءة أوّلاً لنفسه، ثم أمره
بالقراءة ثانياً للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأوّل أولى.
﴿الَّذِى عَلَّمَ بِلْقَلَمِ ﴾؛ أي: علّم الإنسان الخط بالقلم، فكان بواسطة
ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب. قال الزجاج: علّم الإنسان الكتابة بالقلم.
قال قتادة: القلم نعمة من الله وَك عظيمة، لولا ذلك لم يَقُم دين، ولم يصلح
عيش. فدلّ على كمال كرمه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة
الجهل إلى نور العلم، ونبّه على فضل علم الكتابة لِمَا فيه من المنافع العظيمة
التي لا يحيط بها إلّا هو، وما دوّنت العلوم، ولا قيَّدت الحِكَم، ولا ضُبطت
أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كُتُب الله المنزلة إلّا بالكتابة، ولولا هي ما
استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمِّي قلماً لأنه يُقْلَم؛ أي: يقطع.
﴾ هذه الجملة بدل اشتمال من التي قبلها؛ أي:
﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ
علّمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها. قيل: المراد
بالإنسان هنا: آدم كما في قوله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اٌلْأَسْمَاءَ كُلُّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقيل:
الإنسان هنا: رسول الله وَلجر، والأولى حمل الإنسان على العموم، والمعنى:
أن من علّمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علّمه ما لم يعلم (١)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ تَذْتُهُ ٢٩/٨.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ...
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة طلبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٩/٩] (٢٧٩٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٧٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١٨/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١١/
٧٠)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٥٦/٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٥٧١)، و(الأصفهانيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٦٥/١ و١٩٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٨٩/٢)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٥٠٧/٤، ٥٠٨)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول هذه الآيات.
٢ - (ومنها): بيان جراءة المشركين على الله تعالى، وعلى رسوله وَ له
وعنادهم، وتجبّرهم، وعلى رأسهم فرعون هذه الأمة أبو جهل، حيث هدّد
النبيّ ◌َ﴾، ونهاه أن يصلي ويسجد لله تعالى أمام بيت الله الحرام، إلا أن الله
تعالى أخزاه.
٣ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَل حيث رأى عدوه اللدود ما
هاله من آيات الله البيّنات، من خندق، ونار، وهول، وأجنحة ملائكة العذاب،
فلو تجرّأ، ودنا منه وَلّ لأخذته تلك الزبانية، وقطعته إرباً إرباً.
٤ - (ومنها): بيان أن الآيات لا تغني شيئاً، للكفرة المعاندين، والفجرة،
والفسقة، فإن هؤلاء المشركين، أبا جهل، وأصحابه الذين شهدوا هذه الآية
العظيمة ما ارتدعوا، وما انصرفوا عما هم عليه من الغيّ برؤيتها، بل زادوا
عتوّا، وتجبّراً، واستكباراً، ﴿وَمَا تُغْنِىِ آلْأَيَتُ وَاَلُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:
١٠١]، بل الهداية بيد الله ◌ُعَلَ، لا بيد أحد سواه.
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
ولله درّ البوصيريّ دخلتُ حيث يقول:
فَمَا تَقُولُهُ النُّصَحَاءُ
وَإِذَا ضَلَّتِ الْعُقُولُ عَلَى عِلْمٍ
ويقول :