النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٣) الأكثرين، ويروى: كثير، وقليل، بدون التاء، وقال الكرمانيّ: وجه التأنيث إما أن يكون الشحم مبتدأ، واكتسب التأنيث من المضاف إليه، و((كثيرة)) خبره، وإما أن تكون التاء للمبالغة، نحو: رجل علّامة. انتهى(١). وقال في موضع آخر: قوله: ((كثيرة شحم بطونهم)) إشارة إلى وَصْفهم، فقوله: ((بطونهم)) مبتدأ، و((كثيرةٌ شحم)) خبره، و((كثيرة)) مضافة إلى ((شحم))، هذا إذا كان ((بطونهم)) مرفوعاً، وإذا كان مجروراً بالإضافة يكون ((شحم)) الذي هو مضاف مرفوعاً بالابتداء، و((كثيرة)) خبره مقدماً، واكتسب ((شحم)) التأنيث من المضاف إليه، إن كانت ((كثيرة)) غير مضافة، وكذلك الكلام في ((قليلة فقه قلوبهم)). انتهى(٢). (فَقَالَ أَحَدُهُمْ)؛ أي: أحد الثلاثة المجتمعين عند البيت، (أَتَرَوْنَ) بضمّ حرف المضارعة، ويجوز فتحها؛ أي: أتظنّون، وقوله: (الله) هو المفعول الأول، وقوله: (يَسْمَعُ) هو المفعول الثاني، (مَا نَقُولُ) ((ما)) موصولة مفعول ((يسمع))، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة، قال في ((الخلاصة)): وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَمَ انَرْجُو يَهَبْ)» فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ أي: الذي نقوله. (وَقَالَ الآخَرُ:) هكذا نُسخ مسلم: (وقال)) بالواو، وهذا وقع في ((صحيح ابن حبّان))، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((قال الآخر))، بدون واو، وهو الظاهر؛ لأنه جواب لِمَا قبله، فلا حاجة إلى الواو، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَسْمَعُ) الله تعالى ما نقوله (إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا) ويُروى: ((إن خافتنا))، وهو نحوه؛ لأن المخافتة، والْخَفْت: إسرار النطق. (وَقَالَ الآخَرُ)؛ أي: الثالث: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة فيما قال: (إن كان يسمع)) هو أن نسبة جميع المسموعات إلى الله تعالى على السواء، قاله في ((العمدة)). وفي رواية البخاريّ: ((فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا، (١) ((عمدة القاري)) ١٥٥/١٩. (٢) ((عمدة القاري)) ١٧٨/٢٥. ٢٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه، لقد يسمع كلّه))، قال في ((الفتح))؛ أي: لأن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة، فالتخصيص تَحَكّم، وهذا يُشعر بأن قائل ذلك كان أفطن أصحابه، وأَخْلِق به أن يكون الأخنس بن شَرِيق؛ لأنه أسلم بعد ذلك، وكذا صفوان بن أمية. (١) . انتھی (فَأَنْزَلَ اللهُ رَكِ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتِرُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) هذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله ، أو من كلام الجلود؛ أي: ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذراً من شهادة الجوارح عليكم، ولمّا كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا : تَرْك المعصية. وقيل: معنى الاستتار: الاتقاء؛ أي: ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة. وقوله: (﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾) في محل نصب على العلّة؛ أي: لأجل أن تشهد، أو مخافةً أن تشهد، وقيل: منصوب بنزع الخافض، وهو الباء، أو عن، أو من، وقيل: إن الاستتار مُضَمَّن معنى الظنّ؛ أي: وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو: بعيد. (﴿عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآيَةَ). وتمام القراءة: ﴿وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] من المعاصي، فاجترأتم على فعلها. قيل: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما نُظهر دون ما نُسرّ. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى: العلم، وقيل: أريد بالظنّ معنى مجازيّاً يعمّ معناه الحقيقي، وما هو لِكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] إلى ما ذُكر من ظنهم، فوقه من العلم، والإشارة بقوله: ﴿وَ وهو مبتدأ وخبره قوله: ﴿ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]، وقوله: ﴿أَزْدَ مَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] خبر آخر للمبتدأ. وقيل: إن ((أرداكم)) في محل نصب على الحال المقدّرة. وقيل: إن ﴿ظَنُّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] بدل من ﴿وَذَلِكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]، و﴿الَّذِى ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] خبره، و﴿أَرْدَنَكُمْ﴾ خبر آخر، أو [فصلت: ٢٣] خبر أوّل، والموصول وَصِلته خبر ثان، حال، وقيل: إن (١) ((الفتح)) ١٠ / ٥٦٥. ٢٤٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٣) و﴿أَرْدَكُمْ﴾ خبر ثالث، والمعنى: أن ظنكم بأن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون أهلككم، وطرحكم في النار ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الخسران، قاله الشوكانيّ تَخْذِفُهُ(١). وقال الإمام ابن جرير الطبريّ تَخّْتُهُ: اختَلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَِرُونَ﴾، فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون. وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون . ثم قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَستَحْفُون، فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حَذَراً أن يشهد علیکم سمعكم وأبصاركم اليوم. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن المعروف من معانى الاستتار: الاستخفاء. فإن قال قائل: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه مما يأتي؟. قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه . وقوله: (﴿وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾) يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي الله أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون من أعمالكم الخبيثة، فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، فتتركوا ركوب ما حرّم الله عليكم. انتهى (٢). وقال الحافظ ابن كثير تَخْتُ: قوله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسََّتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾؛ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: ﴿ ... وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ (١) ((فتح القدير)) ٣٥١/٦. (٢) ((تفسير الطبريّ)) ٤٥٤/٢١ - ٤٥٥. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وَذَلِكُمْ ظَتُكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ﴾؛ أي: هذا الظن كَثِيرًاً مِّمَا تَعْمَلُونَ الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون - هو الذي أتلفكم، وأرداكم عند ربكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾؛ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم، وأهلیکم. انتهى(١). [تنبيه]: وجه إدراج مسلم هذا الحديث في ((كتاب صفات المنافقين))، وإن كانت الآية نزلت في المشركين المجاهرين، لا في المنافقين المضمرين: الإشارة إلى أن ما يُضمره المنافقون في صدورهم من النفاق سببه أنهم يظنّون أن الله لا يعلم ذلك منهم؛ ولذلك يصرّون عليه، ولا يتوبون منه، كما يفعل هؤلاء المشركون سواءً(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ظه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠٣/١ و٧٠٠٤] (٢٧٧٥)، و(البخاريّ) في (التفسير)) (٤٨١٦ و٤٨١٧) و((التوحيد)) (٧٥٢١) وفي ((خلق أفعال العباد)) (١/ ٦٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٤٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨١/١ و٤٠٨ و٤٢٦ و٤٤٣ و٤٤٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٩٠ و٣٩١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٢/١٠ و١١٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣٠/٦)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص١٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الشرك من الجهل والضلال، حيث إنهم لا يعلمون أن الله مت يعلم سرّهم، كما يعلم جهرهم سواء. ٣ - (ومنها): ما قيل: في الحديث من الفقه إثبات القياس الصحيح، (١) (تفسير ابن كثير)) ١٧٢/٧. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٩٧. ٢٤٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٤) وإبطال الفاسد، فالذي قال: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، قد أخطأ في قياسه؛ لأنه شبّه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر، ولا يسمعون السرّ، والذي قال: إن كان يسمع إن جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا، أصاب في قياسه، حيث لم يشبّه الله بالمخلوقين، ونزّهه عن مماثلتهم. [فإن قلت]: الذي أصاب في قياسه كيف وُصِف بقلة الفقه؟. [قلت]: ((لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال، ولم يقطع به، بل قال: إن كان))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْبَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ (ح)، وَقَالَ(٢): حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الإمام الثوريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في ((الصلاة) ٢٩/ ٩٧٧. ٥ - (وَهْبُ بْنُ رَبِيعَةَ) الكوفيّ، مقبول [٣]. رَوَى عن ابن مسعود حديث الباب فقط، وروى عنه عُمارة بن عُمير، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. (١) ((عمدة القاري)) ١٧٩/٢٥. (٢) قوله: ((وقال: حدّثنا))؛ يعني: أبا بكر بن خلاد الباهليّ. ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... والباقون ذُكروا قبله، و((يحيى بن سعيد)) هو: القطّان. وقوله بعد التحويل: (وَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) فاعل ((قال)) ضمير أبي بكر بن خلّاد شيخ المصنّف، ووقع في بعض النسخ ما نصّه: ((وقال: حدّثنا؛ يعني: أبا بكر بن خلاد الباهليّ)). و(يحيى)) هو ابن سعيد القطان المذكور قبله، و((سفيان)) هو: الثوريّ. [تنبيه]: انتقد الدار قطنيّ رواية الأعمش هذه، ودونك نصّه في ((العلل)): (٨٨١) - وسئل عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود قال: ((إني لمستتر بأستار الكعبة في ثلاثة نفر، ثقفيّ، وختناه قرشيان، كثير شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم ... )) الحديث، وفيه فأنزل الله ريم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَقِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ﴾ ... الحديث. فقال: يرويه الأعمش، واختُلف عنه، فرواه الثوريّ عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله، وتابعه عبد الله بن بشر الرّقّيّ، عن الأعمش. ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال قطبة: قلت للأعمش: إن سفيان الثوريّ يقول: هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق، ثم هَمْهَم ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: صدق سفيان، هو وهب بن ربيعة. وخالفهم أبو مريم عبد الغفار، فرواه عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد بن وهب الجهنيّ، عن عبد الله. ورواه الحسن بن عُمارة، والمسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، ووَهِمَا فيه. ورواه شعبة عن الأعمش، عن رجل، عن عبد الله . والقول قول سفيان الثوريّ، وعبد الله بن بشر. ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله. انتهى كلام الدار قطنيّ كَظّتُهُ(١). (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٢٧٨/٥ - ٢٧٩. ٢٤٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٤) قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الدارقطنيّ تَخْتُ أنه يرى ترجيح رواية الأعمش عن عمارة بن عُمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود رؤيته، وهي التي اختارها مسلم تَقْتُ في هذا الباب، وكذا رجح أبو زرعة الرازيّ، فقد نقل ذلك عنه ابن أبي حاتم في ((العلل))، وعبارته فيها: (١٧٩١) - سئل عن الأعمش، عن عمارة عبد الله بن مسعود قال: إني لمستتر إلخ، ثم قال: ورواه أبو معاوية، وعليّ بن مسهر، وابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله، وذكر الحديث. قال أبو زرعة: كان الأعمش قديماً قال: عن وهب بن ربيعة، والثوريّ أحفظهم كلّهم. انتهى(١). والحاصل: أن رواية مسلم من طريق الأعمش صحيحة (٢). [فإن قيل]: كيف أخرج مسلم لوهب بن ربيعة، وهو مجهول العين، إذ لم يرو عنه إلا عمارة بن عمير، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان؟. [قلت]: إنما أخرج له مسلم متابعةً لرواية أبي معمر السابقة، ومعلوم أن المتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود نظرائه هذه فقد ساقها ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٣٩١) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن وهب هو ابن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفيّ، وخَتَناه، قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فتحدثوا الحديث بينهم، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ وقال الآخر: إذا رفعنا سمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا، فإنه يسمع إذا خفضنا، فأتيت النبيّ وَّ﴿، فذكرت ذلك له، فأنزل الله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ (١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ٢ /٩٩. (٢) وقد أجاد الشيخ ربيع المدخلي في دراسته: ((بين الإمامين)) فراجعه ص٤١٩ - ٤٢٢. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... سَمْعَكُمْ وَلَ أَبْضَرَّكُمْ وَلَا جُلُودَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]. انتهى(١). وقد ساقها الدار قطنيّ كَّهُ أيضاً في ((العلل)) بسند مسلم، فقال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن نيروز، وأبو عليّ محمد بن سليمان بن عليّ المالكيّ بالبصرة، قالا: ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد القطّان، ثنا سفيان الثوريّ، حدّثني الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفيّ، وختناه قرشيان، فتحدثوا بينهم بحديث، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال أحدهم: أراه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا خفضنا، قال: وقال الآخران: إن كان يسمع منه شيئاً، فإنه يسمعه كلّه، فأتيت النبيّ وَّ﴿، فذكرت ذلك له، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿فَمَا هُم مِّنَ اٌلْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. لفظ ابن نيروز. حدّثنا محمد بن سليمان المالكيّ، ومحمد بن إبراهيم بن نيروز، قالا: أنبأ أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله نحوه، تفرد به يحيى القطان، عن سفیان، عن منصور. انتھی(٢). وأما رواية سفيان الثوريّ، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، فلم أجد من ساقها، وقد أخرجها البخاريّ في ((صحيحه))، لكنه أحالها مثل مسلم، ولم يَسُق متنها، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٥] (٢٧٧٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدٍِّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَرَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فَكَانَ (١) ((صحيح ابن حبان)) ٢/ ١١٧. (٢) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٢٧٨/٥ - ٢٧٩. ٢٤٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٥) أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َِّ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا، فَتَزَّلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُتَفِقِينَ فِئَتَيِّنِ﴾ [النساء: ٨٨]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة - صحابيّ صغيرٌ، وَلِيَ الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٦. ٦ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) بن الضحاك بن لَوْذان الأنصاريّ النجاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابي المشهور، كَتَبَ الوحيَ، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٢/ ٧٩٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ شرح الحديث: (عَنْ عَدِيٌّ) وقوله: (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ) من قول المصنّف، ويَحْتَمِل أن يكون ممن فوقه، وإنما أتى بـ((وهو))، ولم يقل: عديّ بن ثابت؛ لأن شيخه لم ينسبه إلى أبيه، بل قال: عديّ، فقط، فأراد توضيحه لمن يحدّثهم بأنه ابن ثابت، فزاد كلمة ((وهو)) فصلاً بين ما رواه عن شيخه، وبين ما زاده هو للإيضاح، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَُّ في ((ألفيّة الأثر))، فقال: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ فَوقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بِـ(أَنَّ) أَوْ بـ(هُوْ)) وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ (قَالَ) زيد بن ثابت: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) الْخَطْميّ، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ ◌َظُه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ)؛ أي: إلى غزوة أُحُد، بضمّتين، وهو الجبل المعروف بالمدينة بينه وبينها أقلّ من فرسخ، وكانت عنده الوقعة المشهورة في شؤَّال سنة ثلاث باتّفاق الجمهور، وقيل غير ذلك، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الجهاد)). (فَرَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ) وَلّ؛ يعني: عبد الله بن أَبَيّ وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحاً في رواية موسى بن عقبة في ((المغازي))، وأن عبد الله بن أَبَيّ كان وافق رأيه رأي النبيّ ◌َله على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج، وأجابهم النبيّ ◌َّهِ، فخرج، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم، وعصاني، علامَ نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس، قال ابن إسحاق في روايته: فاتّبعهم عبد الله بن عمرو بن حَرَام، وهو والد جابر، وكان خزرجيّاً، كعبد الله بن أُبَيّ، فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا، فقال: أبعدكم الله(١). (فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَّهِ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنٍ)؛ أي: طائفتين في الحُكم فيمن انصرف مع عبد الله بن أُبيّ. (قَالَ بَعْضُهُمْ)؛ أي: بعض الصحابة، (نَقْتُلُهُمْ)؛ أي: لأنهم خذلوا النبيّ ◌َّ، وأصحابه، فيستحقّون القتل، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا)؛ أي: لا نقتلهم؛ لأنهم مسلمون ظاهراً، (فَنَزَلَتْ) الآية الكريمة، وهي قوله رَتْ: (﴿َا لَكُمْ﴾) الآية، وهذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم، عن أبي سعيد بن معاذ، قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله ◌َر، فقال: ((من لي بمن يؤذيني؟ ... ))، فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأُسيد بن حضير، ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية. وفي سبب نزولها قول آخر، أخرجه أحمد، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن قوماً أتوا المدينة، فأسلموا، فأصابهم الوباء، (١) ((الفتح)) ١٢٦/٩، (كتاب المغازي)) رقم (٤٠٥٠). ٢٥١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٥) فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة، فأخبروهم، فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لا، فنزلت. وأخرجه ابن أبي حاتم، من وجه آخر، عن أبي سلمة مرسلاً، فإن كان محفوظاً احْتَمَل أن تكون نزلت في الأمرين جميعاً (١). (﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمَُفِقِينَ فِئَتَبْنٍ﴾) ((ما)) استفهامية مبتدأ، والاستفهام فيه للإنكار، و﴿فِى الْمَُفِقِينَ﴾ خبر المبتدأ، والمعنى: أي: شيء كائن لكم في أمرهم، وشأنهم، حال کونكم ﴿فِئَنزِ﴾ في ذلك. وحاصله: الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف النحويون في انتصاب ﴿فِئَتَيْنِ﴾، فقال الأخفش، والبصريون: على الحال؛ كقولك: ما لك قائماً؟، وقال الكوفيون: انتصابه على أنه خبر لـ((كان))، وهي مضمرة، والتقدير: فما لكم في المنافقين كنتم فئتين؟ وقوله : ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء: ٨٨] معناه: ردّهم إلى الكفر ﴿پِمَا كَسَبُواْ﴾، وحكى الفراء، والنضر بن شميل، والكسائيّ: أركسهم، وركسهم؛ أي: ردّهم إلى الكفر، ونكسهم، فالركس والنكس: قَلْب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله إلى آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود، وأبيّ: ((والله ركسهم)). والباء في قوله: ﴿بِمَا﴾ سببية؛ أي: أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر(٢). وقال أبو جعفر الطبريّ كَّهُ: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى اٌلْتَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فما شأنكم، أيها المؤمنون، في أهل النفاق فئتين مختلفتين؟ ﴿وَاللَّهُ أَزَكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾؛ يعني بذلك: والله رَدّهم إلى أحكام أهل الشرك، في إباحة دمائهم، وسَبْي ذراريهم. و((الإركاس)): الردّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت [من الطويل]: (١) ((الفتح)) ١٢٦/٩. (٢) راجع: ((فتح القدير)) للشوكانيّ ◌َذْتُهُ ١٨٦/٢. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإِفْكَ وَالزُّورَا فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ، إِنَّهُمُ يقال منه: ((أرْكَسهم)) و((رَكَسَهم))، وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله، وأُبَيّ: ((والله رَكَسَهُمْ))، بغير ألف. انتهى(١). [تنبيه]: زاد البخاريّ في روايته لهذا الحديث في آخره: ((وقال: إنها طيبة، تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد))، وهذه الزيادة أخرجها مسلم في ((فضل المدينة)) من أواخر ((كتاب الحجّ))، وتقدّم شرحها هناك مستوفّى. قال الحافظ تَخّتُهُ: وهو من نوادر صنيع مسلم، بخلاف البخاريّ، فإنه يقطّع الحديث كثيراً في الأبواب. انتهى. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حدیث زید بن ثابت هذا متّفقٌ عليه . مضِي (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠٥/١ و٧٠٠٦] (٢٧٧٦)، و(البخاريّ) في ((فضائل المدينة)) (١٨٨٤) و((المغازي)) (٤٠٥٠) و((التفسير)) (٤٥٨٩)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٢٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٥/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٢/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٠/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٤/٥ و١٨٧ و١٨٨)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٠٨/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١/٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صَّغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. (١) ((تفسير الطبريّ)) ٧/٨. ٢٥٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٦) ٢ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، ربيب شعبة البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((يحيى بن سعيد)) هو: القطّان. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ)؛ يعني: أن كلّاً من يحيى بن سعيد القطّان، ومحمد بن جعفر غُندر رويا هذا الحديث عن شعبة بإسناده الماضي، نحو حديث معاذ بن معاذ المذكور. [تنبيه]: أما رواية يحيى بن سعيد القطّان عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وأما رواية غندر عن شعبة، فقد ساقها البخاريّ في ((صحيحه)) مقروناً بعبد الرحمن بن مهديّ، فقال: (٤٣١٣) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غندر، وعبد الرحمن، قالا: حدّثنا شعبة، عن عديّ، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت نظالله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمَُفِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾ رجع ناس من أصحاب النبيّ ◌َُّ من أُحُد، وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُتَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، وقال: ((إنها طيبة، تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة)). انتهى(١). وساقها الترمذيّ عن غندر وحده، فقال في ((جامعه)): (٣٠٢٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد، يحدّث عن زيد بن ثابت، في هذه الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمَُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قال: رجع ناس من أصحاب رسول الله وَله يوم أَحُد، فكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيِّنٍ﴾، وقال: ((إنها طيبة - وقال -: إنها تنفي الخبيث، كما تنفي النار خبث الحديد))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وعبد الله بن يزيد هو الأنصاريّ الْخَطْميّ، وله (٢) صحبة. انتهى(٢) . (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٦٧٦/٤. (٢) ((سنن الترمذيّ)) ٢٣٩/٥. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٧] (٢٧٧٧) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهِ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّقُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َرِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمَّ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ اٌلْعَذَابِّ﴾ [آل عمران: ١٨٨]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلال، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن أبي مريم الحكم بن محمد بن سالم المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم المدنيّ، تقدّم قريباً. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهِلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة رخّا، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان)» ٢١٣/٢٦. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ نَظُْله، من المكثرين السبعة. ٢٥٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٧) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبه؛ (أَنَّ رِجَالاً) لم يُسَمّوا، (مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ وَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ)؛ أي: تأخّروا عن الخروج معه وَّ؛ لنفاقهم، (وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ)؛ أي: بقعودهم، يقال: قعد قعوداً، ومقعداً؛ أي: جلس، وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهريّ فهو متعلق بفرحوا؛ أي: فرح المتخلفون بقعودهم (خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَلات) بنصب خلاف على أنه ظرف لمقعدهم، قال الأخفش، ويونس: الخلاف بمعنى الخَلْف؛ أي: بعد رسول الله وَّله، وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخَلْف. وقال قطرب، والزجاج: معنى خلاف رسول الله: مخالفة الرسول حين سار، وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له؛ أي: قعدوا لأجل المخالفة، أو على الحال، مثل: وَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ فَلَمْ يَذُدْهَا أي: حال كونهم مخالفين له رَلتر. (فَإِذَا قَدِمَ) بكسر الدال (الَّبِيُّ وَّهِ) المدينة (اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ)؛ أي: ذكروا له عذراً مانعاً لهم من الخروج معه وَِّ، (وَحَلَفُوا) على أن العذر الذي ذكروه عذر واقع لا شكّ فيه، (وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا) بالبناء للمفعول؛ أي: ليحمدهم النبيّ وََّ، والمسلمون (بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا)؛ أي: بما ليس فيهم من الصدق في اعتذارهم، وحَلِفهم عليه(١). (فَنَزَلَتْ) قال في ((الفتح)): هكذا ذكر أبو سعيد الخدريّ ظ له سبب نزول الآية، وأن المراد: من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين، وفي حديث ابن عباس الذي بعده أن المراد: من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه، وكتموا ما عندهم من ذلك. ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معاً، وبهذا أجاب القِرطبيّ وغيره، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود: نحن أهل الكتاب الأَوَّل، والصلاة، والطاعة، ومع ذلك لا يُقِرّون بمحمد بَّه، فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمَّ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. (١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٣٥٠/٢٥. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وروى ابن أبي حاتم من طرُق أخرى، عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجّحه الطبريّ، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصّة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة، ففرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس، ويُثنوا عليه بما ليس فيه، والله أعلم. انتهى(١). وفاعل ((نزلت)) قوله: ((لا تحسبنّ الذين ... إلخ))، لِقَصْد لفظه، فهو محکيّ. (﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾) قرأ الكوفيون بالتاء الفوقية، والخطاب لرسول الله وَله، أو لكل من يصلح له، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو: ((لا يحسبنّ)) بالياء التحتية؛ أي: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجياً لهم من العذاب، فالمفعول الأوّل محذوف، وهو فرحهم، والمفعول الثاني ﴿بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾. (﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾)؛ أي: بما فعلوا من إضلال الناس، قرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم: ﴿أَنَوَا﴾ بالقصر، وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعي: ((آتوا)) بالمد؛ أي: يفرحون بما أعطوا. (﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ﴾) بالبناء للمفعول، (﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾) من التمسّك بالحقّ، وهم على ضلال، (﴿فَلَا تَحْسَبَّهُمْ﴾) بالتاء الفوقيّة، والياء التحتيّة كما سبق آنفاً. (﴿بِمَفَازَةٍ﴾)؛ أي: بمكان ينجون فيه (﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾) في الآخرة، بل هم في مكان يُعذّبون فيه، وهو جهنّم. وقد اختلف في سبب نزول الآية، كما سيأتي، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملاً بعموم اللفظ، وهو المعتبر دون خصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا تحسبنه بمفازة من العذاب. وقوله: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد للفعل الأوّل على القراءتين، والمفازة: المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا؛ أي: ليسوا بفائزين، سمِّي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل. قاله الأصمعي. وقيل: لأنها موضع تفويز، ومظنة هلاك، تقول العرب: فوّز الرجل إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي (١) ((الفتح)) ٢١/١٠ - ٢٢ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٥٦٧). ٢٥٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٧) قول الأصمعي، فقال: أخطأ. قال لي أبو المكارم: إنما سمِّيت مفازة؛ لأن مَنْ قَطَعها فاز. وقال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لِمَا أصابه. وقيل: المعنى: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعد عن المكروه(١). وقال القرطبيّ المفسّر تَخُّْهُ: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ((الذين)) فاعل ب﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو؛ أي: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجياً لهم من العذاب، وقيل: المفعول الأول محذوف، وهو أنفسهم، والثاني ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، وقرأ الكوفيون: ((تحسبن)) بالتاء على الخطاب للنبيّ وَّر؛ أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وقوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ بالتاء، وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: كذلك، والفاء عاطفة، أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول. وقرأ الضحاك، وعيسى بن عمر بالتاء، وضم الباء ﴿فَلَا تَحْسَبُنَّهُمْ﴾، أراد محمداً ﴾ وأصحابه. وقرأ مجاهد، وابن كثير، وأبو عمرو، ويحيى بن يعمر بالياء، وضم الباء خبراً عن الفارحين؛ أي: فلا يحسبن أنفسهم، ((بمفازة)) المفعول الثاني، ويكون ﴿فَلاَ تَحْسَبَّهُمْ﴾ تأكيداً . وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل ب﴿ يَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ومفعولاها محذوفان؛ لدلالة ﴿يحسبنهم﴾ عليه، كما قال الشاعر [من الطويل]: تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وَتَحْسَبُ بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول الثاني، و((بمفازة)) الثاني، وهو بدل من الفعل الأول، فأغنى لإبداله منه عن ذِكر مفعوليه، والفاء زائدة، وقيل: قد تجيء هذه الأفعال ملغاةً لا في حكم الجمل المفيدة. وقرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم: ﴿أَنَواْ﴾ بقصر الألف؛ أي: بما جاءوا به من الكذب والكتمان. وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعيّ: ((آتوا)) بالمدّ، بمعنى: (١) ((فتح القدير)) ٦٣/٢. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... أعطوا، وقرأ سعيد بن جبير: ((أوتوا)) على ما لم يسمّ فاعله؛ أي: أُعطوا. والمفازة: المنجاة، مَفعلة، من فاز يفوز: إذا نجا؛ أي: ليسوا بفائزين. وسمّي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعيّ. وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوّز الرجل: إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابيّ قول الأصمعيّ، فقال: أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سُمّيت مفازة؛ لأن من قطعها فاز. وقال الأصمعيّ: سُمّي اللديغ سليماً تفاؤلاً. قال ابن الأعرابي: لأنه مستسلم لِمَا أصابه. وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز: التباعد عن المكروه. والله أعلم. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠٧/١] (٢٧٧٧)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٦٧)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٣٢)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٨٣٣٥)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (١/ ٣٨٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦/٩) وفي ((شعب الإيمان)) (١٩٩/٤)، وفوائده تأتي في شرح الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٨] (٢٧٧٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَّرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَّى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّباً، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] هَذِهِ الآيَةَ، (١) (تفسير القرطبيّ)) ٣٠٦/٤ - ٣٠٨. ٢٥٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٨) وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال البزاز، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في (الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزَل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤. ٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة - بالتصغير - ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة زُهير التيميّ المدنيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣](١) مات سنة خمس ومائة على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف ظُبه (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. والباقيان ذُكرا في الباب، وابن جُريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن ◌ُریج. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف تَخُّْهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله وَ﴾، ودعا له وَ ل﴿ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر، والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر ربه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة (١) هذا أولى من قول ((التقريب)): من الثانية، راجع ترجمته في: ((التهذيب)). ٢٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... شرح الحديث : (عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْج) الأمويّ المكيّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) صرّح ابن جريج بالإخبارَ، فزالت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مدلّس. (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبا عبد الملك الأمويّ المدنيّ، وُلِي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، ولا تثبت له صحبة، تقدّم في ((الصيام)) ١٣/ ٢٥٨٩، وله في ((صحيح مسلم)) ذِكر بلا رواية، وكان يومئذ أمير المدينة من جهة معاوية. (قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ) وقوله: (لِبَوَّابِهِ)؛ أي: قال هذا الكلام لحارس بابه، قال الحافظ تَخُّْ: رافع هذا لم أر له ذكراً في كتب الرواة، إلا بما جاء في هذا الحديث، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس، فبلّغه الرسالة، ورجع إلى مروان بالجواب، فلولا أنه معتمَد عند مروان، ما قنع برسالته، لكن قد ألزم الإسماعيليّ البخاريّ أن يصحح حديث بُسْرة بنت صفوان في نقض الوضوء من مسّ الذكر، فإن عروة ومروان اختلفا في ذلك، فبعث مروان حَرَسِيّه إلى بُسْرة، فعاد إليه بالجواب عنها، فصار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان، عن بُسْرة، ورسول مروان مجهول الحال، فتوقف عن القول بصحة الحديث جماعة من الأئمة لذلك، فقال الإسماعيليّ: إن القصة التي في حديث الباب شبيهة بحديث بُسْرة، فإن كان رسول مروان معتمَداً في هذه، فليعتمَد في الأخرى، فإنه لا فرق بينهما، إلا أنه في هذه القصة سَمّى رافعاً، ولم يسمِّ الحرسيّ. قال: ومع هذا فاختُلف على ابن جريج في شيخ شيخه، فقال عبد الرزاق، وهشام: عنه، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة، وقال حجاج بن محمد: عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرحمن، ثم ساقه من رواية محمد بن عبد الملك بن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرحمن، فصار لهشام متابع، وهو عبد الرزاق، ولحجاج بن محمد متابع، وهو محمد، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج، كما قال عبد الرزاق.