النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٠) مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌َّ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٩٩/١ و٧٠٠٠] (٢٧٧٣)، و(البخاريّ) في (الجنائز)) (١٢٧٠ و١٣٥٠) و((الجهاد)) (٣٠٠٨) و((اللباس)) (٥٧٩٥)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٩٠١ و٢٠١٩ و٢٠٢٠) وفي ((الكبرى)) (٢٠٢٨ و٢١٤٦ و٢١٤٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٠/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨١/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٧٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده) (٤٥٨/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٣٨/١)، و(الضياء) في ((المختارة)) (١٦٣/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٢/٣)، وفوائده تأتي في شرح حديث ابن عمر ظها المذكور بعده - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ) هو: أحمد بن يوسف بن خالد، أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٦٤) وله ثمانون سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ٩٠. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فأَضلٌ يُدَلِّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ابن جريج. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... [تنبيه]: رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠١] (٢٧٧٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُّ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ، يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَّاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهـ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاَ اللهُ أَنْ تُصَلَِّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ، فَقَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ))، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، أبو عثمان، ثقةٌ ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٢ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. ٢٢٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) شرح الحديث: (عَن) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) ﴿هَا؛ أنه (قَالَ: لَمَّا تُوُقِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) ذكر الواقديّ، ثم الحاكم في ((الإكليل)) أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدّة مرضه عشرين يوماً، ابتداؤها من ليال بقيت من شوّال، قالوا: وكان قد تخلّف هو، ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]. قال الحافظ: وهذا يدفع قولَ ابن التين: إن القصة كانت في أول الإسلام، قبل تقرير الأحكام. انتهى(١). (جَاءَّ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ووقع في رواية الطبريّ، من طريق الشعبيّ: ((لمّا احتُضر عبد الله، جاء ابنه عبد الله إلى النبيّ ◌َّ، فقال: يا نبيّ الله، إن أَبِي قد احتُضر، فأحبّ أن تشهده، وتصلي عليه))، قال: ((ما اسمك؟)) قال: الْحُبَاب - يعني: بضم المهملة، وموحّدتين مخففاً - قال: ((بل أنت عبد الله، الحُبَاب اسم الشيطان)). وكان عبد الله بن عبد الله بن أبيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشهد بدراً، وما بعدها، واستُشهد يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر الصدّيق. ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبيّ وَلّ، يستأذنه في قتله، قال: ((بل أَحْسِنْ صحبته))، أخرجه ابن منده، من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. وفي الطبرانيّ من طريق عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه. وكأنه كان يَحْمِل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبيّ وَّه أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيّما، وقد ورد ما يدلّ على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، والطبريُّ من طريق سعيد، كلاهما عن قتادة: قال: أرسل عبد الله بن أَبَيّ إلى النبيّ وَلِّ، فلما دخل عليه، قال: ((أهلكك حبّ يهود))، فقال: ((يا رسول الله، إنما (١) ((الفتح)) ١٩٠/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبّخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه، فأجابه))، وهذا مرسل، مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((لمّا مَرِضَ عبد الله بن أُبيّ، جاءه النبيّ ◌َّ، فكلّمه، فقال: قد فَهِمْتُ ما تقول، فامنن عليّ، فكفّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل)). وكأن عبد الله بن أُبيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده، وعشيرته، بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبيّ وَّر عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. قال الحافظ تَخْذّثهُ: وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلّق بهذه القصّة. انتهى (١). وقوله: (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ متعلّق بـ((جاء))، (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله النبيّ ◌َِّ﴿ ﴿أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ، يُكَفِّنُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك القميص (أَبَاهُ) رجاء بركة ما مسّ جسده وَ ﴿، وفي رواية النسائيّ: ((فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ، حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ)). (فَأَعْطَاهُ) وَلِّ قميصه، وهذا يدلّ على أن النبيّ ◌َّ أعطى قميصه لعبد الله بن أُبيّ بسبب طلب ولده له، لكن ثبت في حديث جابر ◌ّه ما يدلّ على أنه إنما أعطاه مكافأة على إعطائه قميصه لعمّ النبيّ وَّ، عباس بن عبد المطلب رضيُبه، ويُجاب بأنه لا تنافي بين السببين؛ إذ يمكن أن يعطيه لهما جميعاً، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ سَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله النبيّ وَّهِ (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ)؛ أي: على أبيه، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ) من مجلسه (لِيُصَلِّيَّ عَلَيْهِ). (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َُّه (فَأَخَذَ بِثَوْبٍ رَسُولِ اللهِ وََّ)، وفي رواية: ((فجذبه عمر))، وفي رواية ابن عباس، عن عمر رَّ ◌ُه: ((قال: لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سَلُولَ، دُعي له رسول الله وَّ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله عَليه وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ، وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟، قال: أُعدّد عليه قوله .... الحديث، يشير عمر نظريته بذلك إلى مثل (١) ((الفتح)) ١٩٠/١٠ - ١٩١. ٢٢٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) غلے قوله: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨]، قاله في ((الفتح))(١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاَكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟) وفي رواية البخاريّ: ((وقد نهاك ربك أن تصلي عليه))، قال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استُشكل جداً، حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمٌّ من بعض رواته، وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطّلع على نهي خاصّ في ذلك، وقال القرطبيّ: لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم ذلك من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالِّينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. قال الحافظ: قلت: الثاني - يعني: ما قاله القرطبيّ - أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدّم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: ((قال: فأنزل الله: ﴿وَلَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، والذي يظهر أن في هذه الرواية تجوّزاً، بيّنَتْهُ الرواية الأخرى بلفظ: ((فقال: تصلي عليه، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟)). وروى عبد بن حميد، والطبريّ، من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر: ((قال: لمّا أراد رسول الله وَ﴿ أن يصلي على عبد الله بن أُبيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: والله ما أمر الله بهذا، لقد قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنَ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠])»، ووقع عند ابن مردويه، من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: فقال عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: ((أين؟)) قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية. فكأن عمر ظُله قد فَهِم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن ((أو)) ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور؛ أي: إن الاستغفار لهم، وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصّة. (١) ((الفتح)) ١٩١/١٠. ٢٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وفَهِم عمر أيضاً من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم له، بل المراد: نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه. وفَهِم أيضاً أن المقصود من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهيُ عن الاستغفار تركَ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبيّ(١). وقال الحافظ كَُّ في موضع آخر من ((الفتح)): وقد وقفت لأبي نعيم الحافظ، صاحب ((حِلْية الأولياء)) على جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وتكلم على معانيه، فلخصته: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره، عن عبيد الله العُمَريّ في قول عمر: ((أتصلي عليه، وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟))، ولم يُبيّن محلّ النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضَمْرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم: الاستغفار لهم، ولفظه: ((وقد نهاك الله أن تستغفر لهم))، قال: وفي قول ابن عمر: ((فصلى رسول الله وَالچل، وصلّینا عليه)) أن عمر ترك رأي نفسه، وتابع النبيّ وَّ، ونبّه على أن ابن عمر حمل هذه القصّة عن النبيّ ◌َ﴿ بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه إنما حملها عن عمر؛ إذ لم يشهدها، إلى آخر ما سيأتي في المسألة الثالثة، عند ذكر فوائد الحديث - إن شاء الله تعالى -. قال: هذا تقرير ما صدر عن عمر ظُه، مع ما عُرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بُغضه للكفّار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بَلْتَعَة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدراً، وغير ذلك، لكونه كاتب قريشاً قبل الفتح: دعني يا رسول الله، أضرب عنقه، فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنبيّ وَّ﴾ بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لِمَا غلب عليه من الصلابة المذكورة. وقال الزين ابن المنيّر تَخْتُ: وإنما قال ذلك عمر ظُبه حرصاً على (١) ((الفتح)) ١٠/ ١٩١ - ١٩٢. ٢٢٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) النبيّ وََّ، ومشورةً، لا إلزاماً، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبيّ صَلى لهـ كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسّك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احْتَمَل منه النبيّ وَّ أخذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه، متبسماً، كما في حديث ابن عباس ظها بذلك. انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ) وفي رواية: ((أنا بين خِيرتين)) بكسر الخاء، وفتح الياء، أو سكونها؛ أي: بين اختيارين، قال الفيوميّ دَّتُهُ: ((الْخِيرةُ)): اسم من الاختيار، مثلُ الفِذْيَة، من الافتداء، والْخِيَرَة - بفتح الياء - بمعنى الخِيَار، والْخِيَار هو الاختيار، ومنه يقال: له خيار الرؤية، ويقال: هي اسمٌ من تخيّرت الشيءَ، مثلُ الطََّرَة، اسمٌ مِن تَطَيَّر، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، ويؤيّده قول الأصمعيّ: الْخِيَرَةُ بالفتح، والإسكانُ ليس بمختار، وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. وفي ((البارع)): خِرْتُ الرجلَ على صاحبه، أَخِيرُهُ، من باب باع، خِيَراً، وِزانُ عِنَبٍ، وخِيْرَةً، وخِيَرَةً: إذا فضّلته عليه. وخَيَّرتُهُ بين الشيئين: فوَضتُ إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتَخَيَّره، واستخرتُ اللهَ: طلبت منه الْخِيَرَةَ، وهذه خَيْرَتي - بالفتح، والسكون -؛ أي: ما أخذته. انتهى (٢). وقوله: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ)؛ أي: إن الله تعالى خيّرني، بين الاستغفار، وعدمه، فاخترت الاستغفار، (فَقَالَ) الله رَتْ في تخييره: (﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ))) وفي رواية ابن عباس، عن عمر: ((فتبسم رسول الله وَ ل﴿ه، وقال: أَخِّرْ عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيّرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين یُغفر له، لزدت علیھا)). وعند عبد بن حميد، من طريق قتادة، قال: لما نزلت: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ قال النبيّ ◌َّهِ: ((قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنّ على السبعين»، وأخرجه الطبريّ، من طريق مجاهد مثلَهُ، والطبريّ أيضاً، وابن أبي حاتم، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه مثله. (١) ((الفتح)) ١٩٩/١٠. (٢) ((المصباح المنير)) ١٨٥/١. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... قال الحافظ تَّلهُ: وهذه طرق، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد بعضاً . ودلّ ذلك على أنه ◌َّ ر أطال في حال الصلاة عليه، من الاستغفار له، وقد ورد ما يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ، أن مُجَمِّعَ بن جارية، قال: ما رأيت رسول الله ويسير أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أُبيّ من الوقوف. وروى الطبريّ من طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبيّ ◌َل: ((قال الله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين))(١). (قَالَ) عمر ◌َظُهُ: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ)؛ أي: إن عبد الله بن أُبيّ رجل منافق لا يستحقّ الاستغفار له، (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّ)؛ أي: صلى النبيّ ◌َّ على عبد الله بن أُبيّ، مخالفاً لعمر څبه. وإنما لم يأخذ النبيّ وَ له بقول عمر تظلبه، وصلّى عليه؛ إجراء له على ظاهر حكم الإسلام، واستصحاباً لظاهر الحكم، ولِمَا فيه من إكرام ولده الذي تحقّقت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبيّ وَلقوله في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أُمر بقتال المشركين، فاستمرّ صَفْحه، وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: ((لا يتحدّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه))، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلُّوا، أُمر بمجاهرة المنافقين، وحَمْلهم على حكم مُرّ الحقّ، ولا سيما، وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أُمر فيه بمجاهرتهم. قال الحافظ: وبهذا يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصّة - بحمد الله تعالى -. وقال الخطابيّ تَظّتُهُ: إنما فعل النبيّ وَّه مع عبد الله بن أبيّ ما فعل؛ (١) ((الفتح)) ١٠/ ١٩٣. ٢٢٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) لكمال شفقته على من تعلّق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتأليف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبّةً على ابنه، وعاراً على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نُهي عنه، فانتهى. وتبعه ابن بطّال، وعبّر بقوله: رجا أن يكون معتقداً لبعض ما كان يظهره من الإسلام. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الإيمان لا يتبعّض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال: أن إيمانه كان ضعيفاً. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: إن الإيمان لا يتبعّض فيه نظر لا يخفى؛ إذ الحقّ، والصواب الذي مشى عليه السلف أن الإيمان قول وفعل، ويزيد وينقص، والقول بأنه لا يتبعّض قول من يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط، وهذا مذهب المرجئة، ومن سار على دربهم، فالحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، وأنه يزيد وينقص، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد. [تنبيه]: قال الحافظ تَُّ: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أُبيّ لكون النبيّ ◌َ﴿ صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرّحة في حقّه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شاف في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة، مع شهرته، وذِكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة. وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىّ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ (g)﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فذُكر لنا أن نبيّ الله وَله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ قال: ((وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يُسلم بذلك ألف من (١) قومه)). انتهى(١). (فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾) متعلق بصفة لـ((أحد))، أو (١) ((الفتح)) ١٩٤/١٠. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... بحال من الضمير في قوله: ﴿مَّاتَ﴾؛ أي: مات متصفاً بصفة النفاق؛ كقولهم: أنت مني؛ يعني على طريقتي، وجملةُ ((مات)) صفة لـ((أحد)) أيضاً، أو حال منه، لوصفه بالجارّ والمجرور؛ إذ القاعدة أن الجملة وشِبهها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال. (﴿أَبَدًا﴾) ظرف لـ((لا تصلّ))، وهو لتأييد النفي. (﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهٌِّ﴾)؛ يعني: لا تقف عليه، ولا تتولّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه. وقال الإمام ابن جرير الطبري تَخْتُ: يقول جل ثناؤه لنبيّه محمد دَّةٍ: ولا تصلِّ يا محمد، على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبداً، ولا تقم على قبره، يقول: ولا تتولَّ دفنه وتقبيره، من قول القائل: قام فلان بأمر فلان، إذا كفاه أمرَه. (﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾)، يقول: إنهم جحدوا توحيد الله تعالى، ورسالة رسوله وَّل، وماتوا وهم خارجون من الإسلام، مفارقون أمرَ الله ونهيه. انتهى(١). قال الزجاج: معنى قوله: ﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةٍ﴾ أن رسول الله وَله- كان إذا دفن الميت وقف على قبره، ودعا له، فمُنِع هنا منه؛ وقيل: معناه: لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ تعليل للنهي، وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث، مستقبحة في كل دين(٢). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): ظاهر الآية يدلّ على أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، قال حذيفة: قال لي رسول الله وَّ و: ((إني مسرّ إليك سرّاً، فلا تذكره لأحد، إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط، ذوي عدد، من المنافقين؛ قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى مشى معه، وإلا لم يصلّ عليه))، ومن طريق أخرى، عن جبير بن مطعم، أنهم اثنا عشر رجلاً، قال الحافظ: ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف مَن (١) ((تفسير الطبريّ)) ٤٠٥/١٤. (٢) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ٢٩٦/٣. ٢٣١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) سواهم، فإنهم تابوا. انتهى(١). زاد في الرواية التالية: ((فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ)) وفي حديث ابن عباس، عن عمر: ((فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت))، زاد ابن إسحاق في ((المغازي))، قال: حدّثني الزهريّ بسنده، قال: ((فما صلى رسول الله ﴿ على منافق بعده حتى قبضه الله)). وزاد في رواية لابن إسحاق: ((ولا قام على قبره)). ورَوَى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، قال: (لما نزلت: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]))، قال النبيّ ◌َله: ((لأزيدنّ على السبعين))، فأنزل الله تعالى: ج ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرَّتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَ [المنافقون: ٦]))، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويَحْتَمِل أن تكون الآيتان نزلتا معاً في ذلك، وزاد في رواية ابن عباس، عن عمر، قال: ((فعجبت بعدُ من جُرْأَتي على رسول الله وَير، والله ورسوله أعلم)). وقوله: ((والله ورسوله أعلم)) ظاهره أنه قول عمر، ويَحْتَمِل أن يكون قول ابن عباس، وقد روى الطبريّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في نحو هذه القصّة: قال ابن عباس: ((فالله أعلم أيّ صلاة كانت، وما خادع محمد أحداً قطّ))، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ًّا هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٠١/١ و٧٠٠٢] (٢٧٧٤)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٦٩) و((التفسير)) (٤٦٧٠ و٤٦٧٢) و((اللباس)) (٥٧٩٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٩٨)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٩٠٠) و((الكبرى)) (٢٠٢٧)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٢٣)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٨/٢)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٧٠٥٠)، و(ابن حبّان) في (١) ((الفتح)) ١٩٦/١٠. (٢) ((الفتح)) ١٩٥/١٠ - ١٩٦. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (صحيحه)) (٣١٧٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧٠٥١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٢٨٧/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل ◌ّ من مكارم الأخلاق، فقد عَلِم ما كان من هذا المنافق، من الإيذاء له، وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفناً، وصلى عليه، واستغفر له، فهو كما وصفه الله وَلَ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى [القلم: ٤]. خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ ٢ - (ومنها): أنه قد تمسك بهذه القصّة من جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم الصفة من باب أولى، ووجه الدلالة أنه وَ لِّ فَهِم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: ((سأزيده على السبعين)). وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصّة، وليس ذلك بدافع للحجّة؛ لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقياً . ٣ - (ومنها): النهي عن الصلاة على الكافر إذا مات على كفره. ٤ - (ومنها): جواز التكفين في القميص(٢)، وهو القول الراجح من أقوال العلماء في ذلك. ٥ - (ومنها)(٣): أن فيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيّاً وميتاً، لقول عمر ظُله: ((إن عبد الله بن أبيّ منافق))، ولم يُنكر النبيّ وَ لِّ عليه قولَهُ. ٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المنهيّ عن سبّ الأموات ما قُصد به الشتم، لا التعريف. ٧ - (ومنها): أن المنافق تُجْرَى عليه أحكام الإسلام الظاهرة. (١) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطرقه، وألفاظه المختلفة المذكورة في الشرح، لا خصوص سياق مسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((الفتح)) ١٩٩/١٠. (٣) ما بعد هذا من الفوائد هو تَتِمّة ما نُقل عن أبي نعيم صاحب ((الحلية)) في كلامه على هذا الحديث، كما تقدّمت الإشارة إليه، فتنبّه. ٢٣٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) ٨ - (ومنها): أن الإعلام بوفاة الميت مجرّداً لا يدخل في النعي المنهيّ عنه. ٩ - (ومنها): جواز سؤال الموسر من المال من تُرجى بركته شيئاً من ماله لضرورة دينية. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قالوا، وفيه أن هذا مما لم يثبت فعل السلف به مع غير النبيّ وَ﴾، فلم يفعله الصحابة ظه، وهم أفضل القرون مع أبي بكر، ولا مع عمر، ولا مع غيرهما من الخلفاء ﴿ه، ومع من بعدهم، فالظاهر أنه خاصّ بالنبيّ ◌َێ . ١٠ - (ومنها): رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ١١ - (ومنها): جواز التكفين بالمخيط. ١٢ - (ومنها): جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة. ١٣ - (ومنها): العمل بالظاهر إذا كان النصّ محتملاً. ١٤ - (ومنها): تنبيه المفضول للفاضل على ما يظنّ أنه سها فيه. ١٥ - (ومنها): تنبيه الفاضل المفضول على ما يُشكل عليه. ١٦ - (ومنها): استفسار السائل المسؤول، وعكسه عما يَحْتَمِل مما دار بینھما . ١٧ - (ومنها): جواز التبسّم في حضور الجنازة عند وجود ما يقتضيه، وقد استحبّ أهل العلم عدم التبسّم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة. هكذا قالوا، وفيه نظر؛ إذ يَحْتَمل أن يكون تبسّمه وَلي كان قبل أن يأتي إلى الجنازة، هذا هو الظاهر من مراجعة عمر نظّبه له، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلّة الاطلاع على طرقه. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... قال ابن المنّر: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول وَّ قاله. انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلانيّ في ((التقريب)): هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها . وقال إمام الحرمين في ((مختصره)): هذا الحديث غير مخرّج في ((الصحيح))، وقال في ((البرهان)): لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في ((المستصفى)): الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداوديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ. والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر تَُّه من حَمْل ((أو)) على التسوية؛ لِمَا يقتضيه سياق القصّة، وحَمْل السبعين على المبالغة. قال ابن المنيّر: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد. انتهى. وأيضاً فشرط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: (سأزيد على السبعين)) مع أن حُكم ما زاد عليها حُكمها . وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: ((سأزيد على السبعين)) استمالةً لقلوب عشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يُغفر له، ويؤيّده تردده في قوله: ((لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت))، لكن ثبتت الرواية بقوله: ((سأزيد)) ووعْدُهُ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: (لأزيدنّ)) بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَلَ ذلك استصحاباً للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتاً قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقياً على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن. وحاصله: أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه. ٢٣٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠١) وقيل: إن الاستغفار يتنزّل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب، هذا معنى ما قاله ابن المنيّر. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعاً، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه * أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: ((سأزيد عليها))، مع أنه سبق قبل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، فإن هذه الآية نزلت في قصّة أبي طالب، حين قال وَله: ((لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك))، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقصة عبد الله بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟. قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أبيّ، فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم. قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمرضي عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما ٢٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وقد تلاه قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ،﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فبيَّن الصارف عن المغفرة لهم؟ قلت: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهاراً لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم عليّ: ﴿وَمَنْ عَصَانِىِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبيّ ◌َّ الرأفة المذكورة لُطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضاً. انتهى. وقد تعقّبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول وَالله؛ لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان الله لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبيّ وَل﴾. ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهراً للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقده صحيحاً. وهذا جواب جيّد، وقد رجّح الحافظ في تفسير ((سورة القصص)) أن نزول الآية كان متراخياً عن قصة أبي طالب جدّاً، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبَتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخياً عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلاً، وتمسّك به النبيّ ◌ََّ قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذِكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفَضَحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله، ورسوله. قال: وإذا تأمل المنصف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ﴾ نزل مع قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾؛ أي: نزلت الآية كاملة؛ لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيره لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القَدْر نزل متراخياً عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ٢٣٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٢) ذلك وقع من النبيّ وَله متمسّكاً بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم. انتهى كلام الحافظ ملخصاً (١)، وهو بحث جيدٌ، وكلام مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّنُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرََكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى الْيَشْكُريّ، أبو قدامة السَّرَخْسِيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨٥. و((عُبَيْدُ اللهِ)) هو: العُمريّ، ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ: قَالَ: فَتَرََكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) فاعل ((زاد)) ضمير يحيى القطّان، وفاعل ((قال إلخ)) ضمير ابن عمر ضًا. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن عبيد الله هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٤٦٠) - حدّثنا صَدَقة، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله، قال: لَمّا تُوُفّي عبد الله بن أُبَيّ جاء ابنه إلى (١) ((الفتح)) ١٩٧ - ١٩٩، (كتاب التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... رسول الله وَلّه، فقال: يا رسول الله أعطني قميصك، أكفنه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفِر له، فأعطاه قميصه، وقال: ((إذا فرغت منه، فآذنًا))، فلما فرغ آذنه به، فجاء ليصلي عليه، فجذبه عمر، فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِتْ﴾، فترك الصلاة عليهم. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٣] (٢٧٧٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرِ: قُرَشِيَّانِ، وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتْرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاَ أَبْصَدَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآيَةَ [فصّلت: ٢٢]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، نُسب لجدّه، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف ((المسند)) وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الإمام الشهير، تقدم قبل ثلاثة أحاديث. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عَتّاب - بمثناة ثقيلة، ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلِّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٢٩٦. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر - بفتح الجيم، وسكون الموحّدة - أبو الحجاج (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٨٤/٥. ٢٣٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠٠٣) المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ إمام في التفسير، وفي الفقه [٣] (ت١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله ثلاث وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٥ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة - بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحّدة - الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في إمارة عبيد الله بن زياد (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٧٠. ٦ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله الصحابيّ الشهير، تقدّم ◌َظ ◌ُه قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فعدنيّ، ثم مكيّ، وسفيان، وإن كان مكيّاً، إلا أنه كوفي الأصل، وأن فيه رواية ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من قال: إن منصوراً من صغار التابعين، وإلا ففيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه رَُّه من مشاهير علماء الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رَظُه؛ أنه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ)؛ أي: عند الكعبة؛ لأنه المراد عند الإطلاق؛ إذ صار عَلَماً بالغلبة، كما قال في ((الخلاصة)): وَقَدَ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ ((أَنْ)) كَـ(الْعَقَبَهْ)) وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه)): من طريق وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفيّ، وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فتحدثوا الحديث بينهم، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ وقال الآخر: إذا رفعنا سمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا، فإنه يسمع إذا خفضنا، فأتيت النبيّ وَ﴿، فذكرت ذلك له، فأنزل الله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْتَكُمْ وَلَّ أَبْصَدُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٢](١). (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ، وَثَقَّفِيٌّ) وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٍّ) قال في ((الفتح)): هذا الشكّ من أبي معمر راويه عن ابن (١) ((صحيح ابن حبان)) ١١٧/٢. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... مسعود، وهو عبد الله بن سَخْبرة، وقد أخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود بلفظ: ((ثقفيّ، وختناه، قرشيان))، ولم يشكّ، وأخرج مسلم من طريق وهب هذه، ولم يَسُق لفظها، وأخرجه الترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود: ((قال: ثلاثة نفر))، ولم ينسبهم. وذكر ابن بشكوال في ((المبهمات)) من طريق تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، أحد الضعفاء، بإسناده، عن ابن عباس، قال: القرشي: الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، والثقفيان: الأخنس بن شَرِيق، والآخر لم يُسَمَّ، قال الحافظ: وراجعت التفسير المذكور، فوجدته قال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمَ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَغَتْوَنُهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، قال: جلس رجلان عند الكعبة، أحدهما من ثقيف، وهو الأخنس بن شريق، والآخر من قريش، وهو الأسود بن عبد يغوث، فذكر الحديث، وفي تنزيل هذا على هذا ما لا يخفى. وذكر الثعلبيّ، وتبعه البغويّ أن الثقفيّ: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، والقرشيان: صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف، وذكر إسماعيل بن محمد التيميّ في ((تفسيره)) أن القرشيّ: صفوان بن أمية، والثقفيان: ربيعة وحبيب ابنا عمرو، فالله أعلم. انتهى(١). (قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بإضافة ((بطون)) لـ(شحم))، وإضافة ((قلوب)) لـ(فقه))، وتنوين («كثيرةٌ))، و((قليلةٌ»، وفي رواية سعيد بن منصور، والترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود: ((كثيرٌ شحم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم))، وذكره بعض الشراح بلفظ إضافة شحم إلى كثيرة، وبطونهم بالرفع، على أنه المبتدأ؛ أي: بطونُهم كثيرة الشحم، والآخر مثله، وهو مُحْتَمِلٌ، وقد أخرجه ابن مردويه من وجه آخر بلفظ: ((عظيمةٌ بطونهم، قليل فقههم))، وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع الْبِظْنة، قال الشافعيّ: ما رأيت سميناً عاقلاً إلا محمد بن الحسن. انتهى. وقال في ((العمدة)): قوله: ((كثيرة شحم بطونهم)) بإضافة بطونهم إلى شحم، وكذا إضافة قلوبهم إلى قوله: فقه، وكثيرة وقليلة منوّنتان، هكذا عند (١) ((الفتح)) ٥٦٥/١٠، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨١٦).