النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
مسلم، ولفظ البخاريّ: ((أهلُك))، قال في ((العمدة)): رُوي بالنصب؛ أي: الزم
أهلك، وروي بالرفع؛ أي: هي أهلك، لا تسمع فيها شيئاً. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: (أهلك)) بالرفع، فإن في رواية معمر: (هم
أهلك))، ولو لم تقع هذه الرواية لجاز النصب؛ أي: أمسك، ومعناه: هم
أهلك؛ أي: العفيفة اللائقة بك، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك متبرئاً من
المشورة، ووَكَل الأمر إلى رأي النبيّ وَّر، ثم لم يكتف بذلك حتى أخبر بما
عنده، فقال: ولا نعلم إلا خيراً، وإطلاق الأهل على الزوجة شائع، قال ابن
التين: أطلق عليها أهلاً، وذكرها بصيغة الجمع، حيث قال: ((هم أهلك)) إشارةً
إلى تعميم الأزواج بالوصف المذكور. انتهى، ويَحْتَمِل أن يكون جمع لإرادة
تعظيمها. انتهى(٢) .
(وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْراً) لا نعلم في شأن عائشة إلا خيراً كثيراً من أنها عفيفة
ورعة، تقيّة، نقيّة بريئة مما أُلصق بها؛ زوراً، وبُهتاناً، ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ
عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
(فَقَالَ) زاد في رواية للبخاريّ: ((يا
(وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) .
رسول الله)) (لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) قال في ((الفتح)): كذا
للجميع بصيغة التذكير، كأنه أراد الجنس، مع أن لفظ فَعيل يشترك فيه المذكر
والمؤنث إفراداً وجمعاً، وفي رواية الواقديّ: ((قد أحلّ لك، وأطاب، طَلِّقها،
وانكِحْ غيرها))، وهذا الكلام الذي قاله عليّ رَظُهُ حَمَله عليه ترجيح جانب
النبيّ وَ﴿ لِمَا رأى عنده من القلق بسبب القول الذي قيل، وكان ◌َ * شديد
الغيرة، فرأى عليّ رَّبه أنه إذا فارقها، سَكَن ما عنده من القلق بسببها، إلى أن
يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخفّ الضررين لذهاب
أشدّهما.
وقال النوويّ(٣): رأى ذلك هو المصلحة في حقّ النبيّ وَّه، واعتقد ذلك
لِمَا رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة لإرادة راحة خاطره وَله .
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣٢/١٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٤١٢/١٠.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة (١): لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها؛
لأنه عقب ذلك بقوله: ((وسَلِ الجارية تصدقك))، ففوّض الأمر في ذلك إلى نظر
النبيّ وَله، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك
فابحث عن حقيقة الأمر، إلى أن تَطّلع على براءتها؛ لأنه كان يتحقق أن بريرة
لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة.
بالمشاورة أن عليّاً كان عنده
والعلة في اختصاص عليّ وأسامة
كالولد؛ لأنه ربّاه من حال صغره، ثم لم يفارقه، بل وازداد اتصاله بتزويج
فاطمة ﴿، فلذلك كان مخصوصاً بالمشاورة فيما يتعلق بأهله؛ لمزيد اطلاعه
على أحواله أكثر من غيره، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامّة أكابر
الصحابة، كأبي بكر، وعمر، وأما أسامة فهو كعليّ في طول الملازمة، ومزيد
الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يُطلقون عليه أنه حِبّ رسول الله وَالآ،
وخَصَّه دون أبيه وأمه؛ لكونه كان شاباً كعليّ، وإن كان عليّ أسن منه، وذلك
أن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره، ولأنه أكثر جُرأة على الجواب بما
يظهر له من المسنّ؛ لأن المسنّ غالباً يحسب العاقبة، فربما أخفى ما يظهر له
رعاية للقائل تارةً، والمسؤول عنه أخرى، مع ما ورد في بعض الأخبار أنه
استشار غيرهما .
[تنبيه]: قال الحافظ كَّلهُ: وقع بسبب هذا الكلام من عليّ نسبة عائشة
إياه إلى الإساءة في شأنها، كما تقدم(٢) من رواية الزهريّ عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة في ((المغازي))، وما
(١) ((بهجة النفوس)) ٥٨/٣.
(٢) هو: ما أخرجه البخاريّ في ((المغازي)) ١٥٢٢/٤ فقال:
(٣٩١١) - حدّثني عبد الله بن محمد، قال: أملى علي هشام بن يوسف من حفظه،
أخبرنا معمر، عن الزهريّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليّاً كان
فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: أبو سلمة بن
عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أن عائشة رضيّا قالت لهما:
كان عليّ مُسَلّماً في شأنها ... إلخ.

١٤٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
راجع به الوليد بن عبد الملك من ذلك، فأغنى عن إعادته، وقد وضح عذر
عليّ رَُّه في ذلك. انتهى(١).
(وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ) هي بريرة مولاة عائشة ﴿ًّا، (تَصْدُقْك)؛ أي: تخبرك
خبراً صادقاً عن شأنها، وفي رواية مِقسم، عن عائشة: ((أَرْسِل إلى بريرة
خادمها، فَسَلْها، فعسى أن تكون قد اطّلعت على شيء من أمرها)). (قَالَتْ)
عائشة ◌ُّ: (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَرِيرَةَ) - بفتح الموحّدة، وكسر الراء - وفي
رواية مِقسم: ((فأرسل إلى بريرة، فقال لها: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت:
نعم، قال: فإني سائلك عن شيء، فلا تكتمينه، قالت: نعم، قال: هل رأيت
من عائشة ما تكرهينه؟ قالت: لا)).
وقد قيل: إن تسميتها هنا وَهَمٌ؛ لأن قصّتها كانت بعد فتح مكة، كما
ثبت أنها لمّا خُيِّرت، فاختارت نفسها، كان زوجها يبكي، فقال النبيّ وَ *
للعباس: ((يا عباس ألا تعجب من حبّ مغيث بريرة ... )) الحديث.
ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدُم عائشة، وهي في رقّ
مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها، وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدّة، أو أن
اسم هذه الجارية المذكورة في قصّة الإفك وافق اسم بريرة التي وقع لها
التخيير .
قال الحافظ: وجزم البدر الزركشيّ فيما استدركته عائشة على الصحابة أن
تسمية هذه الجارية ببريرة مدرجة من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى، وأخذه
من ابن القَيِّم الحنبليّ، فإنه قال: تسميتها ببريرة وَهَمٍّ من بعض الرواة، فإن
عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح، ولمّا كاتبتها عقب شرائها، وعتقت خُيِّرت
فاختارت نفسها، فظنّ الراوي أن قول عليّ: وسَلِ الجارية تصدقك أنها بريرة،
فغلط، قال: وهذا نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق.
قال الحافظ: وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدُم عائشة بالأجرة، وهي في
رقّ مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة، وهذا أولى من دعوى الإدراج،
وتغليط الحفاظ. انتهى كلام الحافظ تَظّتُهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤١٣.
(٢) ((الفتح)) ٤١٤/١٠.

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ في هذا التعقّب، فإن تغليط
الحفّاظ مع إمكان الحمل المذكور ليس له وجه، فتأمله بالإمعان، والله تعالى
أعلم.
(فَقَالَ) وَِّ: ((أَيْ بَرِيرَةُ) ((أَيْ)) حرف نداء، وتقدّم الخلاف فيها، هل هي
للبعيد، أم للقريب، أو للوسط؟ (هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ) ((من)) زائدة، و((شيء))
مفعول به لـ((رأيت))، وقوله: (يَرِيبُك) تقدّم أنه بفتح حرف المضارعة، وضمّه،
صفة لـ((شيء))؛ أي: يشكّكك فيما قاله أهل الإفك (مِنْ عَائِشَةَ؟)) خِؤُها، ولفظ
البخاريّ: ((أي بريرةُ، هل رأيت من شيء يريبك؟))، وفي رواية هشام بن
عروة: (فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله (وَ لِ ﴾))، وفي رواية
أبي أويس: ((أن النبيّ وَّر قال لعليّ: شأنك بالجارية، فسألها عليّ، وتوعدها،
فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها، وسألها، فقالت: والله ما علمت على عائشة
سوءاً))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فقام إليها عليّ، فضربها ضرباً شديداً، يقول:
اصدقي رسول الله {َ﴿))، ووقع في رواية هشام: ((حتى أسقطوا لها به))، يقال:
أسقط الرجل في القول: إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله: ((به))
للحديث، أو الرجل الذي اتهموها به.
وحَكَى عياض أن في رواية ابن ماهان في مسلم: ((حتى أسقطوا لهاتها))
بمثناة مفتوحة، وزيادة ألف بعد الهاء، قال: وهو تصحيف؛ لأنهم لو أسقطوا
لهاتها، لم تستطع الكلام، والواقع أنها تكلمت، فقالت: سبحان الله إلخ، وفي
رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عند الطبرانيّ: ((فقال: لست عن هذا
أسألك، قالت: نعمة، فلما فَطِنت قالت: سبحان الله))، وهذا يدلّ على أن المراد
بقوله في الرواية: ((حتى أسقطوا لها به)) حتى صرّحوا لها بالأمر، فلهذا تعجبت.
وقال ابن الجوزيّ(١): ((أسقطوا لها به))؛ أي: صرحوا لها بالأمر، وقيل:
جاؤوا في خطابها بسقط من القول.
ووقع في رواية الطبريّ من طريق أبي أسامة: ((قال عروة: فعِيبَ ذلك
على من قاله)).
(١) ((كشف المشكل)) ٣٢٥/٤.

١٤٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وقال ابن بطال(١): يَحْتَمِل أن يكون من قولهم: سقط إلى الخبر: إذا
علمه، قال الشاعر:
إِذا هُنَّ سَاقَظْنَ الْحَدِيثَ وَقُلْنَ لِي
قال: فمعناه: ذكروا لها الحديث، وشرحوه(٢).
(قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ) ◌َّا: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ) نافية؛ أي: ما (رَأَيْتُ
عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة ◌َيُّ، (أَمْراً)؛ أي: مما تسألون عنه شيئاً أصلاً، وأما
من غيره ففيها ما ذكرت من غلبة النوم؛ لصغر سنّها، ورطوبة بدنها. (قَطُّ)؛
أي: فيما مضى من الزمن، (أَغْمِصُهُ) بفتح الغين المعجمة،، وكسر الصاد
المهملة، وفتحها، من باب ضرب، وسَمِعَ، وفَرِح، يقال: غَمِصَهُ، غمصاً،
احتقره، وعابه، كاغتمصه، قاله المجد(٣)؛ أي: أعيبه (عَلَيْهَا)؛ أي: على
عائشة ﴿ّا (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِهَا فَتَأْتِي
الدَّاجِنُ) بدال مهملة، ثم جيم: الشاة التي تألف البيت، ولا تخرج إلى
المرعى، وقيل: هي كل ما يألف البيوت مطلقاً، شاةً، أو طيراً، قال النوويّ:
ومعنى هذا الكلام: أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلاً، ولا فيها شيء
من غيره، إلا نومها عن العجين (فَتَأْكُلُهُ) الداجن، وفي رواية ابن إسحاق: ((ما
كنت أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني، وآمرها أن تحفظه، فتنام عنه))،
وفي رواية مِقسم: ((ما رأيت منها مذ كنت عندها، إلا أني عجنت عجيناً لي،
فقلت: احفظي هذه العجينة، حتى أقتبس ناراً؛ لأخبزها، فغفلت، فجاءت
الشاة، فأكلتها))، وهو يفسّر المراد بقوله في رواية الباب: ((حتى تأتي
الداجن)).
قال ابن المنير في ((الحاشية)): هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به
المبالغة في نفي العيب، فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رُميت به،
وأقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات، وكذا في قولها في رواية هشام بن
عروة: ((ما علمت إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر))؛ أي: كما لا يعلم
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٤٥/٨.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٩٦١.
(٢) ((الفتح)) ٤١٥/١٠.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب، فكذلك أنا لا أعلم منها
إلا الخلوص من العيب.
وفي رواية ابن حاطب، عن علقمة: ((فقالت الجارية الحبشية: والله
لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ما قال الناس، لَيُخْبِرَنّك الله،
قالت: فعجب الناس من فقهها .
(قَالَتْ) عائشة رِّ: (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ) وفي رواية أبي
أويس: ((ثم خرج حين سمع من بريرة ما قالت))، وفي رواية هشام بن عروة:
(قام فينا خطيباً، فتشهد، وحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما
بعد))، وزاد عطاء الخرسانيّ، عن الزهريّ هنا قبل قوله ((فقام)): ((وكانت أم
أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: أما سمعت ما يتحدث الناس؟ فحدثته بقول
أهل الإفك، فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم)).
وروى الطبري من حديث ابن عمر: ((قال: قال أسامة: ما يحل لنا أن
نتكلم بهذا سبحانك)) الآية، لكن أسامة مهاجريّ، فإن ثبت حُمِل على التوارد.
وفي مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ ممن قال ذلك، وروى
الطبريّ أيضاً من طريق ابن إسحاق: حدّثني أبي عن بعض رجال بني النجار أن
أبا أيوب قالت له أم أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى،
وذلك الكذب، أكنتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة
والله خير منك، قالت: فنزل القرآن: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الآية.
وللحاكم من طريق أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب نحوه، وله من
طريق أخرى قال: قالت أم طفيلٍ لأبي بن كعب، فذكر نحوه.
(فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ) أما ((أُبَيّ)) فمنوّن، و((ابن سلولَ))
فبكتابة ألف ((ابن))، وهو غير منصرف؛ للعلميّة، والتأنيث، كما سبق؛ أي:
طلب من يَعذِره منه؛ أي: يُنصفه، قال الخطابيّ: يَحْتَمِل أن يكون معناه: من
يقوم بعذره فيما رمى أهلي به من المكروه، ومن يقوم بعذري إذا عاقبته على
سوء ما صدر منه، ورجّح النوويّ هذا الثاني، وقيل: معنى من يعذرني: من
ينصرني، والعذير: الناصر، وقيل: المراد: من ينتقم لي منه، وهو كالذي قبله،
ويؤيده قول سعد: أنا أعذرك منه.

١٤٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: عَذَرْتُهُ فيما صنع عَذْراً، من باب ضرب: رفعتُ عنه
اللوم، فهو مَعْذُورٌ؛ أي: غير ملوم، والاسم: العُذْرُ، وتُضم الذال للإتباع،
وتسكن، والجمع أَعْذَارٌ، قال: وقولهم: مَن عَذِيرِي من فلان، ومن يَعْذرُنِي
منه؛ أي: من يلومه على فعله، ويُنحي باللائمة عليه، ويَعْذِرُنِي في أمره، ولا
يلومني عليه، وقيل: معناه: من يقوم بِعُذْرِي إذا جازيته بصنعه، ولا يلومني
على ما أفعله به، وقيل: عَذِيرٌ بمعنى نصير؛ أي: من ينصرني، فيقال: عَذَرْتُهُ
- من باب ضرب -: إذا نصرته. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقولها: ((فاستعذر))؛ أي: طلب من يقبل عذره، كما
قال: ((من يَعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي))؛ أي: من يقبل عذري في
حقه، وعقوبته، فقال سعد: أنا أعذرك منه؛ أي: أقبل عذرك فيه. انتهى (٢).
(قَالَتْ) ﴿َّ: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من
الفاعل، ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي) من باب ضرب؛ أي: من يرفع عنّي
اللوم (مِنْ رَجُلٍ)؛ أي: من أجل انتقامي منه، والرجل هو عبد الله بن أبيّ
المذكور، (قَذَّ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي)؛ أي: في عائشة ﴿ّ، وفي رواية
هشام بن عروة: ((أشيروا عليّ في أناس أَبَنُوا أهلي))، وهو بفتح الموحّدة
الخفيفة، والنون المضمومة.
وحَكَى عياض أن في رواية الأصيليّ بتشديد الموحّدة، وهي لغة،
ومعناه: عابوا أهلي، أو اتهموا أهلي، وهو المعتمَد؛ لأن الأَبَنَ بفتحتين:
التهمة، وقال ابن الجوزيّ: المراد: رَمَوا أهلي بالقبيح، ومنه الحديث الذي في
((الشمائل)) في ذكر مجلسه وَّل: ((لا تُؤبن فيه الْحُرَم))، وحَكَى عياض أن في
رواية عبدوس بتقديم النون الثقيلة على الموحّدة، قال: وهو تصحيف؛ لأن
التأنيب هو اللوم الشديد، ولا معنى له هنا. انتهى، قال النوويّ: وقد يوجه
بأن المراد: لامُوهُم أشدّ اللوم فيما زعموا أنهم صنعوه، وهم لم يصنعوا شيئاً
من ذلك، لكنه بعيد من صورة الحال، والأول هو المعتمَد، قال النوويّ:
التخفيف أشهر.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٨/٢ - ٣٩٩.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٣٧٢.

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وفي رواية ابن إسحاق: (ما بال أناس يؤذوني في أهلي))، وفي رواية ابن
حاطب: ((من يَعذِرني فيمن يؤذيني في أهلي، ويَجمع في بيته من يؤذيني))،
ووقع في رواية الغسّاني المذكورة: ((في قوم يسبّون أهلي))، وزاد فيه: ((ما
علمت عليهم من سوء قط)).
(فَوالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي) عائشة ◌َّا، وغيرها كذلك (إِلَّا خَيْراً)؛ أي:
صلاحاً، وعقّةً، وتقوى، (وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً) هو صفوان بن الْمُعَطِّل ◌ُبه، زاد
الطبريّ في روايته: ((صالِحاً))، وزاد أبو أويس في روايته: ((وكان صفوان بن
المعطّل قعد لحسان، فضربه ضربة بالسيف، وهو يقول [من الطويل]:
غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ
تَلَقَّ ذَبَابَ السَّيْفِ مِنِّي فَإِنَّنِي
فصاح حسان، ففَرّ صفوان، فاستوهب النبيّ وَّ من حسان ضربة
صفوان، فوهبها له.
(مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: على صفوان (إِلَّا خَيْراً، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي
إِلَّا مَعِي))، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ) قال الحافظ: كذا هنا، وفي رواية
معمر، وأكثر أصحاب الزهريّ، ووقع في رواية صالح بن كيسان: ((فقام سعد
أخو بني عبد الأشهل))، وفي رواية فُليح: ((فقام سعد، ولم ينسبه))، وقد تعيّن
أنه سعد بن معاذ؛ لِمَا وقع في رواية الباب وغيره، قال: وأما قول شيخ
شيوخنا القطب الحلبيّ: وقع في نسخة سماعنا: ((فقام سعد بن معاذ))، وفي
موضع آخر: ((فقام سعد أخو بني عبد الأشهل))، فيَحْتَمِل أن يكون آخر غير
سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يُسَمَّى كل منهم
سعداً، منهم سعد بن زيد الأشهليّ، شَهِد بدراً، وكان على سبايا قريظة الذين
بيعوا بنجد، وله ذِكر في عدة أخبار، منها في خطبة النبيّ وَّ في مرض وفاته،
قال: فَيَحْتَمِل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك.
قال الحافظ: وحَمَله على ذلك ما حكاه عياض وغيره من الإشكال في
ذِكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والذي جوّزه مردود بالتصريح بسعد بن معاذ
في هذه الرواية، فأنكر كلام عياض، وما تيسَّر من الجواب عنه.
قال عياض: في ذِكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكال، لم يتكلم
الناس عليه، ونبّهنا عليه بعض شيوخنا، وذلك أن الإفك كان في المريسيع،

١٤٩
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وكانت سنة ست، فيما ذكر ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات من الرَّمْية التي
رُميها بالخندق، فدعا الله، فأبقاه حتى حَكم في بني قريظة، ثم انفجر جُرحه،
فمات منها، وكان ذلك سنة أربع عند الجميع، إلا ما زعم الواقديّ أن ذلك
كان سنة خمس، قال: وعلى كل تقدير، فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه
القصة، والأشبه أنه غيره، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل
المراجعة أولاً وثانياً بين أُسيد بن حُضير، وبين سعد بن عبادة، قال: وقال لي
بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجوداً في المريسيع؛ بناءً على الاختلاف
في تاريخ غزوة المريسيع، وقد حَكَى البخاريّ عن موسى بن عقبة، أنها كانت
سنة أربع، وكذلك الخندق كانت سنة أربع، فيصح أن تكون المريسيع قبلها؛
لأن ابن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان، وأن الخندق كانت في
شوال، فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق، فلا
يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ. انتهى.
قال الحافظ: وقد قدّمنا في المغازي أن الصحيح في النقل عن موسى بن
عقبة أن المريسيع كانت سنة خمس، وأن الذي نقله عنه البخاريّ من أنها سنة
أربع سَبْق قَلَم، نعم والراجح أن الخندق أيضاً كانت في سنة خمس، خلافاً
لابن إسحاق، فيصح الجواب المذكور.
وممن جزم بأن المريسيع سنة خمس الطبريّ، لكن يعكر على هذا شيء
لم يتعرضوا له أصلاً، وذلك أن ابن عمر ذكر أنه كان معهم في غزوة بني
المصطلِق، وهو المريسيع، وثبت في ((الصحيحين)) أيضاً أنه عُرض في يوم أحد
فلم يُجِزه النبيّ وََّ، وعُرض في الخندق فأجازه، فإذا كان أول مشاهده
الخندق، وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق،
فيعود الإشكال.
ويمكن الجواب بأنه لا يلزم من كون ابن عمر كان معهم في غزوة بني
المصطلِق، أن يكون أُجيز في القتال، فقد يكون صحب أباه، ولم يباشر
القتال، كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر، وهو لم
یشهد بدراً باتفاق.
وقد سلك البيهقيّ في أصل الإشكال جواباً آخر؛ بناء على أن الخندق

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قَبْل المريسيع، فقال: يجوز أن يكون جُرْح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ
من بني قريظة، بل تأخر زماناً، ثم انفجر بعد ذلك، وتكون مراجعته في قصة
الإفك في أثناء ذلك، ولعله لم يشهد غزوة المريسيع لمرضه، وليس ذلك مانعاً
له أن يجيب النبيّ وَّ في قصة الإفك بما أجابه.
قال الحافظ: وأما دعوى عياض أن الذين تقدموا لم يتكلموا على
الإشكال المذكور، فما أدري من الذين عناهم، فقد تعرض له من القدماء
إسماعيل القاضي، فقال: الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق؛ للحديث
الصحيح عن عائشة.
واستشكله ابن حزم؛ لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع، وتعرض له ابن
عبد البرّ، فقال: رواية من روى أن سعد بن معاذ راجَعَ في قصة الإفك سعد بن
عبادة وَهَمُّ خطأ، وإنما راجع سعدُ بن عبادة أُسيد بن حضير، كما ذكره ابن
إسحاق، وهو الصحيح، فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني
قريظة، لا يختلفون في ذلك، فلم يدرك المريسيع، ولا حضرها، وبالغ ابن
العربيّ على عادته، فقال: اتفق الرواة على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك
وَهَمٌ، وتَبِعِه على هذا الإطلاق القرطبيّ(١). انتهى(٢).
(فَقَالَ) سعد بن معاذ رَظُهُ: (أَنَا أَعْذِرَُكَ)؛ أي: أنتقم لك (مِنْهُ)؛ أي: من
هذا الرجل عبد الله ابن أبيّ (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية فُليح: ((فقال: أنا والله
أعذِرك منه))، ووقع في رواية معمر: ((أعذرك منه)) بحذف المبتدأ. (إِنْ كَانَ مِنَ
الأَوْسِ) القبيلة المشهورة، وهي قبيلة سعد بن معاذ نظريته، وهو: سعد بن معاذ
- بضم الميم - ابن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن
الحارث بن الخزرج بن عمرو بن النبيت، واسمه عمرو بن مالك بن الأوس
الأنصاريّ الأوسيّ الأشهليّ، أسلم على يد مصعب بن عمير، لمّا أرسله
النبيّ وَّه إلى المدينة يُعَلِّم المسلمين، شَهِد بدراً، لم يختلفوا فيه، وشَهِد
أُحُداً، والخندق، ورماه يومئذ حِبَان ابن الْعَرِقَة في أكحله(٣). (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ)
(١) ((المفهم)) ٧/ ٣٨٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣٢/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٤١٨/١٠ - ٤١٩.

١٥١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيّانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وفي رواية صالح بن كيسان: ((ضربتُ)) بضم المثناة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان
سيدهم، فجزم بأن حُكْمه فيهم نافذ، لا يخالفه فيه، ولأن من آذى النبيّ وَيه
يجب قتله. (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ) القبيلة المشهورة أيضاً، وهي قبيلة
سعد بن عُبادة ◌َظُه، ولفظ البخاريّ: (وإن كان من إخواننا من الخزرج)) بـ((من))
في موضعين، فـ((من)) الأولى تبعضية، والأخرى بيانية. (أَمَرْتَنَا) فيه بما تراه،
(فَفَعَلْنَا أَمْرَلَكَ)؛ أي: نفّذنا أمرك فيه، وفي رواية ابن جريج: ((أتيناك به، ففعلنا
فيه أمرك)). (قَالَتْ) عائشة ◌َّ: (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الصحابيّ المشهور
وهو: سعد بن عُبادة - بضم العين - ابن دُليم بن حارثة بن أبي حَزِيمة - بفتح
الحاء المهملة، وكسر الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم، بعدها
هاء - ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر
أخي الأوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو المزيقياء بن عامر ماء السماء،
وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، وقيل: قيلة
بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وكان نقيب بني ساعدة، شَهِد بدراً عند
بعضهم، وسار إلى الشام، فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة، ولم
يختلفوا أنه وُجد ميتاً على مغتسله(١).
وقولها: (وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَج) جملة حاليّة من الفاعل، وفي رواية صالح بن
كيسان: ((فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت بنت عمه، من
فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج))، انتهى، وأم حسان اسمها
الفُريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد وَدّ بن زيد بن ثعلبة، وقوله: ((من
فخذه)) بعد قوله: بنت عمه إشارة إلى أنها ليست بنت عمه حقيقةً؛ لأن سعد بن
عبادة يجتمع معها في ثعلبة. (وَكَانَ رَجُلاً صَالِحاً) ولفظ البخاريّ: ((وكان قبل
ذلك رجلاً صالحاً))؛ أي: كامل الصلاح، وفي رواية الواقديّ: ((وكان صالِحاً،
لكن الغضب بلغ منه، ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه)).
(وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) قال النوويّ ◌َخْلُهُ: هكذا هو هنا لمعظم رواة
((صحيح مسلم)): ((اجتهلته)) بالجيم، والهاء: أي استخفّته، وأغضبته، وحملته
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣٢/١٣.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
على الجهل، وفي رواية ابن ماهان هنا: ((احتملته)) بالحاء، والميم، وكذا رواه
مسلم بعد هذا من رواية يونس، وصالح، وكذا رواه البخاريّ، ومعناه:
(١)
أغضبته، فالروايتان صحيحتان. انتهى"
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولكن احتملته الحمية)) كذا للأكثر: ((احتملته))
- بحاء مهملة، ثم مثناة، ثم ميم - أي: أغضبته، وفي رواية معمر عند مسلم،
وكذا يحيى بن سعيد عند الطبرانيّ: ((اجتهلته)) بجيم، ثم مثناة، ثم هاء،
وصوّبها الوقشيّ؛ أي: حملته على الجهل. انتهى (٢).
(فَقَالَ) سعد بن عبادة (لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ) بفتح العين
المهملة، هو البقاء، وهو العُمر بضمها، لكن لا يُستعمل في القسم إلا بالفتح،
وقوله: (لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ) زاد في رواية للبخاريّ: ((ولو كان من
رهطك ما أحببت أن يُقتَلَ))، قال في ((الفتح)): فسّرَ قولَهُ: ((لا تقتله)) بقوله:
((ولا تقدر على قتله))؛ إشارةً إلى أن قومه يمنعونه من قتله، وأما قوله: ((ولو
كان من رهطك)) فهو من تفسير قوله: ((كذبت))؛ أي: في قولك: إن كان من
الأوس ضربتُ عنقه، فَنَسَبه إلى الكذب في هذه الدعوى، وأنه جزم أن يقتله إن
كان من رهطه مطلقاً، وأنه إن كان من غير رهطه إن أُمر بقتله قتله، وإلا فلا،
فكأنه قال له: بل الذي نعتقده على العكس بما نطقت به، وأنه إن كان من
رهطك ما أحببت أن يُقتل، ولكنه من غير رهطك، فأنت تحب أن يُقتل، وهذا
بحسب ما ظهر له في تلك الحالة.
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن معنى قوله: ((كذبت، لا تقتله)) أن
النبيّ وَلّه لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله، وهو حَمْل جيّد.
وقد بيّنت الروايات الأخرى السبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال،
ففي رواية ابن إسحاق: ((فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة، إلا أنك
علمت أنه من الخزرج))، وفي رواية ابن حاطب: ((فقال سعد بن عبادة: يا ابن
معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله عليه، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في
الجاهلية، وإِحَنٌ لم تُحْلَل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردتُ)).
(١) (شرح النوويّ)) ١١٠/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٤١٩/١٠.

١٥٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وفي حديث ابن عمر: ((إنما طلبت به دخول الجاهلية)).
وقال ابن التين: قول ابن معاذ: ((إن كان من الأوس ضربتُ عنقه)) إنما
قال ذلك؛ لأن الأوس قومه، وهم بنو النجار، ولم يقل في الخزرج؛ لِمَا كان
بين الأوس والخزرج من التشاحن قبل الإسلام، ثم زال بالإسلام، وبقي بعضه
بحكم الأَنَفة، قال: فتكلم سعد بن عبادة بحكم الأَنَفة، ونفى أن يحكم فيهم
سعد بن معاذ، وهو من الأوس، قال: ولم يُرد سعد بن عبادة الرضا بما نُقل
عن عبد الله بن أُبَيّ، وإنما بمعنى قول عائشة: ((وكان قبل ذلك رجلاً صالِحاً))؛
أي: لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية، ولم تُرد أنه ناضل عن
المنافقين، وهو كما قال، إلا أن دعواه أن بني النجار قوم سعد بن معاذ خطأ،
وإنما هم من رهط سعد بن عبادة، ولم يَجْر لهم في هذه القصة ذِكر.
وقد تأوّل بعضهم ما دار بين السعدين بتأويل بعيد، فارتكب شططاً،
فزعم أن قول سعد بن عبادة: ((لا تقتله، ولا تقدر على قتله))؛ أي: إن كان من
الأوس، واستَدَلَّ على ذلك بأن ابن معاذ لم يقل في الخزرجي ضربنا عنقه،
وإنما قال ذلك في الأوسيّ، فدلّ على أن ابن عبادة لم يقل ذلك حمية لقومه؛
إذ لو كان حمية لم يوجهها رهط غيره، قال: وسبب قوله ذلك أن الذي خاض
في الإفك كان يُظهر الإسلام، ولم يكن النبيّ ◌َّ يقتل من يُظهر الإسلام،
وأراد أن بقية قومه يمنعونه منه، إذا أراد قتله، إذا لم يصدر من النبيّ وَّ أَمْر
بقتله، فكأنه قال: لا تقل ما لا تفعل، ولا تَعِدْ بما لا تقدر على الوفاء به.
ثم أجاب عن قول عائشة: ((احتملته الحمية)) بأنها كانت حينئذ منزعجة
الخاطر؛ لِمَا دهمها من الأمر، فقد يقع في فهمها ما يكون أرجح منه.
وعن قول أُسيد بن حضير الآتي بأنه حَمَل قول ابن عبادة على ظاهر
لفظه، وخَفِي عليه أن له محملاً سائغاً. انتهى.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التعسف، من غير حاجة إلى ذلك،
وقوله: إن عائشة قالت ذلك، وهي منزعجة الخاطر مردود؛ لأن ذلك إنما يتمّ
لو كانت حدّثت بذلك عند وقوع الفتنة، والواقع أنها إنما حدّثت بها بعد دهر
طويل، حتى سمع ذلك منها عروة، وغيره، من التابعين، كما قدَّمت الإشارة
إليه، وحينئذ كان ذلك الانزعاج، وزال، وانقضى.

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
والحقّ أنها فهمت ذلك عند وقوعه بقرائن الحال، وأما قوله: ((لا تقدر
على قتله)) مع أن سعد بن معاذ لم يقل بقتله، كما قال في حقّ من يكون من
الأوس، فإن سعد بن عبادة فَهِم أن قول ابن معاذ: أمرتنا بأمرك؛ أي: إن
أمرتنا بأمرك؛ أي: أمرتنا بقتله قتلناه، وإن أمرت قومه بقتله قتلوه، فنَفَى
سعدُ بن عبادة قدرة سعد بن معاذ على قتله، إن كان من الخزرج؛ لعلمه أن
النبيّ ◌َله لا يأمر غير قومه بقتله، فكأنه أيأسه من مباشرة قتله، وذلك بحكم
الحمية التي أشارت إليها عائشة، ولا يلزم من ذلك ما فهمه المذكور أنه يَرُدّ
أمر النبيّ وَله بقتله، ولا يمتثله، حاشا لسعد من ذلك.
وقد اعتذر المازريّ عن قول أُسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق
أن ذلك وقع منه على جهة الغيظ، والْحَنَق، والمبالغة في زجر سعد بن عبادة
عن المجادلة عن ابن أُبَيّ وغيره، ولم يُرِد النفاق الذي هو إظهار الإيمان،
وإيطان الكفر، قال: ولعله ◌َله إنما ترك الإنكار عليه لذلك، وسيأتي ذِكر ما
في فوائد هذا الحديث في آخر شرحه زيادة في هذا - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) هو: أُسيد - بضم الهمزة - ابن حُضير - بضم
الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة - ابن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن
زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس
الأنصاريّ الأوسيّ الأشهليّ، أبو يحيى، أسلم على يد مصعب بن عمير
بالمدينة بعد العقبة الأولى، وقيل الثانية، واختلف في شهوده بدراً، فنفاه ابن
إسحاق، والكلبيّ، وأثبته غيرهما، وشهد أُحُداً، وما بعدها من المشاهد،
وشَهِد مع عمر ﴿هَا فتح البيت المقدّس، مات بالمدينة سنة عشرين، وصلى
(١).
عليه عمر
(وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)؛ أي: من رهطه، ولم يكن ابن عمه حقيقة؛
لأنه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل،
وأُسيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس إنما يجتمعان في امرئ
القيس، وهما في التعدد إليه سواء.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣٣/١٣.

١٥٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
(فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ)؛ أي: ولو كان من
الخزرج، إذا أمرنا النبيّ و ◌َ ﴿ بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا من ذلك،
(فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ) أطلق أُسيد ◌َ﴿به ذلك مبالغة في زجره عن
القول الذي قاله، وأراد بقوله: ((فإنك منافق))؛ أي: تصنع صنيع المنافقين،
وفسّره بقوله: ((تجادل عن المنافقين))، وقابل قوله لسعد بن معاذ: ((كذبت، لا
تقتله)) بقوله هو: ((كذبت لنقتلنّه))، وقال المازريّ: إطلاق أُسيد لم يُرِد به نفاق
الكفر، وإنما أراد أنه كان يُظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه في هذه القصة
ضدّ ذلك، فأشبه حال المنافق؛ لأن حقيقته إظهار شيء، وإخفاء غيره، ولعل
هذا هو السبب في تَرْك إنكار النبيّ تَّ عليه.
(فَثَارَ)؛ أي: تناهضوا للنزاع، والعصبية، وأصله من ثار الشيء يثور: إذا
ارتفع، وانتشر، ولفظ البخاريّ: ((فتثاور)) بمثناة، ثم مثلّثة، تفاعل من الثورة.
(الْحَيَّانِ) بحاء مهملة، ثم تحتانية مشدّدة: تثنية حيّ، والحيّ القبيلة؛ أي:
تناهضوا للنزاع والعصبية، وقوله: (الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) بدل من ((الحيان))،
والمعنى: نهض الحيّان بعضهم إلى بعض من الغضب، ووقع في حديث ابن
عمر: ((وقام سعد بن معاذ، فسَلّ سيفه)).
(حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا)؛ أي: حتى قصدوا المحاربة، وتناهضوا للنزاع،
وزاد ابن جريج في روايته، في قصة الإفك هنا: ((قال: قال ابن عباس: فقال
بعضهم لبعض: موعدكم الحرّة))؛ أي: خارج المدينة؛ لتتقاتلوا هناك.
(وَرَسُولُ اللهِ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ﴿ يُخَفِّضُهُمْ)؛ أي:
يتلطف بهم ليسكتوا (حَتَّى سَكَتُوا)؛ أي: الحيّان، (وَسَكَتَ) النبيّ وَّ، وفي
رواية ابن حاطب: ((فلم يزل يومئ بيده إلى الناس ها هنا، حتى هدأ الصوت))،
وفي رواية فُليح: ((فنزل، فخفّضهم، حتى سكتوا))، ويُحْمَل على أنه سكّتهم،
وهو على المنبر، ثم نزل إليهم أيضاً ليكمل تسكيتهم، ووقع في رواية عطاء
الخرسانيّ، عن الزهريّ: ((فحجز بينهم)).
(قَالَتْ) عائشة رِؤُّ: (وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ: ((فمكثت
يومي ذلك))، (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْم) كناية عن
عدم نومها بالكلّة، زاد في رواية البخاريّ: ((فأصبح أبواي عندي))؛ أي: أنهما

١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
جاءا إلى المكان الذي هي فيه من بيتهما، لا أنها رجعت من عندهما إلى
بيتها، ووقع في رواية محمد بن ثور، عن معمر، عند الطبريّ: ((وأنا في بيت
أبويّ))، (ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((وقد بكيت ليلتين،
ويوماً))؛ أي: الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخبر، واليوم الذي خطب فيه
النبيّ ◌َّ الناس، والليلة التي تليه، ووقع في رواية فُليح: ((وقد بكيت ليلتي
ويوماً))، قال في ((الفتح): وكأن الياء مشدّدة، ونَسَبتهما إلى نفسها؛ لِما وقع لها
فيهما. انتهى. (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ)، وفي رواية
فُليح: ((حتى أظنّ))، ويُجمع بأن الجميع كانوا يَظْنون ذلك، (أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ)
من فلق الشيء: إذا شقّه، (كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة، قال
الفيّوميّ تَخْتُ: الكبد من الأمعاء معروفة، وهي أنثى، وقال الفرّاء: تُذكّر،
وتؤنَّث، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الباء، والجمع أكباد، وكبود
قليلاً. انتهى(١) .
وقال المجد: الكبد بالفتح، والكسر، وكَكَتِف: معروف، وقد يُذكّر.
(٢) .
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن الكبد فيه ثلاث لغات: فتح
الكاف، وكسر الموحّدة، وسكونها، مع فتح الكاف، وكسرها، والله تعالى أعلم.
(فَبَيْنَمَا هُمَا) وفي رواية للبخاريّ: ((فبينا هما))، (جَالِسَانِ عِنْدِي، وَ) الحال
(أَنَا أَبْكِي)، وقولها: (اسْتَأْذَنَتْ) جواب ((بينما))؛ أي: طلبت الإذن منّي في
الدخول عليّ، (عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها.
(فَأَذِنْتُ لَهَا) في الدخول (فَجَلَسَتْ تَبْكِي) معي تحزّناً عليّ. (قَالَتْ) عائشة:
(فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ)، وفي رواية للبخاريّ: ((فينا نحن كذلك))، (دَخَلَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ وَ ﴿)، وفي رواية هشام بن عروة: ((فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا،
حتى دخل عليّ رسول الله وَّ، وقد صلى العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن
يميني، وعن شمالي))، وفي رواية ابن حاطب: ((وقد جاء رسول الله وَلقول حتى
جلس على سريرٍ وجاهي))، وفي حديث أم رومان: ((أن عائشة في تلك الحالة
(١) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢.
(٢) ((القاموس)) ص ١١١٠.

١٥٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
كانت بها الحمى النافض، وأن النبيّ ◌َ ◌ّ لمّا دخل، فوجدها كذلك، قال: ما
شأن هذه؟ قالت: أخذتها الحمى بنافض، قال: فلعله في حديث تُحُدّث؟
قالت: نعم، فقعدت عائشة)).
(فَسَلَّمَ) بَّهِ (ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ
لَبِثَ) بكسر الباء؛ أي: مكث ◌ِِّ (شَهْراً لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ) حَكَى
السهيليّ أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوماً، فألغى
الكسر في هذه الرواية، وعند ابن حزم أن المدة كانت خمسين يوماً، أو أَزْيد،
ويُجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة، ونزول القرآن في قصة
الإفك، وأما التقييد بالشهر، فهو المدّة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها
حين بلغها الخبر.
(قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ وَلِ حِينَ جَلَسَ) وفي رواية هشام بن عروة:
((فحَمِد الله، وأثنى عليه))، (ثُمَّ قَالَ) بعد التشهّد: ((أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛
لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد التشهّد، (يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي
عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) هو كناية عما رُميت به، من الإفك، قال القرطبيّ: وهذا يدلّ
على أن كذا وكذا يُكنى بها عن الأحوال، كما يُكنى بها عن الأعداد.
انتھی(١).
وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من
لفظ النبيّ ◌َّ، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((فقال: يا عائشة، إنه قد كان ما
بلغك من قول الناس، فاتقِ الله، وإن كنت قارفت سوءاً فتوبي))، (فَإِنْ كُنْتِ
بَرِيئَةً) مما رُميت به (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ)؛ أي: بوحي يُنزله بذلك، قرآناً، أو غيره.
(وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَتْبٍ)؛ أي: وقع منك على خلاف العادة، وهذا حقيقة
الإلمام ومنه قوله:
أَلَمَّتْ بِنَا وَاللَّيْلُ مُرْخِ سُتُورَهُ
وقول الآخر:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا
(١) ((المفهم)) ٧/ ٣٧٣.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
أي: متى يقع منك هذا النادر، وهو أصل اللمم(١).
(فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ) وفي رواية معمر: ((ثم توبي إليه))، وفي رواية
أبي أويس: ((إنما أنتِ من بنات آدم، إن كنت أخطأت، فتوبي))، قال النوويّ:
معناه: إن كنت فعلت ذنباً، وليس ذلك لك بعادة، وهذا أصل اللمم.
انتھی(٢).
(فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ)؛ أي: أقرّ (بِذَنْبِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)) قال
القرطبيّ: هذا دليلٌ على أن الاعتراف بالذنب لا يُغني عن التوبة، بل لا بدّ من
التوبة مع الاعتراف.
وقال الداوديّ: أمَرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى الكتمان المفرِّق بين
أزواج النبيّ وَّ وغيرهنّ، فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهنّ، ولا
يكتمنه إياه؛ لأنه لا يحل لنبيّ إمساك من يقع منها ذلك، بخلاف نساء الناس،
فإنهنّ نُدبن إلى الستر.
وتعقبه عياض: بأنه ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، ولا فيه أنه
أمَرها بالاعتراف، وإنما أمَرها أن تستغفر الله، وتتوب إليه؛ أي: فيما بينها
وبين ربها، فليس صريحاً في الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك، قال
الحافظ: وسياق جواب عائشة يُشعر بما قاله الداوديّ، لكن المعترف عنده ليس
إطلاقه، فليتأمل، ويؤيد ما قاله عياض أن في رواية حاطب: ((قالت: فقال
أَبِي: إن كنت صنعت شيئاً فاستغفري الله، وإلا فأخبري رسول الله ﴿ ﴿ بعذرك)).
(قَالَتْ) عائشة ◌ِّنَا: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وَلِ مَقَالَتَهُ) تلك (قَلَصَ دَمْعِي)
بفتح القاف، واللام، ثم صاد مهملة؛ أي: استمسك نزوله، فانقطع، ومنه
قَلَص الظلّ: إذا ارتفع، قال القرطبيّ: سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ
أحدهما فُقد الدمع؛ لفرط حرارة المصيبة.
وقال النوويّ: ((قلص)) بفتح القاف، واللام؛ أي: ارتفع؛ لاستعظام ما
يُعييني من الكلام. انتهى (٣).
(١) ((المفهم)) ٣٧٣/٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١١١/١٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١١/١٧.

١٥٩
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وقال القرطبيّ(١): ((قلص))؛ أي: انقبض، وارتفع، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ
الحزن والموجدة، قد انتهت نهايتها، وبلغت غايتها، ومهما انتهى الأمر إلى
ذلك جفّ الدمع؛ لفرط حرارة المصيبة، كما قال الشاعر:
عَيْنَيَّ سُخَّا وَلَا تَشُخَّا جَلَّ مُصَابِي عَنِ الدَّوَاءِ
إِنَّ الأَسَى وَالْبُكَا جَمِي معاً ضِدَّانِ كَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ
(حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضمّ الهمزة، وكسر السين المهملة؛ أي: ما أجد (مِنْهُ)؛
أي: من الدمع (قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي) أبي بكر ◌َظُه: (أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ وَه
فِيمَا قَالَ)؛ أي: فيما تكلّم به الآن من الكلام، (فَقَالَ) أبو بكر تَظُبه: (والله ما)
نافية، (أَدْرِي مَا) موصولة؛ أي: الذي (أَقُولُ).ه (لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿) قيل: إنما
قالت عائشة لأبيها ذلك، مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا
اطّلاع له على ذلك، لكن قالته إشارةً إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن،
يخالف الظاهر الذي هو يطّلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت، وأنت
على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: ((لا أدري))؛ لأنه
كان كثير الاتّباع لرسول الله وَلّر، فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى، ولأنه
وإن كان يتحقق براءتها، لكنه كَرِه أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها :
((لا أدري))، ووقع في رواية هشام بن عروة: ((فقال: ماذا أقول؟))، وفي رواية
أبي أويس: ((فقلت لأبي: أجب، فقال: لا أفعل، هو رسول الله وَّر، والوحي
یأتیه)».
وقال النوويّ تَخْلُهُ: قولها لأبويها: ((أجيبا عني)) فيه تفويض الكلام إلى
الكبار؛ لأنهم أعرف بمقاصده، واللائق بالمواطن منه، وأبواها يعرفان حالها،
وأما قول أبويها: ((لا ندري ما نقول)) فمعناه: أن الأمر الذي سألها عنه لا
يَقفان منه على زائد على ما عند رسول الله وَ ﴿ قبل نزول الوحي، من حُسن
الظنّ بها، والسرائر إلى الله تعالى. انتهى(٢).
(فَقُلْتُ لأُمِّي أم رُومان) ◌َّ: (أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَقَالَتْ: والله مَا
أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ). قالت عائشة: (فَقُلْتُ: وَ) الحال (أَنَا جَارِيَةٌ
(١) ((المفهم)) ٣٧٤/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١١١.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حَدِيثَةُ السَّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيراً مِنَ الْقُرْآنِ) قالت هذا؛ توطئةً لعذرها؛ لكونها لم
تستحضر اسم يعقوب عليَّا، ووقع في رواية هشام بن عروة: ((فلما لم يجيباه،
تشهدتُ، فحمدتُ الله، وأثنيتُ عليه بما هو أهله، ثم قلتُ: أما بعدُ))، وفي
رواية ابن إسحاق: ((فلما استعجما عليّ، استعبرت، فبكيت، ثم قلت: والله لا
أتوب مما ذكروا أبداً)).
(إِنِّي والله لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا) الأمر (حَتَّى اسْتَقَرَّ)، وفي
رواية فُليح: ((وقر)) بالتخفيف؛ أي: ثبت وزناً ومعنى (فِي نُفُوسِكُمْ) وفي بعض
النسخ: ((في أنفسكم))، (وَصَدَّقْتُمْ بِهِ) وفي رواية هشام بن عروة: ((لقد تكلمتم
به، وأُشربته قلوبكم))، قالت هذا، وإن لم يكن على حقيقته، على سبيل
المقابلة لِمَا وقع من المبالغة في التنقيب عن ذلك، وهي كانت لِمَا تحققته من
براءة نفسها، ومنزلتها، تعتقد أنه كان ينبغي لكل من سمع عنها ذلك أن يقطع
بكذبه، لكن العذر لهم عن ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في
ذلك، ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا، والسكوت عليه، بل تعيَّن التنقيب
عليه؛ لِقَطْع شُبَهِهِم، أو مرادها بمن صَدَّق به: أصحاب الإفك، لكن ضمت
إليه من لم يكذبهم تغليباً .
(فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ) مما رُميت به، وقولها: (والله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ)
جملة معترضة بين الشرط وجوابه، جيء بها تأكيداً للكلام، (لَا تُصَدِّقُونِي
بِذَلِكَ)؛ أي: لا تقطعون بصدقي، وفي رواية هشام بن عروة: ((ما ذاك بنافعي
عندكم))، وقالت في الشق الآخر: (لتصدقني))، وإنما قالت ذلك؛ لأن المرء
مؤاخذ بإقراره، ووقع في حديث أم رُومان: ((لئن حلفت لا تصدقونني، ولئن
قلت، لا تعذرونني)).
(وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ) أي: بما رُميت به، (والله يَعْلَمُ أَنِّ بَرِيئَةٌ
لَتُصَدِّقُونَنِي) بنونين، وفي رواية: ((لتصدقُنّي)) بتشديد النون، والأصل
تصدقونني، فأدغمت إحدى النونين في الأخرى. (وَإِنِّي والله مَا) نافية، (أَجِدُ
لِي وَلَكُمْ مَثَلاً)، وفي رواية: ((والله ما أجد لكم مثلاً))، وفي رواية: ((ما أجد
لكم، ولي مثلاً))، (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو یُوسُفَ:) زاد ابن جریج في روایته:
((واختُلس مني اسمه))، وفي رواية هشام بن عروة: ((والتمست اسم يعقوب، فلم