النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) قال الحافظ تَخْذَلُهُ: هذا إشارة إلى أن بعض هؤلاء الأربعة أمْيَز في سياق الحديث من بعض، من جهة حفظ أكثره، لا أن بعضهم أضْبط من بعض مطلقاً، ولهذا قال: ((أوعى له))؛ أي: للحديث المذكور خاصّة. (وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصاً)؛ أي: سياقاً، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): (اقتصاصاً))؛ أي: حفظاً، يقال: قصصت الشيء: إذا تتبّعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيدٌ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: اتبعي أثره، ومنه القاصّ الذي يأتي بالقصة، ويجوز بالسين: قسست أثره قَسّاً. انتهى(١). (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العينِ؛ أي: حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم)؛ أي: الأربعة المذكورين، (الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي) ولفظ البخاريّ: ((الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عن عائشة))، قال الكرمانيّ: فإن قلت: قال أوّلاً: ((كلهم حدثني طائفة))، وثانياً: ((وعيت عن كل واحد منهم الحديث))، وهما متنافيان. قلت: المراد بالحديث: البعض الذي حدثه منه؛ إذ الحديث يُطلق على الكل، وعلى البعض، وهذا الذي فعله الزهريّ من جَمْعه الحديث عنهم جائز(٢). وقال في ((الفتح)): ((الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عن عائشة))؛ أي: القَدْر الذي حدّثني به؛ ليطابق قوله: ((وكلَّ حدثني طائفة من الحديث))، وحاصله أن جميع الحديث عن مجموعهم، لا أن مجموعه عن كل واحد منهم، ووقع في رواية أفلح: ((وبعض القوم أحسن سياقاً)). (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً) قال الحافظ: كأنه مقلوب، والمقام يقتضي أن يقول: وحديث بعضهم يُصَدِّق بعضاً، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد: أن بعض حديث كلِّ منهم يدلّ على صدق الراوي في بقية حديثه؛ لحسن سياقه، وجودة حفظه. انتهى(٣) . وقال في ((العمدة)): القياس أن يقال: بعضهم يصدّق بعضاً، أو حديث (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. (٣) ((الفتح)) ٣٩٣/١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة بعضهم يصدّق بعضاً، ولكن لا شك أن المراد ذلك، لكن قد يُستعمل أحدهما مكان الآخر؛ لِمَا بينهما من الملازمة، بحسب عُرف الاستعمال. انتهى(١). (ذَكَرُوا)؛ أي: الأربعة المذكورون، ووقع في رواية فُليح: ((زعموا أن عائشة قالت)) والزعم قد يقع موضع القول، وإن لم يكن فيه تردد، لكن لعلّ السر فيه أن جميع مشايخ الزهريّ لم يصرّحوا له بذلك، كذا أشار إليه الكرمانيّ(٢). (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ قَالَتْ) ووقع في رواية البخاريّ ما لفظه: ((الذي حدّثني عروة، عن عائشة ﴿يّا))، قال في ((الفتح)): هكذا في رواية الليث، عن يونس، وأما رواية ابن المبارك، وابن وهب، وعبد الله النميريّ، فلم يقل واحد منهم عن يونس: ((الذي حدّثني عروة))، وإنما قالوا: عن عائشة، فاقتضت رواية الليث أن سياق الحديث عن عروة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أول شيء منه، ويؤيده أنه تقدم في ((الهبة))، وفي ((الشهادات)) من طريق يونس، عن الزهريّ، عن عروة وحده، عن عائشة أوّل هذا الحديث، وهو القرعة عند إرادة السفر، وكذلك أفردها أبو داود، والنسائيّ من طريق يونس، وكذا يحيى بن يمان عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عند ابن ماجه، والاحتمال الأول أَولى؛ لِمَا ثبت أن الرواة اختلفوا في تقديم بعض شيوخ الزهريّ على بعض، فلو كان الاحتمال الثاني متعيناً لامتنع تقديم غير عروة على عروة، ولَأَشعر أيضاً أن الباقين لم يرووا عن عائشة قصة القرعة، وليس كذلك، فقد أخرج النسائيّ قصة القرعة خاصّة من طريق محمد بن عليّ بن شافع، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله وحده، عن عائشة، وستأتي القصة من رواية هشام بن عروة وحده، وفي سياقه مخالفة كثيرة للسياق الذي هنا للزهريّ عن عروة، وهو مما يتأيد به الاحتمال الأول، والله أعلم. انتھی(٣). (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَراً)؛ أي: إلى سفر، فهو منصوب بنزع الخافض، أو ضُمِّن ((يَخرج)) معنى يُنشئ فيكون سفراً نصباً على (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. (٣) ((الفتح)) ١٠/ ٣٩٣. (٢) ((الفتح)) ١٠/ ٣٩٤. ١٠٣ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) المفعولية، وفي رواية فُليح، وصالح بن كيسان: ((كان إذا أراد سفراً)) (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ)؛ أي: ساهم بينهنّ؛ تطبيباً لقلوبهنّ. [تنبيه]: قال في ((العمدة)): كيفية القرعة بالخواتيم، يؤخذ خاتم هذا، وخاتم هذا، ويدفعان إلى رجل، فيُخرج منهما واحداً، وعن الشافعيّ: يَجعل رقاعاً صغاراً يكتب في كل واحد اسم ذي السهم، ثم يجعل بنادق طين، ويُغطي عليها ثوبٌ، ثم يُدخل رجل يده، فيخرج بندقة، وينظر مَن صاحبها، فيدفعها إليه، وقال أبو عبيد بن سلام: عَمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء . نبيّنا، ويونس، وزكرياء لّلُ. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ومشروعية القرعة مما اختلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحَكَى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل البخاريّ ضابطها الأمرَ المشكلَ، وفسّرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين، فأكثر، وتقع المشاححة فيه، فيُقرَع لفصل النزاع، وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال شيء من الحقّ كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء، فعليهم أن يَعدِلوا ذلك بالقيمة، ثم يقترعوا، فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعاً مما كان له في المُلك مشاعاً فيُضم في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عُدِّلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئاً معيناً، فيختاره الآخر، فيقع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية، وإما في تعيين الملك، فمن الأول عَقْد الخلافة، إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات، والمؤذنين، والأقارب في تغسيل الموتى، والصلاة عليهم، والحاضنات إذا كنّ في درجة، والأولياء في التزويج، والاستباق إلى الصف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نَقْل المعدن، ومقاعد الأسواق، والتقديم بالدعوى عند الحاكم، والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في الخان المسبَّل، ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القَسم، والدخول في ابتداء النكاح، وفي الإقراع بين العبيد، إذا أوصى بعتقهم، ولم يَسَعْهم الثلث، وهذه (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الأخيرة من صُوَر القسم الثاني أيضاً، وهو تعيين المُلك، ومن صُور تعيين الملك: الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَُّ: فيه دليل على أن للقرعة مدخلاً شرعيّاً في الحقوق المشتركة، وهو قول الكافة، قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ومحمد - صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين - قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يُقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردّها، وحَكَی عن أبي حنيفة إجازتها، قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياس للآثار. قال القرطبيّ: ومقتضى هذا أنه قَصَرها على المواضع التي وردت في الأحاديث، دون تعديتها إلى غيرها، وهو قول مالك أيضاً، والمغيرة، وبعض أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعض الكوفيين، وقال: هي كالأزلام، وبإجازتها في المشكلات قال الشافعيّ، قال القاضي: وهو مشهور مذهب مالك. وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفراً، فقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك في أحد قوليه، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهنّ إلا من خرجت عليها القرعة؛ تمسُّكاً بظاهر هذا الحديث، فإنه كالنصّ في ذلك، وقال مالك أيضاً: إن له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وإن القسمة هنا سقطت للضرورة؛ إذ قد تكون إحداهنّ أخفّ محملاً، وأقلّ مؤونةً، وأصلح للسفر، والأخرى أصلح للمقام في بيته؛ لسدّ ضيعته، وللقيام بولده، وقد تكون أثقل جسماً، وأكثر مؤونة. قال القرطبيّ: والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في هذا، وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء، فإذا كان فيهنّ من تصلح للسفر، ومن لا تصلح تعيّن من تصلح، ولا يمكن أن يقال: يجب أن يسافر بمن لا تصلح؛ لأنَّ ذلك ضرر، ومشقة عليه، و((لا ضرر، ولا ضرار))(٢)، وإنما تدخل القرعة (١) ((الفتح)) ٥٦٥/٦ - ٥٦٦، ((كتاب الشهادات)) رقم (٢٦٨٦). (٢) هذا حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه بلفظ: ((قضى رسول الله ولو أن لا ضرر، ولا ضِرار))، قاله الشيخ الألباني كَُّ. ١٠٥ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) إذا كنّ كلهنّ صالحات للسفر، فحينئذ تتعيّن القرعة؛ لأنَّه لو أخرج واحدة منهنّ بغير قرعة لخيف أن يكون ذلك ميلاً إليها، ولكان للأخرى مطالبته بحقها، فإذا خرج بمن وقعت عليها القرعة انقطعت حجَّة الأخرى، وارتفعت التهمة عنه، وطاب قلب من بقي منهنّ، والله تعالى أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن القرعة مشروعة، لصحة الأدلة على ذلك، وليس للمانعين حجة مقنعة، بل هي مجرّد استدلال عقليّ؛ فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (فَأَيَّتُهُنَّ) وقع في رواية الأصيليّ من طريق فُليح: ((فأيّهنّ)) بغير مثناة، والأولى أَولى، (خَرَجَ سَهْمُهَا) بالقرعة (خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ مَعَهُ) إلى السفر. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ضَّا: (فَأَقْرَعَ) النبيّ ◌ََّ (بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلِقِ، وصرّح بذلك محمد بن إسحاق في روايته، وكذا أفلح بن عبد الله عند الطبرانيّ، وعنده في رواية أبي أويس: ((فخرج سهم عائشة في غزوة بني المصطلِقِ، من خُزاعة))، وعند البزار من حديث أبي هريرة: ((فأصابت عائشةً القرعةُ في غزوة بني المصطلِقِ))، وفي رواية بكر بن وائل، عند أبي عوانة ما يُشعر بأن تسمية الغزوة في حديث عائشة مدرَج في الخبر، قاله في ((الفتح))(٢). [تنبيه]: اختلف في غزوة المصطلِق متى كانت؟: قال في ((الفتح)): أما المصطلق: فهو بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء المهملة، وكسر اللام، بعدها قاف، وهو لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بطن من بني خزاعة. وأما المريسيع: فبضم الميم، وفتح الراء، وسكون التحتانيتين، بينهما مهملة مكسورة، وآخره عين مهملة، هو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفُرْع مسيرة يوم. قال ابن إسحاق: كانت سنة ست، كذا هو في مغازي ابن إسحاق، رواية يونس بن بكير، وغيره عنه، وقال: في شعبان، وبه جزم خليفة، والطبريّ، وروى البيهقيّ من رواية قتادة، وعروة، وغيرهما، أنها كانت في شعبان سنة خمس، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق. (١) ((المفهم)) ٣٦٥/٧ - ٣٦٦. (٢) ((الفتح)) ٣٩٥/١٠. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وقال موسى بن عقبة: سنة خمس، ولفظه: ثم قاتل رسول الله وَله بني المصطلق، وبني لحيان، في شعبان سنة خمس، ويؤيده ما أخرجه البخاريّ في ((الجهاد)) عن ابن عمر أنه غزا مع النبيّ وَّه بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذَّن له في القتال؛ لأنه إنما أُذن له فيه في الخندق، كما تقدم، وهي بعد شعبان، سواء قلنا: إنها كانت سنة خمس، أو سنة أربع، وقال الحاكم في ((الإكليل)): قول عروة وغيره: إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قال الحافظ: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقع في ((الصحيح)) من ذِكر سعد بن معاذ غلطاً؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح، كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل: سنة أربع، فهي أشدّ، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان؛ لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضاً، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجوداً في المريسيع، ورُمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة، قال: ويؤيده أيضاً أن حديث الإفك كان سنة خمس؛ إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس، أما قول الواقديّ: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود، وقد جزم خليفة، وأبو عبيدة، وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال: أشهرها سنة أربع، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح كون غزوة المصطلق سنة خمس من الهجرة، والله تعالى أعلم. (فَخَرَجَ فِيهَا)؛ أي: تلك الغزوة، (سَهْمِي) قال في ((الفتح)): هذا يُشعر بأنها كانت في تلك الغزوة وحدها، لكن عند الواقديّ من طريق عبّاد بن عبد الله (١) ((الفتح)) ٢٤١/٩ - ٢٤٢، ((كتاب المغازي)) رقم (٤١٣٨). ١٠٧ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) عنها، أنها خرجت معه في تلك الغزوة أيضاً أم سلمة، وكذا في حديث ابن عمر، وهو ضعيف، ولم يقع لأم سلمة في تلك الغزوة ذِكر، ورواية ابن إسحاق من رواية عبّاد ظاهرة في تفرّد عائشة بذلك، ولفظه: ((فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي معه)). انتهى(١). (فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَنْزِلَ الْحِجَابُ)؛ أي: بعدما نزل الأمر بالحجاب، والمراد: حجاب النساء عن رؤية الرجال لهنّ، وكنّ قبل ذلك لا يُمنعن، وهذا قالته كالتوطئة للسبب في كونها كانت مستترةً في الهودج، حتى أفضى ذلك إلى تحميله، وهي ليست فيه، وهم يظنون أنها فيه، بخلاف ما كان قبل الحجاب، فلعل النساء حينئذ كنّ يركبن ظهور الرواحل بغير هوادج، أو يركبن الهوادج غير مستترات، فما كان يقع لها الذي يقع، بل كان يعرف الذي کان یخدم بعیرها، إن كانت ركبت أم لا . (فَأَنَّا أُحْمَلُ) بالبناء للمفعول، (فِي هَوْدچِي) بفتح الهاء، وسكون الواو، ويفتح الذال المهملة، وفي آخره جيم، وهو مَرْكب من مراكب العرب، أُعِدّ للنساء، قاله في ((العمدة))(٢). وقال في ((الفتح)): ((الهودج)) بفتح الهاء، والدال، بينهما واو ساكنة، وآخره جيم: مَحْمِل، له قُبّة، تُستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير، يركب عليه النساء؛ ليكون أستر لهنّ، ووقع في رواية أبي أويس بلفظ: ((الْمِحَفّة))(٣). (وَأُنْزَلُ فِيهِ)، وفي رواية ابن إسحاق: ((فكنت إذا رَحُلوا بعيري جلست في هودجي، ثم يأخذون بأسفل الهودج، فيضعونه على ظهر البعير)). وقوله: (مَسِيرَنَا) هكذا رواية مسلم، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فَسِرْنا حتى إذا فرغ إلخ))، وللأول وجه، وهو أن ((مسيرنا)) ظرف تنازعه ((أُحمل))، و((أُنزل))؛ والمعنى: أن هذا الحمل في الهودج، والإنزال فيه كان في جميع أوقات السير، وأماكنه. (١) ((الفتح)) ٣٩٥/١٠. (٣) ((الفتح)) ٣٩٥/١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ مِنْ غَزْوِهِ) قال في ((الفتح)): كذا اقتصرت القصةَ؛ لأن المراد سياق قصة الإفك خاصّة، وإنما ذكرتْ ما ذكرتْ ذلك كالتوطئة؛ لِما أرادت اقتصاصه، ويَحْتَمِل أن تكون ذكرت جميع ذلك، فاختصره الراوي؛ للغرض المذكور، ويؤيده أنه قد جاء عنها في قصة غزوة بني المصطلق أحاديث غير هذا، ويؤيد الأول أن في رواية الواقديّ عن عباد: ((قلت لعائشة: يا أمتاه حدثينا عن قصة الإفك، قالت: نعم))، وعنده: ((فخرجنا، فغَنَّمه الله أموالهم، وأنفسهم، ورجعنا)). انتهى(١). (وَقَفَلَ) بقاف وفاء، من باب نصر، وضرب قُفولاً (٢)؛ أي: رجع من غزوته. (وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ) زاد في رواية البخاريّ: ((قافلين))؛ أي: راجعين، والمراد: أن قصتها وقعت حال رجوعهم من الغزوة قُرب دخولهم المدينة. (آذَنَ) بالمدّ، والتخفيف، وبغير مدّ، والتشديد، كلاهما بمعنى أعْلَمَ بالرحيل، وفي رواية ابن إسحاق: ((فنزل منزلاً، فبات به بعض الليل، ثم آذن بالرحيل)). (لَيْلَةً) ظرف لـ«آذن))، (بِالرَّحِيلِ)؛ أي: بالذهاب من ذلك الموضع، وفي رواية بعضهم: ((الرحيلَ)) بغير موحّدة، وبالنصب، وكأنه حكاية قولهم: الرحيلَ بالنصب على الإغراء، قاله في ((الفتح)) (٣). (فَقُمْتُ)؛ أي: من منزلي (حِينَ آذَنُوا)؛ أي: أعلموا (بِالرَّحِيلِ)؛ أي: بالارتحال، (فَمَشَيْتُ) بفتح الشين، من باب ضرب؛ أي: ذهبت لأقضي حاجتي منفردة، (حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ) وبعُدت عنهم، (فَلَمَّا قَضَيْتُ)؛ أي: فرغت (مِنْ شَأْنِي) ولفظ البخاريّ: ((فلما قضيت شأني))؛ أي: الذي توجهت بسببه، وقال العينيّ؛ أي: ما يتعلق بقضاء الحاجة، وهو ما يُكنى عنه؛ استقباحاً لذكره. انتهى (٤). قال في ((الفتح)): ووقع في حديث ابن عمر خلاف ما في ((الصحيح))، وأن سبب توجهها لقضاء حاجتها أن رَحْل أم سلمة مَالَ، فأناخوا بعيرها؛ ليصلحوا رحلها، قالت عائشة: فقلت: إلى أن يُصلحوا رحلها، قضيت (١) ((الفتح)) ٣٩٥/١٠. (٣) ((الفتح)) ٣٩٦/١٠. (٢) راجع: ((القاموس)) ص ١٠٨٠. (٤) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. ١٠٩ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) حاجتي، فتوجهت، ولم يعلموا بي، فقضيت حاجتي، فانقطعت قلادتي، فأقمت في جمعها، ونظامها، وبعث القوم إبلهم، ومضوا، ولم يعلموا بنزولي، وهذا شاذّ، منكرٌ. انتهى(١). (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) قال الكرمانيّ: الرحل: المتاع، وقال العينيّ: الرحل: المنزل، والمسكن، يقال: انتيهنا إلى رحالنا؛ أي: إلى منازلنا. هـ(٢) . وقال الفيّوميّ: الرَّحْلُ: كلُّ شيء يُعَدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْس، ورَسَن، وجَمْعه أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُسٍ، وسِهَامٍ. انتهى(٣). (فَلَمَسْتُ) بيدي (صَدْرِي)، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني انقطاع عقدي. (عِقْدِي) بكسر العين: قلادةٌ تُعَلَّق في العنق؛ للتزين بها، (مِنْ جَزْعٍ) - بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها عين مهملة -: خَرَزٌ معروف، في سواده بياض؛ كالعروق، قال ابن القطّاع: هو واحد، لا جمع له، وقال ابن سيده: هو جَمْع واحده جَزَعة، وهو بالفتح، فأما الجزع بالكسر، فهو جانب الوادي، ونَقَل كراع أن جانب الوادي بالكسر فقط، وأن الآخر يقال بالفتح، وبالكسر، وأغرب ابن التين فحكى فيه الضم، قال التيفاشيّ: يوجد في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين، قال: وليس في الحجارة أصلب جسماً منه، ويزداد حُسْنه إذا طُبخ بالزيت، لكنهم لا يتيمّنون بِلُبسه، ويقولون: من تقلّده كَثُرت همومه، ورأى منامات رديئة، وإذا عُلِّق على طفل سال لعابه، ومن منافعه إذا أُمِرّ على شعر الْمَطْلُوقة(٤) سَهُلت ولادتها(٥). (مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ) قال النوويّ تَخْتُهُ: الجزع: بفتح الجيم، وإسكان الزاي، هو خرز يمانيّ، وأما ظَفَار: فبفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء، وهي مبنية على الكسر، تقول: هذه (١) ((الفتح)) ٣٩٦/١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. (٤) وقع في نسخة ((الفتح)): الْمُطلَقَة، والذي في كتب اللغة أنها المطلوقة، يقال: طلقت المرأة بالبناء للمفعول، فهي مطلوقة وهي التي أخذها وجع الولادة. (٥) ((الفتح)) ٣٩٦/١٠. ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ظفارٍ، ودخلت ظفارٍ، وإلى ظفارٍ بكسر الراء، بلا تنوين في الأحوال كلها، وهي قرية في اليمن. انتهى(١). ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((من جزع أظفار))، قال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية: ((أظفار)) بزيادة ألف، وكذا في رواية فليح، لكن في رواية الكشميهنيّ من طريقه: ((ظفار))، وكذا في رواية معمر، وصالح، وقال ابن بطال: الرواية: ((أظفار)»، بألف، وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: ((ظفار))، قال ابن قتيبة: ((جزع ظفاري))، وقال القرطبيّ: وقع في بعض روايات مسلم: ((أظفار))، وهي خطأ. قال الحافظ: لكنها في أكثر روايات أصحاب الزهريّ، حتى إن في رواية صالح بن أبي الأخضر عند الطبرانيّ: ((جزع الأظافير)). فأما ظفار - بفتح الظاء المعجمة، ثم فاء، بعدها راء، مبنية على الكسر - فهي مدينة باليمن، وقيل: جبل، وقيل: سُمِّيت به المدينة، وهي في أقصى اليمن إلى جهة الهند، وفي المثل: ((من دخل ظفار حَمِر))؛ أي: تكلم بالحِمْيرية؛ لأن أهلها كانوا من حِمْير، وإن ثبتت الرواية: ((من جزع أظفار)» فلعل عِقدها كان من الظفر، أحد أنواع القُسط، وهو طيّب الرائحة، يُتبخّر به، فلعله عُمل مثل الخرز، فأطلقت عليه جزءاً؛ تشبيهاً به، ونظمته قلادة، إما لِحُسن لونه، أو لطيب ريحه. وقد حَكَى ابن التين أن قيمته كانت اثني عشر درهماً، وهذا يؤيد أنه ليس جَزَعاً ظفاريّاً؛ إذ لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك. ووقع في رواية الواقديّ: ((فكان في عنقي عِقدٌ من جزع ظفارٍ، كانت أمي أدخلتني به على رسول الله وَلات)(٢). وقال القرطبيّ تَخْلُ: صحيح الرواية: ((ظفار))، كما قاله ابن السكيت، وفي ((الصحاح)): ظفارٍ: مثل قَطَام: مدينة في اليمن، يقال: ((من دخل ظفار حَمَّر))، وجَزْعٌ ظفاريٌّ: منسوب إليها، وكذلك عُود ظفاريّ، وهو العود الذي (١) (شرح النوويّ)) ١٠٤/١٧. (٢) ((الفتح)) ٣٩٦/١٠ - ٣٩٧. ١١١ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) يُتبخّر به، وعلى هذا فمن قيّده جزع أظفار بألف، فقد أخطأ، وبالوجه الصحيح رویته. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): قولها: ((من جزع أظفار)): الجزع بفتح الجيم، وسكون الزاي: خرز يمان، وزعم أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي في كتابه ((الأحجار)): إنه يوجد في اليمن في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين، وهو أصناف، فمنه البقرانيّ، والغرويّ، والفارسيّ، والحبشيّ، والعسليّ، والمعرق، وليس في الحجارة أصلب من الجزع جسماً، لا يكاد يجيب من يعالجه سريعاً، وإنما يحسن إذا طبخ بالزيت، وزعمت الفلاسفه أنه يُشتق من اسمه الجزع؛ لأنه يُؤَلِّد في القلب جزعاً، ومن تقلّد به كثُرت همومه، ورأى أحلاماً رديئةً، وكثر الكلام بينه وبين الناس، وإن عُلِّق على طفل كثر لعابه، وسال، وإن لُفّ في شعر الْمُطلقة(٢) ولدت، ويقطع نفث الدم، ويختم القروح، وعند البكريّ: ومنه جزع يُعرف بالنقمي، ومعدنه بضمير وسعوان، وعذيقة، ومخلاف حولان، والجزع السماويّ، وهو العشاريّ، وقال ثعلب في ((الفصيح)): والجزع: الخرز، وقال ابن درستويه: ليس كل الخرز يسمى جزءاً، وإنما الجزع منها المجزع؛ أي: المقطع بالألوان المختلفة، قد قَطع سوادُه ببياضَه، وفي ((المنضد) لكراع، عن الأثرم: أهل البصرة يقولون: الْجَزْع، والْجِزْع بالفتح، والكسر: الخرز، وقال أبو القاسم التميمي في كتابه ((المستطرف)) عن بندار: الجزع واحد، لا جمع له، وقال الحربيّ، وابن سِيده: الجزع: الخرز، واحدته جزعة. وقولها: ((أظفار)) بالألف في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهنيّ ((ظفار)) بلا ألف، وكذا وقع في ((صحيح مسلم)) بلا ألف، وقال القرطبيّ: مَن قيّده بألف أخطأ، وصحيح الرواية بفتح الظاء، وقال ابن السكيت: ((ظفار)) قرية باليمن، وعن ابن سعد: جبل، وفي ((الصحاح)): مبني على الكسر؛ كقَطَامِ، وقال البكريّ: قال بعضهم: سبيلها سبيل المؤنث، لا ينصرف، وقال ابن (١) ((المفهم)) ٣٦٦/٧ - ٣٦٧. (٢) تقدّم أن الصواب الْمَطلوقة، وهي التي أخذها الطلق، الولادة. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قرقول: تُرفع، وتُنصب، وقال أبو عبيد: وقَصْر المملكة بظفارٍ قصر ذي ريدان، ويقال: إن الجن بَنَتها، وقال الكرمانيّ: ظفار بفتح المعجمة، وخفة الفاء، وبالراء: مدينة باليمن، ويقال: جَزْعُ ظَفَاريّ، وفي بعضها أظفار، بزيادة همزة في أولها، نحو الأظفار جمع الظفر، ولعله سُمّي به؛ لأن الظفر نوع من العطر، أو لأنه ما اطمأنّ من الأرض، أو لأن الأظفار اسم لعُود يمكن أن يُجعل کالخرز، فیتحلی به. انتهى. وقال ابن التين: في بعض الروايات: العقد الملتمس مقدار ثمنه اثني عشرة درهماً. انتهى(١). (قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق: ((قد انسلّ من عنقي، وأنا لا أدري))، (فَرَجَعْتُ، فَالْتَمَسْتُ)؛ أي: طلبت (عِقْدِي، فَحَبَسَنِي)؛ أي: منعني (ابْتِغَاؤُهُ)؛ أي: طلب ذلك العقد الذي قد انقطع منّ، وفي رواية ابن إسحاق: ((فرجعت عَودي على بَدْئي إلى المكان الذي ذهبت إليه))، وفي رواية الواقديّ: ((وكنت أظنّ أن القوم لو لبثوا شهراً لم يبعثوا بعيري، حتى أكون في هودجي)). (وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ) - بفتح الراء، وسكون الهاء، وتفتح -، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الرَّهْطُ: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضاً: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ، معناهم: الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ بمعنًى، ويقال: الرَّهْطُ ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في ((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجلِ: قومُه، وقبيلته الأقربونَ. انتهى(٢). وقال الحافظ: ولم أعرف من الرهط هنا أحداً، إلا أن في رواية الواقديّ أن أحدهم أبو موهوبة، مولى رسول الله وَلّ، وهو أبو موهبة الذي رَوَى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص حديثاً في مرض رسول الله وَل﴾، ووفاته، أخرجه (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٣ - ٢٢٩. (٢) (المصباح المنير)) ٢٤١/١ - ٢٤٢. ١١٣ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) أحمد، وغيره، قال البلاذريّ: شَهِد أبو مويهبة غزوة المريسيع، وكان يَخْدُم بعير عائشة، وكان من مُوَلّدي بني مزينة، وكأنه في الأصل أبو موهوبة، ويُصغّر، فيقال أبو موهبة. انتهى(١). (الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي) بفتح حرف المضارعة، وسكون الراء، وفتح الحاء، يقال: رحلتُ البعيرَ رَحْلاً، من باب نَفَعَ: شددت عليه رحله (٢)، وتقدّم قريباً معنى الرحل. وقال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((يَرْحلون لي)) هكذا وقع في أكثر النسخ: (لي)) باللام، وفي بعض النسخ: ((بي)) بالباء، واللام أجود، و((يَرْحَلون)) بفتح الياء، وإسكان الراء، وفتح الحاء المخففة؛ أي: يجعلون الرَّحْل على البعير، وهو معنى قولها: ((فَرَحلوه)) بتخفيف الحاء. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((يرحلون)) بفتح أوله، والتخفيف، رحلت البعير: إذا شددت عليه الرحل، ووقع في رواية أبي ذرّ هنا بالتشديد في هذا، وفي: ((فرحلوه)) . قال: وقوله: ((لي))، في رواية معمر: ((بي))، وحَكَى النوويّ عن أكثر نُسخ ((صحيح مسلم)): ((يرحلون لي))، قال: وهو أجود، وقال غيره بالباء أجود؛ لأن المراد وَضْعها، وهي في الهودج، فشَبَّهَت الهودجَ الذي هي فيه بالرحل الذي يوضع على البعير. انتهى (٤). (فَحَمَلُوا هَوْدَجِي) بفتح الهاء، وسكون الواو: مَرْكَب من مراكب النساء، كما مرّ قريباً، وقولها: (فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ) تفسير وتوضيح لمعنى قولها: ((فحملوا هودجي))، و(البعير)) تقدّم أنه بفتح الموحّدة، وتُكسر قليلاً، ويُطلق على الذكر والأنثى، بخلاف الجمل، فإنه خاصّ بالذكر، والناقة، فإنها خاصّة بالأنثى. وقال في ((الفتح)): ((فرحلوه))؛ أي: وضعوه، وفيه تجوّز، وإنما الرحل هو الذي يوضع على ظهر البعير، ثم يوضع الهودج فوقه. انتهى(٥). (١) ((الفتح)) ٣٩٧/١٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. (٤) ((الفتح)) ٣٩٧/١٠ - ٣٩٨. (٥) ((الفتح)) ٣٩٨/١٠. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة (الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ)، وقولها: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ) بفتح السين، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وورِثَ؛ أي: يظنّون (أَنِّي فِيهِ) بفتح همزة ((أنّ))؛ لسدّها مسدّ مفعولي ((يحسبون))، ثم بيّن سبب هذا الحسبان، فـ(قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاك)؛ أي: وقت حدوث هذه الواقعة، (خِفَافاً) بكسر الخاء، وتخفيف الفاء، وقال في ((الفتح)): قولها: ((وكان النساء إذ ذاك خفافاً)) قالت هذا كالتفسير لقولها: ((وهم يحسبون أني فيه)). انتهى(١). (لَمْ يُهَّلْنَ) قال النوويّ كَُّهُ: ضبطو ((یھبلن)» على أوجه: أشهرها: ضم الياء، وفتح الهاء، والباء المشدّدة؛ أي: يثقلن باللحم، والشحم. والثاني: ((يَهْبَلْنَ)) بفتح الياء، والباء، وإسكان الهاء بينهما . والثالث: بفتح الياء، وضم الباء الموحّدة، ويجوز بضم أوله، وإسكان الهاء وكسر الموحّدة، قال أهل اللغة: يقال: هبله اللحم، وأهبله: إذا أثقله، وكَثُر لحمه، وشحمه، وفي رواية البخاريّ: ((لم يثقلهنّ اللحم))، وهو بمعناه، وهو أيضاً المراد بقولها: ((ولم يغشهنّ اللحم، ويأكلن العُلْقة)) بضم العين؛ أي: القليل، ويقال لها أيضاً: البلغة. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)) قولها: (لم يثقلهنّ اللحم))، في رواية فُليح: ((لم یثقلهنّ، ولم یغشهنّ اللحم)). قال ابن أبي جمرة: ليس هذا تكراراً؛ لأن كل سمين ثقيل من غير عكس؛ لأن الهزيل قد يمتلئ بطنه طعاماً، فيثقل بدنه، فأشارت إلى أن المعنيَيْن لم يكونا في نساء ذلك الزمان(٣). وقال الخطابيّ(٤): معنى قولها: ((لم يغشهنّ))؛ أي: لم يكثر عليهنّ، فيركب بعضه بعضاً، وفي رواية معمر: ((لم يهبلهن)) وضبطه ابن الخشاب فيما حكاه ابن الجوزيّ(6) بفتح أوله، وسكون الهاء، وكسر الموحّدة، ومثله (١) ((الفتح)) ٣٩٨/١٠. (٣) (بهجة النفوس)) ٤٦/٣. (٥) (كشف المشكل)) ٣٢٦/٤. (٢) (شرح النوويّ)) ١٠٤/١٧. (٤) ((الأعلام)) ١٣٠٩/٢. ١١٥ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) القرطبيّ(١) لكن قال: وضم الموحّدة، قال: لأن ماضيه بفتحتين مخففاً، ثم ذكر ما تقدّم عن النوويّ، وفي رواية ابن جريج: ((لم یھبلهن اللحم))، وحَكی القرطبيّ أنها في رواية لابن الحذاء في مسلم أيضاً، وأشار إليها ابن الجوزيّ(٢)، وقال: المهبل: الكثير اللحم، الثقيل الحركة، من السِّمَن، وفلان مهبل؛ أي: مھیج، كأن به ورماً. انتهى. وقال القرطبيّ تَُّ: اختَلَف الرواة في تقييد هذا الحرف - يعني: لم يهبّلن - فرواه العذريّ بضم الياء، وفتح الهاء، وتشديد الباء، على ما لم يُسَمّ فاعله، ومن طريق الطبريّ: بفتح الياء، وسكون الهاء، وفتح الباء، والصواب بضمها؛ لأنَّ ماضيه فَعُل، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء: ((لم يُهَبِّلْن)) بضم الياء، وفتح الهاء، وكسر الباء مشدّدة، وهذه الرواية هي المعروفة في اللغة، قال في ((الصحاح)): هبّله اللحمُ: إذا كَثُر عليه، وركب بعضه على بعض، وأهبله أيضاً، يقال: رجل مُهْبَّلٌ، قال أبو كبير [من الكامل]: مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلٍ قال: وقالت عائشة ◌ّا في حديث الإفك: ((والنساء يومئذ لم يُهَبِّلهنّ اللحم)). انتھی(٣). (وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ) كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ هنا : ((إنما نأكل)) بالنون أوله، وباللام فقط، (الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَام) بضم العين المهملة، وسكون اللام، ثم قاف؛ أي: القليل، قال القرطبيّ: كأن المراد: الشيء القليل الذي يُسَكِّن الرّمَقَ، كذا قال، وقد قال الخليل: الْعُلْقة: ما فيه بُلْغَةٌ من الطعام إلى وقت الغداء، حكاه ابن بطال، قال: وأصلها شجر يبقى في الشتاء، تتبلغ به الإبل حتى يدخل زمن الربيع. انتهى (٤). (فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ) وفي رواية للبخاريّ: ((فلم يستنكر القوم خِفّة الهودج))، قال في ((الفتح)): وهذا أوضح؛ لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها، وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها، بحيث إن (١) ((المفهم)) ٣٦٧/٧. (٣) ((المفهم)) ٧/ ٣٦٧. (٢) (كشف المشكل)) ٣٢٦/٤ - ٣٢٧. (٤) ((الفتح)) ٣٩٩/١٠. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه، وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: ((وكنت جاريةً، حديثة السنّ))؛ أي: أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، وقد وُجِّهت رواية مسلم بأن المراد: لم يستنكروا الثقل الذي اعتادوه؛ لأن ثقله في الأصل إنما هو مما رُكِّب الهودج منه، من خشب، وحبال، وستور، وغير ذلك، وأما هي فلشدّة نحافتها كان لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقل. والحاصل: أن الثقل والخفة من الأمور الإضافية، فيتفاوتان بالنسبة، ويستفاد من ذلك أيضاً أن الذين كانوا يَرْحَلون بعيرها كانوا في غاية الأدب معها، والمبالغة في ترك التنقيب عما في الهودج، بحيث إنها لم تكن فيه، وهم يظنون أنها فيه، وكأنهم جوّزوا أنها نائمة. انتهى(١). (حِينَ رَحَلُوهُ)؛ أي: حملوه على الرحل، وقولها: (وَرَفَعُوهُ) تأكيد لمعنى (رحلوه))، قالت عائشة ﴿ّ: (وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) هو كما قالت؛ لأنها أُدخلت على النبيّ ◌َّ بعد الهجرة في شوال، ولها تسع سنين، وأكثر ما قيل في المريسيع: إنها عند ابن إسحاق كانت في شعبان سنة ست، فتكون لم تكمل خمس عشرة، فإن كانت المريسيع قبل ذلك، فتكون أصغر من ذلك، وفائدة ذكرها هذا أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، ويَحْتَمِل أن تكون أشارت بذلك إلى بيان عُذرها فيما فعلته من الحرص على العقد الذي انقطع، ومن استقلالها بالتفتيش عليه في تلك الحال، وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لِصِغَر سنها، وعدم تجاربها للأمور، بخلاف ما لو كانت ليست صغيرة، لكانت تتفطن لعاقبة ذلك، وقد وقع لها بعد ذلك في ضياع العقد أيضاً أنها أعلمت النبيّ وَلّ بأمره، فأقام بالناس على غير ماء، حتى وجدته، ونزلت آية التيمم بسبب ذلك، فظهر تفاوت حال من جرّب الشيء، ومن لم يجربه، وقد تقدم إيضاحه في ((كتاب التيمم)). (فَبَعَثُوا الْجَمَلَ)؛ أي: أثاروه، (وَسَارُوا) نحو المدينة ظانّين أنها في هودجها، قالت: (وَوَجَدْتُ عِقْدِي)؛ أي: قلادتي التي انقطعت منّي، ثم (١) ((الفتح)) ٣٩٩/١٠. ١١٧ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) ضاعت (بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ) ((بعد)) ظرف لـ((وجدت))، و((ما)) مصدريّة، و((استمرّ)) بمعنى مضى (١)؛ أي: بعد مضيّ الجيش، وذهابه، وقال في ((الفتح)): ((استمرّ))؛ أي: ذهب ماضياً، وهو استَفْعل، من مَرّ. انتهى. وقال في «العمدة)): ((واستمرّ))؛ أي: ذهب، ومضى، قاله الداوديّ، ومنه قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ٢]؛ أي: ذاهب، أو معناه دائم، أو قويّ (٢) شدید. انتهى (فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ) جمع منزل؛ أي: مواضع نزول الجيش، (وَ) الحال أنه (لَيْسَ بِهَا)؛ أي: بتلك المنازل (دَاع)؛ أي: طالب يطلب الضائع، وينادي: یا فلان أين أنت، (وَلَا مُجِيبٌ)؛ أي:َ لذلك الداع، والمراد أنه ليس هناك طالب ولا مطلوب، بل ذهب كلّ من كان في ذلك الموضع. وفي رواية فليح: ((وليس فيها أحدٌ)). [فإن قيل]: لِمَ لَمْ تستصحب عائشة معها غيرها، فكان أدعى لأمنها، مما يقع للمنفرد، ولكانت لَمّا تأخرت للبحث عن العقد، ترسل من رافقها؛ لينتظروها، إن أرادوا الرحيل؟ [والجواب]: أن هذا من جملة ما يستفاد من قولها: ((حديثة السنّ))؛ لأنها لم يقع لها تجربة مثل ذلك، وقد صارت بعد ذلك إذا خرجت لحاجتها تستصحب، كما سيأتي في قصتها مع أم مسطح. (فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي)؛ أي: قصدت، وفي رواية البخايّ: ((فأممت منزلي)) بالتخفيف؛ أي: قَصدته، قال في ((الفتح)): وفي رواية أبي ذرّ هنا بتشديد الميم الأُولى، قال الداوديّ: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَّ ءَآَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، قال ابن التين: هذا على أنه بالتخفيف. انتهى. (الَّذِي كُنْتُ) نازلة (فِيهِ) أوّلاً، (وَظَنَنْتُ) الظنّ هنا بمعنى العلم؛ أي: علمت (أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي) هكذا في بعض النسخ: بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وفي بعض النسخ: ((سيفقدوني)) بنون واحدة، وهو يَحْتَمل أن تكون النون مخفّفة بحذف إحدى النونين، ويَحْتَمل أن تكون مشدّدة، بإدغام المتماثلين. (١) راجع: ((القاموس)). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٩/١٣. ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ومعنى (يفقدوني)): يَعدموني، يقال: فقده فقداً، من باب ضرب، وفِقداناً: عَدِمِه، وافتقده مثله، وتفقّده: طلبه عند غَيبته(١). وقال المرتضى تَقُ(٢): فَقَدَهُ يَفْقِدُهُ فَقْداً، بفتح، فسكون، وفِقْداناً بالكسر، وفُقْدَاناً بالضمّ، وفُقُوداً بالضَمِّ، عَدِمَه. قال: وفي ((المُفْرَدات)) للراغب: الفَقْدُ أَخَصُّ من العَدَم؛ لأن العَدَم بَعْدَ الوُجُودِ؛ أي: فهو أَعَمُّ، وقال أيضاً: التّفَقُّد: تَعْرُّفُ فِقْدَانِ اَلشيءٍ، والتعَهُّد: تَعرُّفُ العَهْد المتقدّم. قال: وقد أنشدَنَا بعضُ الأصحاب: فَمَنْ بَدَاهُ فنِعمّاً بَدَا تَفَقُّدُ الخِلَّانِ مُسْتَحْسَنٌ فكان فيما سَنَّهُ المُقْتَدَى سَنَّ سُلَيْمَانُ لنا سُنَّةً فقال ما لِي لا أَرى الهُدْهُدَا تَفَقَّدَ الظَّيْرَ على رأسِهِ (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ) وقع في رواية معمر: ((فيرجعوا)) بغير نون، وكأنه على لغة من يحذفها مطلقاً . قال الجامع عفا الله عنه: وإلى أحكام نون الرفع ثبوتاً وحذفاً أشار ابن مالك تَخْلُ في ((الكافية الشافية))(٣)، فقال: وَاتَذْهَبَانٍ)) ثُمَّ ((تَذْهَبِينَا)) بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ ((يَذْهَبُونَا)) كَـ((لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتًا)» وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا وَالْفَكُّ وَالإِذْغَامُ أَيْضاً ثَبَتَا وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ ((نِي)) أَتَى فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا وَدُونَ (نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي)) ((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيَتِي تَدْلُكِي قال عياض: الظنّ هنا بمعنى العلم، وتُعُقّب باحتمال أن يكون على بابه، فإنهم أقاموا إلى وقت الظهر، ولم يرجع أحد منهم إلى المنزل الذي كانت به، ولا نُقل أن أحداً لاقاها في الطريق، لكن يَحْتَمِل أن يكونوا استمرّوا في السير إلى قرب الظهر، فلما نزلوا إلى أن يشتغلوا بحظّ رحالهم، ورَبْط رواحلهم، (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢. (٢) (تاج العروس)) ص٢١٧٥. (٣) ((الكافية الشافية)) لابن مالك تخلثم ٢٠٧/١ بنسخة الشرح. ١١٩ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) واستصحبوا حالهم في ظنهم أنها في هودجها، لم يفتقدوها إلى أن وصلت على قرب، ولو فقدوها لرجعوا كما ظنته، وقد وقع في رواية ابن إسحاق: ((وعرفت أن لو افتقدوني لرجعوا إليّ))، وهذا ظاهر في أنها لم تَتْبعهم. ووقع في حديث ابن عمر خلاف ذلك، فإن فيه: ((فجئت، فاتّبعتهم، حتى أعييت، فقمت على بعض الطريق، فمَرّ بي صفوان))، وهذا السياق ليس بصحيح؛ لمخالفته لِمَا في ((الصحيح))، وأنها أقامت في منزلها إلى أن أصبحت، وكأنه تعارض عندها أن تتبعهم فلا تأمن أن يختلف عليها الطرق، فتهلك قبل أن تدركهم، ولا سيما وقد كانت في الليل، أو تقيم في منزلها لعلهم إذا فقدوها عادوا إلى مكانها الذي فارقوها فيه، وهكذا ينبغي لمن فَقَد شيئاً أن يرجع بفكره القَهْقَرَى إلى الحد الذي يتحقق وجوده، ثم يأخذ من هناك في التنقيب عليه. وأرادت بمن يفقدها: من هو منها بسبب؛ كزوجها، أو أبيها، والغالب الأول؛ لأنه كان من شأنه وَلّ أن يساير بعيرها، ويتحدث معها، فكأن ذلك لم يتفق في تلك الليلة، ولمّا لم يتفق ما توقعته من رجوعهم إليها ساق الله إليها من حَمَلها بغير حول منها، ولا قوّة، ذكره في ((الفتح))(١). (فَبَيْنَا) أصله ((بين))، فأشبعت فتحة النون، فصارت ألفاً، وهو مضاف إلى جملة (أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي)، وقولها: (غَلَبَتْنِي) جواب ((بينا))، و(عَيْنِي) بالإفراد، (فَنِمْتُ) بكسر النون، من باب عَلِم، وما اشتهر على ألسنة العوامّ من ضمّ النون، فمن أغلاطهم الشائعة، فتنبّه. قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون سبب النوم شدّةَ الغمّ الذي حصل لها في تلك الحالة، ومن شأن الغم، وهو وقوع ما يُكره غلبة النوم، بخلاف الهمّ، وهو توقّع ما يُكره، فإنه يقتضي السهر، أو لِما وقع من بَرْد السَّحَر لها، مع رطوبة بدنها، وصغر سنها، وعند ابن إسحاق: ((فتلففت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني))، أو أن الله تُخَلَ لطف بها، فألقى عليها النوم؛ لتستريح من وحشة الانفراد في البريّة بالليل. انتهى (٢). (١) ((الفتح)) ١٠ / ٤٠٠ - ٤٠١. (٢) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠١. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) بفتح الطّاء المهملة المشدّدة، (السُّلَمِيُّ) بضم الذال المهملة، (ثُمَّ الذِّكْوَانِيُّ) منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة، بضم الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها مثلثة، ابن سُليم، وذكوان بطن من بني سُلیم، وكان صحابيّاً فاضلاً، أول مشاهده عند الواقديّ: الخندق، وعند ابن الكلبي: المريسيع، وسيأتي في أثناء شرح هذا الحديث ما يدلّ على تقدم إسلامه، ويأتي أيضاً قول عائشة: إنه قُتل شهيداً في سبيل الله، ومرادها: أنه قُتل بعد ذلك، لا أنه في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق أنه استُشهد في غَزاة إرمينية في خلافة عمر ◌ًا، سنة تسع عشرة، وقيل: بل عاش إلى سنة أربع وخمسين، فاستُشهد بأرض الروم، في خلافة معاوية طا. وقال في ((الإصابة)): صفوان بن المعظّل بن رُبَيِّعة - بالتصغير - ابن خُزَاعِيّ - بلفظ النسب - ابن محارب بن مُرّة بن فالح بن ذكوان السَّلميّ، ثم الذكوانيّ، هكذا نَسَبه أبو عمر، لكن عند ابن الكلبيّ: ((رحضة)) بدل ((ربيعة))، وزاد بينه وبين خُزاعي: ((المؤمل))، قال البغوي: سكن المدينة، وشهد صفوان الخندق، والمشاهد في قول الواقديّ، ويقال: أول مشاهده المريسيع، جرى ذكرها في حديث الإفك المشهور في ((الصحيحين)) وغيرهما، وفيه قول النبيّ وَّ: ((ما علمت عليه إلا خيراً)) وقصته مع حسان مشهورة أيضاً، ذكرها يونس بن بكير في زيادات ((المغازي)) موصولة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: وقعد صفوان بن المعظّل لحسان، فضربه بالسيف، قائلاً: غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ مِنِّي فَإِنَّنِي فجاء حسان إلى النبيّ وَّر، فاستعداه على صفوان، فاستوهبه الضربة، فوهبها له، وذكره موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن الزهريّ نحوه. انتهى باختصار(١). (قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ) ((عَرّس)) بمهملات، مشدّداً؛ أي: نزل، قال أبو زيد: التعريس: النزول في السفر، في أيّ وقت كان، وقال غيره: أصله النزول من آخر الليل في السفر للراحة، ووقع في حديث ابن عمر بيان سبب (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٤٠/٣.