النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٤ - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ
وفي قراءة ابن مسعود: ((من بعد ما زاغت))، وهم المتخلفون على هذه
القراءة، وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ
زَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]) تأكيد ظاهر، واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً
إلى من تقدّم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق، فلا تكرار، قاله
الشوكانيّ ◌َظَهُ(١).
(﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾)؛ أي: وتاب على الثلاثة الذين خلِّفوا؛
أي: أُخِّروا، ولم تُقبل توبتهم في الحال، كما قُبلت توبة أولئك المتخلفين
المتقدم ذكرهم، قال ابن جرير: معنى خُلّفوا: تُركوا، يقال: خَلَّفت فلاناً:
فارقته. وقرأ عكرمة بن خالد: ((خلفوا)) بالتخفيف؛ أي: أقاموا بعد نهوض
رسول الله ﴿ والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد: ((خالفوا))، وهؤلاء
الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة العامريّ،
وهلال بن أمية الواقفيّ، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبيّ وَّ توبتهم، حتى
نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم. وقيل: معنى ﴿خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]:
فسدوا، مأخوذ من خُلوف الفم.
(﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾) معناه: أنهم أُخِّروا عن قبول
التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، و((ما))
مصدرية؛ أي: برحبها، الإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد؛
لأن النبيّ وَلّ نهى الناس أن يكالموهم، والرحب: الواسع، يقال: منزل
رحب، ورحيب، ورحاب، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل
المعاصي تأديباً لهم؛ لينزجروا عن المعاصي.
(﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾) معنى ضِيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت
صدورهم بما نالهم من الوحشة، وبما حصل لهم من الجفوة.
وقوله: (حَتَّى بَلَغَ)؛ أي: قرأ كعب الآية من أولها إلى أن بلغ قوله
تعالى: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ (®﴾) وتمام القراءة:
﴿وَظَنُواْ أَنْ لَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ
(١) (فتح القدير)) للشوكانيّ كَذَثُ ٣٣١/٣.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، وعبَّر بالظن في قوله: ﴿وَظَنُّواْ أَنْ لََّ مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ
إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] عن العلم؛ أي: عَلِموا أن لا ملجأ يلجؤون إليه قط، إلا
إلى الله وَلَ بالتوبة، والاستغفار، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة:
١١٨]؛ أي: رجع عليهم بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم؛
ليستقيموا، أو وَفّقهم للتوبة فيما يُستقبل من الزمان، إن فَرَطت منهم خطيئة؛
ليتوبوا عنها، ويرجعوا إلى الله فيها، ويندموا على ما وقع منهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
النَّوَّابُ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ أي: الكثير القبول لتوبة التائبين، ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي:
الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
وقوله تعالى: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد
قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من
توبة الله تعالى، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم(١).
(قَالَ كَعْبٌ) رَّبُه: (والله مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللهُ
لِلِإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهُ وَ ﴿) بنصب ((رسول)) مفعولاً به
الـ((صدقي))؛ لأنه يعمل عَمَل فِعله، كما قال في ((الخلاصة)):
مُضَافاً اوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ ((أَلْ))
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ
مَحَلَّهُ وَلَاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ ((أَنْ)) أَوْ (مَا)) يَحُلّ
(أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) قال النوويّ كَظْتُ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم،
وكثير من روايات البخاريّ، قال العلماء: لفظة ((لا))(٢) في قوله: ((أن لا أكون))
زائدة، ومعناه: أن أكون كذبته؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
[الأعراف: ١٢]. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ بعد ذكر ما ذكره النوويّ: وقد رواه الأصيليّ عن
البخاريّ: ((إلا أن أكون كذبته))، وليست بشيء، والأول هو الصواب(٤).
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ تَذْفُ ٣٣١/٣.
(٢) وأما ما ادعاه الشيخ الهرريّ في شرحه من كون ((لا)) أصليّة، وردّ على النووي في
كونها زائدة، ففيه نظر لا يخفى، فتأمل ركاكة عبارته ٢٨٦/٢٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٩٨/١٧.
(٤) ((المفهم)) ١٠٣/٧.

٦٣
٤ - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴾
وقال في ((العمدة)): قوله: ((أن لا أكون)) بدل من قوله: ((من صدقي))؛
أي: ما أنعم أعظم من عدم كذبي، ثم عدم هلاكي. انتهى(١).
(فَأَهْلِكَ) بالنصب عطفاً على ((أكونَ))، وهو بكسر اللام، وفتحها، قال
المجد دَّتُهُ: هَلَكَ، كضَرَبَ، ومَنَعَ، وعَلِمَ، هُلْكاً بالضم، وهَلاكاً، وتُهْلُوكاً،
وهُلوكاً، بضمّهما، ومَهْلَكَةً، وتَهْلَكَةً مُثَلَّتَتَي اللام: ماتَ، وأهْلَكَهُ، واسْتَهْلَكَهُ،
وهَلَّكَهُ، وهَلَكَهُ يَهْلِكُهُ، لازِمٌ، مُتَعَدٍ. انتهى(٢).
(كَمَا هَلِكَ) كضرب، ومنع، وعلم، (الَّذِينَ كَذَبُوا) بتخفيف الذال؛ أي:
حدّثوا النبيّ وَّ بالكذب، حيث اعتذروا عن تخلّفهم عنه بأعذار مكذوبة، وهم
المنافقون، وكانوا نيّفاً وثمانين رجلاً، كما سبق بيانه. (إِنَّ اللهَ) وَ (قَالَ
لِلَّذِينَ)؛ أي: في بيان شأن الذين (كَذَبُوا) بتخفيف الذال أيضاً، (حِينَ أَنْزَلَ
الْوَحْيَ) على رسوله وَّهِ (شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ) ((شرّ)) منصوب على أنه نعت لمصدر
محذوف؛ أي: قال قولاً شرَّ ما قال لأحد؛ أي: شرّ ما قال لأحد من الناس،
وقال في ((العمدة))؛ أي: قال قولاً شرّ ما قال، بالإضافة؛ أي: شرّ القول
الكائن لأحد من الناس، ثم بَيّن ذلك بقوله، (وَقَالَ اللهُ) رَت، وأعاد القول
للتأكيد، (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ
) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمّ
٩٥
رِجْسٌ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[التوبة: ٩٥، ٩٦]).
٩٦
فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
قال الإمام ابن كثير تَخْتُ في ((تفسيره)): أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم
إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم، ﴿قُل لَا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ﴾
[التوبة: ٩٤]؛ أي: لن نصدقكم، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]؛ أي:
قد أعلمنا الله أحوالكم، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]؛ أي:
سيُظهر أعمالكم للناس في الدنيا، ﴿ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِفَكُمْ بِمَا
كُثُمُ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]؛ أي: فيُخبركم بأعمالكم، خيرِها وشرِّها، ويجزيكم
عليها .
ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم، فلا تُؤَنِّبُوهم،
(١) ((عمدة القاري)) ١٨/ ٥٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢٣٧.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ احتقاراً لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾؛ أي: خُبثاء، نجس بواطنهم
واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَنَهُمْ﴾ في آخرتهم (جَهَنَّمُ﴾، ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: من الآثام، والخطايا .
وأخبر أنهم وإن رضوا عنهم بحلفهم لهم، ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ
اُلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]؛ أي: الخارجين عن طاعته تعالى، وطاعة رسوله وَّل،
فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة ((فُوَيسقة))؛ لخروجها من جُحرها
للإفساد، ويقال: ((فسقت الرطبة)): إذا خرجت من أكمامها. انتهى(١).
وقال العلامة الشوكانيّ كَّلُهُ في ((تفسيره)): ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين
بالباطل سيؤكدون ما جاؤوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين
إليهم من الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد هو: أن يُعرض المؤمنون عنهم، فلا
يوبخونهم، ولا يؤاخذونهم بالتخلف، ويُظهرون الرضا عنهم، كما يفيده ذكر
الرضا من بعدُ، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدلّ عليه، وهو اعتذارهم
الباطل، وأمْر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به: تَرْكهم، والمهاجرة لهم، لا
الرضا عنهم، والصفح عن ذنوبهم، كما تفيده جملة: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ الواقعة علة
للأمر بالإعراض، والمعنى: أنهم في أنفسهم رجس؛ لكون جميع أعمالهم
نجسة، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجساً، أو أنهم ذوو رجس؛ أي: ذوو أعمال
قبيحة، ومثله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَّجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وهؤلاء لمّا كانوا هكذا كانوا
غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشرّ، فليس لهم إلا
الترك، وقوله: ﴿وَمَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ﴾ من تمام التعليل؛ فإن من كان من أهل النار
لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء، ليلاً أو
نهاراً، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أُوِيّاً، وإيواء، و﴿جَزَآءُ﴾ منصوب على
المصدرية، أو على العلّية، والباء في ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ للسببية، وجملة:
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بدل مما تقدّم، وحذف هنا المحلوف به؛ لكونه معلوماً مما
سبق، والمحلوف عليه لمثل ما تقدّم، وبيَّن سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف
هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٠١/٤.

٦٥
- حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ
المعتذرين بالباطل، فقال: ﴿فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ كما هو مطلوبهم مساعدةً لهم،
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه
من عدم الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا
تفعلوا خلاف ذلك، بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم، على أن رضاكم
عنهم لو وقع لكان غير معتدّ به، ولا مفيد لهم، والمقصود من إخبار الله
سبحانه بعدم رضاه عنهم، نهي المؤمنين عن ذلك؛ لأن الرضا على من لا
يَرضَى الله عليه مما لا يفعله مؤمن. انتهى(١).
(قَالَ كَعْبٌ) بَّهِ: (كُنَّا خُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: أُخّر أمر توبتنا،
ولفظ البخاريّ: ((تخلّفنا))، أخصّ (أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ)؛ يعني: نفسه، ومُرارة،
وهلالاً ﴿مٍ، فـ((أيّ)) في محلّ نصب بعامل محذوف مبنيّ على الضمّ؛ لِشَبهها
بالحرف شبهاً افتقاريّاً، وكانت حركتها ضمّة؛ لشَبَهها بأسماء الغايات، كقبلُ
وبعدُ، و((ها)) حرف تنبيه زِيد تعويضاً عما فات ((أيّ)) من الإضافة، و(الثلاثة))
صفة ((أيّ)) تبعه باللفظ (٢)؛ أي: أُخّر، وأُرجىء أمر توبتنا معاشر الثلاثة (عَنْ
أَمْرٍ أُولَئِكَ) المنافقين (الَّذِينَ قَبِلَ) بكسر الموحّدة، (مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِنَّارِ)
اعتذارهم (حِينَ حَلَفُوا لَهُ) على أن تخلّفهم كان لعذر (فَبَايَعَهُمْ)؛ أي: جدّد
مبايعتهم لنصرة الإسلام، والجهاد في سبيل الله رَك، (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ)؛ أي:
طلب من الله تعالى أن يغفر لهم ما سلف من التخلّف، (وَأَرْجَأَ) بالجيم
والهمزة؛ أي: أخّر (رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَمْرَنَا) معاشر الثلاثة (حَتَّى قَضَى اللهُ) تَعَلَ؛
أي: حكم (فِيهِ)؛ أي: في أمرنا، فتاب علينا، (فَبِذَلِكَ)؛ أي: بسبب بيان
أمرنا (قَالَ اللهُ رَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨])؛ أي: ولقد
تاب الله على الثلاثة الذين خُلّفوا؛ أي: أُخّر أمر توبتهم، قال كعب ◌َظ ◌ُبه مبيّناً
معنى «خلّفوا)): (وَلَيْسَ) الأمر (الَّذِي ذَكَرَ اللهُ) ◌َُّ في هذه الآية هي: (مِمَّا
خُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: من تخليفنا، وهو بيان لـ((ما))، (تَخَلَّفَنَا) بالنصب
على أنه خبر ((ليس))، (عَنِ الْغَزْوِ) متعلّق بما قبله، (وَإِنَّمَا هُوَ)؛ أي: تخليفنا
(١) ((فتح القدير) ٣٠٥/٣.
(٢) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٨٧/٢٥.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
المذكور في الآية (تَخْلِيفُهُ)؛ أي: تأخير الله (إِيَّانَا) في التوبة، (وَإِرْجَاؤُهُ) عطف
على ((تخليفه)) عطف مؤكّد، وإضافته من إضافة المصدر إلى فاعله، ونصب
قوله: (أَمْرَنَا) على المفعوليّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ كَمِّلْ بَنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ
وقوله: (عَمَّنْ حَلَفَ) متعلّق بـ((إِرجاء))، (لَهُ) ◌َِّ حلف كذب، (وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ)
بأعذار كاذبة، (فَقَبِلَ) وَ (مِنْهُ)؛ أي: ممن حلف، واعتذر، وهم المنافقون.
وحاصله: أن كعباً رَّهُ فسّر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾؛
أي: أُخِّروا حتى تاب الله عليهم، لا أن المراد أنهم خُلُّفوا عن الغزو، وفي
تفسير عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ قال: خُلِّفوا عن التوبة، ولابن جرير من طريق قتادة نحوه، قال
ابن جرير: فمعنى الكلام: لقد تاب الله على الذين أُخّرت توبتهم. انتهى، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك بطلابه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠ / ٦٩٩٠ و٦٩٩١ و٦٩٩٢ و٦٩٩٣] (٢٧٦٩)،
و(البخاريّ) في ((الوصايا)) (٢٧٥٧) و ((الجهاد)) (٢٩٤٧ و ٢٩٤٨ و٢٩٤٩ و٢٩٥٠
و٣٠٨٨) و((المناقب)) (٣٥٥٦) و((مناقب الأنصار)) (٣٨٨٩) و((المغازي)) (٣٩٥١
و٤٤١٨) و((التفسير)) (٤٦٧٣ و٤٦٧٦ و٤٦٧٧ و٤٦٧٨) و((الاستئذان)) (٦٢٥٥)
و(الأيمان والنذور)) (٦٦٩٠) و((الأحكام)) (٧٢٢٥) وفي ((الأدب المفرد))
(٩٤٤)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢٠٢) و((الجهاد)) (٢٧٧٣) و((الأيمان
والنذور)) (٣٣١٧ و٣٣٢٠)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٠١)، و(النسائيّ) في
((المجتبى)) (٣٤٢٢ و٣٤٢٦) و((الأيمان والنذور)) (٣٨٢٤ و٣٨٢٦) وفي
((الكبرى)) (٢٦٦/١)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٣٩٣)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٤٠٠/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٦/٦ و٣٩٠)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٥٤٠/١٤ - ٥٤٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٤٢)،

٦٧
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةٍ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴿ُه - حديث رقم (٦٩٩٠)
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣٧٠)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٧٤٤٩)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٦/١٩ و٩٧ و٩٨ و٩٩ و١٠٠ و١٠١ و١٠٣ و١٠٤
و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ و١٠٩ و١١٠ و١٣٣ و١٣٤ و١٣٥ و١٣٦)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨١/٤)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٦٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده، وإن كان بعضها تقدّم، إلا أن كونها في
محلّ واحد أنفع، وأيسر(١):
١ - (منها): إباحة الغنيمة لهذه الأمة؛ لقوله: ((خرجوا يريدون عِير
قریش)) .
٢ - (ومنها): بيان فضيلة أهل بدر، وأهل العقبة.
٣ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، في غير الدعوى عند
القاضي.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يُوَرِّيَ بغيرها؛ لئلا
يسبقه الجواسيس، ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة، فيستحب أن
يُعرِّفهم البعد؛ ليتأهبوا .
٥ - (ومنها): التأسف على ما فات من الخير، وتمنّي المتأسف أنه كان
فعله؛ لقوله: ((فيا ليتني فعلتُ)).
٦ - (ومنها): مشروعيّة ردّ غِيبة المسلم؛ لقول معاذ نصّ ◌ُبه: ((بئسما قلت)).
٧ - (ومنها): بيان فضيلة الصدق، وملازمته، وإن كان فيه مشقة، فإن
عاقبته خير، ((وإن الصدق يَهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنة))، كما ثبت في
الصحيح.
٨ - (ومنها): بيان استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين، في مسجد
مَحِلّته أولَ قدومه قبل كل شيء.
٩ - (ومنها): أنه يستحب للقادم من سفر، إذا كان مشهوراً يقصده الناس
(١) تقدّم بعض هذه الفوائد، وإنما أعدته؛ ليكون كلّه مجموعاً في محلّ واحد، فتكون
الاستفادة منه أكثر، وأتمّ، فتنبّه.

٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
للسلام عليه، أن يقعد لهم في مجلس بارزٍ، سهل الوصول إليه.
١٠ - (ومنها): بيان أن الحُكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
١١ - (ومنها): قبول معاذير المنافقين، ونحوهم، ما لم يترتب على ذلك
مفسدة .
١٢ - (ومنها): استحباب هِجران أهل البدع، والمعاصي الظاهرة، وترك
السلام عليهم، ومقاطعتهم؛ تحقيراً لهم، وزجراً.
١٣ - (ومنها): استحباب بكاء الإنسان على نفسه، إذا وقعت منه معصية.
١٤ - (ومنها): بيان أن مسارقة النظر في الصلاة، والالتفات لا يبطلها .
١٥ - (ومنها): أن السلام يُسَمَّى كلاماً، وكذلك ردّ السلام، وأن من
حلف لا يكلم إنساناً، فسلّم عليه، أو ردّ عليه السلام يحنث.
١٦ - (ومنها): وجوب إيثار طاعة الله تعالى ورسوله مثل﴿ على مودّة
الصديق، والقريب، وغيرهما، كما فعل أبو قتادة
، حين سَلّم عليه كعب،
فلم يردّ عليه حيث نُهِي عن كلامه.
١٧ - (ومنها): أنه إذا حلف لا يكلّم إنساناً، فتكلم، ولم يقصد كلامه،
بل قصد غيره، فسمع المحلوف عليه لم يحنث الحالف؛ لقوله: ((الله أعلم))،
فإنه محمول على أنه لم يقصد كلامه، كما سبق.
١٨ - (ومنها): جواز إحراق ورقةٍ، فيها ذِكر الله تعالى؛ لمصلحة، كما
فعل عثمان والصحابة ﴿ه بالمصاحف التي هي غير مصحفه الذي أجمع معظم
الصحابة عليه، وكان ذلك صيانةً، فهي حاجة، وموضع الدلالة من حديث
كعب رظ ◌ُبه أنه أحرق الورقة، وفيها: ((لم يجعلك الله بدار هوان)).
١٩ - (ومنها): إخفاء ما يُخاف من إظهاره مفسدة، وإتلافه.
٢٠ - (ومنها): أن قوله لامرأته: ((الحقي بأهلك)) ليس بصريح طلاق،
ولا يقع به شيء، إذا لم ينو.
٢١ - (ومنها): جواز خدمة المرأة زوجها برضاها، وذلك جائز له
بالإجماع، فأما إلزامها بذلك فلا .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ: ((فإما إلزامها فلا))، وفيه نظر
لا يخفى على المنصف، فقد قدّمت أن الصواب في هذه المسألة قول من قال

٦٩
د - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ذ
بوجوب خدمة المرأة زوجها، كما هو نصّ قوله تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ
بِالْعُرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، والمعروف في وقت نزول الآية أن المرأة تخدم
زوجها، كما في قصّة فاطمة رشّا، حيث كانت تطحن، حتى تأثّرت يدها،
فجاءت تطلب الخادم منه وقّية، فلم يُعطها، بل ثبّتها على الطحن، وقصّة
عائشة ◌ّا حيث كانت تفتل قلائد هدي النبيّ وَّ، وقصّة أسماء بنت أبي
بكر فيها حيث كانت تَحمل النوى من أرض الزبير تعلف فرسه، وكل هذا في
((الصحيح))، فالقول بعدم الوجوب قول مخالف لنصوص كثيرة بلا نصّ، وقد
استوفيت البحث في هذا في غير هذا المحلّ، ولله الحمد والمنّة.
٢٢ - (ومنها): استحباب الكنايات في ألفاظ الاستمتاع بالنساء،
ونحوها .
٢٣ - (ومنها): الورع، والاحتياط بمجانبة ما يُخاف منه الوقوع في منهيّ
عنه؛ لأن كعباً رَظُبه لم يستأذن النبيّ وَّل في خدمة امرأته له، وعلّل ذلك بأنه
شابّ؛ أي: لا يأمن مواقعتها، وقد نُهي عنها .
٢٤ - (ومنها): استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، أو اندفاع
بلية ظاهرة، وهو مذهب الشافعيّ، وطائفة، وقال أبو حنيفة، وطائفة: لا
يُشرع، وهو قول ضعيف، لمخالفته لحديث كعب رظ له هذا، ولِمَا ثبت عنه وَليه
من ذلك، فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان، عن أبي بكرة نظراته: ((أن
النبيّ وَّ﴿ كان إذا أتاه أمر يَسُرّه - أو يُسَرّ به - خَرّ ساجداً شكراً لله تبارك
وتعالى))(١).
٢٥ - (ومنها): استحباب التبشير بالخير.
٢٦ - (ومنها): استحباب تهنئة من رزقه الله خيراً ظاهراً، أو صرف عنه
شرّاً ظاهراً.
٢٧ - (ومنها): استحباب إكرام المبشّر بخلعة، أو نحوها.
٢٨ - (ومنها): أنه يجوز تخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف لا مال له،
ونوى نوعاً لم يحنث بنوع من المال غيرِهِ، وإذا حلف لا يأكل، ونوى خبزاً لم
(١) حسّنه الشيخ الألباني تَُّ.

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
يحنث باللحم، والتمر، وسائر المأكول، ولا يحنث إلا بذلك النوع، وكذلك
لو حلف لا يُكلِّم زيداً، ونوى كلاماً مخصوصاً لم يحنث بتكليمه إياه غير ذلك
الكلام المخصوص، قال النوويّ: وهذا كله متّفق عليه عند أصحابنا، ودليله
من هذا الحديث قوله في الثوبين: ((والله ما أملك غيرهما))، ثم قال بعده في
ساعة: ((إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً))، ثم قال: ((فإني أمسك سهمي
الذي بخيبر)).
٢٩ - (ومنها): جواز العارية.
٣٠ - (ومنها): جواز استعارة الثياب للّبس.
٣١ - (ومنها): مشروعيّة اجتماع الناس عند إمامهم، وكبيرهم في الأمور
المهمة، من بشارة، ومشورة، وغيرهما .
٣٢ - (ومنها): استحباب القيام للوارد إكراماً له، إذا كان من أهل الفضل
بأيّ نوع كان، قال النوويّ: وقد جاءت به أحاديث، جمعتها في جزء مستقلّ
بالترخيص فيه، والجواب عما يُظنّ به مخالفاً لذلك.
٣٣ - (ومنها): استحباب المصافحة عند التلاقي، وهي سُنَّة بلا خلاف.
٣٤ - (ومنها): استحباب سرور الإمام، وكبير القوم بما يُسَرّ به أصحابه،
وأتباعه.
٣٥ - (ومنها): أنه يستحبّ لمن حصلت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه
كربة ظاهرة، أن يتصدق بشيء صالح من ماله؛ شكراً لله تعالى على إحسانه،
قال النوويّ: وقد ذكر أصحابنا أنه يستحب له سجود الشكر، والصدقة جميعاً،
وقد اجتمعا في هذا الحديث.
٣٦ - (ومنها): أنه يستحب لمن خاف أن لا يصبر على الإضافة أن لا
یتصدق بجميع ماله، بل ذلك مكروه له.
٣٧ - (ومنها): أنه يستحب لمن رأى مَن يريد أن يتصدق بكل ماله،
ويخاف عليه أن لا يصبر على الإضافة أن ينهاه عن ذلك، ويشير عليه ببعضه.
٣٨ - (ومنها): أنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على
ذلك السبب، فهو أبلغ في تعظيم حرمات الله تعالى، كما فَعَل كعب بنظُه في
الصدق، والله أعلم.

٧١
ج - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ـ
٣٩ - (ومنها): جواز الغزو في الشهر الحرام؛ لأنه ◌َّ غزاها في شهر
رجب سنة تسع.
٤٠ - (ومنها): أن الإمام إذا استنفر الجيش عموماً لزمهم النفير، ولحق
اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف.
٤١ - (ومنها): أن العاجز عن الخروج بنفسه، أو بماله، لا لوم عليه.
٤٢ - (ومنها): استخلاف من يقوم مقام الإمام على أهله، والضعفة.
٤٣ - (ومنها): ترك قتل المنافقين، ويُستنبط منه ترك قتل الزنديق، إذا
أظهر التوبة، وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبيّ وَّ لمصلحة
التأليف على الإسلام.
٤٤ - (ومنها): عِظَم أمر المعصية، وقد نبّه الحسن البصريّ على ذلك،
فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه، قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالاً
حراماً، ولا سفكوا دماً حراماً، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم،
وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر.
٤٥ - (ومنها): أن القويّ في الدين يؤاخذ بأشدّ مما يؤاخذ الضعيف في الدين.
٤٦ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب
ذلك، وما آل إليه أمره؛ تحذيراً، ونصيحةً لغيره.
٤٧ - (ومنها): جواز مَدْح المرء بما فيه من الخير، إذا أَمِن الفتنة،
وتسلية نفسه بما لم يحصل له بما وقع لنظيره.
٤٨ - (ومنها): جواز ترك وطء الزوجة مدّةً؛ للحاجة.
٤٩ - (ومنها): أن المرء إذا لاحت له فُرصة في الطاعة، فحقّه أن يبادر
إليها، ولا يُسَوِّف بها؛ لئلا يُحْرَمها، كما قال تعالى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الأنفال:
٢٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
الآية [الأنعام: ١١٠]، ونسأل الله تعالى أن يُلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا
يسلبنا ما خَوّلنا من نعمته، آمين.
٥٠ - (ومنها): أن الإمام لا يُهمل من تخلَّف عنه في بعض الأمور، بل
يُذَكِّره؛ ليراجع التوبة.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
٥١ - (ومنها): جواز الطعن في الرجل بما يَغلب على اجتهاد الطاعن عن
حمية لله تعالى ورسوله ◌َلۋچ .
٥٢ - (ومنها): جواز الردّ على الطاعن إذا غلب على ظنّ الرادّ، وَهْمُ
الطاعن، أو غلطه.
٥٣ - (ومنها): استحباب بكاء العاصي؛ أَسَفاً على ما فاته من الخير.
٥٤ - (ومنها): أن التبسم قد يكون عن غضب، كما يكون عن تعجب،
ولا يختص بالسرور.
٥٥ - (ومنها): معاتبة الكبير أصحابه، ومن يَعِزّ عليه دون غيره.
٥٦ - (ومنها): العمل بمفهوم اللقب، إذا حقّته قرينة؛ لقوله وَ لَه لمّا حدّثه
كعب: ((أما هذا فقد صَدَق))، فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على
عمومه في حقّ كل أحد سواه؛ لأن مُرارة، وهلالاً أيضاً قد صدقا، فيختص
الكذب بمن حلف، واعتذر، لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صَدَق بالتأديب
الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأَخَّر من كَذَب للعقاب الطويل، وفي الحديث
الصحيح: ((إذا أراد الله بعبد خيراً عَجّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرّاً
أمسك عنه عقوبته، فيَرِدُ القيامة بذنوبه)).
قيل: وإنما غُلِّظ في حقّ هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم تركوا الواجب عليهم من
غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ
اَلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]، وقول الأنصار:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
٥٧ - (ومنها): تبريد حرّ المصيبة بالتأسي بالنظير، حيث تأسّى كعب نظـ
بصاحبیه .
٥٨ - (ومنها): عِظَم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة
الدنيا والآخرة، والنجاة من شرّهما به.
٥٩ - (ومنها): أن من عُوقب بالهجر يُعذر في التخلف عن صلاة
الجماعة؛ لأن مرارة، وهلالاً ها لم يخرجا من بيوتهما تلك المدّة.
٦٠ - (ومنها): جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه، ومن غير
الباب، إذا عَلِم رضاه.

٧٣
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ
ـية - حديث رقم (٦٩٩١)
٦١ - (ومنها): أن قول المرء: (اللهُ ورسوله أعلم)) ليس بخطاب، ولا
كلام، ولا يحنث به من حلف أن لا يكلِّم آخر إذا لم ينو به مكالمته، وإنما
قال أبو قتادة ذلك لَمّا ألحّ عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسّان لمّا
سأل عن كعب جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلاً:
هذا كعب؛ مبالغةً في هجره، والإعراض عنه، والله تعالى أعلم.
ذكر هذه الفوائد النوويّ في ((شرحه))(١)، والحافظ في ((الفتح))(٢)،
والعينيّ في ((عمدته))(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩١] (.) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثْنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة
حافظ عابد [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عمر، سكن بغداد، ووَلِي قضاء
خراسان، ثقة [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٥) وقيل: بعد ذلك (خ م د ت س)
تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ) - بالضمّ، مصغّراً - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح - الأَيْلِيّ، أبو
خالد الأُمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦]
(ت١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
و ((ابنُ شهاب)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً)؛ يعني: أن عُقيلاً روى هذا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/١٧ - ١٠٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨ / ٥٥ - ٥٦.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٩/ ٥٧٥ - ٥٧٧.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الحديث عن الزهريّ، كما رواه يونس عنه، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
كعب بن مالك، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك
[تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ تَظُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٤١٥٦) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن
كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِي، قال: سمعت كعب بن
مالك يُحدّث حين تخلّف عن قصّة تبوك، قال كعب: لم أتخلّف عن
رسول الله ◌َّر في غزوة غزاها، إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في
غزوة بدر، ولم يُعاتِب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله وَّ يريد عِير
قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدت مع
رسول الله ولو ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحبّ أن لي بها
مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن
قطّ أقوى، ولا أيسر، حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت
عندي قبله راحلتان قطّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله وَ لاقه
يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله وَّ في
حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومَفَازاً، وعدوّاً كثيراً، فجلى للمسلمين
أمرهم؛ ليتأهبوا أُهْبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع
رسول الله وٌَّ كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ، يريد: الديوان.
قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أن سيخفى له، ما لم يَنزل
فيه وحي الله، وغزا رسول الله وَير تلك الغزوة، حين طابت الثمار، والظلال،
وتجهّز رسول الله وَّةٍ، والمسلمون معه، فطفِقت أغدو؛ لكي أتجهز معهم،
فأرجع، ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي،
حتى اشتدّ بالناس الجدّ، فأصبح رسول الله وَّ، والمسلمون معه، ولم أقض
من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم، أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت
بعد أن فَصَلُوا لأتجهز، فرجعت، ولم أقض شيئاً، ثم غدوت، ثم رجعت،
ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي، حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن

٧٥
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ څه - حديث رقم (٦٩٩١)
أرتحل، فأُدركهم، وليتني فعلت، فلم يُقَدَّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في
الناس، بعد خروج رسول الله وقدره، فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً
مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عَذَر الله، من الضعفاء، ولم يذكرني
رسول الله ﴾ حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم، بتبوك: ما فعل
كعب؟ فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول الله حبسه بُرداه، ونظره في عِطْفيه،
فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً،
فسكت رسول الله
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همّي، وطفقت
أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً، واستعنت على ذلك بكل
ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله وَّ قد أظلّ قادماً، زاح عني
الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صِدقه،
وأصبح رسول الله وَليه قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه
ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون
إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله وَله
علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما
سلّمت عليه، تبسَّم تبسُّم المغضَبِ، ثم قال: ((تعال))، فجئت أمشي، حتى
جلست بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت:
بلى، إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن
سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ، لئن
حدثتك اليوم حديث كَذِب، ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يُسخطك عليّ،
ولئن حدثتك حديث صِدق، تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا، والله
ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني، حين تخلفت
عنك، فقال رسول الله وَل: ((أما هذا فقد صَدَق، فقم حتى يقضي الله فيك))،
فقمت، وثار رجال من بني سَلِمة، فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت
أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله وَالقيد بما
اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيَك ذنبك استغفارُ رسول الله وَّ لك، فوالله
ما زالوا يُؤنِّبونني، حتى أردت أن أرجع، فأُكَذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما
قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْريّ، وهلال بن أمية
الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شَهِدا بدراً، فيهما أُسوة، فمضيت
حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله وَّ﴾ المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثةُ، من بين من
تخلّف عنه، فاجتنبَنا الناس، وتغيّروا لنا، حتى تنكّرت في نفسي الأرض، فما
هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا
في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم، وأجلَدهم، فكنت أخرج،
فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي
رسول الله وَلقر، فأسلّم عليه، وهو في مجلسه، بعد الصلاة، فأقول في نفسي:
هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر،
فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه، أعرض عني، حتى إذا
طال عليّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة،
وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ، فسأَّمت عليه، فوالله ما ردَّ عليّ السلام،
فقلت: يا أبا قتادة أَنشُدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت
له، فنشدته، فسكت، فعدت له، فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت
عيناي، وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا
نَبَطِيّ من أنباط أهل الشام، ممن قَدِم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلّ
على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني، دفع إليّ كتاباً
من مَلِك غَسّان، فإذا فيه: أما بعدُ فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم
يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالْحَقْ بنا نُواسِك، فقلت لما قرأتها:
وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها .
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله وَليه
يأتيني، فقال: إن رسول الله وَليه يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها، أم
ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك،
فقلت لامرأتي: الْحَقِي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر،
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله وصله، فقالت: يا رسول الله،

٧٧
- حديث رقم (٦٩٩١)
(٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ هـ
إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا،
ولكن لا يقربك، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي،
منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت
رسول الله ﴿ في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت:
والله لا أستأذن فيها رسول الله وَله، وما يدريني ما يقول رسول الله وَله إذا
استأذنته فيها، وأنا رجل شابّ، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا
خمسون ليلةً، من حين نَهَى رسولُ الله ◌َّ عن كلامنا .
فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلةً، وأنا على ظهر بيت من
بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي،
وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع
بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد
جاء فرج، وآذن رسول الله وَليه بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب
الناس يبشّروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشّرون، وركض إليّ رجل فرساً، وسعى
ساعٍ من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما
جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيّ، فكسوته إياهما ببشراه،
والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، فلبستهما، وانطلقت إلى
رسول الله ◌َ﴾، فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنونني بالتوبة، يقولون: لِتَهْنِكَ
توبةُ الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله وَله جالس،
حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهرول، حتى صافحني، وهنّاني،
والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب:
فلما سلّمت على رسول الله وَّه قال رسول الله وَلقول، وهو يبرق وجهه من
السرور: ((أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمك))، قال: قلت: أمن عندك
يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: ((لا، بل من عند الله)).
وكان رسول الله ◌َ﴿ إذا سُرّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا
نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن
أنخلع من مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسول الله، قال رسول الله وَله: ((أمسك
عليك بعض مالك، فهو خير لك))، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر،

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّث
إلا صدقاً ما بَقِيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين، أبلاه الله في صدق
الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمّدت منذ
ذكرت ذلك لرسول الله يقول﴿ إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله
فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله وَله: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ
وَاْأَنْصَارِ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فوالله ما أنعم الله عليّ من
نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله وَالخير أن
لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين
أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا
أَنْقَلَبْتُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥،
٩٦]، قال كعب: وكُنّا تَخَلَّفْنا أيها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم
رسول الله ﴿ حين حلفوا له، فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله وَلـ
أمرنا، حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾، وليس
الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن
حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٩٢] ( ... ) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ
مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك، أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِك، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ
مَالِكِ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ عَلَى يُونُسَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّ وَرَّى
بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ أَبًا
خَيْئَمَةَ، وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِّ ◌ِ).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٦٠٣/٤ - ١٦٠٨.

٧٩
ـة - حديث رقم (٦٩٩٢)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ مِ﴾
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) المدنيّ، صدوقٌ، له
أوهام [٧] (ت١٥٢) وقيل: بعدها (ع)ً تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) هكذا وقع في النسخة
الهنديّة: ((عبد الله))، وهو المذكور في السند الماضي، ووقع في معظم نُسخ
مسلم: ((أن عبيد الله بن كعب)) مصغّراً، وهو أخو المكبّر، وكلاهما ولدا
كعب بن مالك نظُّه، والصواب ما في النسخة الهنديّة: عبد الله بن كعب
مكبّراً؛ لِما يلي:
أوّلاً: أن الإمام أحمد أخرج الحديث في ((مسنده)) بسند مسلم، فقال فيه:
((أن عبد الله بن كعب بن مالك)) مكبّراً.
وثانياً: أن الدارقطنيّ لمّا انتقد الإسناد التالي من طريق معقل بن عبيد الله
حيث وقع فيه: ((عبيد الله)) مصغّراً ذكر أن رواية ابن أخي الزهريّ موافقة لرواية
يونس، وعقيل بأنه: ((عبد الله بن كعب)) مكبّراً، لا مصغّراً، وقال: إنه
الصواب؛ لمتابعة ابن أخي الزهريّ لهما، وأما معقل، وإن تابعه صالح بن أبي
الأخضر، فإنهما ضعيفان، لا يقاومان الأوَّلَين.
والحاصل: أن الصواب هو ما وقع في النسخة الهنديّة، من أنه عبد الله بن
كعب المكبّر، لا عبيد الله المصغّر، كما هو في معظم النسخ، وعليه تكلّم
النوويّ في شرحه(١)، وذكر انتقاد الدارقطني، وهذا ليس بصحيح، فإنه إنما
(١) وكذا ما صنعه الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف)) ٣٢٣/٨ من جعله رواية=

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
انتقد الرواية التالية، لا هذه الرواية، كما سيأتي نصّه في التنبيه - إن شاء الله
تعالى -، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) فاعل ((ساق))، و((زاد)) ضمير محمد بن
عبد الله ابن أخي الزهريّ.
وقوله: (قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) من التورية؛ أي: أوهم غيرها،
وأصله مِن وراء، كأنه جعل البيان وراء ظهره.
[تنبيه]: رواية محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ
هذه ساقها الإمام أحمد تَّتُ في ((مسنده))، فقال:
(١٥٨٢٧) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن أخي الزهريّ، محمد بن
عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن
عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من
بنيه، حين عَمِي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه، حين تخلف عن
رسول الله ◌ّ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله وعليه
في غزوة غيرها قطّ إلا في غزوة تبوك، غير إني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم
يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله وَّه يريد عير قريش، حتى جمع الله
بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدت مع رسول الله وَّ ليلة العقبة،
حين توافقنا على الإسلام، ما أحبّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر
في الناس منها، وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله وَّةٍ في
غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك
الغَزَاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان
رسول الله ﴾ قلّما يريد غزاة يغزوها إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزاة،
فغزاها رسول الله وَّم في حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومَفازاً، واستقبل عدوّاً
كثيراً، فجلا للمسلمين أمره؛ ليتأهبوا أُهبة عدوّهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد،
والمسلمون مع رسول الله وَّر كثير، لا يجمعهم كتابٌ حافظ - يريد: الديوان -.
= ابن أخي الزهريّ مع رواية معقل الجزريّ أنه عبيد الله مصغّراً لا يخفى ما فيه،
فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.