النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
ته - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ذ
أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي) ولم ألتفت يمنة، ولا يسرة (نَظَرَ) وَّ (إِلَيَّ) رضاً باشتغاله
بالصلاة، (وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ)؛ أي: جهته وَِّ، (أَعْرَضَ عَنِّي) زيادة في
العقوبة، حتى يتوب إلى الله تعالى توبة نصوحاً. (حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ) الهجران
(عَلَيَّ)، وقوله: (مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ) بيان لاسم الإشارة، وهو بفتح الجيم،
وسكون الفاء؛ أي: إعراضهم، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((وطفقنا نمشي في
الناس، لا يكلمنا أحد، ولا يردّ علينا سلاماً))، (مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ
خَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ)؛ أي: علوت سور بستانه، وقال النوويّ دَخْتُ: معنى تسوّرته:
عَلَوْته، وصَعِدت سُوره، وهو أعلاه، وفيه دليل لجواز دخول الإنسان بستان
صديقه، وقريبه الذي يُدلّ عليه، ويَعرف أنه لا يَكره له ذلك بغير إذنه، بشرط
أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة، مكشوفة، ونحو ذلك. انتهى(١).
[تنبيه]: أبو قتادة هذا هو الأنصاريّ، واسمه الحارث، ويقال: عمرو،
أو النعمان بن رِبْعيّ - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة - ابن بُلْدُمة -
بضم الموحّدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة - السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ
الصحابيّ الشهير، شَهِد أحداً وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدراً، ومات سنة
أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأول أصحّ، وأشهر، تقدّمت
ترجمته فى ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
وقال في ((العمدة)): وأبو قتادة - بفتح القاف ــ اسمه الحارث بن رِبْعِيّ
- بكسر الراء، وسكون الباء الموحّدة، وبالعين المهملة - ابن بُلدُمة الأنصاريّ
السَّلميّ الخزرجيّ، من بني غَنْم بن كعب بن سَلِمة بن يزيد بن جَشَم بن
الخزرج، هكذا يقول ابن شهاب، وجماعة أهل الحديث: إن اسم أبي قتادة
الحارث بن رَبعيّ، قال ابن إسحاق: وأهله يقولون: اسمه النعمان بن عمرو بن
بلدمة، قال أبو عمر: يقولون: بَلدمة بالفتح، وبُلدمة بالضمّ، وبلذمة بالذال
المنقوطة، والضمّ أيضاً، تُوفي بالكوفة في خلافة عليّ ◌ًَّا وصلى هو عليه.
(٢)
انتھی(٢).
(وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) ذكر أنه ابن عمه لكونهما معاً من بني
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٩٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٥٣/١٨.

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
سَلِمة، وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب. (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوالله مَا رَدَّ عَلَيَّ
السَّلَامَ) لعموم النهي عن كلامهم، وفيه أنه لا يُسَلَّم على المبتدعة، ونحوهم،
وفيه أن السلام كلام، وأن من حلف لا يكلِّم إنساناً، فسلّم عليه، أو ردّ عليه
السلام حَنِث(١).
(فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدَُكَ بِاللهِ) بفتح الهمزة، وضم الشين، من باب
نصر، أي أسألك بالله، وأصله من النشيد، وهو: رفع الصوت بالشعر
وغيره(٢). (هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ) وََّ (وَرَسُولَهُ؟) وَّرِ (قَالَ) كعب:
(فَسَكَتَ) أبو قتادة؛ أي: لم يردّ عليه شيئاً، (فَعُدْتُ)؛ أي: لمقالتي (فَنَاشَدْتُهُ)؛
أي: قلت له: أنشدك بالله)) إلخ (فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ) أبو قتادة: (اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال في ((الفتح)): ليس هو تكليماً لكعب؛ لأنه لم ينو به ذلك،
كما سيأتي تقريره.
وقال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه؛ لأنه منهيّ عن
كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لَمّا ناشده الله، فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده، لا
ليُسمعه، ولو حلف رجل لا يكلم رجلاً، فسأله عن شيء، فقال: الله أعلم
یرید إسماعه وجوابه حنث. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: ظاهره أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسؤال، فيكون
قد كلّمه، فيكون مخالفاً للنهي، وقد يُؤوّل بأن أبا قتادة قال ذلك لنفسه، مخبراً
عن اعتقاده، ولم يقصد كلامه، ولا إسماعه.
قال: ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا قتادة فَهِم أن الكلام الذي نُهي عنه، إنما
هو الحديث معه، والمباسطة، وإفادة المعاني، فأمَّا مثل هذا الكلام الذي
يقتضي الإبعاد، والمنافرة، فلا - والله أعلم - ألا ترى أنه لم يردّ عليه السلام،
ولا التفت لحديثه؟. انتهى(٣).
قال كعبٌ: (فَفَاضَتْ)؛ أي: سالت (عَيْنَايَ) دموعاً، (وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى
تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ) وفي رواية معمر: ((فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٩٣.
(٣) ((المفهم)) ٩٨/٧.
(٢) ((المفهم)) ٩٨/٧.

٤٣
- حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ
الحائط خارجاً))، (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ) (إذا)) فجائيّة،
رابطة لجواب ((بينا))؛ أي: ففاجأني حضور نبطيّ (مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ) قال
القرطبيّ تَخْتُ: ((النبطيّ)): واحد النبط، وهم العامرون لتلك الأراضي، وسُمّوا
بذلك؛ لأنهم ينبطون المياه؛ أي: يستخرجونها. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: يقال: النبط، والأنباط، والنبيط، وهم فلّاحو
العجم. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): ((النبطيّ)): بفتح النون، والموحّدة: نسبة إلى استنباط
الماء، واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفِلاحة، وهذا النبطيّ
الشاميّ كان نصرانيّاً، كما وقع في رواية معمر: ((إذا نصرانيّ جاء بطعام له
يبيعه))، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا النصرانيّ، ويقال: إن النبط
يُنسبون إلى نَبَط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. انتهى(٣) .
(مِمَّنْ قَدِمَ) بكسرِ الدال، (بِالطَّعَامِ)، وقوله: (يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ) جملة
حاليّة من الفاعل، (يَقُولُ: مَنْ) استفهاميّةً مبتدأ، خبره قوله: (يَدُلُّ) ني (عَلَى
كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ؟، قَالَ) كعب: (فَطَفِقَ النَّاسُ)؛ أي: شرعوا (يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ)؛
أي: بأن هذا الشخص هو كعب بن مالك، (حَتَّى جَاءَنِي)؛ أي: ذلك النبطيّ
(فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة، وسين مهملة ثقيلة، هو
جَبَلة بن الأيهم، جزم بذلك ابن عائذ، وعند الواقديّ: الحارث بن أبي شَمِر،
ويقال: جبلة بن الأيهم، وكان ملِكاً لنصارى العرب، له عهد وصداقة مع
نصارى الروم، وفي رواية ابن مردويه: ((فكتب إليّ كتاباً في سَرَقَة من حرير)) (٤).
قال كعب: (وَكُنْتُ كَاتِباً)؛ أي: عارفاً بقراءة المكتوب، (فَقَرَأْتُهُ)؛ أي:
قرأت ذلك الكتاب، (فَإِذَا فِيهِ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود ما
يلي: (أَمَّا بَعْدُ) هي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لِقَطعها عن الإضافة، ونيّة
معناها؛ أي: أما بعد كذا، (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٣/١٧.
(١) ((المفهم)) ٩٨/٧.
(٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٧١.
(٤) ((الفتح)) ٩/ ٥٧١، و((التكملة)) ٥٠/٦.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
بعده، وهي قوله: (قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ) يريد النبيّ ◌ََّ، (قَدْ جَفَاَكَ)؛ أي:
هجرك، (وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ)؛ أي: ذلّ، وصَغار، (وَلَا مَضْيَعَةٍ) بفتح
الميم، وسكون الضاد المعجمة، وكسرها أيضاً لغتان؛ أي: حيث يضيع
حقّك، وعند ابن عائذ: ((فإن لك مُتَحَوَّلاً)) بالمهملة، وفتح الواو؛ أي: مكاناً
تتحول إليه، (فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ) قال النوويّ: وفي بعض النُّسخ: ((نواسيك))
بزيادة ياء، وهو صحيح؛ أي: ونحن نواسيك، وقطعه عن جواب الأمر،
ومعناه: نشاركك فيما عندنا. انتهى.
وقال في ((الفتح)): ((نواسك)) - بضم النون، وكسر المهملة - من
المواساة، وزاد في رواية ابن أبي شيبة: ((في أموالنا، فقلت: إنا لله قد طَمِعٍ
فيّ أهل الكفر))، ونحوه لابن مردويه. (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا:)؛
أي: تلك الرسالة، أو الصحيفة، (وَهَذِهِ أَيْضاً) مثل هجران المسلمين، (مِنَ
الْبَلَاءِ)؛ أي: من جملة اختبار الله تعالى إياك، (فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ) قال
النوويّ: هكذا هو في جميع الُّسخ ببلادنا، وهي لغة في ((تيممت))، ومعناها :
قصدت. انتھی(١).
و((التّنُّور)) بفتح التاء المثنّاة، وتشديد النون: الذي يُخبز فيه، وافقت فيه
لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربيّ صحيح، والجمع: تنانير،
قاله الفيوميّ(٢).
وقال المرتضى: التَُّّورُ: نَوعٌ من الكَوانِينِ، وفي (الصّحاح)): التَّنُّورُ:
الكانُونُ الذي يُخْبَزُ فيه، يقال: هو في جميع اللُّغَاتِ كذلك، وقال اللَّيْثُ:
التَُّّورُ عَمَّتْ بكلِّ لسانٍ، قال أبو منصور: وهذا يَدُلُّ على أنّ الاسمَ في الأَصل
أعْجَمِيٌّ، فعَرَّبَتْهَا العربُ، فصار عربيّاً، على بناءِ فَقُولٍ، والدَّلِيلُ على ذلك أنّ
أصلَ بنائِه تَنَرَ، قال: ولا نعرفُه في كلام العربِ؛ لأنه مُهْمَلٌ، وهو نَظِيرُ ما
دَخَلَ في كلام العربِ من كلامِ العَجَمِ، مثلُ الدِّيباجِ، والدِّينارِ، والسُّنْدُسِ،
والإِسْتَبْرَقِ، وَمَا أشبَهها، ولمّا تَكلَّمتْ بَها العربُ صارَت عربيَّةً. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٩٣.
(٣) ((تاج العروس)) ص٢٥٥٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٧٧.

٤٥
٨ - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ
(فَسَجَرْتُهَا بِهَا) بسين مهملة، وجيم؛ أي: أوقدته، وأنّث ضمير الكتاب
على معنى الصحيفة، وفي رواية ابن مردويه: ((فعمدت بها إلى تنّور به، فسجرته
بها))، ودلّ صنيع كعب رُه هذا على قوّة إيمانه، ومحبته لله تعالى،
ولرسوله وَ﴾، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض، قد يَضعُف
عن تحمّل ذلك، وتَحْمِلُهُ الرغبةُ في الجاه والمال على هجران مَن هَجَرَه، ولا
سيما مع أمْنه من الملِك الذي استدعاه إليه، أنه لا يُكرهه على فراق دينه، لكن
لمّا احتَمَل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حَسَم المادّة، وأحرق الكتاب، ومنع
الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طُبعت نفوسهم على الرغبة، ولا
سيما بعد الاستدعاء، والحثّ على الوصول إلى المقصود، من الجاه والمال،
ولا سيما والذي استدعاه قريبه، ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه دينه، وقَوِي
عنده يقينه، ورجّح ما هو فيه من النكد، والتعذيب على ما دُعي إليه، من
الراحة، والنعيم؛ حبّاً في الله تعالى، ورسوله (صل18، كما قال ◌َله: ((وأن
يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))، وعند ابن عائذ: ((أنه شكا حاله إلى
رسول الله وَ ﴿، وقال: ما زال إعراضك عني، حتى رَغَّب فيّ أهلَ الشرك))(١).
قال كعب رَظُه: لبثنا على ذلك الهجران (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ
الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر، وهو عطف على ((مضت))، أو حال
بتقدير ((قد)). (الْوَحْيُ)؛ أي: في شأنه، وشأن صاحبيه، (إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ وَهُ
يَأْتِينِي) ((إذا)) الأُولى شرطيّة، وهذه فُجائيّة رابطة لجواب الأُولى، كما قال في
«الخلاصة)) :
وَتَخْلُفُ الْفَاءَ ((إِذَا)) الْمُفَاجَأَهْ كَإِنْ تَجُدْ إِذَا لَنَا مُكَافَأَةُ
قال الحافظ تَخُّ: لم أقف على اسم هذا الرسول، ثم وجدت في رواية
الواقديّ أنه خزيمة بن ثابت، قال: وهو الرسول إلى هلال، ومرارة بذلك.
(فَقَالَ) ذلك الرسول: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَأْمُرَُّكَ أَنْ تَعْتَزِلَ)؛ أي: تبتعد
عن (امْرَأَتَكَ) هي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصاريةٌ، أم أولاده
الثلاثة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت يومئذ
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٧١.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
عنده: خيرة - بالمعجمة المفتوحة، ثم التحتانية - (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ:
أُطَلِّقُهَا)؛ أي: المرأة (أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ) الرسول: (لَا) تطلّقها (بَلِ اعْتَزِلْهَا)؛
أي: بل ابتعد عن الاستمتاع بها (فَلَا تَقْرَبَنَّهَا)؛ أي: لا تجامعها. (قَالَ) كعب:
(فَأَرْسَلَ) وَهِ (إِلَى صَاحِبَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، هما: مرارة بن الربيع،
وهلال بن أميّة، (بِمِثْلٍ ذَلِكَ)؛ أي: بمثل ما أرسل إليّ من الاعتزال عن
امرأتيهما. (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ لِمْرَأَنِي الْحَقِي) بوصل الهمزة، وفتح الحاء
المهملة، أمْر من لَحِقَ، من باب سَمِع، (بِأَهْلِك)؛ أي: أقربائك: أبويك،
ونحوهما، (فَكُونِي عِنْدَهُمْ) هذا دليل على أن هذا اللفظ ليس صريحاً في
الطلاق، وإنما هو كناية، ولم ينوِ به الطلاق، فلم يقع، قال النوويّ.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: هذا يدلّ على أن: الحقي بأهلك ليس من ألفاظ
الطلاق، لا من صرائحه، ولا من كناياته الظاهرة، وغايته أن يكون مما يَحْتَمِل
أن يراد به الطلاق، إذا نَوِي ذلك. انتهى(١).
(حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ) الذي نزل بنا من الهجران بسبب التخلّف
عن الغزوة، زاد النسائيّ من طريق مَعْقِل بن عُبيد الله، عن الزهريّ: ((فَلَحِقت
بهم)) .
(قَالَ) كعب: (فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) هي خولة بنت عاصم، وقال
الذهبيّ: هي التي لاعنها هلال، ففرّق رسول الله وَّه بينهما(٢). (رَسُولَ اللهِ وَّل،
فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ) اسم فاعل من ضاع
يضيع: إذا هلك، وتَلِف، ثم فسَّرت الضياع هنا بقولها: (لَيْسَ لَهُ خَادٌِ) تقدّم
أن الخادم بلا هاء يطلق على الذكر والأنثى، وقلّ استعمال خادمة بالهاء
للأنثى(٣). (فَهَلْ تَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعب، (أَنْ أَخْدُمَهُ؟) بكسر
الدال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر (٤). (قَالَ) وَِّ: (لَا)؛ أي: لا أكره أن
تخدميه، (وَلَكِنْ) بسكون النون حرف استدراك، (لَا يَقْرَبَنَّكِ))) بنون التوكيد
المشدّدة؛ أي: لا يجامعنّك، وفي رواية البخاريّ: ((ولكن لا يقربك)) دون توكيد.
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٠٠.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٥٤/١٨.
(٤) راجع: ((القاموس)) ص٣٥٤.

٤٧
(٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٩٩٠)
[تنبيه]: (يقربنّك)) هنا بفتح أوله وثالثه، يقال: قَرِبتُ الأمرَ أقربه، من
باب تَعِبَ، وفي لغة من باب نَصَرَ قِرباناً بالكسر: إذا فعلته، أو دانيته،
ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزَّفْ﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني
قولهم: لا تقرب الحمى؛ أي: لا تَدْنُ منه، فهو متعدّ بنفسه، وأما قَرُب
من الشيءٍ من باب كَرُم، فهو يتعدّى بـ((من))، وما هنا من الأول، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ) المرأة: (إِنَّهُ)؛ أي: هلالاً، ويَحْتَمل أن يكون الهاء ضمير
شأن، والجملة بعده تفسيره. (والله مَا بِهِ حَرَكَةٌ)؛ أي: تحرّك، واشتهاء (إِلَى
شَيْءٍ) من النساء، (وَوالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ) من هجران
الناس له؛ أي: من ابتداء مدّة ذلك الأمر (إِلَى يَوْمِهِ هَذَا) الذي أتيتك في شأنه
الآن. (قَالَ) كعب: (فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي) قال الحافظ: لم أقف على اسمه،
واستُشكل هذا مع نهي النبيّ يَّر عن كلام الثلاثة.
وأجيب: بأنه يَحْتَمِل أن يكون عَبَّر عن الإشارة بالقول، وقيل: لعله بعض
ولده، أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم،
أو الذي كلّمه بذلك كان منافقاً، أو كان ممن يخدمه، ولم يدخل في النهي.
(١)
انتھی(١).
(لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فِي امْرَأَتِكَ)؛ أي: في خدمتها، (فَقَدْ أَذِنَ)
الفاء تعليليّة؛ أي: لأنه ◌َّهَ قد أَذِنَ (لِمْرَأَةِ هِلَالٍ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، قَالَ)
كعب: (فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا) في خدمتها (رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ، وَمَا يُدْرِينِي) بضم
أوله؛ أي: ما يُعلمني (مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ وََّ) لي (إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا)؛ أي:
في خدمتها، هل يردّ علي بالرضا، كما ردّ هلال، أم بالغضب والسخط؟ (وَ)
الحال (أَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟) قويّ قادر على خدمة نفسي، أو خائف على نفسي من
حِدّة الشباب أن أصيب امرأتي، وقد نُهيت عنها. (قَالَ) كعب: (فَلَبِثْتُ)؛ أي:
مكثت (بِذَلِكَ) الحال، من هجران الناس لنا، ومفارقة أهلي (عَشْرَ لَيَالٍ،
فَكَمُلَ) بفتح الميم، وضمّها، وكسرها، من أبواب قَرُبَ، وضرب، وتَعِب
(١) ((الفتح) ٩/ ٥٧٢، و((عمدة القاري)) ٥٤/١٨.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ثلاث لغات، لكن باب تعب أردؤها، قاله الفيّوميّ(١). (لَنَا) معاشر الثلاثة،
(خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ) بالبناء على الفتح؛ لإضافته إلى مبنيّ، ويجوز إعرابه
بالجرّ، والباء أرجح، وروي بالوجهين قول الشاعر [من الطويل]:
فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
عَلَى حِينٍ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا .
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك تَخْذّثهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلِ بُنِيَا
وَابْنِ أَوَ اغْرِبْ مَا كَـ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِبًا
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
(نُهِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله: (عَنْ كَلَامِنَا) ولفظ البخاريّ:
((من حين نهى رسول الله وَ﴿ عن كلامنا)). (قَالَ) كعب: (ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ
الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرٍ)؛ أي: سطح (بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا) الظاهر أنه
لم يتمكّن من الصلاة في المسجد لعذر ما، وإلا فقد سبق أنه قال: ((فكنت
أخرج، فأشهد الصلاة)). (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ) تقدّم الكلام على ((بينا))، و((بينما)) غير
مرّة، فلا تغفل. (عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ وَتَ مِنَّا) في كتابه العزيز، وهو
إشارة إلى قوله ◌َت: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا
رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَاً مِنَ اَللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَبَ عَلَيْهِمْ
لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٨)﴾ [التوبة: ١١٨].
ثم شرح مضمون الآية بقوله: (قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ)؛ أي: وعلى صاحبيّ (نَفْسِي)
وأنفسهما، (وَضَاقَتْ عَلَيَّ) وعليهما (الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ((ما)) مصدريّة، و((رحبت)
صِلتها؛ أي: مع رَحَبها، وسَعَتها، وقال القرطبيّ كَّتُهُ؛ أي: بما اتسعت؛ ومعناه:
ضاقت عليّ الأرض مع أنها متسعة، والرحب: السعة. انتهى(٢).
وهذا تمثيل للحيرة في أمره، كأنه لم يجد فيها مكاناً يفرّ إليه، قلقاً،
وجزءاً، وإذا كان هؤلاء لم يأكلوا مالاً حراماً، ولا سفكوا دماً حراماً، ولا
أفسدوا في الأرض، وأصابهم ما أصابهم، فكيف بمن واقع الفواحش
والكبائر، قاله القسطلاني(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٥٤١/٢.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ١٠٠.
(٣) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٧٨/٢٥ - ٢٧٩.

٤٩
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴿﴿ُه - حديث رقم (٦٩٩٠)
[تنبيه]: قال الفيّوميّ كَخْلُ: رَحُبَ المكانُ رُحْباً، من باب قَرُب، فهو
رَحِيبٌ، وَرَحْبٌ، مثالُ قَرِيب، وفَلْسٍ، وفي لغة: رَحِبَ رَحَباً، من باب تَعِبَ،
وأَرْحَبَ بالألف مثله، ويتعدى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بِكَ المكانُ، ثم كَثُر،
حتى تعدَّى بنفسه، فقيل: رَحُبَتْكَ الدارُ، هذا شاذّ في القياس، فإنه لا يوجد
فَعُل بالضم إلا لازماً، مثلُ شَرُفَ، وكَرُمَ، ومن هنا قيل: مَرْحَباً بك،
والأصل: نزلت مكاناً واسعاً، ورَحَّبَ بِهِ بالتشديد: قال: له مرحباً. انتهى(١).
(سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ)؛ أي: منادٍ رافع صوته، قال الذهبيّ تَُّهُ: الذي
بشّر كعباً بالتوبة هو حمزة بَّن عمرو الأسلميّ، وكذا قاله الواقديّ، نقله الشيخ
وليّ الدين عنه(٢).
وقال في ((العمدة)): قال الواقديّ: الذي أوفى على سَلْع أبو بكر
الصدیق رقڅله. انتھی(٣).
(أَوْفَى)؛ أي: صَعِده، وارتفع عليه، (عَلَى سَلْعٍ)؛ أي: على جبل سَلْع
- بفتح السين المهملة، وسكون اللام -: جبل بالمدَّينة معروف، وفي رواية
معمر: ((من ذروة سلع))؛ أي: أعلاه، وزاد ابن مردويه: ((وكنت ابتنيت خيمة
في ظهر سلع، فكنت أكون فيها))، ونحوه لابن عائذ، وزاد: ((أكون فيها
نهاراً)).
(يَقُولُ) ذلك الصارخ (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكِ) ((كعب)) يجوز فيه
الضمّ، والفتح، وأما ابن مالك، فلا يجوز فيه إلا النصب؛ لكونه مضافاً، قال
في ((الخلاصة)):
نَحْوٍ أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ
وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ خُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
(أَبْشِرْ) بقطع الهمزة، من الإبشار، وفي رواية عمر بن كثير، عن كعب،
عند أحمد: ((إذ سمعت رجلاً على الثنية يقول: كعباً كعباً حتى دنا مني، فقال:
بشِّروا كعباً)). (قَالَ: فَخَرَرْتُ)؛ أي: أسقطت نفسي على الأرض حال كوني
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٤/١٨.
(٢) ((تنبيه المعلم)) ص ٤٥٤.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(سَاجِداً) لله ◌ُعَلَ، حيث منّ عليّ بقبول توبتي، وعند ابن عائذ: ((فخرّ ساجداً
يبكي فرحاً بالتوبة)).
قال النوويّ تَخْتُهُ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه، في استحباب سجود
الشكر بكل نعمة ظاهرة، حَصَلت، أو نقمة ظاهرة اندفعت. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: هذه سجدة الشكر، وظاهر هذا أنها كانت معلومة
عندهم، معمولاً بها فيما بينهم، وقال بها الشافعيّ، ومالك في أحد قوليه،
ومشهور مذهبه الكراهة. انتهى.
وقوله: (وَعَرَفْتُ) جملة حاليّة من الفاعل بتقدير ((قد))؛ أي: والحال أني
قد عرفت بسماع صوته (أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ) من الله تعالى بكشف كربتنا، و(أن))
مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف؛ أي: أنه قد جاء فرج، قال في
(الخلاصة)) :
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ))
وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْتَكَنَّ
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مَمْتَنِعَا
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا
تَنْفِيسِ أوْ (لَوْ)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ ((لَوْ)»
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ((قَدْ)) أَوْ نَفْي أَوْ
(قَالَ) كعب: (فَآذَنَ) بالمدَّ، وفتح المعجمة؛ أي: أعلم، وللكشميهنيّ
بغير مدّ، وبالكسر، (رَسُولُ اللهِ نَِّ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ) وَ (عَلَيْنَا) معاشر الثلاثة.
(حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ)؛ أي: فرغ منها بالتسليم، ووقع في رواية
إسحاق بن راشد، ومعمر: ((فأنزل الله توبتنا على نبيه وّ﴾ حين بقي الثلث
الأخير من الليل، ورسول الله وَ﴿ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة مُحسنةً في
شأني، معتنية بأمري، فقال: يا أم سلمة تِيب على كعب، قالت: أفلا أرسل
إليه، فأُبَشِّره؟ قال: إذاً يَحْطِمكم الناسُ، فيمنعوكم النوم سائر الليلة، حتى إذا
صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا)).
(فَذَهَبَ النَّاسُ) بعدما سمعوا من رسول الله وَّهِ خبر التوبة، والحال أنهم
(يُبَشِّرُونَنَا) معاشر الثلاثة.
قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه دليل الاستحباب التبشير، والتهنئة لمن تجددت له
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٩٤.

٥١
2 تم - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ.
نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة شديدة، ونحو ذلك، وهذا الاستحباب عامّ
في كل نعمة حصلت، وكربة انكشفت، سواء كانت من أمور الدين، أو الدنيا .
انتھی(١).
(فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ) بتشديد الياء، تثنية صاحب، وهما: مرارة، وهلال،
(مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون
هو حمزة بن عمرو الأسلميّ (٢)، وقال في ((العمدة)): هو الزبير بن العوّام،
وقيل: حمزة بن عمرو (٣)، والله أعلم. انتهى (٤).
(إِلَيَّ) بتشديد الياء، (فَرَساً)؛ أي: أجراه جرياً قويّاً حتى يسبق غيره
بالبشرى، (وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي) قال في ((الفتح)): هو حمزة بن عمرو،
رواه الواقديّ، وعند أَبن عائذ: أن اللذين سعيا أبو بكر وعمر، لكنه صدّره
بقوله: زعموا، وعند الواقديّ: وكان الذي أوفى على سَلْع أبا بكر الصديق،
فصاح: قد تاب الله على كعب، والذي خرج على فرسه الزبير بن العوام،
قال: وكان الذي بشّرني فنزعت له ثوبي: حمزة بن عمرو الأسلميّ، قال:
وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته: سعيد بن زيد، قال: وخرجت إلى بني
واقف، فبشّرته، فسجد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نَفْسه؛
يعني: لِمَا كان فيه من الجهد، فقد قيل: إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل
الأيام صائماً، ولا يفتر من البكاء، وكان الذي بشّر مرارة بتوبته: سلكان بن
سلامة، أو سلمة بن سلامة بن وقش. انتهى(6).
(وَأَوْفَى)؛ أي: صَعِد (الْجَبَلَ)؛ أي: جبل سَلْع، (فَكَانَ الصَّوْتُ)؛ أي:
صوت الذي أوفى على الجبل، (أَسْرَعَ)؛ أي: أسبق إليّ (مِنَ الْفَرَسِ) من
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٥/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٢.
(٣) قال في ((العمدة)) ٥٤/١٨: قال أبو عمر: حمزة بن عمرو الأسلميّ من وَلَدٍ
أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، يكنى أبا حاتم، ويُعَدّ في أهل
الحجاز، مات سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمانين سنة، روى عنه أهل المدينة،
وكان يسرد الصوم. انتهى.
(٤) ((عمدة القاري)) ٥٤/١٨.
(٥) ((الفتح)» ٥٧٢/٩ - ٥٧٣.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وصول الفرس إليّ، (فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ) حال كونه (يُبَشِّرُنِي)
بقبول التوبة، وهو حمزة بن عمرو تظ﴿به، وقوله: (نَزَعْتُ لَهُ) جواب (لَمّا))، وما
وقع في بعض النسخ بلفظ: ((فنزعت)) بالفاء، الظاهر أنه غلط؛ لأن جواب
((لَمّا)) لا يُقرن بالفاء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(ثَوْبَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، (فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِشَارَتِهِ)؛ أي: بسبب
تبشيره إياي، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((فكسوته إياهما ببشراه))، وهي الموافقة
للقاعدة؛ إذ الأفصح في باب كسى وأعطى، تقديم الآخذ على المأخوذ، وإن
كان يجوز العكس(١).
قال النوويّ كَخْلُهُ: فيه استحباب إجازة البشير بخِلْعة، وإلا فبغيرها،
والْخِلْعة أحسن، وهي المعتادة. انتهى.
(والله مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) قال الحافظ كَخْتُ: يريد من جنس الثياب،
وإلا فقد تقدّم أنه كان عنده راحلتان، وسيأتي أنه استأذن أن يخرج من ماله
صدقةً، ثم وجدت في رواية ابن أبي شيبة التصريح بذلك، ففيها: ((ووالله ما
أملك يومئذ ثوبين غيرهما))، وزاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهريّ:
((فلبسهما))(٢).
(وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنٍ) في رواية الواقديّ: ((من أبي قتادة))، (فَلَبِسْتُهُمَا) فيه
جواز العارية، وجواز إعارة الثوب للَّبس، قاله النوويّ كَظُّهُ(٣).
وقال القرطبيّ لتُ: وکِسوته للبشیر ثوبیه، مع کونه ليس له غیرهما دلیل
على جواز مثل ذلك، إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز
إظهار الفرح بأمور الخير، والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نَحَر
عمر رضيُّه لمّا حَفِظ ((سورة البقرة)) جَزوراً. انتهى (٤).
(فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت من بيتي، حال كوني (أَتَأَمَّمُ)؛ أي: أقصد، وهي
لغة في أمّم، قال الفيّوميّ تَُّهُ: أمّه أمّاً، من باب قتل: قَصَده، وأمّمه،
(١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٨٠/٢٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٧٣/٩.
(٤) ((المفهم)) ٧/ ١٠١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٩٥/١٧.

٥٣
د - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ
وتأمّمه أيضاً: قَصَده. انتهى(١). (رَسُولَ اللهِ وَِّ) حال كوني (يَتَلَقَّانِي النَّاسُ)؛
أي: يستقبلوني في الطريق (فَوْجاً فَوْجاً)؛ أي: جماعة جماعة، حال كونهم
(يُهَنُِّونِي) بنون واحدة، أصله: يهنئونني بنونين إحداهما: نون الرفع، والثانية
نون الوقاية، فحُذفت إحداهما، وهي نون الرفع على الأصحّ؛ تخفيفاً، وقوله:
(بِالتَّوْبَةِ) متعلّق بما قبله، (وَيَقُولُونَ:) في صيغة التهنئة، (لِتَهْنِتْكَ) بكسر النون،
وزعم ابن التين أنه بفتحها، بل قال السفاقسيّ: إنه أصوب؛ لأنه مِن يهنأ، وفيه
نظر، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال المرتضى تَخُّْهُ: والتَّهْنِئَةُ: خلافُ التَّعْزِيَةِ، تقول: هَنَّأَهُ بالأَمرِ،
والوٍلايَةِ، تَهْنِئَةً، وتَهْنيئاً، وهَنَأَهُ هَنْأَ: إِذا قال له: لَيَهْنِئْكَ، والعربُ تقول:
لَيَهْنِتْكَ الفارِسُ، بجزم الهمزة، وليَهْنيك الفارِسُ بياء ساكنةٍ، ولا يجوز:
لَيَهْنِك، كما تقول العامَّة؛ أي: لأنَّ الياء بدل من الهمزة، قال: وقد ورد في
((صحيح البُخاريّ) في حديث توبَةِ كَعْبٍ بن مالكٍ: يقولون: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ
عليك، ضَبَطه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ بكسر النون، وزعم ابنُ التين أنَّه بفتحها،
وصوَّبه البرماويّ، ونَظّره الزَّرْكَشِيّ، فراجع في شرح الحافظ العسقَلانيّ
رحمه الله تعالى. انتهى(٣) .
وقال الفيّوميّ تَخُْهُ: وهَنُؤَ الشّيءُ بالضم، مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح، والمدّ:
تيسّر من غير مشقة، ولا عناء، فهو هَنِئٌ، ويجوز الإبدال، والإدغام، وهَنَأَنِي
الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموزٌ، من بابَي نفع، وضرب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ
الولدُ بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميّ، ومعناه: سَرَّني، فهو هَانِيٌّ،
وبه سُمّي، وهَنَأْتُهُ هَنْئاً باللغتين: أعطيته، أو أطعمته، وهَنَّأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي :
ساغ، ولذّ، وأكلته هَنِيئاً مَرِيئاً؛ أي: بلا مشقة، ويَهْنُؤُ بضم المضارع في الكل
لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزاً، مما ماضيه بالفتح،
غير هذا الفعل، وهَنََّتُهُ بالولد بالتثقيل، وبِاسم المفعول سُمّي. انتهى (٤).
(تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير، بل على نَذْبيّتها
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣/١.
(٣) (تاج العروس)) ص ٢٦٧.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
إذا كانت دينية، فإنه إظهار السرور بما يُسَرّ به أخوه المسلم، وإظهار المحبة،
وتصفية القلب بالمودة، قاله القرطبيّ تَخْشُهُ.
(حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ)؛ أي: فما زال الناس يهنئوني إلى أن دخلت
المسجد النبويّ، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (رَسُولُ اللهِ وَلـ
جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، (وَ) الحال أن (حَوْلَهُ) وَِّ (النَّاسُ)؛ أي:
الصحابة ﴿ه، (فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن
سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة،
الصحابيّ المشهور، استُشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث
وستين سنةً، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٠٩/٢.
حال كونه (يُهَرْوِلُ)؛ أي: يُسرع، يقال: هَرْول هَرْولةً: أسرع في مشيه
دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلاً،
قاله الفيّومِيّ تَظُّهُ(١). (حَتَّى صَافَحَنِي)؛ أي: أفضى بيده إلى يدي، (وَهَنَّأَنِي)؛
أي: قال لي: لتهنئك التوبة.
قال النوويّ كَّتُهُ: فيه استحباب مصافحة القادم، والقيام له؛ إكراماً،
والهرولة إلى لقائه بشاشةً، وفرحاً. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: فيه دليلٌ لمن قال بجواز القيام للدّاخل،
والمصافحة، وقد بيّنّا الخلاف في ذلك في ((الجهاد)).
قال كعب: (والله مَا قَامَ) للتهنئة (رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ)؛ أي:
طلحة، قالوا: سبب ذلك أن النبيّ وَ ﴿ كان آخى بينه وبين طلحة لَمّا آخى بين
المهاجرين والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان
الزبير أخا طلحة في إخوة المهاجرين، فهو أخو أخيه، قاله في ((الفتح))(٣).
(قَالَ) الراوي عن كعب، وهو ولده عبد الله: (فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا)؛
أي: لا ينسى تلك الفعلة، وهي قيامه، وهرولته إليه، ومصافحته، وتهنئته،
(لِطَّلْحَةَ) وقال القرطبيّ ◌َخْتُ: ((كان لا ينساها لطلحة))؛ أي: تلك القومة،
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٣٧.
(٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٥/١٧.

٥٥
- حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةٍ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْـ
والبشاشة التي صدرت له منه، ومعناه: أن تلك الفَعْلة أكّدت في قلبه محبّته،
وألزمته حُرمته، حتى عدّها من الأيادي الجسيمة، والمِنن العظيمة. انتهى(١).
(قَالَ كَعْبٌ) ◌َظَهُ: (فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ) وَلَّ، ولفظ
البخاريّ: ((قال رسول الله (وَلَه)) (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه نَّ (يَبْرُقُ) من باب
نصر؛ أي: يلمع، ويضيء (وَجْهُهُ) بَّهِ (مِنَ السُّرُورِ)؛ أي: من شدّة استبشاره،
وفرحه بتوبة الله تعالى على كعب، وصاحبيه، وقوله: (وَيَقُولُ:) هكذا النسخ،
والظاهر أنه مؤكّد لـ((قال)) الماضي، ولفظ البخاريّ: ((قال رسول اللهِ وَالت، وهو
يبرق وجهه من السرور: أبشر ... )) وليس فيه (يقول))، وهو الأصح، فتنبّه.
((أَبْشِرْ) بقطع الهمزة، (بِخَيْرِ يَوْم مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمَُّكَ))) قال النوويّ رَّتُهُ:
معناه: سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنه؛ لأنه معلوم لا بدّ منه. انتهى.
وقال في ((الفتح)): استُشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرّ عليه بعد
أن ولدته أمه، وهو خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديراً، وإن لم ينطق به؛
لعدم خفائه، والأحسن في الجواب أن يوم توبته مُكمل ليوم إسلامه، فيوم
إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها، فهو خير جميع أيامه، وإن كان
يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد
عنها، والله أعلم. انتهى.
(قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدَِكَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: أهذه البشارة من
عندك (أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟) وَ (فَقَالَ) ◌َِّ: (لا)؛ أي: ليست من عندي، (بَلْ) هي
(مِنْ عِنْدِ اللهِ؟))) مََّ، زاد في رواية ابن أبي شيبة: ((إنكم صَدَقتم اللهَ، فَصَدَقكم)).
قال كعب رَظُه: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا سُرَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا
حصل له الفرح والسرور (اسْتَنَارَ)؛ أي: أضاء (وَجْهُهُ) الشريف، (كَأَنَّ
وَجْهَهُ) وَرِ (قِطْعَةُ قَمَرٍ) وفي رواية إسحاق بن راشد: ((حتى كأنه قطعة من
القمر))، قال الحافظ: ويسأل عن السرّ في التقييد بالقطعة، مع كثرة ما ورد في
كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد، وقد تقدّم في صفة النبيّ وَلـ
تشبيههم له بالشمس طالعةً، وغير ذلك، وكان كعب بن مالك قائلُ هذا من
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٠١.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
شعراء الصحابة، وحاله في ذلك مشهورة، فلا بدّ في التقييد بذلك من حِكمة،
وما قيل في ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر، ليس بقويّ؛ لأن
المراد تشبيهه بما في القمر من الضياء، والاستنارة، وهو في تمامه، لا يكون
فيها أقلّ مما في القطعة المجردة، قال: وقد ذُكرت في صفة النبيّ نَّ بذلك
توجيهات، ومنها: أنه للإشارة إلى موضع الاستنارة، وهو الجبين، وفيه يظهر
السرور، كما قالت عائشة: ((مسروراً تبرق أسارير وجهه))، فكأن التشبيه وقع
على بعض الوجه، فناسب أن يشبّه ببعض القمر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كون حكمة التقييد للاحتراز من
السواد الذي في القمر هو الأقوى، والأوضح مما قاله الحافظ، فتأمله
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) كعب: (وَكُنَّا) معاشر الصحابة (نَعْرِفُ ذَلِكَ)؛ أي: كون استنارة
وجهه ◌َير علامة على سروه، وفي رواية البخاريّ: ((وكنّا نعرف ذلك منه))،
وفي رواية الكشميهنيّ: ((فيه))، وفيه ما كان النبيّ وَّل عليه من كمال الشفقة على
أمته، والرأفة بهم، والفرح بما يسرّهم، وعند ابن مردويه من وجه آخر، عن
كعب بن مالك: ((لمّا نزلت توبتي أتيت النبيّ وَّ، فقبّلت يده، ورُكْبته)).
(قَالَ) كعب: (فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) وَلِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ
تَوْبَتِي)؛ أي: تمامها وصِدقها، والشكر عليها، (أَنْ أَنْخَلِعَ)؛ أي: أخرج (مِنْ)
جميع (مَالِي) حال كونه (صَدَقَةً)، وقال العينيّ: ((صدقةً)) بالنصب؛ أي: لأجل
التصدق، ويجوز أن يكون حالاً، بمعنى متصدقاً. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((صدقةً)) هو مصدر في موضع الحال؛ أي:
متصدقاً، أو ضمّن أنخلع معنى أتصدق، وهو مصدر أيضاً. انتهى.
وتعقّب في ((المصابيح)) كونه مصدراً، فقال: لا نسلّم أن الصدقة مصدر،
بل هي اسم لِمَا يُتصدّق به، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِهِمْ صَدَقَةٌ﴾، وفي
((الصحاح)): الصدقة: ما يُتصدّق به على الفقراء، فعلى هذا يكون نَصْبها على
الحال من ((مالي))(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٢٢/٨.
(٢) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٨٣/٢٥ - ٢٨٤.

٥٧
ـمه - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴾
(إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ وَ له) خالصة لله تعالى، ولرسوله وَّه.
وقال القرطبيّ دَخَّهُ: وقوله: ((إن من توبتي أن أنخلع إلخ))؛ أي: إن من
علامات صدق توبتي، أو من شُكر توبتي أن أتصدق بمالي؛ أي: إن عليّ
ذلك، فهي صيغة نذر، والتزام، خرج مخرج الشكر، وابتغاء الثواب، أقرّه عليه
النبيّ ◌َ﴾، فكان ذلك جائزاً، ولم يدخل في عموم النذر المنهيّ عنه بقوله: ((لا
تنذروا)) متّفقٌ عليه، وقد بيّنا ذلك فيما تقدَّم، وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد
وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لمّا كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً
محتاجاً، وربما يفضي به ذلك إلى سؤال الناس، والى الدخول في مفاسد،
اكتفى الشرع منه ببعضه، فقال: ((أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك))،
وهذا البعض الذي أمره بإمساكه هو أكثر، والمتصدَّق به هو الأقل، كما قال
في حديث سعد رَُّه: ((الثلث، والثلث كثير))، متّفقٌ عليه، كما تقدم.
انتھی(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: قوله: ((إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلخ)):
معنى أنخلع منه: أخرج منه، وأتصدق به، وفيه استحباب الصدقة شكراً للنعم
المتجددة، لا سيما ما عَظُم منها، وإنما أمره وَّه بالاقتصار على الصدقة
ببعضه؛ خوفاً من تضرره بالفقر، وخوفاً أن لا يصبر على الإضافة، ولا يخالف
هذا صدقة أبي بكر ظُّه بجميع ماله، فإنه كان صابراً راضياً.
[فإن قيل]: كيف قال: ((أنخلع من مالي))، فأثبت له مالاً مع قوله أوّلاً:
((نزعت ثوبيّ، والله ما أملك غيرهما))؟.
[فالجواب]: أن المراد بقوله: ((أن أنخلع من مالي)) الأرض، والعقار،
ولهذا قال: ((فإني أمسك سهمي الذي بخيبر)).
وأما قوله: «ما أملك غيرهما» فالمراد به من الثياب، ونحوها، مما
يُخلع، ویلیق بالبشير.
وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية، قال: وهو مذهبنا، فإذا حلف لا
مال له، ونوى نوعاً لم يحنث بنوع آخر من المال، أو لا يأكل، ونوى تمراً،
(١) ((المفهم)) ١٠٢/٧.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
لم يحنث بالخبز. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِِّّ: ((أَمْسِلْكِ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))) وفي رواية أبي
داود، عن كعب أنه قال: ((إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله،
ورسوله، صدقةً، قال: لا، قلت: نصفه، قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم)).
ولابن مردويه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ: ((فقال النبيّ ◌َلَّه: يجزئ
عنك من ذلك الثلث))، ونحوه لأحمد في قصة أبي لبابة، حين قال: ((إن من
توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقة لله، ورسوله، فقال النبيّ وَله: يجزئ عنك
الثلث)) .
(قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ)؛ يعني: سهمه
الذي حصل له من قسمة غنيمة خيبر، وهي بخاء معجمة، وتحتانية، وموحّدة،
بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية بُرُد من المدينة
إلى جهة الشام، قال ابن إسحاق: خرج النبيّ ◌َّر في بقية المحرم سنة سبع،
فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر، وروى يونس بن بكير
في ((المغازي)) عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان، قالا: انصرف
رسول الله ( من الحديبية، فنزلت عليه ((سورة الفتح)) فيما بين مكة والمدينة،
فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ
هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠]؛ يعني: خيبر، فقَدِم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها، حتى
سار إلى خيبر في المحرَّم، ذكره في ((الفتح)) (٢).
(قَالَ) كعب: (وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ)؛ أي:
بسبب صدقي في إخبارك بعدم العذر لي في التخلّف عنك، (وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي)؛
أي: من تمامها، وصِدقها، (أَنْ لَا أُحَدِّثَ) من التحديث؛ أي: لا أخبر الناس
(إِلَّا صِدْقاً)؛ أي: قولاً صادقاً (مَا بَقِيتُ) بكسر القاف، و((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛
أي: مدّة بقائي في الدنيا. (قَالَ) كعب: (فَو الله مَا) نافية، (عَلِمْتُ أَنَّ أَحَداً مِنَ
الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللهُ)؛ أي: أعطاه، وأنعم عليه (فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ) ((في)) بمعنى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٩٦ - ٩٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٥/٩، ((كتاب المغازي)) رقم (٤١٩٥).

٥٩
٤ - حديث رقم (٦٩٩٠)
(٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ
الباء؛ أي: بصدق الحديث، (مُنْذُ ذَكَرْتُ)؛ أي: من وقت ذكري (ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا)؛ يعني: اليوم الذي حدّث فيه بهذا الحديث،
(أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللهُ بِهِ)؛ أي: بصدق الحديث، و((أحسن)) نعت لمصدر
محذوف؛ أي: إبلاء أحسن.
والمعنى: ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى بصدق الحديث
إيلاء أحسن مما أبلاني الله تعالى به من وقت ذِكري ذلك الأمر لرسول الله وَله
إلى يومي هذا الذي أتحدّث فيه الآن.
وقال في (الفتح)): قوله: ((فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله)؛
أي: أنعم عليه، وقوله: ((في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله، وَلهم
أحسن مما أبلاني))، وكذلك قوله بعد ذلك: ((فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة
قط بعد أن هداني إلى الإسلام أعظم من صدقي لرسول الله (وَّ﴾)) ففي قوله:
أحسن، وأعظم شاهد على أن هذا السياق يُورَد، ويراد به نفي الأفضلية، لا
المساواة؛ لأن كعباً شاركه في ذلك رفيقان - ؛ أي: مرارة، وهلال - وقد نفى
أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له، وهو كذلك، لكنه لم ينف
المساواة. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((أبلاه الله تعالى إلخ))؛ أي: أنعم عليه،
والبلاء، والإبلاء يكون في الخير، والشرّ، لكن إذا أُطلق كان للشرّ غالباً، فإذا
أريدَ الخير قُيِّد كما قيّده هنا، فقال: ((أحسن مما أبلاني)). انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فما أعلم أحداً أبلاه الله))؛ أي: أنعم عليه،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءُ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]؛ أي: نعمة،
ويقال في الخير والشرّ، ثلاثيّاً، ورباعيّاً، وقد جمع بينهما زهير، فقال [من الطويل]:
وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
جَزَى اللَّهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ
وأصله من الابتلاء، وهو الامتحان، والاختبار، ويمتحن بالخير والشرّ،
كما قال تعالى: ﴿وَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. انتهى (٣).
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
(٣) ((المفهم)) ٧/ ١٠٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧ / ٩٧.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(والله مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً) بفتح الكاف، وكسرها، مع سكون الذال، من
مصادر كذب، والأَولى هنا على ما يقتضيه سياق الكلام أن يكون بفتح الكاف
مراداً به المرّة من الكذب؛ لأن الكلام سيق لمبالغة نفي الكذب، فالمرة أولى،
والله تعالى أعلم.
(مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ
يَحْفَظَنِيَ اللهُ) بفضله، وكرمه من الكذب (فِيمَا بَقِيَ)؛ أي: من عمري.
(قَالَ) كعب: (فَأَنْزَلَ اللهُ رَت) في هذه القضيّة قوله تعالى: (﴿لَّقَد تَّابَ
اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ [التوبة: ١١٧])؛ أي: فيما وقع منه وَّ من الإذن في التخلف، أو
فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب
ممن وقعت منه أو له؛ لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد تكون
التوبة منه تعالى على النبيّ وَله من باب أنه ترك ما هو الأولى، والأليق، كما
في قوله: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. ويجوز أن يكون ذَكَر
النبيّ ◌َّ لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب، ويتوبوا عما قد لا بسوه
منها، وكذلك تاب الله تَعَالَ (﴿وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾) فيما قد اقترفوه من
الذنوب، ومن هذا القبيل ما صحّ عنه وَّل﴿ من قوله: ((إن الله اطّلع على أهل
بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم))، ثم وصف سبحانه المهاجرين
والأنصار بأنهم (﴿الَّذِينَ اتَّعُوهُ﴾)؛ أي: اتبعوا النبيّ نَّةٍ، فلم يتخلفوا عنه (٠
سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾) هي غزوة تبوك، فإنهم كانوا في عسرة شديدة، فالمراد بالساعة:
جميع أوقات تلك الغزاة، ولم يُرِدْ ساعة بعينها، والعسرة: صعوبة الأمر.
(﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾) في ﴿كَادَ﴾ ضمير الشأن،
و﴿قُلُوبُ﴾ مرفوع ب﴿يَزِيغُ﴾ عند سيبويه، وقيل: هي مرفوعة ب﴿كَادَ﴾،
ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، وقرأ الأعمش،
وحمزة، وحفص: ((يزيغ)) بالتحتية. قال أبو حاتم: من قرأ بالياء التحتية، فلا
يجوز له أن يرفع القلوب ب﴿كَادَ﴾، قال النحاس: والذي لم يُجزه جائز عند
غيره، على تذكير الجمع، ومعنى: ﴿يَزِيعُ﴾ تتلف بالجهد، والمشقة، والشدّة،
وقيل: معناه: تميل عن الحقّ، وتَتْرك المناصرة، والممانعة، وقيل: معناه: تَهُمّ
بالتخلف عن الغزو؛ لِمَا هم فيه من الشدّة العظيمة.