النص المفهرس
صفحات 1-20
التِ الحَظُ الثَاحِ فِ سشرح صِيعُ الإِمْعَِّ مُسْلِمُ الحَجَارِ لَجَامِعِه الْفَقِيْرِ الى صَوْلَه الغَنِ الْقَدِرُ مُحَدَابُ الشَُّ الْعُلَّمَ بَلِّنْ آدَمِ بنُمُوسَ الإِنْيُوُبِ الوَلْوِيّ مُوَيَدْمِ العِلُم بِمَكّة المكرَّة عَفَا اللّه تعَالى عَنْهُ، وَعَن وَالديه آمين المُجَلَّدُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ كِتَابُ: التَّوْبَةِ - ذِكِ المنَافِقِينَ وَالِقِيَامَةِ وَلَّةِ وَالنَّارِ الَّ وَصِفَةٍ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا رَقَّمُ الأَحَادِيْثِ (٦٩٩٠ - ٧١٦٨) دارابن الجوزي حِقُوق الطَّرْع محفوظة لِدَرابُ الجَوزيّ الطّبْعَة الأولى ى ١٤٣٦هـ حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٦هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. الابن rerS للنشر و التوزيع دارابن الجوزي لِلِنَّشرٌ والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي: ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com التِالخيط التجارية في شرح جميع الأمْرِمُلِ الحجاج 3 ٥ (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ براس الرحمن الرحيم قال الجامع عفا الله عنه: شرعت في كتابة الجزء الثالث والأربعين من شرح ((صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ركَّتُهُ» ليلة الأحد من شهر رمضان المبارك (١٤٣٣/٩/١٠هـ). (٩) - (بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَصَاحِبَيْهِ رَُّه، فتأتي ترجمته بعدُ، وأما صاحباه، فهما: أما كعب بن مالك مُرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة أما مرارة، فهو: مرارة بن الربيع الأنصاريّ الأوسيّ، من بني عمرو بن عوف، ويقال: إن أصله من قُضاعة، حالف بني عمرو بن عوف، صحابيّ مشهور، شَهِد بدراً على الصحيح، وهو أحد الثلاثة الذين تِيْبَ عليهم، أخرجاه في (الصحيحين)) من حديث كعب بن مالك في قصة توبته، فقلت: هل لقي أحد مثل ما لقيت؟ قالوا: هلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، فذكروا لي رجلين صالحين، شَهِدا بدراً، وفي حديث جابر عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ ◌ُلِفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] قال: هم كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم من الأنصار، ذكره في (الإصابة))(١) . وأما هلال، فهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاريّ الواقفيّ، شَهِد بدراً وما بعدها، وله ذِكر في ((الصحيحين)) من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وأخرج ابن شاهين من طريق عطاء بن عجلان، عن مكحول، عن عكرمة، عن هلال بن أمية أنه أتى عمر، فذكر قصة اللعان مطوّلة، قال الحافظ: وهذا لو ثبت لدلّ على أن (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٥/٦. ٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة هلال بن أمية عاش إلى خلافة معاوية، حتى أدرك عكرمة الرواية عنه، ولكن عطاء بن عجلان متروك، ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون عكرمة أرسل الحديث عنه، قاله في ((الإصابة)) أيضاً(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٠] (٢٧٦٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ وَِّ غَزْوَةَ تَبُوَكَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ، وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطَّ إِلَّ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدَأَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهـ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهُمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِلَّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، والله مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً، وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوّاً كَثِيراً، فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلـ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ - يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ -. قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٤٦/٦. ٧ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ . فِيهِ وَحْيٌّ مِنَ اللهِ رَكَ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ، وَالظُّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي، حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَِّ غَادِياً، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي، حَتَّى أَسْرَعُوا، وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ، فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ وَِّ يَحْزُ نُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً، إِلَّا رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْهِ فِي النَّفَاقِ، أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ وَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوَكَ (١)، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوَكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ؟»، قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ(٢): يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ: بِئْسَمَا قُلْتَ، والله يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلاً مُبَيِّضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((كُنْ أَبَا خَيْئَمَةَ))، فَإِذَا هُو أَبُو خَيْئَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوَكَ، حَضَرَنِي بَنِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً، وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلـ قَدْ أَظَلَّ قَادِماً، زَاحَ عَنِّ الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّقُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ (١) وفي نسخة: ((تبوكاً)). (٢) هو: عبد الله بن أنيس، قاله الواقديّ، ((تنبيه المعلم)). ٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ))، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ، تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ(١)، والله مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، والله مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيَك)). فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: والله مَا عَلِمْنَاَ أَذْتَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ الهِّهِ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ کَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ وَ لَكَ، قَالَ: فَوالله مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانٍ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ، قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنٍ، قَدْ شِهِدَا بَدْراً، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، مِنْ بَيْنٍ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَتَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ، وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ، فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي (١) وفي نسخة: ((لأرجو فيه عفو الله)). ٩ (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٩٩٠) رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرََّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيباً مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَائِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ خَائِطٍ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوالله مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُلَكَ بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَاتَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقٍ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ، حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِباً، فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهَا بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِنَّهِ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَأْمُرَُّكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلٍ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِمْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِنَِّ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَِّكِ))، فَقَالَتْ: إِنَّهُ والله مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِمْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ وَِّ، وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟، قَالَ: ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ دَى مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخِ أَوْفَى عَلَى سَلْع، يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكِ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَّفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، قَالَ: فَذَنَ رَسُولُ اللهِوَِّ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلَةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَتَزَعْتُ (١) لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِشَارَتِهِ، والله مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنٍ، فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ وَمَ- يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً، يُهَنِّئُونِي بِالثَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِتْكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي، وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَيَقُولُ: ((أَبْشِرْ بِخَيْرٍ يَوْم مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمَُّكَ))، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: ((لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ))، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمْسِلْكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ (١) وفي نسخة: ((نزعت)). ١١ (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٩٩٠) إِلَّا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوالله مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدأَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللهُ بِهِ، والله مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللهُ فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9) وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الْصَادِقِينَ (١١٩) قَالَ كَعْبٌ: والله مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطَّ بَعْد إِذْ هَدَانِي اللهُ لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهُ وَِّ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ اللهُ: (سَيَحْلِفُونَ بِللهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمِّ [التوبة: ٩٥، ٩٦]. فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّقْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَيّ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ رَّتِ: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِقُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ) المصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ت) تقدم في ((المقدمة)ً ١٠/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقة من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، رأس الطبقة [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٤٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ) الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقةٌ عالمٌ [٣] مات في خلافة هشام بن عبد الملك (خ م د س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥٩/١٣. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤية [٢] مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٠/٦٤. ٧ - (كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) بن أَبِي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ - بالفتح - المدنيّ الصحابي المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلُّفوا، مات في خلافة عليّ (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥٩/١٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن كعب، ورواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة، ستأتي قصّته في حديث الباب. شرح الحديث: (عَن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه (قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ) من هنا إلى قوله: ((قال ابن شهاب: فأخبرني)) من مرسل الزهريّ، وعبارة ((الفتح)) عند قوله: ((قوله: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك؛ أن عبد الله بن كعب)): كذا عند الأكثر، ووقع عن الزهريّ في بعض هذا الحديث روايةٌ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو عمّ عبد الرحمن بن عبد الله الذي حدّث به عنه هنا، وفي رواية عن عبد الله بن كعب نفسه، قال أحمد بن صالح، فيما أخرجه ابن مردويه: كان الزهريّ سمع هذا القَدْر من عبد الله بن كعب نفسه، وسمع هذا الحديث بطوله من ولده عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وعنه أيضاً رواية ١٣ ٤ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ ﴾ه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمه عُبيد الله بالتصغير(١)، ووقع عند ابن جرير من طريق يونس، عن الزهريّ في أول الحديث بغير إسناد: ((قال الزهريّ: غزا رسول الله وَ﴾ غزوة تبوك، وهو يريد نصارى العرب، والروم بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقام بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وَفْد أذرح، ووَفْد أيلة، فصالحهم رسول الله والتر على الجزية، ثم قَفَل من تبوك، ولم يجاوزها، وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَلْمُهَِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، والثلاثة الذين خُلِّفوا رهطٌ من الأنصار، في بضعة وثمانين رجلاً، فلما رجع صَدَقَهُ أولئك، واعترفوا بذنوبهم، وكَذَبَ سائرهم، فحلفوا ما حبسهم إلا العذر، فقَبِل ذلك منهم، ونهى عن كلام الذين خُلِّفوا، قال الزهريّ: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب .. ))، فساق الحدیث بطوله. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قوله في رواية مسلم هنا: ((قال ابن شهاب: ثم غزا رسول الله (وَل)) إلى قوله: ((قال ابن شهاب)) مرسل، وليس موصولاً بالسند المذكور، كما ظنّه بعض الشرّاح (٣)، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال الرشيد العظّار تَخْلَمُ في ((غُرره)) ما ملخّصه: هذا الحديث قد أخرجه البخاريّ، ولم يورد ما فيه من مرسل ابن شهاب، ولا يخفى على من له أُنس بعلم الرواية أن مسلماً تَخْتُهُ إنما احتجّ بما في هذه الأحاديث، وما شاكلها بالمسنَد، دون المرسل، وإنما أوردها بما فيها من المرسل جرياً على عادته في ترك الاختصار، والله ربك أعلم. انتهى(٤). (غَزْوَةَ تَبُوَكَ) بفتح المثنّاة، بعدها موحّدة، ثم واو، ثم كاف: مكان معروف، وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق، وهو من المدن المشهورة اليوم في المملكة العربيّة السعوديّة في أقصى شمالها . (١) هي: الرواية الرابعة عند مسلم هنا. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٤، ((كتاب المغازي)) رقم (٤٤١٨). (٣) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٥٧/٢٥. (٤) ((غُرَرُ الفوائد)) رقم (٥٤)، وتقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١٣٤/١. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة [تنبيه]: قال الفيّومِيّ رَّتُهُ: بَاكَتِ الناقةُ تَبُوكُ بَوْكاً: سَمِنَتْ، فهي بَائِكٌ، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تَبُوكُ؛ لأن النبيّ وَّ غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية، من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سُمِّيت البقعة تَبُوكُ بذلك، وهو موضع من بادية الشام قريب من مَدْيَن الذين بعث الله إليهم شعيباً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الفيّومي سبباً لتسمية تبوك، فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا الاسم اسم قديم، قبل غزوة النبيّ وَّ، فلا يمكن أن يكون غزوه سبباً للتسمية، فتأمله بالإمعان. وقال المرتضى تَخُّْ: وتَبُوك: أَرْضٌ بينَ الشّام والمَدِينَةِ، وفي ((العُبابِ)): بينَ وادِي القُرَى والشّام، وإِلَيها نُسِبَتْ غَزْوَةٌ منَ غَزَواتِهِ مَِّ، واخْتُلِف في وَزْنِها، ووَجْهِ تَسمِيَتِها، قال الأَزْهرِيُّ: فإن كانت التاءُ في تَبُوكَ أَصليّة فلا أَدْرِي مِمَّ اشْتِقاقُ تَبُوك، وإنْ كانَتْ للَّأْنِيثِ في المُضارِعِ فهي من باكَتْ تَبُوكُ، ثمّ قال: وقد يَكُونُ تَبُوكُ على تَفْعُول، قال: وقرأْتُ فيَ ((الرَوْضِ)) للسُّهَيلِيِّ ما نَصُّه: غزوةُ تَبُوكَ سُمِّيَت بِعَيْنِ تَبُوك، وهي العَينُ التي أَمَرَ رسولُ اللهِ نَّهِ الناسَ أَلَا يَمَسُّوا من مائِها شَيئاً، فسَبَق إِلَيها رَجُلانِ، وهي تَبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فَجَعَلا يُدْخِلانِ فيها سَهْمَيْنٍ؛ لِيَكْثُرَ ماؤها، فسَبَّهُما رسول اللهِ وَّه، وقالَ لَهُمَا فيما ذَكَره القُتَبِيُّ: ما زِلْتُما تَبُوكانِها منذُ اليَوْم؟ قال: فِذلِكَ سُمَِّت العَيْنُ تَبُوك، ووَقَع في ((السِّيرَة)): فقال: ((مَنْ سَبَق إِلى هذا؟)) فِقِيلَ له: يا رَسُولَ اللهِ فلانٌ، وفُلانٌ، وفلانٌ، وقالَ الواقِدِيُّ فيما ذُكِرَ لي: سَبَقَه إِليها أَرْبَعَةٌ من المُنافِقِينَ: مُعَتِّبُ بن قُشيرٍ، والحارِثُ بن يَزِيدَ الطَّائِيُّ، ووَدِيعَةُ بنُ ثابِتٍ، وزَيْدُ بنُ نُصَيب. (٢) انتھی وقوله: (وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ) جملة حاليّة من ((رسول اللهِ نَّه))، و((الرُّوم)) بالضم: جِيل من وَلَد الروم بن عيصو بن إسحاق عُلَّا سُمُّوا بِاسم جدّهم، قيل: كان لعيصو ثلاثون ولداً منهم الرُّوم، ودخل في الروم طوائف من تَنُّوخ، ونَهْد، وسليم، وغيرهم، من غسان كانوا بالشأم، فلما أجلاهم المسلمون عنها (١) ((المصباح المنير)) ٦٦/١. (٢) ((تاج العروس)) ص ٦٦٦١. ١٥ قة - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ تَوْبَةٍ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ هـ دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، قاله في ((التاج))(١). (وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّام) بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة إليها شأميّ على الأصل، ويجوز شَآم بالمدّ من غير ياء، مثلُ يمنيّ، ويمانٍ، قاله الفيّوميّ(٢). وقال في (القاموس)) و((شرحه)): الشأم بلاد عن مشأمة القبلة، وقد سُمّيت لذلك؛ أي: لأنها عن مشأمة القبلة، أو لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها؛ أي: تياسروا، أو سُمِّي بِسام بن نوح، فإنه بالشين المعجمة بالسريانية، ثم لمّا أعربوه أعجموا الشين، وهذا الوجه قد أنكره كثير من محققي أئمة التواريخ، وقالوا: لم ينزلها سام قط، ولا رآها فضلاً عن كونه بناها، أو لأن أرضها شامات: بِيضٌ، وحُمْرٌ، وسُودٌ، وقد بَحثوا في هذا الوجه أيضاً، وصوّبوا الأول، واقتصروا عليه، وعلى هذا لا تهمز؛ لأنه معتلّ واويّ، وكذلك على الوجه الذي قبله، وينافيه أنهم لا ينطقون به إلا مهموزاً، مؤنثةٌ، وقد تُذَكَّرُ. انتھی(٣) . [تنبيه]: كان سبب غزوة تبوك ما ذكره ابن سعد، وشيخه، وغيرهما، قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جَمَعت جموعاً، وأجلبت معهم لخم، وجذام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء، فندب النبيّ وَّر الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم، ورَوَى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين ظًّا قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدّعي النبوّة هلك، وأصابتهم سنون، فهلكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم، يقال له: قباذ، وجهّز معه أربعين ألفاً، فبلغ النبيّ وَّر ذلك، ولم يكن للناس قوّة، وكان عثمان قد جهّز عِيراً إلى الشام، فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال: فسمعته يقول: ((لا يضرّ عثمان ما عَمِل بعدها))، وأخرجه الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه. (١) (تاج العروس)) ص ٧٧٤٠. (٣) ((تاج العروس)) ص٧٧٧٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وذكر أبو سعيد في ((شرف المصطفى))، والبيهقي في ((الدلائل)) من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً، فالْحَقْ بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]. انتهى، قال الحافظ: وإسناده حسن مع كونه مرسلاً. انتهى(١). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالسند السابق، فمن هنا متّصلٌ، وما قبله مرسلٌ، كما نبّهت عليّه. (فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، وكَانَ)؛ أي: عبد الله بن كعب، ووقع في بعض النسخ: ((كان)) بلا واو، فيكون خبر ((أنّ)). (قَائِدَ كَعْبٍ) اسم فاعل من قاده يقوده، يقال: قَاد الرجلُ الفرسَ قَوْداً، من باب قال، وقِيَاداً بالكسر، وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ: أن يكون الرجلُ أمام الدابة، آخذاً بقيادها، والسَّوْق: أن يكون خلفها. انتهى(٢). وقوله: (مِنْ بَنِيهِ) قال في ((الفتح)): بفتح الموحّدة، وكسر النون، بعدها تحتانيّة ساكنة، وقع في رواية القابسيّ هنا، وكذا لابن السكن في ((الجهاد)): ((من بيته)) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية، بعدها مثنّاة، والأول هو الصواب. انتھی . وقال في ((العمدة)): قوله: ((من بنيه)): وهم عبد الله هذا، وعبيد الله، وعبد الرحمن. انتهى(٣). (حِينَ عَمِيَ) بفتح العين المهملة، وكسر الميم، من باب تَعِبَ؛ أي: فَقَدَ بصره، وفي رواية مَعِقل بن عبيد الله، عن ابن شهاب الآتية: ((وكان قائد كعب حين أُصيب بصره، وكان أعلم قومه، وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله وَاللّه)). (قَالَ) عبد الله بن كعب: (سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ) بن أبي کعب، (١) ((الفتح)) ٩/ ٥٥٦ - ٥٥٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٠٨/٢. (٣) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٢١/ ٤٦٣. ١٧ ـة - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ واسمه: عمرو السَّلَميّ المدنيّ الشاعر، صاحب النبيّ ◌َّ، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١]. (يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ)؛ أي: زمان تخلّفه (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلْ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ) الجارّان متعلّقان بـ(تخلّف))، وفي رواية البخاريّ: ((حين تخلّف عن قصة تبوك))، وعليه فـ((عن قصّة)) متعلق بقوله: ((يُحَدِّث)). (قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) بَّهِ: (لَمْ أَتَخَلَّفْ)؛ أي: لم أتأخّر (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطَّ)؛ أي: في أيّ وقت مضى، يقال: ما فعلت ذلك قَظُ؛ أي: في الزمان الماضي، بضمّ الطاء مشدّدة، قال الفيّوميّ(١). وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): وإِذا أَرَدْتَ بِقَطَ الزَّمَانَ فمُرْتَفِعٌ أَبداً، غير مُنَوَّن تقول: ما رَأَيْتُ مثلَه قَطُ؛ لأَنَّهُ مثلُ قَبْلُ، وبَعْدُ، فإِنْ قَلَّلَت بقَظْ فاجْزِمْها، ما عِنْدَكَ إلَّا هذا قَظْ، فإِن لَقِيَتْه أَلِفُ وَصْلِ كَسَرْتَ، تقول: مَا عَلِمْتُ إلّا هذا قَطِ اليَوْمَ، وما فَعَلْت هذا قَطْ مَجْزُومَ الطَّاءَ، ولا قَطْ مُشَدَّداً مضمومَ الطّاءِ، أَو يُقَالَ: قَطّ يا هذا مُثَلَّثَهَ الطَّاءِ، مُشَدَّدَةً، ومَضْمُومَةَ الطَّاءِ مُخَفَّفَةً، ومَرْفُوعَةً، ونصُ اللِّحْيَانِيّ في ((النَّوَادِرِ)): وما زالَ هذا مُذْ قُطُ يا فَتَى بضَمِّ القافِ والتَّثْقِيل، وتَخْتَص بالنَّفْي ماضِياً، وتَقُولُ العَامَّةُ: لا أَفْعَلُه قَطُ، وإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في المُسْتَقْبَلِ عَوْضُ. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال، والصحيح أن استعمال ((قط)) في المثبَت لغة فصيحة، فقد وقع بعد المثبت في مَواضِعَ من ((صحِيحِ البُخَارِيِّ)) مِنْها في (باب صلاةِ الكُسُوفِ)): ((أَظْوَلُ صلاةٍ صَلَّيْتَها قَطُ))، وفي ((سَّنَن أَبِي دَاوُدَ)): (تَوَضَّأَ ثَلاثَاً قَطْ))، وأُثْبَتَه ابنُ مالِكِ لغةً، وحَقَّقَ بَحثَه في «التَّوْضِيحِ على مُشْكِلاتِ الصَّحِيحِ)) قال: وهي مِمّا خَفِيَ على كثيرٍ من النُّحاةِ. انتهى بتصرّفَ(٢). (إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوَكَ) زاد أحمد من رواية معمر: ((وهي آخر غزوة غزاها))، وهذه الزيادة رواها موسى بن عقبة، عن ابن شهاب بغير إسناد، ومثله في زيادات المغازي ليونس بن بكير، من مرسل الحسن، قاله في ((الفتح))(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٥١٨/٢. (٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٤. (٢) ((تاج العروس)) ص ٤٩٧٤. ١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وكانت غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، في رجب منها(١). (غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّقْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ)؛ أي: لم أشهدها، (وَلَمْ يُعَاتِبْ)؛ أي: لم يعاتب النبيّ وَّ﴾ (أَحَداً) ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير الله رَّك، ويؤيّده ما وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((ولم يعاتب الله أحداً)). وقال في ((العمدة)): قوله: ((ولم يُعاتِب أحداً))؛ أي: لم يعاتب الله أحداً، ويُروَى: (لم يُعَاتَبْ)) على صيغة المجهول، و((أحد)) بالرفع نائب فاعله(٢). (تَخَلَّفَ عَنْهُ)؛ أي: عن غزوة بدر، ولفظ البخاريّ: ((عنها))؛ أي: عن الغزوة، ثم بيّن سبب عدم المعاتبة، فقال: (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾)؛ أي: إلى بدر، (وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ) بكسر العين، وسكون التحتانيّة: الإبل تَحْمِل الْمِيرة، ثم غلب على كلّ قافلة(٣)؛ يعني: أنهم أرادوا أن يأخذوا عِير قريش التي أقبلت من الشام، وهي محملّة بضائع التجارات. (حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْتَهُمْ)؛ أي: بين النبيّ وََّ، والمسلمين (وَبَيْنَ عَدُوِّهُمْ)؛ أي: مشركي قريش، (عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ) بكسر الميم: وقت الوعد، أو موضعه؛ يعني: دون أن يكون بين المسلمين والمشركين مواعدة للقتال في وقت، أو مكان معيّن. (وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) أراد به أنه وإن لم يتشرّف بحضوره غزوة بدر، إلا أنه تشرّف بحضور ليلة العقبة التي بايع الأنصار فيها رسولَ الله وَليه على مؤازرته، والدفاع عنه، فأبدله الله تعالى عن نعمة الحضور في غزوة بدر بنعمة أخرى، وهي شهوده ليلة العقبة (٤). وقال النوويّ تَخْتُهُ: ليلة العقبة هي الليلة التي بايع الأنصار فيها النبيّ على الإسلام، وأن يُؤووه، وينصروه، والعقبة التي في طرف مِنى التي تضاف إليها الجمرة، وكانت البيعة بها مرّتين في سنتين، في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي الثانية كانوا سبعين، كلّهم من الأنصار ظه. انتهى(٥). (حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَام) بثاء مثلثة، وقاف؛ أي: أخذ بعضنا على (١) ((عمدة القاري)) ٢١٧/١٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٤٠/٢. (٥) (شرح النوويّ)) ٨٨/١٧. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٥/٢٦. (٤) (تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٤٢. ١٩ - حديث رقم (٦٩٩٠) (٩) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك وَصَاحِبَيْهِ بعض الميثاق لَمّا تبايعنا على الإسلام والجهاد، (وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا)؛ أي: بدل العقبة، فالباء بمعنى بدل، كما قال في ((الخلاصة)): وَ(مِنْ)) وَ(بَاءٌ)) يُفْهِمَانِ بَدَلَا (مَشْهَدَ بَدْرٍ)؛ أي: شهود غزوه، فالمشهد كالْمَحْضَر وزناً ومعنَى(١). (وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ)؛ أي: أعظم ذِكراً، وأشهر بالفضيلة (فِي النَّاسِ)؛ أي: بينهم، (مِنْهَا)؛ أي: من العقبة، وفي رواية: ((وإن كانت بدر أكثر ذكراً في الناس منها))، ووقع في رواية لأحمد بلفظ: ((وَلَعَمْري إن أشرف مشاهد رسول الله وَ ل﴿ لبدرٌ». قال كعب نَّه: (وَكَانَ) وفي نسخة: ((فكان)) (مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُولَكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى)؛ أي: أشدّ قوّةً (وَلَا أَيْسَرَ)؛ أي: أكثر يُسراً (مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ)؛ أي: تأخّرت (عَنْهُ) وَِّ (فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ)؛ أي: غزوة تبوك، (والله مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطَّ)؛ أي: لم يجتمع لي فيما مضى من الوقت راحلتان، (حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِ تِلْكَ الْغَزْوَةِ)؛ أي: حتى تيسّر لي جَمْعهما في غزوة تبوك. وزاد في رواية ابن أخي الزهريّ الآتية: ((فكان رسول الله وَل﴿ قلّما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة))، ولفظ البخاريّ: ((ولم يكن رسول الله وَلّه يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها))؛ أي: أوْهَم غيرها، والتورية أن يذكر لفظاً يَحْتَمِل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد، وزاد أبو داود من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ((وكان يقول: الحرب خدعة)). وزاد في رواية من طريق يونس، عن الزهريّ: ((وقَلّما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس))، والنسائيّ من طريق ابن وهب، عن يونس: ((في سفر جهاد، ولا غيره)»، وله من وجه آخر: ((وخرج في غزوة تبوك يوم الخميس))(٢) . (فَغَزَاهَا)؛ أي: غزوة تبوك، (رَسُولُ اللهِ وَّ فِي حَرِّ شَدِيدٍ)؛ أي: في وقت اشتداد الحرّ، (وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً) إذ بين تبوك وبين المدينة أربع عشرة (١) ((المصباح المنير)) ٣٢٥/١. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٦٥. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة مرحلةً، (وَمَفَازاً) بفتح الميم، ويقال لها: المفازة، قال ابن منظور نَظُّهُ: الْمَفَازُ، والْمَفازة: الْبَرَيّة الْقَفْرُ، وتُجمع الْمَفَاوز. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): المفازة: المهلكة، سُمّيت بذلك؛ تفاؤلاً بالفوز والسلامة، كما قالوا للّديغ: سليم، وذكر ابن الأنباريّ عن ابن الأعرابيّ أنها مأخوذة من قولهم: قد فَوَّز الرجل: إذا هلك، وقيل: لأن من قطعها فاز (٢) ونجا. انتهى وقال المرتضى تَخْلَتُهُ: المَفازَةُ: المَنْجاةُ، وبه فَسَّرَ أَبو إسحاقَ قولَه تعالى: ﴿فَلَ تَحْسَبَتَهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]؛ أي: بمَنْجاةٍ منه، وقال الفرَّاءُ؛ أي: ببعيدٍ منه، قيل: أَصْلُ المَفازَةِ: المَهْلَكَةُ من الفَوزِ، بمعنى الهَلاكِ، وقال ابن الأعرابيّ: سُمِّيَتِ المَفازَةُ من فوَّزَ الرَّجلُ إذا ماتَ، وقيل: سُمِّيَتْ تَفاؤُلاً بالسَّلامة من الفَوز: النَّجاةِ، وهذا قول الأَصمعيّ، حقَّقه ابنُ فارس في ((المُجمَل)) وغيره. انتهى(٣). وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: فَازَ يَفُوزُ فَوْزاً: ظَفِر، ونجا، ويقال لمن أخذ حقّه من غريمه: فَازَ بما أخذ؛ أي: سَلِم له، واختَصّ به، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَفَزْتُهُ بالشيء، وفَازَ: قطع المَفَازَةَ، والَمَفَازةُ: الموضع الْمُهْلِك، مأخوذة من فَوّزَ بالتشديد: إذا مات؛ لأنها مَظِنّة الموت، وقيل: من فَازَ: إذا نجا، وسَلِم، وسُمّيت به تفاؤلاً بالسلامة. انتهى (٤). (وَاسْتَقْبَلَ عَدُوّاً كَثِيراً) وهو الروم، ومن انضاف إليهم من لخم، وجُذام، وغيرهم من منتصرة العرب، (فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ) ((جلا)) بالجيم؛ أي: أظهره؛ ليتأهبوا لذلك، وهو مخفف اللام، يقال: جليت الشيء: إذا كشفته، وبيّنته، وأوضحته، وفي ((التلويح)): ضَبَطه الدمياطي في حديث سعد في المغازي بالتشديد، وهو خطأ، قاله في ((العمدة))(٥). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهو خطأً، فيه نظر، فقد ضبطه في (١) ((لسان العرب)) ٣٩٣/٥. (٣) (تاج العروس)) ص٣٧٨٣. (٥) ((عمدة القاري)) ٢١٧/١٤. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٧/١٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٤٨٣/٢.