النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ
وقال القرطبيّ كَّثُهُ: هذا الحديث يدلّ على أن الله تعالى خلق للديكة
إذراكاً تُدرك به الملائكة، كما خلق للحمير إدراكاً تُدرك به الشياطين، ويفيد أن
كل نوع من الملائكة، والشياطين موجودان، وهذا معلوم من الشرع قطعاً،
والمنكر لشيء منهما كافر، وكأنه إنما أمر النبيّ ◌َلير بالدعاء عند صراخ الديكة
لتؤمّن الملائكة على ذلك الدعاء، فتتوافق الدعوتان، فيستجاب للداعي، والله
أعلم، وإنما أمر بالتعوّذ من الشيطان عند نهيق الحمير؛ لأن الشيطان لمّا حضر
يُخاف من شرّه، فينبغي أن يُتعوّذ منه. انتهى(١).
٧ - (ومنها): إثبات وجود الملائكة، والشياطين، وأنهم يحضرون
مجالس بني آدم كلٌّ بما تخصّص به من الرحمة، والغضب.
٨ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ تَّتُهُ: لعل السرّ في الأمر بسؤال الفضل
من الله تعالى عند صياح الديكة، والاستعاذة من شرّ الشيطان عند سماع نهيق
الحمار أن الديك أقرب الحيوان صوتاً إلى الذاكرين الله؛ لأنها تحفظ غالباً
أوقات الصلوات، وأنكر الأصوات صوت الحمير، فهو أقربها صوتاً إلى من
هو أبعد من رحمة الله وَ﴾(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ)
((الْكَرْب)) بفتح الكاف، وسكون الراء، بعدها موحّدة: هو ما يَدهَم
المرء، مما يأخذ بنفسه، فيغمّه، ويحزُنه(٣)، ويقال: كربه الأمر كرباً، من باب
نصر: شقّ عليه، فهو مكروب؛ أي: مهموم، والكُربة بالضمّ اسم منه،
والجمع: كُرُب، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ (٤).
وقال الراغب: الكرب: الغمّ الشديد، والْكُرْبة: الْغُمّة، وأصل ذلك من
كَرْب الأرض، وهو قَلْبها بالحفر، والغمّ يُثير النفس إثارة ذلك، قال: أو من
(١) ((المفهم)) ٧/ ٥٧ - ٥٨.
(٣) ((الفتح)) ٣٥٦/١٤.
(٢) ((فيض القدير)) ٣٨٠/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٢٩/٢.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الْكَرْب، وهو عَقْدٌ غَليظ في رَشَا الدلو، وقد يوصف الغمّ بأنه عُقدة على
القلب. انتهى (١).
وقال المرتضى تَظْلَُّهُ: الْكَرْب على وزن الصَّرْب: الحُزْن، والغمّ الذي
يأخذ بالنفْس بفتح فسكون(٢)؛ كالكُربة بالضم، وجَمْع الگرْب ◌ُرُوب، کفلس
وفلوس، وجمع الكربة كُرَب، كصُرَد، وكَرَبه الأمرُ، والغمّ يكرُبه كرباً: اشتدّ
عليه، فاكترب لذلك؛ أي: اغتم، فهو مكروب، وكَرِيب. انتهى(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٩٧] (٢٧٣٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ
سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ سَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:
(لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ
رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدّستوائيّ - بفتح الدال، وسكون
السين المهملتين، وفتح المثناة، ثم مَدّ ـ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ،
ربما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة،
وزن جعفر - أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار
[٧] (ت١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السّدوسيّ، تقدّم قريباً.
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٧٠٦.
(٢) وضُبط في بعض نُسخ ((القاموس)) محرّك الراء، ومثله في ((الصحاح)).
(٣) (تاج العروس)) ص ٩٠٤.

٤٢٣
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ - حديث رقم (٦٨٩٧)
٥ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفيع - بالتصغير - ابن مِهْران الرياحيّ - بكسر الراء،
والتحتانية - ثقة كثير الإرسال [٢] مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين،
وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٢٥/٨٠.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير عبيد الله،
فنيسابوريّ، وأن شيخيه: ابن المثنى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم
الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
عبّاس ﴿مَا حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) وفي الرواية التالية: ((أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ حَدَّثَهُمْ))،
فصرّح قتادة بالتحديث، فزالت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مدلّس.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): أبو العالية هو الرياحي - بتحتانية، ثم مهملة -
واسمه رُفيع، وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة، وهو مدلّس، وقد ذكر أبو داود في
(السنن)) في ((كتاب الطهارة)) عقب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة، عن أبي
العالية: قال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث
يونس بن متّى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث: ((القضاةُ ثلاثة))،
وحديث ابن عباس: ((شَهِد عندي رجال مَرْضيّون)).
وروى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) بسنده عن يحيى القطان، عن شعبة،
قال: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث، فذكرها بنحوه، ولم
يذكر حديث ابن عمر، وكأن البخاريّ لم يعتبر بهذا الحصر؛ لأن شعبة ما كان
يحدّث عن أحد من المدلِّسين إلا بما يكون ذلك المدلِّس قد سمعه من شيخه،
وقد حدّث شعبة بهذا الحديث عن قتادة، وهذا هو السر في إيراده - أي:
البخاريّ ــ له معلقاً في آخر الترجمة، من رواية شعبة، وأخرج مسلم الحديث
من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن أبا العالية حدّثهم، وهذا صريح
في سماعه له منه، وأخرج البخاريّ أيضاً من رواية قتادة، عن أبي العالية، غير

٤٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
هذا، وهو حديث رؤية موسى وغيره ليلة أسري به، وأخرجه مسلم أيضاً.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد زالت تهمة التدليس برواية مسلم الثانية حيث
صرّح فيها قتادة بتحديث أبي العالية لهم، كما أسلفته آنفاً، فتنبّه.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ُِّهَا (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَ﴿ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ) بفتح،
فسكون؛ أي: عند حلول الكرب، وتقدّم معنى الكرب أول الباب، وفي الرواية
الآتية، من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ((كان يدعو بهنّ، ويقولهنّ
عند الكرب))، وفي رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبي الحارث،
عن أبي العالية: ((كان إذا حَزَبه أمر)) وهو بفتح الحاء المهملة، والزاي،
وبالموحّدة؛ أي: هَجَم عليه، أو غلبه، وفي حديث عليّ عند النسائيّ،
وصححه الحاكم: ((القَّنني رسول الله وَ لّ هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي
کرب، أو شدّة أن أقولها: سبحان الله رب العرش العظيم)).
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ) الذي لا يَعْظُم عليه شيء، (الْحَلِيمُ) الذي يؤخّر
العقوبة مع القدرة، (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم، لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ
السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))) وهكذا فَي رواية للبخاريّ،
وفي رواية له: ((لا إله إلا الله العظيم الحليمَ، لا إله إلا الله رب السماوات
والأرض ورب العرش العظيم))، وفي رواية مسلم الآتية قال في أوله: ((لا إله
إلا الله رب العرش الكريم)) بدل: ((العظيم الحليم))، ووقع جميع ما تضمَّنته
هاتان الروايتان في رواية وهيب بن خالد، لكن قال: ((العليم الحليم)) باللام
بدل الظاء المعجمة.
ووقع في حديث عليّ ◌َلُّه بلفظ: ((لا إله إلا الله الكريم العظيم،
سبحان الله، تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين))، وفي
لفظ: ((الحليم الكريم)) في الأول، وفي لفظ: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، العليّ العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم))، وفي
لفظ: ((لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحانه تبارك وتعالى، رب العرش
(١) ((الفتح)) ٣٥٦/١٤ - ٣٥٧.

٤٢٥
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبٍ - حديث رقم (٦٨٩٧)
العظيم، الحمد لله رب العالمين))، أخرجها كلّها النسائيّ تَظُّ.
[تنبيه]: قوله: ((رب العرش العظيم)) نقل ابن التين عن الداوديّ أنه رواه
برفع ((العظيم))، وكذا برفع ((الكريم)) في قوله: (رب العرش الكريم)) على أنهما
نعتان للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور بالجرّ على أنه نعت للعرش، وكذا
قرأ الجمهور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، و﴿رَبُّ الْعَرْشِ
اَلْكَرِيِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالرفع، وقرأ ابن محيصن بالجرّ فيهما، وجاء ذلك
أيضاً عن ابن كثير، وعن أبي جعفر المدنيّ، وأُعرب بوجهين: أحدهما: ما
تقدم، والثاني: أن يكون مع الرفع نعتاً للعرش، على أنه خبر لمبتدأ محذوف،
قُطع عما قبله للمدح، ورُجِّح؛ لحصول توافق القراءتين، ورجح أبو بكر الأصم
الأول؛ لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وَصْف العرش، وفيه نظر؛ لأن
وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، فقد نَعَت الهدهد
عرش بلقيس بأنه عرش عظيم، ولم يُنْکِر علیه سليمان.
[تنبيه آخر]: قال العلماء: الحليم: الذي يؤخر العقوبة مع القدرة،
والعظيم: الذي لا شيء يعظم عليه، والكريم: المعطي فضلاً، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
اخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٩٧/٢١ و٦٨٩٨ و٦٨٩٩ و٦٩٠٠] (٢٧٣٠)،
و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٣٤٥ و٦٣٤٦) و((التوحيد)) (٧٤٢٦ و٧٤٣١) وفي
((الأدب المفرد)) (٧٠٢)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٣١)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٣٦٧/٤) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٦٥٣)، و(ابن ماجه) في
((الدعاء)) (٣٩٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٨/١ و٢٥٤ و٢٥٨ و٢٥٩ و٢٨٠
و٢٨٤ و٣٣٩ و٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠/٦)، و(الطبرانيّ) في
(«الأوسط)) (٣٠٢/١) وفي ((الكبير)) (٣١٧/١٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/
٤١٦)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٢٠/١ و٢٢١)، والله تعالى أعلم.

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عند الكرب.
٢ - (ومنها): ما قاله في ((العمدة)): اشتَمَل هذا الذكر على التوحيد الذي
هو أصل التنزيهات المسمّاة بالأوصاف الجلالية، وعلى العظمة التي تدلّ على
القدرة العظيمة؛ إذ العاجز لا يكون عظيماً، وعلى الحِلم الذي يدلّ على
العلم؛ إذ الجاهل بالشيء لا يُتصور منه الحلم، وهما أصل الصفات الوجودية
الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية، ووجه تخصيص الذكر بالحليم؛ لأن
کرب المؤمن غالباً إنما هو على نوع تقصير في الطاعات، أو غفلة في
الحالات، وهذا يُشعر برجاء العفو المقلِّل للحزن. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قاله الطبريّ كَُّهُ: معنى قول ابن عباس - يعني: في
الرواية التالية -: ((يدعو بهنّ))، وإنما هو تهليل وتعظيم، يَحْتَمِل أمرين:
أحدهما: أن المراد: تقديم ذلك قبيل الدعاء، كما ورد من طريق
يوسف بن عبد الله بن الحارث المذكورة، وفي آخره: ((ثم يدعو))، وكذا هو
عند أبي عوانة في ((مستخرجه)) من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا
الوجه: ((كان إذا حزبه أمر قال))، فذكر الذكر المأثور، وزاد: ((ثم دعا))، وفي
(الأدب المفرد)) من طريق عبد الله بن الحارث: ((سمعت ابن عباس)) فذكره،
وزاد في آخره: ((اللَّهُمَّ اصرف عني شرّه).
قال الطبريّ: ويؤيد هذا ما رَوى الأعمش، عن إبراهيم: قال: كان
يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء،
كان على الرجاء.
ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ،
قال: سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه: ((أكثر ما كان يدعو به النبيّ وَل
بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) الحديث، فقال سفيان: هو ذِكر،
وليس فيه دعاء، ولكن قال النبيّ وَلّ عن ربه رَك: ((من شَغَله ذِكري عن
مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين))(٢).
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٢/٢٢ - ٣٠٣.
(٢) حديث ضعيف.

٤٢٧
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ - حديث رقم (٦٨٩٧)
قال: وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جُدعان [من الطويل]:
حَيَا ؤُكَ(١) إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْماً
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نُسب إلى الكرم اكتَفَى بالثناء عن السؤال،
فكيف بالخالق.
قال الحافظ: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص
رفعه: ((دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت
سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لم يَدْع بها رجل مسلم في شيء قطّ،
إلا استجاب الله تعالى له))، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم، وفي لفظ
للحاكم: ((فقال رجل: أكانت ليونس خاصّةً أم للمؤمنين عامّةً؟ فقال
رسول الله وَله: ألا تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٨])). انتهى.
وقال القرطبيّ كَّلهُ: قال الطبريّ: كان السلف يَدْعون بهذا الدعاء،
ويسمُّونه دعاء الكرب.
[فإنَّ قيل]: كيف يسمّى هذا دعاء، وليس فيه من معنى الدعاء شيْ،
وإنَّما هو تعظيم الله تعالى، وثناء عليه؟.
[فالجواب]: إن هذا يسمّى دعاء لوجهين:
أحدهما: أنه يُستفتح به الدعاء، ومن بعده يدعو، وقد ورد في بعض
طرقه: ((ثم يدعو)).
وثانيهما: أن ابن عيينة قال - وقد سئل عن هذا -: أما علمت أن الله
تعالى يقول: ((إذا شَغَل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين))(٢)، وقد قال أمية بن أبي الصلت:
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْماً كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
قال القرطبيّ: وهذا الكلام حسنٌّ، وتتمته أن ذلك إنما كان لنكتتين:
(١) ويُروى ((حِبَاؤك)) بالموحدة، وكذا قوله: ((الحِبَاء)) آخر البيت، والْحِباء: العطاء.
(٢) رواه الترمذيّ، وقد مضى أنه ضعيف.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
إحداهما: كَرَم الْمُثْنَى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال دلّ ذلك
على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كَرَم الحقّ.
وثانيهما: أن الْمُثنِيَ لَمّا آثر الثناء الذي هو حقّ المثنَى عليه على حقّ
نفسه الذي هو حاجته بُودر إلى قضاء حاجته من غير إحراج إلى إظهار مذلّة
السؤال مجازاةً له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم.
قال: ومما قد جاء منصوصاً عليه، وسُمّي دعاءً، وإن لم يكن فيه دعاء،
ولا طلبٌ ما أخرجه النسائيّ من حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َُّه، قال: قال
رسول الله ور: ((دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت،
سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا
استُجيب له)). انتهى(١).
[فائدة]: قال ابن بطال تَّلُهُ: حدّثني أبو بكر الرازيّ، قال: كنت بأصبهان
عند أبي نعيم، أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن عليّ، عليه
مدار الفتيا، فسُعي به عند السلطان، فسُجن، فرأيت النبيّ ◌َّ في المنام،
وجبريل عن يمينه، يحرك شفتيه بالتسبيح، لا يفتر، فقال لي النبيّ يَّ: قل لأبي
بكر بن عليّ يدعو بدعاء الكرب الذي في ((صحيح البخاريّ)) حتى يفرّج الله عنه،
قال: فأصبحت، فأخبرته، فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج. انتهى.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ((كتاب الفرج بعد الشدة)) له من طريق
عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان.
انظر الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وأوقفه للناس، قال: فبعث إليه،
فجيء به، فقام إليه عليّ بن الحسين، فقال: يا ابن عمّ تكلم بكلمات الفرج،
يفرّج الله عنك، فذكر حديث عليّ باللفظ الثاني، فقالها، فرَفع إليه عثمان
رأسه، فقال: أرى وجه رجل كُذب عليه، خَلُّوا سبيله، فسأكتب إلى أمير
المؤمنين بعذره، فأُطلق.
وأخرج النسائيّ، والطبريّ من طريق الحسن بن الحسن بن عليّ، قال:
لَمّا زوج عبد الله بن جعفر ابنته، قال لها: إن نزل بك أمر، فاستقبليه، بأن
(١) ((المفهم)) ٧ /٥٦ - ٥٧.

٤٢٩
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ - حديث رقم (٦٨٩٨)
تقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله
رب العالمين، قال الحسن: فأرسل إلىّ الحجاجُ، فقلتهنّ، فقال: والله لقد
أرسلت إليكَ، وأنا أريد أن أقتلك، فلأنتَ اليوم أحبّ إليّ من كذا وكذا، وزاد
في لفظ: فَسَلْ حاجتك.
[تنبيه]: ومما ورد من دعوات الكرب ما أخرجه أصحاب السنن، إلا
الترمذيّ، عن أسماء بنت عميس ﴿ّا قالت: قال لي رسول الله وَ له: ((ألا
أعلّمك كلمات تقوليهنّ عند الكرب: الله الله ربي، لا أشرك به شيئاً)).
وأخرج الطبريّ من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس ظًّ مثله.
ولأبي داود، وصححه ابن حبان، عن أبي بكرة، رفعه: ((دعوات
المكروب: اللَّهُمَّ رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي
شأني كله، لا إله إلا أنت))(١)، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٩٨] ( ... ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ هِشَامِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ هِشَامِ أَتَمُّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبل باب، و((هشام)) هو: الدستوائيّ.
[تنبيه]: رواية وكيع عن هشام الدستوائيّ هذه ساقها ابن ماجه كَّتُهُ في
((سننه))، فقال:
(٣٨٨٣) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا وكيع، عن هشام، صاحب
الدّسْتوائي عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أن النبيّ وَلو كان يقول
عند الكرب: ((لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم،
سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش الكريم)). قال وكيع مرّةً:
((لا إله إلا الله)) فيها كلّها. انتهى(٢) .
(١) ((الفتح)) ٣٥٨/١٤ - ٣٦٠، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٤٥).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٧٨/٢.

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ
حَدِيثٍ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((رَبُّ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بسين مهملة - أبو محمد، قيل:
اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران اليشكريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذِ بْنِ هِشَام) فاعل ((ذَكَرَ)) الظاهر أنه ضمير
محمد بن بشر، ويَحْتمل أن يكون ضمير سعيد بَّنَّ أبي عروبة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه ساقها عبد بن حُميد تَظّتُهُ
في ((مسنده))، مع اختلاف يسير، فقال:
(٦٥٨) - حدّثنا محمد بن بشر العبديّ، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة؛ أن أبا العالية الرِّياحيّ حدّثهم، عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَلو كان
يدعو بهنّ، أو يقولهنّ عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله
رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب العرش
الکریم)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ
(١) ((مسند عبد بن حميد)) ٢٢٠/١.

٤٣١
(٢١) - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ - حديث رقم (٦٩٠٠)
عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَّهَ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ،
وَزَادَ مَعَهُنَّ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميون السمين البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) الأنصاريّ مولاهم، أبو الوليد
البصريّ، ثقة [٥] (م ت س ق) تقدم في ((البيوع)) ٤١٣٢/٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ) بحاء مهملة، وزاي، فموحّدة مفتوحة؛ أي: هَجَم
عليه، أو غلبه، أو نزل به همّ، أو غمّ، وفي رواية أخرى: ((حَزَنه)) بنون؛ أي:
أوقعه في الحزن، يقال: حزنني الأمرُ، وأحزنني الأمر، فأنا محزون، ولا
يقال: مُحْزَن، ذكره ابن الأثير(١).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: حَزَبَهُمْ أمر يَحْزِبُهُمْ، من باب قتل: أصابهم. انتهى.
وقال أيضاً: حَزِنَ حَزَناً، من باب تَعِبَ، والاسم: الحُزْنُ بالضم، فهو
حزين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمر يَحْزُنُنِي، من باب
قتل، قاله ثعلب، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّل الأزهريّ باسم
الفاعل، والمفعول، في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي
من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يستعمل المضارع من الثلاثيّ،
فیقال: يَحْزُنُهُ. انتهى(٢) .
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ مَعَهُنَّ) فاعل ((ذَكَرَ))،
و((زَادَ)) ضمير حماد بن سلمة، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية حماد بن سلمة عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ هذه
ساقها النسائيّ ◌َُّ في ((الكبرى))، فقال:
(١) ((فيض القدير)) ١٢٠/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٣/١ - ١٣٤.

٤٣٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(١٠٤٨٨) - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، قال: أخبرنا الحسن بن موسى،
قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبي
العالية، عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله وَير كان إذا حَزَبه أمر، قال: ((لا
إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله
رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات، ورب الأرض، رب العرش
العظيم))، ثم يدعو. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: أعلّ الدار قطنيّ كَخْتُهُ رواية حمّاد بن سلمة هذه بأن مهديّ بن
ميمون خالفه بالإرسال، ودونك نصّه:
وأخرج مسلم حديث حمّاد بن سلمة عن يوسف بن عبد الله بن الحارث،
عن أبي العالية، عن ابن عبّاس: ((كان يدعو عند الكرب))، وقد خالفه مهديّ بن
میمون عن یوسف، فأرسله. انتهى.
وهذا الذي ذكره الدارقطنيّ أشار إليه النسائيّ قبله في ((السنن الكبرى))،
فقال بعد أن أخرج رواية حماد بن سلمة التي ذكرتها في التنبيه الماضي ما
نصّه: خالفه مهديّ بن ميمون، ثم ساق روايته، فقال:
(١٠٤٩٠) - أخبرنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا حِبّان، قال: أخبرنا
عبد الله، عن مهديّ بن ميمون، قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله بن الحارث،
قال: قال لي أبو العالية: ألا أعلِّمك دعاءً، أُنبئت أن النبيّ وَل ◌ّ كان إذا نزلت
به شدّة دعا به: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش
العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات، ورب الأرض، رب العرش الكريم)).
(٢)
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الإمامان: النسائيّ،
والدار قطنيّ إعلال رواية حمّاد بن سلمة الحديث موصولاً بمخالفة مهديّ بن
ميمون بالإرسال، وهو أحفظ من حمّاد، فيترّجح إرساله على وصله.
ويُعتذر عن مسلم بأنه ما أراد بإخراج رواية حماد إلا المتابعة في أصل
(١) (السنن الكبرى)) للنسائيّ تختمُ ١٦٧/٦.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ تهذه ١٦٨/٦.

٤٣٣
(٢٢) - بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ - حديث رقم (٦٩٠١)
الحديث، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، والحديث صحيح ثابت
من طرق صحيحة لا مطعن فيها، فقد أخرجه مسلم قبل هذا من طريق هشام
الدستوائيّ، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة، وأخرجه أحمد
في ((مسنده)) من طريق أبان بن يزيد العطار عن قتادة(١)، وقد صرّح قتادة
بالتحديث في رواية ابن أبي عروبة عند مسلم، فزالت عنه تهمة التدليس(٢).
والحاصل: أن الحديث صحيح بلا ريب، ولا لَوْم ولا عَتْب على مسلم
في إخراجه في ((صحيحه))، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٢) - (بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠١] (٢٧٣١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجَسْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الصَّامِتِ، عَنْ
أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ سُئِلَ أَّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَا اصْطَفَى اللهُ
لِمَلَائِكَتِهِ، أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَبَّانُ(٣) بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل
بابين.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضم الجيم مصغّراً - هو: سعيد بن إياس، أبو
(١) راجع: ((مسند الإمام أحمد)» ٢٥٤/١.
(٢) راجع ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله في كتابه: ((بين ((الإمامين))
ص٤٠٣ - ٤٠٦ فقد أجاد في البحث.
(٣) ((حَبّان)) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مسعود البصريّ، ثقةٌ [٥] اختلط قبل موته بثلاث سنين (ت١٤٤) (ع) تقدم في
((الإيمان) ٢٦٦/٤٠.
٥ - (أَبُو عَبْدِ اللهِ الْجَسْرِيُّ) - بالجيم المفتوحة بعدها سين مهملة - هو:
حِمْيَرِيّ - اسم بلفظ النسبة - ابن بَشِير معروف بكنيته، وهو ثقةٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن أبي ذرّ، ولم يسمع، وعن معقل بن يسار، وأبي الدرداء،
وجندب البجليّ، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن الصامت، وأبي عنبة
الخولانيّ.
وروى عنه سعيد الْجُريريّ، وسليمان التيميّ، وقتادة، وغيرهم.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال الحافظ أبو سعيد العلائيّ: لم يسمع من أبي الدرداء.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ
في ((عمل اليوم والليلة))، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: قوله: ((الْجَسْريّ)) بفتح الجيم، وسكون السين المهملة، آخره
راء: نسبة إلى جَسْر، وهو بطن من عَنَزة، وهو جَسْر بن تيم بن يقدم بن عَنَزة بن
أسد بن ربيعة، قاله في ((اللباب))(١) .
٦ - (ابْنُ الصَّامِتِ) هو: عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذرّ الغِفاريّ
البصريّ، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٢/٥٢.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغَفَاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جُنْدَب بن جُنادة على
الأصح، وقيل: بُرير بموحّدة، مصغراً، أو مكبراً، واختلف في اسم أبيه على
أقوال، تقدم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جدّاً،
مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﴿يا (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه،
فنسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثمّ رَبَذيّ، وفيه ثلاثة من التابعين
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٩/١.

٤٣٥
(٢٢) - بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ - حديث رقم (٦٩٠١)
روى بعضهم عن بعض، الجريريّ، عن الجسريّ، عن ابن الصامت، وأن
ذو مناقب جمّة.
صحابيّه من مشاهير الصحابة
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ الصَّامِتِ) الغِفاريّ، ابن أخي أبي ذرّ ◌َظُهُ، (عَنْ أَبِي
ذَوِّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير ظُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ سُئِلَ
أَيُّ الْكَلَامِ)؛ أي: من جملة الأذكار، (أَفْضَلُ؟ قَالَ) وَلَيهِ جواباً لهذا السؤال:
((مَا) موصولة خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الذي (اصْطَفَى اللهُ)؛ أي: اختاره
من الذِّكر (لِمَلَائِكَتِهِ) لِلَّ، وأمَرهم بالدوام عليه، ومواظبته لغاية فضله، فليس
في هذا الحديث ما يدلّ على حصره، فاندفع ما قيل: إنه يُعْلَم منه أن الملائكة
يتكلمون بهذه الكلمة، لا غير، وقد ثبت منهم كلمات أُخَر من الأذكار،
والتسبيحات، والدعوات، وليس هذا محل بَسْطها، قاله في ((المرعاة))(١).
وقال في ((المشارق)): ((اصطفاه))؛ أي: اختاره، واستخلصه، والطاء فيها
مبدلة من تاء افتعل؛ لمجاورتها الطاء. انتهى(٢).
(أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال: لملائكته، أو قال: (لِعِبَادِهِ:
سُبْحَانَ اللهِ) معناه: تنزيه الله عما لا يليق به، من كل نقص، فيلزم نفي
الشريك، والصاحبة، والولد، وجميع الرذائل، ويُطلق التسبيح ويراد به جميع
ألفاظ الذكر، ويُطلق ويراد به صلاة النافلة، و((سبحان)) اسم منصوب على أنه
واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سبحت الله سبحاناً، كسبحت الله
تسبيحاً، ولا يُستعمل غالباً إلا مضافاً، وهو مضاف إلى المفعول؛ أي:
سبّحت الله، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل؛ أي: نزَّه اللهُ نفسه، والمشهور
الأول(٣)، وقد مضى البحث فيه بأطول من هذا، وبالله التوفيق.
(وَبِحَمْدِهِ) قيل: الواو للحال، والتقدير: أسبّح الله متلبساً بحمدي له، من
أجل توفيقه، وقيل: عاطفة، والتقدير: أسبّح الله، وأتلبّس بحمده، ويَحْتَمِل أن
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٧/ ٩١٤.
(٢) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٢/ ٨٠.
(٣) ((الفتح)) ١٤/ ٤٥٤.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
يكون الحمد مضافاً للفاعل، والمراد من الحمد لازِمه، أو ما يوجب الحمد من
التوفيق ونحوه، ويَحْتَمِل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف، متقدم، والتقدير:
وأثني عليه بحمده، فيكون ((سبحان الله)) جملة مستقلة، و((بحمده)) جملة أخرى.
وقال الخطابيّ في حديث: ((سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك))؛ أي: بقوّتك
التي هي نعمة توجب عليّ حمدك سبّحتك، لا بحولي وبقوتي، كأنه يريد أن
ذلك مما أقيم فيه السبب مقام المسبَّب، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الطيبيّ كَثْتُهُ: فيه تلميح إلى قوله تعالى، حكاية عن الملائكة:
﴿وَحْنُ نُسَبِحُ بِحَيْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ الآية [البقرة: ٣٠]، ويمكن أن يكون
((سبحان الله وبحمده)) مختصراً من الكلمات الأربع: ((سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر))؛ لِمَا سبق أن ((سبحان الله)) تنزيه لذاته عما لا يليق
بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى ((لا إله إلا الله))،
وقوله: ((وبحمده)) صريح في معنى ((الحمد لله))؛ لأن الإضافة فيه بمعنى اللام
في الحمد، ويستلزم ذلك معنى ((الله أكبر))؛ لأنه إذا كان كل الفضل،
والإِفضال لله، ومن الله، وليس من غيره شيء من ذلك، فلا يكون أحد أكبر
منه .
[فإن قلت]: يلزم من هذا أن يكون التسبيح أفضل من التهليل.
[قلت]: لا يلزم ذلك؛ إذ التهليل صريح في التوحيد، والتسبيح متضمن
له، ولأن نفي الإلهية في قول ((لا إله)) نفيٌ لمضمونها من الخالقية، والرازقية،
والإثابة، والمعاقبة، وقوله: ((إلا الله)) إثبات لذلك، ويلزم منه نفي ما يضادّ
الإلهية، ويخالفها من النقائص، فمنطوق ((سبحان الله)) تنزيه، ومفهومه توحيد،
ومنطوق ((لا إله إلا الله)) توحيد، ومفهومه تقديس؛ يعني: فيكون ((لا إله إلا الله))
أفضل؛ لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه، قال: فإذا اجتمعا دخلا في
أسلوب الطرد والعكس، والله يقول الحقّ، وهو يهدي السبيل. انتهى كلام
الطيبيّ ◌َّ ◌ُهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ٦٣٢/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٦٣).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٢١/٦ - ١٨٢٢ بزيادة من ((المرعاة)) ٩١٤/٧.

٤٣٧
(٢٢) - بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ - حديث رقم (٦٩٠١)
وقال النوويّ ◌َُّ: قوله ◌َله: ((أحب الكلام إلى الله ... إلخ)) هذا
محمول على كلام الآدميّ، وإلا فالقرآن أفضل، وكذا قراءة القرآن أفضل من
التسبيح، والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت، أو حال، ونحو ذلك
فالاشتغال به أفضل، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا الحديث يعارضه قوله في حديث أبي هريرة
المتقدِّم في فضل التهليل: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل
أكثر من ذلك))، وقوله: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله))،
وقد تقدَّم في حديث سمرة بن جندب قوله : ((أحب الكلام إلى الله أربع:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيهنّ بدأت))
فقد مضى هذا الحديث بأن الأربعة متساوية في الأفضلية، والأحبية، من غير
مراعاة تقديم بعضها على بعض، ولا تأخيره، وأن التسبيح وحده لا ينفرد
بالأفضلية، ولا التهليل وحده أيضاً ينفرد بها، وإذا ثبت ذلك، فحيث أُطلق أن
أحد هذه الأذكار الأربعة أفضل الكلام، أو أحبّه، إنما يراد إذا انضمت إلى
أخواتها الثلاث المذكورة في هذا الحديث، إما مجموعةً في اللفظ، أو في
القلب بالذكر؛ لأنَّ اللفظ إذا دلّ على واحد منها بالمطابقة دلّ على سائرها
باللزوم.
وبيان ذلك: أن معنى ((سبحان الله)) البراءة له من كل النقائص، والتنزيه
عما لا يليق بجلاله، ومن جملتها تنزيهه عن الشركاء، والأنداد، وهذا معنى
((لا إله إلا الله))، هذا مدلول اللفظ من جهة مطابقته، ولمّا وجب تنزيهه عن
صفات النقص، لزم اتصافه بصفات الكمال؛ إذ لا واسطة بينهما، وهي المعبَّر
عنها بالحمد لله، ثم لمّا تنزه عن صفات النقص، واتّصف بصفات الكمال،
وجبت له العظمة والجلال، وهو معنى ((الله أكبر))، فقد ظهر لك أن هذه
الأربعة الأذكار متلازمة في المعنى، وأنها قد شَمِلها لفظ الأحبّة، كما جاء في
الحديث، فمن نطق بجميعها، فقد ذكر الله تعالى بأحب الكلام إلى الله لفظاً
ومعنّى، ومن نطق بأحدها، فقد ذكر الله ببعض أحب الكلام نطقاً، وبجميعها
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٧.

٤٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
معنّى، من جهة اللزوم الذي ذكرناه، فتدبر هذه الطريقة، فإنَّها حسنة، وبها
يرتفع التعارض المتوهّم بين تلك الأحاديث - والله تعالى أعلم .. ولم أجد في
كلام المشايخ ما يُقنع، وقد استخرت الله تعالى فيما ذكرته. انتهى كلام
القرطبيّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّبه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٠١/٢٢ و٦٩٠٢] (٢٧٣١)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (٢٢٢/١)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٩٣)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٤٨/٥ و١٦١ و١٧٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٧/٦) وفي
((عمل اليوم والليلة)) (٨٢٤ و٨٢٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٨٠/١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤/٦ و١٠٩ و١٦٩)، و(البزّار) في ((مسنده))
(٣٨٤/٩)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٤٧٩/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي
بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجَسْرِيِّ، مِنْ عَنَزَّةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبٌّ
الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ
أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نسر - بفتح النون، وسكون السين
المهملة - الكرمانيّ، كوفي الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٨ أو ٢٠٩) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل بابين.
(١) ((المفهم)) ٥٩/٧ - ٦٠.

٤٣٩
(٢٣) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ - حديث رقم (٦٩٠٣)
والحديث من أفراد المصنّف تَُّ وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٣) - (بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٠٣] (٢٧٣٢) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ الْوَكِيمِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ،
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ
الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَلُك: وَلَكَ بِمِثْلِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ الْوَكِيعِيُّ) الْكِنديّ، أبو جعفر الكوفيّ
المقرئ الجلاب بالجيم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٥) (١) (م) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٩٤/٢٩،
من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: قوله: (الْوَكِيمِيُّ) بفتح الواو، وكسر الكاف: نسبة إلى وكيع، وإنما
قيل له: الوكيعي؛ لأنه رحل إلى وكيع بن الجرّاح، وأكثر عنه، قاله في ((اللباب))(٢).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيعَ [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٣ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوان - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - ابن
جَرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضيل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة
(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان ٤٠٥/٧٨.
(١) هكذا أرَّخ وفاته في ((التهذيبين))، و((التقريب))، وأرّخه في ((اللباب في تهذيب
الأنساب)) ٣٧٢/٣ سنة (٢١٥) وهو غلط ظاهر؛ لأنه من شيوخ مسلم، ومسلم وُلد
سنة (٢٠٦) فبعيد كلّ البعد أن يسمع منه، وهو كوفيّ، ومسلم نيسابوريّ، فليُتنّه.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٧١/٣ - ٣٧٢.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
٤ - (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِیزٍ) - بفتح أوله، وكسر ثانيه - ابن جابر بن
ربيعة بن هلال الْخُزاعيّ الكعبيّ، أبو المطرّف الكوفيّ، ويقال: المصريّ،
ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي الدرداء، وأم الدرداء، وعائشة، والحسين بن
عليّ، والزهريّ، وهو من أقرانه.
وروى عنه حميد الطويل، وعاصم الأحول، وفضيل بن غَزْوان،
وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كلُّ ما يجيء في الأخبار كُريز - يعني: بضم
الكاف - إلا هذا.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحديث، وأعاده بعده.
٥ - (أُمُّ الدَّرْدَاءِ) زوج أبي الدرداء، اسمها هُجيمة، وقيل: جُهيمة الأوصابية
الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه
الكتب، والصغرى ثقةٌ فقيهةٌ [٣] (ت٨١) (ع) تقدمت في ((الصيام)) ١٩/ ٢٦٣٠.
٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الصحابيّ الجليل، مختلف في
اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقب، أول
مشاهده أُحُد، وكان عابداً، مات في أواخر خلافة عثمان ﴿ًا، وقيل: عاش
بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َقْذُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى صلحة،
والباقيان دمشقيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّة، والمرأة عن زوجها، وأن
صحابيّه من فضلاء الصحابة ﴿، ذو مناقب جمّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر بن زيد ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((مَا
مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ)؛ أي: المؤمن، (بِظَهْرِ الْغَيْبِ) الظهر مُفْحَم للتأكيد؛