النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٧)
((عمل اليوم والليلة)) (٥١٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٢٣٦)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٠/١٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤٤٦/١)، و(ابن
حبّان) في («صحيحه)) (٢٧٠١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦١٥/١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٧٧] (٢٧١٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَّبِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي
فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي،
وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ،
وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث
الكوفيّ، تقدّم قبل خمسة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ◌َالله، تقدّم قبل
أربعة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((أبو إسحاق)) هو: عمرو بن عبد الله
السَّبيعيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظَلُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه
من مشاهير أفاضل الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس بن
صُ (عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ) وَّهِ (كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ) قال
سُليم الأشعريّ

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الحافظ تَخْلُهُ: لم أر في شيء من طرقه محلّ الدعاء بذلك، وقد وقع معظم
آخره في حديث ابن عباس ﴿هما؛ أنه ◌َ* كان يقوله في صلاة الليل، ووقع
أيضاً في حديث عليّ رَّه عند مسلم؛ أنه كان يقوله في آخر الصلاة،
واختلفت الرواية هل كان يقوله قبل السلام، أو بعده؟ ففي رواية لمسلم: (ثم
يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت، وما
أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت
المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت))، وفي رواية له، ولأحمد، وأبي داود،
والترمذيّ: ((وإذا سلَّم قال: اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدّمت ... )) إلى آخره. ويُجمع
بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام؛ لأن مخرج الطريقين واحد،
وأورده ابن حبان في ((صحيحه)) بلفظ: ((كان إذا فرغ من الصلاة، وسلَّم))،
وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويَحْتَمِل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده،
وقد وقع في حديث ابن عباس ◌ّ نحو ذلك. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي حَمْله على أنه وَّر كان يقوله قبل السلام،
وبعد السلام، أو يكون على اختلاف الأوقات أقرب، وأحوط، والله تعالى
أعلم.
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي)؛ أي: سيئتي، أو ذنبي، قال في ((الفتح)):
الخطئية: الذنب، يقال: خَطِئَ يَخْطَأُ، ويجوز تسهيل الهمزة، فيقال: خطيّة
بتشديد الياء. انتهى(٢). (وَجَهْلِي)؛ أي: ما صدر مني من أجل جهلي، والجهلُ
ضدّ العلم، وقال القاري: ((وجهلي))؛ أي: فيما يجب عليّ عِلمه، وعمله،
وقيل: أي: ما لم أعلمه، (وَإِسْرَافِي) الإسراف: الإفراط في كل شيء،
ومجاوزة الحدّ فيه؛ أي: تجاوزي عن حدّي، وقوله: (فِي أَمْرِي)؛ أي: في
أموري كلها، قال الكرمانيّ تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن يتعلق بالإسراف فقط، ويَحْتَمِل
أن يتعلق بجميع ما ذُكر على سبيل التنازع بين العوامل(٣). (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ
(١) ((الفتح)) ٤٤٠/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٩٨).
(٢) ((الفتح)) ١٤ /٤٤٠.
(٣) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٧٩/٢٢.

٣٤٣
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٧)
مِنِّ)؛ أي: تعلمه، ولا أعلمه، من المعاصي، والسيئات، والتقصيرات في
الطاعة، وقيل: أي: مما علمته، وما لم أعلمه، وهو تعميم بعد تخصيص،
وتتميم لِمَا يُستغفر منه(١).
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي) بكسر الجيم، وهو الاجتهاد في الأمر، والتحقيق،
وضدّ الهزل، (وَهَزْلِي) بفتح الهاء، وسكون الزاي، وهو المزاح؛ أي: ما وقع
مني في الحالين، أو هو التكلم بالسخرية، والبطلان، والهذيان(٢). (وَخَطَئِي،
وَعَمْدِي) قال في ((الصحاح)): الْخَطَأُ: نقيض الصواب، وقد يُمَدّ، والْخِظْأ
- أي: بكسر، فسكون -: الذنب(٣)، وقال في ((القاموس)): الْخَطْءُ، والْخَطَأ،
والْخَطَاءُ: ضدّ الصواب، والخطيئة: الذنب، أو ما تُعُمِّد منه، كالْخِظْء
بالكسر، والخطأ ما لم يتعمد. انتهى (٤).
وقوله: ((خطئي)) كذا عند مسلم، ووقع عند أكثر رواة البخاريّ بلفظ:
((خطاياي)). قال الحافظ كَثّثهُ: وقع في رواية الكشميهنيّ: ((خطئي))، وكذا
أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) بالسند الذي في ((الصحيح))، وهو مناسب
لذكر العَمْد، ولكن جمهور الرواة على الأول، و((الخطايا)) جمع خطيئة،
وعَظْف العمد عليها من عَظْف الخاصّ على العامّ، فإن الخطيئة أعمّ من أن
تكون عن خطأ، أو عمد، أو هو من عَظْف أحد العامّين على الآخر؛ يعني:
أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين(٥).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((وعمدي)): العمد ضدّ السهو، والجهل ضدّ
العلم، والهزل ضدّ الجدّ، وعَظْف العمد على الخطأ، إما من عَظْف الخاص
على العام، باعتبار أن الخطيئة أعمّ من التعمد، أو من عطف أحد المتقابِلَين
على الآخر، بأن يحمل الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ .
(وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي)؛ أي: موجود، أو ممكن؛ أي: أنا متصف بهذه
الأمور، فاغفرها لي، قاله تواضعاً، أو أراد: ما وقع سهواً، أو ما قبل النبوة،
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٥٣٣/٨.
(٣) ((صحاح الجوهريّ)» ص٣٠٢.
(٢) ((مرعاة المفاتيح)) ٥٣٣/٨.
(٤) ((القاموس المحيط)» ص٣٧٨.
(٥) ((الفتح)) ١٤ / ٤٤٠، و((مرعاة المفاتيح)) ٥٣٣/٨.

٣٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
أو محضُ مجرَّد تعليم لأمته (١). (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِ مَا قَدَّمْتُ) قبل هذا الوقت، من
التقدمة، وهي وضع الشيء قداماً، وهي جهة القدام الذي هو الأمام في
الاتجاه؛ أي: قبالة الوجه، قاله الحرانيّ. (وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ)؛ أي:
أخفيت، (وَمَا أَعْلَنْتُ)؛ أي: أظهرت، أو ما حدّثت به نفسي، وما تحرك به
لساني، قاله تواضعاً، وإجلالاً لله تعالى، أو تعليماً لأمته، وتَعقب في ((الفتح).
الأخير بأنه لو كان للتعليم فقط كفى فيه أمْرهم، بأن يقولوا، فالأَولى أنه
للمجموع، (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي)؛ أي: ما علِمته ولم أعلمه، (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ)؛
أي: بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، أو أنت المقدم لنا بالبعث في الآخرة،
وهو إشارة إلى حديث أبي هريرة تظله مرفوعاً: ((نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة ... )) الحديث، متّفقٌ عليه. (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ)؛ أي: بخذلان بعضهم عن
التوفيق، فتؤخره عنك، أو أنت المؤخر لنا بالبعث في الدنيا، أو أنت الرافع،
والخافض، أو المعزّ، والمذلّ.
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((أنت المقدم وأنت المؤخر))؛ أي: المقدّم
لمن شئت بالتوبة، والولاية، والطاعة، والمؤخر لمن شئت بضدّ ذلك، والأَوْلى
أنه تعالى مقدِّم كل مُقَدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كل مُؤَخَّر في الدنيا
والآخرة، وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة، كالأول والآخر،
والمبدئ والمعيد، والقابض والباسط، والخافض والرافع، والضارّ والنافع،
فهذه الأسماء لا تقال إلا مزدوجة، كما جاءت في الكتاب والسُّنَّة، هكذا قال
بعض العلماء، ولم يُجز أن يقال: يا خافض حتى يضم إليه: يا رافع.
(٢)
انتھی
.(
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا تقال إلا مزدوجة)) في إطلاقه نظر لا
يخفى، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))) جملة مؤكّدة لمعنى ما قبلها، و((على
كل شيء)) متعلق بـ((قدير))؛ أي: أنت الفعّال لكل ما تشاء، ولذا لم يوصَف به
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ١٥٤/٢.
(٢) ((المفهم)) ٤٨/٧.

٣٤٥
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٧)
غير الباري، ومعنى قدرته على الممكن الموجود حال وجوده: أنه إن شاء
أبقاه، وإن شاء أعدمه، ومعنى قدرته على المعدوم حين عدمه: أنه إن شاء
إيجاده أوجده، وإلا فلا، وفيه أن مقدور العبد مقدور لله تعالى حقيقةً؛ لأنه
شيء، والله على كل شيء قدير، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َلُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٦٨٧٧ و٦٨٧٨] (٢٧١٩)، و(البخاريّ) في
((الدعوات)) (٦٣٩٨ و٦٣٩٩) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٨٨ و٦٨٩)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (٤١٧/٤)، و(ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٦/ ٥٠)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٩٥٤ و٩٥٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٣٢/٦)، و(الرويانيّ)
في (مسنده)) (٣٣٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٧١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الدعاء بهذا الدعاء الجامع المستوعب لحوائج
الدنيا والآخرة.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَليل من المداومة على الاستغفار،
والدعاء، مع أن الله رَك قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر؛ إظهاراً
العبوديّة، وتواضعاً، ومن باب: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للأمة أن تقتدي بالنبيّ وَلقوله في كثرة الاستغفار
والتوبة؛ لأنه إذا كان هو محتاجاً إليه مع شَرَف منزلته عند الله تعالى، فغيره
أحقّ به وأَولی.
٤ - (ومنها): ما قاله في (الفتح)): قال الطبريّ بعد أن استشكل صدور
هذا الدعاء من النبيّ ◌ٌَّمِ مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا
تَأْخَرَ﴾ [الفتح: ٢] ما حاصله: أنه ◌َليل امتثل ما أمره الله به من تسبيحه، وسؤاله
المغفرة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ الآية، قال: وزعم قوم أن

٣٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
استغفاره عما يقع بطريق السهو، والغفلة، أو بطريق الاجتهاد، مما لا يصادف
ما في نفس الأمر.
وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك للزم منه أن الأنبياء لنّلا يؤاخذون بمثل ذلك،
فيكونون أشدّ حالاً من أممهم.
وأجيب بالتزامه، قال المحاسبيّ: الملائكة والأنبياء أشدّ لله خوفاً ممن
دونهم، وخوفهم خوف إجلال وإعظام، واستغفارهم من التقصير، لا من الذنب
المحقّق.
وقال عياض: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((اغفر لي خطيئتي))، وقوله: ((اغفر
لي ما قدّمت، وما أخرت)) على سبيل التواضع، والاستكانة، والخضوع،
والشكر لربه؛ لِمَا عَلِم أنه قد غُفر له، وقيل: هو محمول على ما صدر من
غفلة، أو سهو، وقيل: على ما مضى قبل النبوة.
وقال قوم: وقوع الصغيرة جائز منهم، فيكون الاستغفار من ذلك، وقيل:
هو مثل ما قال بعضهم في آية الفتح: ﴿لِغْفِرَ لَّكَ اَللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ﴾ [الفتح:
٢]؛ أي: من ذنب أبيك آدم، وما تأخر؛ أي: من ذنوب أمتك. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَثْتُ: قد تقدَّم القول في عصمة الأنبياء لقّهُ من الذنوب،
وفي معنى ذنوبهم غير مرة، ونزيد هنا نكتتين:
إحداهما: أنّا وإن قلنا: إن الذنوب تقع منهم، غير أنهم يتوقعون
وقوعها، وأن ذلك ممكن، وكانوا يتخوفون من وقوع الممكن المتوقع،
ويُقَدِّرونه واقعاً، فيتعوذون منه، وعلى هذا فيكون قوله: ((وكل ذلك عندي))؛
أي: ممكن الوقوع عندي، ودليل صحة ذلك أنهم مكلّفون باجتناب المعاصي
كلّها، كما كُلِّفه غيرهم، فلولا صحّة إمكان الوقوع لَمَا صحّ التكليف.
والثانية: أن هذه التعويذات، وهذه الدعوات، والتضرّعات قيام بحقّ
وظيفة العبودية، واعتراف بحقّ الربوبية؛ ليقتدي بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا
مناهج سُبُلهم، فتُستجاب دعوتهم، وتُقبل توبتهم، والله تعالى أعلم، وقد أطنب
الناس في ذلك، وما ذكرناه خلاصته. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ٤٤٠/١٤.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٤٧ - ٤٨.

٣٤٧
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٧)
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة وقوع الخطأ من الأنبياء التيلا قد حقّقه
شيخ الإسلام تَُّهُ في ((مجموع الفتاوى))، حيث قال ما نصّه:
والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن
السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً، والردّ على من يقول: إنه
يجوز إقرارهم عليها، وحُجج القائلين بالعصمة إذا حُرِّرت إنما تدلّ على هذا
القول، وحُجج النفاة لا تدلّ على وقوع ذنب أُقرّ عليه الأنبياء لَل*، فإن
القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم مشروع، وذلك لا يجوز إلا مع تجويز
كون الأفعال ذنوباً، ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أُقرّوا عليه،
دون ما نُهوا عنه، ورجعوا عنه، كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما
لم يُنسخ منه، فأما ما نُسخ من الأمر والنهي فلا يجوز جعله مأموراً به، ولا
منهّاً عنه، فضلاً عن وجوب اتباعه، والطاعة فيه.
وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عَظُمت
عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التنفير، أو نحو ذلك من الحجج العقلية،
فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك، وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة النصوح التي
يقبلها الله يُرفَع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه، كما قال بعض السلف:
كان داود؛ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب
الأشياء إليه لَمَا ابتَلَى بالذنب أكرم الخلق عليه. انتهى كلام شيخ الإسلام تَكْثُهُ
باختصار(١)، وهو تحقيق نفيس.
وخلاصة القول في هذا: أن الأنبياء لل* معصومون من الكبائر مطلقاً،
وأما الصغائر فما يوجب الخسّة، وينفّر الناس عنهم؛ كسرقة لقمة، وتطفيف
الكيل بحبة، أو نحو ذلك، فلا يقع منهم أصلاً، وأما ما ليس كذلك فقد يقع
منهم، إلا أنهم لا يُقَرّون عليه، بل يأتيهم الوحي بالتنبيه، والتقويم، فهذا هو
المذهب الصحيح؛ لوضوح حجته، واستنار محجّته، فتأمله بالإمعان، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تكميل]: نقل الكرمانيّ تبعاً لمغلطاي عن القرافيّ أن قول القائل في
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٣/١٠ - ٢٩٤.

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
دعائه: اللَّهُمَّ اغفر لجميع المسلمين دعاء بالمحال؛ لأن صاحب الكبيرة قد
يدخل النار، ودخول النار ينافي الغفران.
وتُعُقّب بالمنع، وأن المنافي للغفران الخلود في النار، وأما الإخراج
بالشفاعة، أو العفو فهو غفران في الجملة.
وتُعقب أيضاً بالمعارضة بقول نوح علّ *: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَكَ وَلِمَن
دَخَلَ بَيْقِ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقول إبراهيم علا: ﴿رَبَّنَا
[إبراهيم: ٤١]، وبأن النبيّ وَل
٤١
اغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
أُمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَتْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
والتحقيق أن السؤال بلفظ التعميم لا يستلزم طلب ذلك لكل فرد فرد
بطريق التعيين، قال الحافظ: فلعل مراد القرافيّ مَنْع ما يُشعر بذلك، لا منع
أصل الدعاء بذلك، ذكره في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٧٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ
الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ) أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ،
صدوقٌ [٩] (ت٢٠٠) ويقال: قبلَها (خ مس ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
[تنبيه]: قوله: ((الْمِسْمَعيّ)) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح
الميم، بعدها عين مهملة: نسبة إلى محلّة بالبصرة، نزلها الْمِسمَعون، فُنُسبت
إليهم، قاله في ((تهذيب الأنساب))(٢).
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح عن شعبة هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ
في ((صحيحه)) بسند المصنّف، فقال:
(١) ((الفتح)) ٤٤٠/١٤.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢١٢/٣.

٣٤٩
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٩)
(٦٠٣٥) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا عبد الملك بن صبّاح، حدّثنا
شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي موسى، عن أبيه، عن النبيّ ◌َّ أنه كان
يدعو بهذا الدعاء: ((رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كلِّه،
وما أنت أعلم به مني، اللَّهُمَّ اغفر لي خطاياي، وعمدي، وجهلي، وهزلي،
وكلُّ ذلك عندي، اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدّمت، وما أخرت، وما أسررت، وما
أعلنت، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٧٩] (٢٧٢٠) - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنِ عَمْرُو بْنُ
الْهَيْئَمِ الْقُطَعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونٍ، عَنْ
قُدَامَةَ بَنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهُ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَّ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي
فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَنِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي
كُلِّ خَيْرِ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) البغداديّ، أبو إسحاق التمار، ثقةٌ [١٠] (٢٣٢)
(م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١.
٢ - (أَبُو قَطَنِ عَمْرُو بْنُ الْهَيْئَمِ الْقُطَّعِيُّ) هو: عَمرو بن الهيثم بن قَطَن
- بفتح القاف، والطاء المهملة - البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩] مات على رأس
المائتين (بخ م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٩٨٩/٢٩.
[تنبيه]: قوله: (الْقُطَعيّ) - بضم القاف، وفتح الطاء المهملة، بعدها عين
مهملة -: نسبة إلى بطن، وهو: قُطيعة بن عَبْس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن
سعد بن قيس عيلان، قاله في ((اللباب))(٢).
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) - بكسر الجيم،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٥٠/٥.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٦/٣.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
بعدها شين معجمة مضمومة - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ
مُصَنِّف [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
[تنبيه]: قوله: (الْمَاجِشُونُ) بكسر الجيم، وبعدها شين معجمة مضمومة:
لقب أبي سلمة يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة؛ لحمرة خدّيه،
وهذه لغة أهل المدينة، والماجشون: الورد، قاله في ((اللباب))(١).
٤ - (قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى) بن عُمر بن قُدامة بن مظعون الْجُمَحيّ المدنيّ،
إمام المسجد النبويّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وأبيه موسى، وأبي صالح السمان، وسالم بن
عبد الله بن عمر، وعمرو بن ميمون بن مهران، وغيرهم.
وروى عنه أخوه عمر، وابنه إبراهيم، وابن جريج، وسليمان بن بلال،
ووهيب، ويحيى بن أيوب المصريّ، والدارورديّ، وعبد العزيز بن عبد الله
الماجشون، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
كان إمام مسجد رسول الله وَّة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وفيها أرّخه
ابن أبي عاصم.
قال الحافظ: في صحة سماعه من ابن عمر نظر؛ فقد أخرج له الترمذيّ
حديثاً، فأدخل بينه وبين ابن عمر ثلاثة أنفس، وقال الزبير بن بكار: عُمِّر
قُدامة بن موسى، وكان ثبتاً.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن
ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُکرا قبل حدیث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عبد العزيز،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رَظُه، تقدّم القول فيه غير مرّة.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٤١/٣.

٣٥١
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٧٩)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ
لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي) بكسر العين؛ أي: الذي يعصمني من النار،
وغضب الجبار، وقيل: أي: ما أعتصم به، فإن العصمة في النفس والمال
والعِرض إنما تحصل بالدين، والعصمة على ما في ((الصحاح)): المنع،
والحفظ، فقيل: هو هنا مصدر بمعنى الفاعل؛ أي: الذي هو حافظ لأمري؛
أي: لجميع أموري؛ لأنه مفرد مضاف، فيعمّ، قال المناويّ: فإن من فسد
دينه، فسدت جميع أموره، وخاب، وخسر في الدنيا والآخرة(١).
وقال القرطبيّ ◌َخّْتُهُ: قوله: ((عصمة أمري))؛ أي: رباطه، وعماده، والأمر
بمعنى الشأن، ومعنى هذا: أن الدين إن فسد لم يصلح للإنسان دنيا، ولا
آخرة، وهذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحقٌّ على
كل سامع أن يحفظه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعلّه يوافق ساعة إجابة،
فیحصل له خير الدنيا والآخرة. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((عصمة أمري)) هو من قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]؛ أي: بعهد الله، وهو الدِّين، وإصلاح
الدنيا عبارة عن الكفاف فيما يَحتاج إليه، وأن يكون حلالاً مُعِيناً على الطاعة،
وإصلاح المعاد: اللطف، والتوفيق لطاعة الله، وعبادته، وطلب الراحة بالموت
إشارة إلى قوله : ((وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني غير مفتون))، قال: وهذا
الدعاء من الجوامع(٣)؛ أي: حيث جمع فيه هذه الثلاثة: صلاح الدنيا،
والدين، والمعاد، وهي الجامع لمقاصد العبد كلّها، والله تعالى أعلم.
(وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَِّي فِيهَا مَعَاشِي)؛ أي: بإعطاء الكفاف فيما أحتاج
إليه، وكونه حلالاً مُعِيناً على الطاعة. وقيل: معناه: احْفَظْ من الفساد ما أحتاج
إليه في الدنيا، (وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي)؛ أي: بالتوفيق للعبادة، والإخلاص في
الطاعة، وحسن الخاتمة. (الّتِي فِيهَا مَعَادِي) بفتح الميم: مصدر عاد: إذا
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٥٣٥/٨.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٢٤/٦.
(٢) ((المفهم)) ٤٨/٧ - ٤٩.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رجع؛ أي: وفّقني للطاعة التي هي إصلاح معادي، قاله القاري. وقال
الجزريّ: أي: ما أعود إليه يوم القيامة، وهو إما مصدر، أو ظرف. انتهى؛
أي: مكان عودي، أو زمان إعادتي(١).
(وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ): أي: اجعل حياتي سبب زيادة
الخيرات من العبادة، والطاعة، والإخلاص، وقيل: أي: اجعل عمري مصروفاً
فيما تُحبّ وترضى، وجنّبني ما تَكره. (وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ)))؛
أي: من الفتن، والمحن، والابتلاء بالمعصية، والغفلة. وقال زين العرب:
أي: بأن يكون على شهادة، واعتقادٍ حَسَن، وتوبة، حتى يكون موتي سبب
خلاصي عن مشقة الدنيا، والتخلّص من غمومها، وهمومها، وحصول الراحة
في العقبى. وقيل: فيه إشارة إلى قوله ◌َّر: ((وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني غير
مفتون))، وهذا هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة.
قال الشوكانيّ تَخْذَلُ: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لشموله لصلاح
الدين والدنيا، وَوَصَف إصلاح الدين بأنه عصمة أمره؛ لأن صلاح الدين هو
رأس مال العبد، وغاية ما يطلبه، ووَصَف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه
الذي لا بُدّ منه في حياته، وسأله إصلاح آخرته التي هي المرجع، وحولها
يدندن العباد، وقد استلزم ذلك سؤال إصلاح الدين؛ لأنه إذا أصلح دين الرجل
فقد أصلح له آخرته التي هي دار معاده، وسأله أن يجعل الحياة زيادة له في كل
خير؛ لأن من زاده الله خيراً في حياته كانت حياته صلاحاً وفلاحاً، وسأله أن
يجعل له الموت راحة له من كل شرّ؛ لأنه إذا كان الموت دافعاً للشرور،
قاطعاً لها، ففيه الخير الكثير للعبد، ولكنه ينبغي له أن يقول: ((اللَّهُمَّ أحيني ما
كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) كما علّمنا
رسول الله 3ّ، فإنه يَشمل كل أمره، ومعلوم أن من لم يكن في حياته إلا
الوقوع في الشرور، فالموت خير له من الحياة، وراحة له من مِحَنها.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٥٣٥/٨.
(٢) ((تحفة الذاكرين)) للشوكانيّ تقذفُ ص ٢٨٤.

٣٥٣
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٠)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٧٩/١٨] (٢٧٢٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)) (٦٦٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٦٦/١)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (١٩٨/٧) و((الصغير)) (١٢٧/٢) و((الدعاء)) (٤٢٩/١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٠] (٢٧٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالثُّقَى،
وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة - بفتح النون، وسكون
المعجمة - الْجُشَميّ - بضم الجيم، وفتح المعجمة - الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ
[٣] قُتل في ولاية الحجاج على العراق (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن، مات
سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((محمد بن جعفر)) هو: غُندر، و((أبو
إسحاق)) هو: عمرو بن عبد الله السبيعيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَظَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، وأن شيخيه من مشايخ الجماعة الذين رووا عنهم بلا
واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه أحد
ـّ، ومناقبه
السابقين الأولين في الإسلام، ومن كبار العلماء من الصحابة
جمّة، وأمّره عمر ◌ًّا على الكوفة.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نَِّ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود غُه
أَسْأَلُكَ الْهُدَى)؛ أي: الهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت
عليهم، (وَالتَّقَى) بضمّ التاء، والقصر؛ أي: الخوف من الله تعالى، والحذر من
مخالفته، (والْعَفَافَ) بالفتح؛ أي: الكفّ عن المعاصي، والصيانة عن مطامع
الدنيا، وعن كل ما لا ينبغي، (والْغِنَى) بالكسر، والقصر: اليسار، والمراد:
غنى القلب، لا غنى اليد، قال النوويّ: العفاف، والعفّة: هو التنزه عما لا
يباح، والكفّ عنه، والغنى ها هنا: غنى النفس، والاستغناء عن الناس، وعما
في أيديهم. وقال في ((المعتصر)): ليس المراد بالغنى غنى المال، بل غنى
النفس القاطع عن المال الذي يقطع المرء عن الطاعات، ويَشْغَل القلب عن الله
تعالى، فالغنى المحمود هو الغنى الذي يتفرغ به القلب عن الدنيا، وعن
الاهتمام بها، فقد صحّ عنه وَّ؛ أنه قال: ((ما أحبّ أن لي أحداً ذهباً تأتي
عليّ ليلة، أو ثلاثٌ، وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لِدَيْن، أو أقول به في
عباد الله هكذا وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه ... ))
الحديث، متّفقٌ عليه.
قال الطيبي: أطلق الهدى، والتقى؛ ليتناول كل ما ينبغي أن يُهتدَى إليه،
من أمر المعاش، والمعاد، ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يُتَّقَى منه، من
الشرك، والمعاصي، ورذائل الأخلاق، وطَلَبُ العفافِ، والغنى تخصيص بعد
تعمیم. انتھی(١).
وقال ابن عبد البرّ ◌َُّ في ((الاستذكار)): وأما قوله ◌َّير: ((أغنني من
الفقر))، مع قوله وَله: ((اللَّهُمَّ أحيني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين،
ولا تجعلني جباراً شقيّاً»، فإن هذا الفقر هو الذي لا يدرك معه القوّة،
والكفاف، ولا يستقر معه في النفس غنى؛ لأن الغنى عنده وَ لا غنى النفس،
فقد ثبت عنه وَ﴿ من حديث أبي هريرة له؛ أنه قال: ((ليس الغنى عن كثرة
العَرَض، إنما الغنى غنى النفس))، وقد جعله الله رَت غنيّاً، وعدّده عليه فيما
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٨/ ٥٣٧.

٣٥٥
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٠)
[الضحى: ٨]، ولم يكن
٨
عدّد من نعمه، فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْفَ
غِناه وَ ر أكثر من إيجاد قوت سنة لنفسه وعياله، وكان الغنى كله في قلبه؛
ثقةً بربه، وسكوناً إلى أن الرزق مقسوم يأتيه منه ما قُدِّر له، وكذلك قال وَه
لعبد الله بن مسعود: ((يا عبد الله لا يكثر همّك، ما يقدَّر يكن، وما يقدَّر
يأتيك))، وقال: ((إن روح القدس نَّفَث في رُوعي، فقال: لن تموت نفس حتى
تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خُذُوا ما حَلّ، ودعوا ما
حَرُم)).
فغنى النفس يُعِين على هذا كله، وغنى المؤمن الكفاية، وكذلك كان
النبيّ وَّهِ يقول: ((اللَّهُمَّ اجعل رزق آل محمد قوتاً))، ولم يُرِدْ بهم إلا الذي هو
أفضل لهم، وقال: ((ما قلّ، وكفى، خير مما كثُر، وألهى)).
وقال أبو حازم: إذا كان ما يكفيك لا يغنيك، فليس في الدنيا شيء
يغنيك .
وكان رسول الله ﴿ يستعيذ بالله من فقر مسرف، وغنى مُظْغ.
وفي هذا دليل بَيِّن أن الغنى والفقر طرفان، وغايتان مذمومتان.
قال: وليس في قول الله تعالى ذكرُهُ حاكياً عن موسىفعله: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَا
أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] تفضيل الغنى على الفقر؛ لأن جميع
خلقه يفتقرون إلى رحمته، ولا غنى لهم عن رزقه، فمن أعطاه الله الكفاية، فقد
تمَّت له منه العناية، ومن آتاه الله من رزقه سعة، فواجب شكره عليه، وحَمْده.
كما يجب الصبر على من امتُحِن بالقلّة والفقر؛ لأن الفرائض، وحقوق المال،
ونوافل الخير تتوجه إلى ذي الغنى، ومؤنة ذلك ساقطة عن الفقير، والقيام بها
فضل عظيم، والصبر على الفقر، والرضا به ثواب جسيم، قال الله ربك: ﴿إِنَّا
يُؤَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وقد قال الحكماء: خير الأمور أوساطها، فالزيادة الكثيرة على القوت،
والكفاية ذميمة، ولا تؤمَن فِتنتها، والتقصير عن الكفاف محنة وبليّة، لا يأمَن
صاحبها فِتنتها أيضاً، ولا سيما صاحب العيال، ورُوي عن ابن عمر ظًا أنه
سئل عن دعاء النبيّ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من جَهْد البلاء))، فقال: جهد

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
البلاء: كثرة العيال، وقلة المال. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ربه هذا من أفراد
المصنّف ◌َخَذَلُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٠/١٨ و٦٨٨١] (٢٧٢١)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (٦٧٤)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٨٩)، و(ابن ماجه)
في ((الدعاء)) (٣٨٣٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٩/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤١١/١ و٤١٦ و٤٣٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٠٠)،
و(البزّار) في («مسنده)) (٤٣٦/٥)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٤/١)،
و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٤١٦/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى
قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: (وَالْعِقَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ الحافظ المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، وكان ربما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت١٦١)
وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق السبيعيّ هذه ساقها ابن
ماجه دخّلهُ في ((سننه))، فقال:
(٣٨٣٢) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، ومحمد بن بشار، قالا:
(١) ((الاستذكار)) لابن عبد البرّ تقذفُ ٥٢٢/٢ - ٥٢٣.

٣٥٧
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٢)
ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله، عن النبيّ وَ ﴿؛ أنه كان يقول: ((اللَّهُمَّ إني أسألك الهدى،
والتقى، والعفاف، والغنى)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٢] (٢٧٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لِبْنِ ثُمَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَنْ
أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ أَرْقَمَ، قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَقُولُ(٢)، كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ،
وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ
خَيْرُ مَنْ زَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ
قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو، تقدّم أيضاً قبل
أربعة أبواب.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ
المشهور ظه، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة
((المنافقون))، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست، أو ثمان وستين (ع) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٠٨/٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((عبد الله بن الحارث)) هو: الأنصاريّ،
أبو الوليد البصريّ، نسيب محمد بن سيرين.
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٦٠/٢.
(٢) وفي نسخة: ((يقول، قال: كان)).

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وأن
، أنزل الله وعمل في تصديقه ((سورة المنافقين))،
صحابيّه من مشاهير الصحابة
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رَظُه؛ أنه (قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَقُولُ) وفي رواية النسائيّ: ((لا أعلّمكم إلا ما كان رسول الله وَله
يُعلّمنا)). (كَانَ) وَّل، وفي نسخة: ((قال: كان)) (يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الْعَجْزِ) - بفتح العين المهملة، وسكون الجيم آخره زاي ـ: هو مصدر عَجَز،
قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: عَجَزَ عن الشيء عَجْزاً، من باب ضرب، ومَعْجَزَة بالهاء،
وحَذْفها، ومع كل وجه فَتْح الجيم، وكَسْرها: ضعُف، وعَجِزَ عَجَزاً من باب
تعب لغةٌ لبعض قيس عيلانَ، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم.
وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه قال: لا يُقال: عجِز الإنسان
بالكسر إلا إذا عظمت عَجِیزته. انتهى(١).
وقيل: العجز: عدم القدرة على الطاعة، وعدم القوّة على جلب المنفعة.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: المراد بالعجز المتعوّذ منه: هو عدم القدرة على
الطاعات، وعن السعي في تحصيل المصالح الدينيّة، والدنيويّة. انتهى (٢).
(وَالْكَسَلِ) - بفتحتين -: مصدر كَسِل، من باب تَعِب. قال في
(القاموس)): الْكَسَل: محرّكةً: التثاقل عن الشيء، والفتور فيه، كَسِلَ، كفرح،
فهو کَسِلٌ، وکَسْلانُ، جمعه کُسالَی مثلّثة الكاف، وکَسَالِي بکسر اللام، وکسلَی
کقتلى. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ: والكسل المتعوّذ منه: هو التثاقل عن الطاعات، وعن
السعي في تحصيل المصالح الدينيّة، والدنيوية. انتهى(٤).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١١٣٢.
(٤) ((المفهم)) ٣٤/٧.
(٢) («المفهم)) ٣٤/٧.

٣٥٩
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٢)
(وَالْجُبْنِ) بضم، فسكون، أو بضمّتين؛ أي: البخل في النفس، وعدم
الجراءة على الطاعة، وإنما تعوَّذ منه؛ لأنه يؤدّي إلى عذاب الآخرة؛ لأنه يفرّ
من الزحف، وهو من الكبائر التي جاء بها الوعيد الشديد في قوله رأيك: ﴿وَمَنْ
يُؤَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِنَ
اَللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ رَبِئْسَ الْصِيرُ ﴾﴾ [الأنفال: ١٦]، وربما يُفتن عن دينه،
فيرتدّ؛ لِجُبن أدركه، وخوف على مُهْجته من الأسر والعبودية، فقد خسر
خسراناً مبيناً .
قال الطيبيّ تَخْتُهُ: الجود إما بالنفس، وهو الشجاعة، ويقابله الجبن،
وإما بالمال، وهو السخاء، ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا
في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا من مُتناه في النقص. انتهى(١).
وقال في ((المرقاة)): الْبُخْل يشمل عدم النفع بالمال، أو العلم، أو
غيرهما، ولو بالنصيحة.
(وَالْهَرَمِ) بفتحتين؛ أي: الخَرَف، وبلوغ أرذل العمر، (وَعَذَابِ الْقَبْرِ)؛
أي: من الضيق، والظلمة، والوحشة، والضرب بالمقمعة، ولَدْغ الحيّة، وأمثال
ذلك، مما وَرَدَ تعذيب العصاة به، أو المراد: ما يوجب عذابه، من الغِيبة،
والنميمة، والبول، كما وردت النصوص أن أكثر عذاب القبر بذلك.
(اللَّهُمَّ آتِ) بالمدّ؛ أي: أعط (نَفْسِي تَقْوَاهَا)؛ أي: صيانتها عن
المحظورات. قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: ينبغي أن تفسّر التقوى هنا بما يُقابل الفجور
في قوله تعالى: ﴿فَمَهَا بُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
: [الشمس: ٨]، وهي الاحتراز عن
متابعة الهوى، وارتكاب الفجور، والفواحش؛ لأن الحديث كالتفسير والبيانِ
للآية، فدلّ قوله: ((آت)) على أن الإلهام في الآية هو خَلْق الداعية الباعثة على
الاجتناب عن المذكورات.
(وَزَكِّهَا)؛ أي: طهّرها، (أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا) دلّ على أن إِسناد التزكية
إلى النفس في الآية هو نسبة الكسب إلى العبد، لا خَلْق الفعل له، كما زعمت
المعتزلة؛ لأن الخيريّة تقتضي المشاركة بين كَسْب العبد، وخَلْق القدرة فيه.
(١) راجع: ((تحفة الأحوذيّ)) ١٠/ ١٢.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
قال القاري: وأما قول ابن حجر (١): ولا يلزم من مقابلة التقوى للفجور
قَصْرها على ضدّ الفجور، خلافاً لمن توهّمه. فمكابرة؛ لأن المقابلة صحيحة.
انتھی(٢).
(أَنْتَ وَلِيُّهَا)؛ أي: ناصِرها، هذا راجع إلى قوله: ((آت نفسي تقواها))،
كأنه يقول: انصرها على فعل ما يكون سبباً لرضاك عنها؛ لأنك ناصرها،
(وَمَوْلَاهَا) هذا راجع إلى قوله: ((زكّها)): يعني: طهّرها بتأديبك إياها، كما
يؤدّب المولى عبده.
وقال الطيبيّ: ((أنت وليها، ومولاها)) استئناف على بيان الموجب، وأن
إيتاء التقوى، وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه هو متولي أمورها، ومالكها،
فالتزكية إن حُملت على تطهير النفس عن الأفعال، والأقوال، والأخلاق
الذميمة، كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كان مكمناً في الباطن، وإن
حُملت على الإنماء، والإعلاء بالتقوى، كانت تحلية بعد التخلية؛ لأن المتّقي
شرعاً: مَن اجتنب النواهي، وأتى بالأوامر، ذكره القاري(٣) .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمِ لَا يَنْفَعُ) قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: أي: عِلم لا
أعمل به، ولا أعلِّمه الناس، ولا يَّهذب الأخلاق، والأقوال، والأفعال، أو
علم لا يُحتاج إليه في الدين، أو لا يَرِد في تعلمه إذن شرعيّ.
وقال الطيبيّ أيضاً: ((من علم لا ينفع))؛ أي: لا يهذّب الأخلاق الباطنة،
فيسري منها الى الأفعال الظاهرة، ويحصل بها الثواب الآجل، وأُنشدت [من
الكامل]:
لَيْسَ افْتِخَارٌ بِالْعُلُومِ الزَّاخِرَةْ
يَا مَنْ تَقَاعَدَ عَنْ مَكَّارِم خُلْقِهِ
لَمْ يَنْتَفِعْ بِعُلُومِهِ فِي الآخِرَهْ
مَنْ لَمْ يُهَذِّبْ عِلْمُهُ أَخْلَاقَهُ
(١) ابن حجر هذا هو أحمد بن محمد الْهَيتميّ الشافعيّ المتوفّى سنة (٩٧٤هـ)، وليس
هو الحافظ العسقلانيّ أحمد بن عليّ المتوفّى سنة (٨٥٢هـ) صاحب ((فتح الباري))
الذي يتردّد النقل عنه في هذا الشرح، فتفّن.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣١٦/٥.
(٣) ((المرقاة)) ٣١٦/٥ - ٣١٧.