النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٥) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَغَيْرِهِمَا - حديث رقم (٦٨٥١ - ٦٨٥٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ أَشْيَاءَ،
ذَكَرَهَا، وَالْبُخْلِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ مُبَارَكِ) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن
المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال
الخير [٨] (ت١٨١) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (تَعَوَّذَ مِنْ أَشْيَاءَ، ذَكَرَهَا)؛ أي: ذكر تلك الأشياء النبيّ لنَّ في
دعائه، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ذكرها أنس ﴿ُه في حديثه، والظاهر أن
تلك الأشياء هي المذكورة في الرواية السابقة، ويَحْتَمِل أن تكون غيرها، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (وَالْبُخْلِ) بالجرّ عطفاً على ((أشياء)).
والحديث تقدّم البحث فيه مستوفّى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٢] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ
الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الأَعْوَرُ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بَّنُ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ،
وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرٍ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع، أبو بكر
البصريّ، مشهور بكنيته، صَدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ) أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
٣ - (هَارُونُ الأَعْوَرُ) هو: هارون بن موسى الأزديّ العَتَكيّ مولاهم
النحويّ، صاحب القراءات، أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ
مقرئ، إلا أنه رُمي بالقدر [٧].
رَوى عن أبي عمرو بن العلاء، وبُديل بن ميسرة، وثابت البنانيّ، وأبي
عمران الْجَوْنيّ، وابن إسحاق، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وشعيب بن
الحبحاب، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وروى هو أيضاً عنه، وأبو عبيدة الحداد، وحماد بن
زيد، ووكيع، وحَبّان بن هلال، وبهز بن أسد، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ،
وغيرهم.
قال المفضل الغلابيّ عن ابن معين: هارون الأعور، وهو النحويّ، وهو
هارون بن موسى دَلَّهم عليه شعبة ببغداد، قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ،
وقال أبو حاتم السجستانيّ، عن الأصمعيّ: كان ثقةً مأموناً، وقال أبو زرعة،
وأبو داود: ثقةٌ، وقال شبابة عن شعبة: هارون الأعور من خيار المسلمين،
وقال سعيد الجرميّ عن أبي عبيدة الحداد: ثنا هارون الأعور، وكان صدوقاً
حافظاً، وقال سليمان بن حرب: ثنا هارون الأعور، وكان شديد القول في
القَدَر، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال البزار: ليس به بأس.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ) الأزديّ مولاهم، أبو صالح البصريّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣١) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٩٨/١٨.
و((أنس هڅته)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ) قال المجد ◌َّتُهُ: الرَّذْلُ والرُّذَال، والرَّذِيل،
والأَرْذَل: الدُّون الخسيس، أو الرديء من كل شيء، جَمْعه أَرْذَال، ورُذُول،
ورُذَلاء، ورُذّال، وأرذلون، وقد رَذُلَ، ككرُم، وعَلِمَ رَذَالة، ورُذُولة بالضم،
ورَذَلَهُ غيره، وأرذله، والرَّذال، والرُّذالة، بضمهما: ما انتُقِي جيّده، والرَّذيلة:
ضد الفضيلة، واسترذله: ضدُّ استجاده، وأرذل: صار أصحابه رُذلاء، ورُذَالى،

٢٦٣
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٣)
كحُبَارى، وأرذل العمر: أسوأه. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ﴿وَمِنْكُ مَّنْ يَُّةُ إِلَى أَرْزَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] مِنْ
رَذُل الرجل يَرْذُل رَذَالةً، ورُذُولة، قال الجوهريّ: الرَّذْل: الدُّون الخسيس،
ورُذَال كل شيء: رديئه، وكذلك الأرذل من كل شيء، وأرذل العمر: أردؤه،
وأوضعه، وقال السّدّيّ: أرذله: الْخَرَف، وقال قتادة: تسعون سنة، وعن عليّ:
خمس وسبعون سنة، وعن مقاتل: الْهَرَم، وعن ابن عباس: معناه: يردّ إلى
أسفل العمر، وعن عكرمة: من قرأ القرآن لم يُرَدّ إلى أرذل العمر، وروى ابن
مردويه في ((تفسيره)) من حديث أنس رُله مائة سنة. انتهى(٢).
وقال في موضع آخر: وأرذل العمر هو الْخَرَف؛ يعني: يعود كهيئته
الأُولى في أوان الطفولية، ضعيف الْبِنية، سَخيف العقل، قليل الفهم، ويقال:
أرذل العمر: أردؤه، وهو حالة الْهَرَم، والضعف عن أداء الفرائض، وعن خدمة
نفسه فيما يتنظف فيه، فيكون كَلّاًّ على أهله، ثقيلاً بينهم، يتمنّون موته، فإن لم
يكن له أهل، فالمصيبة أعظم. انتهى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسألتيه قبل حديثين،
ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٦) - (بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ،
وَغَيْرِ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٣] (٢٧٠٧) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي سُمَيٌّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ
كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقُّاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَمِنْ
(١) ((القاموس المحيط)) ١٢٩٩/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ١١٩/١٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٨/١٩.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
جَهْدِ الْبَلَاءِ. قَالَ عَمْرُو فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكْ أَنِّي زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثمّ المكيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (سُمَيٍّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ،
تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةً) ظُبه، ذُكر قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنِّف تَخْذَتُهُ، وأن له فيه شيخين قَرَن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة التحمّل والأداء، كما أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسل بالمدنيين من سُميّ،
وسفيان مكيّ، والباقيان بغداديّان، وفيه أبو هريرة رظُله رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ كَانَ يَتَعَوَّذُ) قال في ((الفتح)): كذا
للأكثر، ورواه مسدد، عن سفيان بسنده هذا، بلفظ الأمر: ((تعوّذوا)). (مِنْ سُوءٍ
الْقَضَاءِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: يَشْمَل سوء القضاء في الدِّين، والدنيا، والبدن،
والمال، والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة. انتهى. وقال ابن بطال تَُّهُ:
المراد بالقضاء هنا: المقضيّ؛ لأن حُكم الله كله حسن، لا سوء فيه، وهو
عام في النفس، والمال، والأهل، والولد، والخاتمة، والمعاد. (وَمِنْ دَرَكِ
الشَّقَاءِ) بفتح الدال، والراء المهملتين، ويجوز سكون الراء، وهو الإدراك،
واللَّحَاق، و((الشقاء)) - بمعجمة، ثم قاف -: هو الهلاك، ويُطلق على السبب
المؤدي إلى الهلاك. قال ابن بطال تخّتُهُ: ودرك الشقاء يكون في أمور الدنيا،
وفي أمور الآخرة. ذكره في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٣٦٠/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٤٧).

٢٦٥
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٣)
وقال النوويّ كَّلُهُ: وأما دَرَك الشقاء، فالمشهور فيه فتح الراء، وحَكَى
القاضي، وغيره: أن بعض رواة مسلم رواه ساكنها، وهي لغة، قال: وهو
يكون في أمور الآخرة، والدنيا، ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((من سوء القضاء، ومن درك الشقاء)): يُروَى
بفتح الراء، وبإسكانها، فبالفتح: الاسم، وبالإسكان: المصدر، وهما
متقاربان، والمتعوّذ منه: أن يلحقه شقاء في الدنيا يُتعبه، ويُثقله، وفي الآخرة:
يعذبه، و((جهد البلاء)): يروى بفتح الجيم، وضمّها، قال ابن دريد: هما لغتان
بمعنى واحد، وهو: التعب، والمشقة، وقال غيره - وهو نفطويه - بالضم: وهو
الوسع والطاقة، وبالفتح: المبالغة والغاية. ورُوي عن ابن عمر ◌ًَّا قال: جهد
البلاء: قلّة المال، وكثرة العيال، و((شماتة الأعداء)): هي ظَفَرهم به، أو
فرحهم بما يلحقه من الضرر، والمصائب، وقد جاء هذا الدعاء مسجعاً - كما
ترى الآن - لكن ذلك السجع لم يكن متكلّفاً، وإنَّما يُكره من ذلك ما كان
متکلّفا - كما تقدم ..
وإنَّما دعا النبيّ وَّ﴿ بهذه الدعوات، وتعوّذ بهذه التعوذات؛ إظهاراً
للعبودية، وبياناً للمشروعية؛ ليُقتَدَى بدعواته، ويُتعوّذ بتعويذاته، والله أعلم.
انتھی(٢).
(وَمِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) هو أن يفرح العدوّ ببليّة تنزل بعدوّه، يقال منه:
شَمِتَ - بكسر الميم - وشَمَت - بفتحها - فهو شامت، وأشمت غيره. وقال ابن
بطال تَّقُ: شماته الأعداء: ما يَنكأ القلب، ويبلغ من النفس أشدّ مبلغ.
(وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ) بفتح الجيم، وضمها، والفتح أشهر، وأفصح، رُوي
عن ابن عمر ◌ًا أنه فسّره بقلّة المال، وكثرة العيال، وقال غيره: هي الحال
الشاقّة.
وقال في ((الفتح)): قال ابن بطال وغيره: جهد البلاء: كل ما أصاب
المرء من شدّة مشقة، وما لا طاقة له بحمله، ولا يقدر على دفعه. وقيل:
المراد بجهد البلاء: قلة المال، وكثرة العيال، كذا جاء عن ابن عمر، والحقّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٧.
(٢) («المفهم)) ٣٥/٧.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء. وقيل: هو ما يختار الموت عليه. انتهى.
وإنما تعوذ النبيّ ◌َ * من ذلك؛ تعليماً لأمته، فإن الله تعالى كان آمنه من
جميع ذلك، وبذلك جزم عياض.
قال الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل يَحْتَمِل أن يكون استعاذ بربه من وقوع
ذلك بأمته، ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر، كما تقدّم.
وقال السيوطيّ كَُّ في ((شرح النسائيّ)): ((جهد البلاء)): هي الحالة التي
يختار الموت عليها؛ أي: لو خُيِّر بين الموت، وبين تلك الحالة لأحبّ أن
يموت تحرّزاً عن تلك الحالة. وقيل: هو قلة المال، وكثرة العيال.
وقال الكرمانيّ كَُّهُ: هذه الكلمة جامعة؛ لأن المكروه إما أن يلاحظ من
جهة المبدإ، وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد، وهو درك الشقاء، أو من
جهة المعاش، وهو إما من جهة غيره، وهو شماتة الأعداء، أو من جهة نفسه،
وهو جهد البلاء، نعوذ بالله من ذلك.
قال السنديّ تَخْتُ: وأنت خبير بأنه لا مقابلة على ما ذكره بين سوء
القضاء، وغيره، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، فالمقابلة ينبغي أن تُعتبر باعتبار
أن مجموع الثلاثة الأخيرة بمنزلة القَدَر، فكأنه قال: من سوء القضاء والقدر،
لكن أقيم أهمّ أقسام سوء القدر مقامه.
بقي أن المقضيّ من حيث القضاء أزليّ، فأيّ فائدة في الاستعاذة منه،
والظاهر أن المراد: صرف المعلّق منه، فإنه قد يكون معلّقاً، والتحقيق أن
الدعاء مطلوب؛ لكونه عبادة، وطاعة، ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف
الفائدة المترتبة عليه، سوى ما ذكرنا. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو)؛ يعني: الناقد شيخه الأول، (فِي حَدِيثِهِ: قَالَ
سُفْيَانُ) بن عيينة: (أَشُكَ أَنِّ زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا) وفي رواية البخاريّ: ((قال
سفيان: الحديث ثلاثٌ، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن))، وفي رواية
النسائيّ: ((قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ثَلَاثَةٌ، فَذَكَرْتُ أَرْبَعَةً؛ لِأَنِّي لَا أَحْفَظُ الْوَاحِدَ الَّذِي
لَيْسَ فِیهِ)).
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢٧٠/٨.

٢٦٧
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٣)
قال في ((الفتح)): أي: الحديث المرفوع المرويّ، يشتمل على ثلاث
جُمَل، من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان من قِبَل نفسه، ثم خَفِي عليه
تعیینھا .
ووقع عند الحميديّ في ((مسنده)) عن سفيان: ((الحديث ثلاث من هذه
الأربع))، وأخرجه أبو عوانة، والإسماعيليّ، وأبو نعيم من طريق الحميديّ،
ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان.
وفي ذلك تعقّب على الكرمانيّ، حيث اعتذر عن سفيان، في جواب من
استَشْكَل جواز زيادته الجملة المذكورة في الحديث، مع أنه لا يجوز الإدراج
في الحديث.
فقال: يجاب عنه بأنه كان يميزها إذا حدّث، كذا قال، وفيه نظر فعند
البخاريّ في ((القدر)) عن مسدّد، وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة، وعمرو الناقد،
والنسائيّ عن قتيبة، والإسماعيليّ من رواية العباس بن الوليد، وأبو عوانة من
رواية عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع، كلهم عن
سفيان، بالخصال الأربعة، بغير تمييز إلا أن مسلماً قال عن عمرو الناقد: قال
سفيان: أشكّ أني زدت واحدة منها .
وأخرجه الجوزقيّ من طريق عبد الله بن هاشم، عن سفيان، فاقتصر على
ثلاثة، ثم قال: قال سفيان: ((وشماتة الأعداء)).
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، وبَيَّن أن
الخصلة المَزيدة هي: ((شماتة الأعداء))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق
شُجاع بن مخلد، عن سفيان مقتصراً على الثلاثة دونها. وعُرِف من ذلك تعيين
الخصلة المزيدة.
ويجاب من حيث النظر بأن سفيان كان إذا حدّث ميّزها، ثم طال الأمر،
فَطَرَقه السهو عن تعيينها، فحَفِظ بعضُ من سمع تعيينها منه قبل أن يطرقه
السهو، ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها، يذكر كونها مزيدة مع إبهامها، ثم
بعد ذلك إما أن يُحْمَل الحال حيث لم يقع تمييزها، لا تعييناً ولا إبهاماً أن
يكون ذَهِلَ عن ذلك، أو عَيَّن، أو مَيَّز، فذَهِل عنه بعض من سمع، ويترجح
كون الخصلة المذكورة هي المزيدة، بأنها تدخل في عموم كل واحدة من

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الثلاثة، ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلّة، فإن كل أمر يُكره يلاحظ فيه جهة
المبدإ، وهو سوء القضاء، وجهة المعاد، وهو درك الشقاء؛ لأن شقاء الآخرة
هو الشقاء الحقيقيّ، وجهة المعاش، وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداء،
فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو
بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٥٣/١٦] (٢٧٠٧)، و(البخاريّ) في
((الدعوات)) (٦٣٤٧) و((القدر)) (٦٦١٦) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٦٩ و٧٣٠)،
و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٤٩٣ و٥٤٩٤) وفي ((الكبرى)) (٧٩٢٧ و٧٩٢٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٦/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٧٢)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (١٠١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤/١٢)، و(أبو
نعيم) في ((الحلية)) (٣١٦/٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٣٨٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الاستعاذة من سوء القضاء.
٢ - (ومنها): أن النوويّ كَخْلُ قال في ((شرحه)) ما معناه: إن فيه استحباب
الدعاء، والاستعاذة من كلّ الأشياء المذكورة في هذا الحديث، وما في
معناها، وهذا هو الصحيح الذي أجمع عليه العلماء، وأهل الفتوى في جميع
الأعصار، والأمصار، وشذّت طائفة من الزهاد، وأهل العبادة إلى أن ترك
الدعاء أفضل؛ استسلاماً للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين
فحَسَن، وإن دعا لنفسه فالأَولى تركه، وقال آخرون منهم: إن وجد في نفسه
باعثاً للدعاء استُحبّ، وإلا فلا.
(١) ((الفتح)) ٣٦٠/١٤ - ٣٦١، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٤٧).

٢٦٩
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٤)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال غير الأول كلّها من
المُحْدَثات الباطلة، منابذة للكتاب العزيز، وهَدْي النبيّ وَّـ، فإنه كان يدعو،
ويأمر أمته بالدعاء، ويحثّهم عليه، ويؤكّد عليهم أحياناً بصيغة تقتضي الوجوب،
كقوله : ((إذا صلى أحدكم، فليتعوّذ بالله من أربع ... )) الحديث متفق عليه،
وغير ذلك، وخير الهدي هدي محمد بَّه، وشر الأمور محدثاتها. والله أعلم.
قال: ودليل الجمهور ظواهر القرآن والسُّنَّة في الأمر بالدعاء، وفِعْله وَهِ،
والإخبار عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - بفعله. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن الكلام المسجوع لا يُكره، إذا صدر عن غير قَصْد إليه،
ولا تكلّف، قاله ابن الجوزيّ دخلتُ.
٤ - (ومنها): مشروعية الاستعاذة، ولا يعارِض ذلك كون ما سبق في
القدر لا يُرَدّ؛ لاحتمال أن يكون مما قُضي، فقد يُقضى على المرء مثلاً بالبلاء،
ويُقضَى أنه إن دعا كُشف عنه، فالقضاء مُحْتَمِلٌ للدفع، والمدفوع، وفائدة
الاستعاذة والدعاء، إظهار العبد فاقته لربه، وتضرعه إليه(٢). والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٤] (٢٧٠٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ
الْحَارِثِ بْنٍ يَعْقُوبَ؛ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيم السُّلَمِيَّةَ
تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَّلِمَاتِ اللهِ
التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٍ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الْحَارِثُ بْنُ يَعْقُوبَ) الأنصاريّ مولاهم المصريّ، والد عمرو، ثقةٌ
عابدٌ [٥] (ت١٣٠) (عخ م ت س) تقدم في ((الإمارة)) ٤٩٤١/٥٢.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٦٠/١٤ - ٣٦١، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٤٧).

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الأشجّ، أبو يوسف المدنيّ، مولى قريش، أخو
بكير بن الأشجّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٢) (عخ م ت س ق) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٢/٢٣.
٣ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢]
مات سنة مائة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٤ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب الصحابيّ الشهير، أحد العشرة
المبشّرين بالجنّة ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيم السُّلَمِيَّةُ) هي: خولة بنت حكيم بن أمية بن
حارثة بن الأوقص بن مرّة بَّن هلال بن فالح بن ثعلبة بن ذكوان بن امرئ
القيس بن بُهْثة بن سُليم السُّلَمية، امرأة عثمان بن مظعون، وتكنى أم شَريك.
قال هشام بن عروة عن أبيه: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وَهَبْن أنفسهن
للنبيّ ◌َّةِ، قال ابن عبد البرّ: ويقال لها: خُويلة، وكانت صالحة فاضلة، روت
عن النبيّ وَّ، وعنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيِّب، وبُسْر بن
سعيد، وعروة بن الزبير، وأرسل عنها عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى بن
حبان، هذا قاله الحافظ المزّيّ نَخْتُهُ.
وتعقّبه الحافظ، فقال: إنما جاءت رواية سعيد، وبُسْر عنها بواسطة
سعد بن أبي وقاص، وجاءت روايةٌ عن سعيد بن المسيِّب عن خُويلة بغير
واسطة، لكن قال: عن خُويلة الأنصارية، وهي من رواية عطاء الخراسانيّ
عنه، أخرجها الطبرانيّ، وفرق بينها وبين خولة بنت حكيم، فالله تعالى أعلم.
انتھی(١).
أخرج لها البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، والترمذيّ،
والنسائيّ، وابن ماجه، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده
بعده .
والباقون تقدّموا قبل باب.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٦٧١/٤ - ٦٧٢.

٢٧١
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٤)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثُمانيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من يعقوب بن
عبد الله، والباقون مصريّون، إلا قتيبة، فبغلانيّ، وفيه أربعة من التابعين روى
بعضهم عن بعض: يزيد، والحارث، ويعقوب، وبسر، وفيه رواية صحابيّ عن
صحابيّة ﴿ًا، وهي مقلّة من الرواية، فليس لها في الكتب (١) إلا ثلاثة
أحاديث، كما في ((تحفة الأشراف))(٢).
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ) الأنصاريّ مولاهم المصريّ، (أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ) بن الأشجّ أبا يوسف المدنيّ مولى قريش، (حَدَّثَهُ)؛ أي: الحارثَ،
(أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرَ) بضم الموحّدة، وسكون السين المهملة، (ابْنَ سَعِيدٍ) بكسر
العين المدنيّ العابد، (يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب
الزهريّ أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﴿ه، (يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ) بفتح الخاء
المعجمة (بِنْتَ حَكِيم) ﴿ّا (السُّلَمِيَّةَ) بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة
إلى سُليم أحد أجدادها المذكورين آنفاً، ويقال لها أيضاً: خُويلة بالتصغير
صحابية مشهورة ﴿ها، (تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً)
مَظِنّةً للهوامّ، والحشرات، ونحوها، مما يؤذي، ولو في غير سفر.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيّدوه بمظنّة الهوامّ، والأولى عدم تقييده،
فتنبه .
(ثُمَّ قَالَ) وفي رواية ((الموظّأ)): ((فليقل)) بصيغة الأمر، (أَعُوذُ)؛ أي:
أعتصم (بِكَلِمَاتِ اللهِ) المراد بها: كلام الله تعالى، ومنه القرآن الكريم، وقيل:
هي العلم؛ لأنه أعم الصفات، ولا يخفى بُعده، وقال البيضاويّ: هي جميع ما
أنزله الله تعالى على أنبيائه له؛ لأن الجمع المضاف إلى المعارف يقتضي
العموم، ووصفها بقوله: (التَّامَّاتِ)؛ أي: التي لا يعتريها نقص، ولا خلل؛
(١) المراد بها الكتب الستة، فتنبه.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٩٨/١١ - ٢٩٩.

٢٧٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
تنبيهاً على عِظَم شرفها، وخلوّها عن كل نقص؛ إذ لا شيء إلا وهو تابع لها،
يُعْرَف بها، فالوجود كله بها ظهر، وعنها وُجد. انتهى.
وقال عياض: قيل: التامات: الكاملة التي لا يدخلها عيب، ولا نقص،
كما يدخل كلام الناس، وقيل: هي النافعة الشافية.
وقال التوربشتيّ: الكلمة لغةً تقع على جزء من الكلام، اسماً، أو فعلاً،
أو حرفاً، وعلى الألفاظ المنطوقة، وعلى المعاني المجموعة، والكلمات هنا
محمولة على أسماء الله الحسنى، وكُتبه المنزلة؛ لأن المستفاد من الكلمات إنما
يصح، ويستقيم أن يكون منها، ووصفها بالتمام؛ لخلوها عن العوائق،
والعوارض، فإن الناس متفاوتون في كلامهم، واللهجة، وأساليب القول، فما
منهم من أحد إلا وقابله آخر في معناه، أو في معان كثيرة، ثم إن أحدهم قلّما
يَسْلَم من معارضة، أو خطأ، أو سهو، أو عَجْز عن المعنى المراد، وأعظم
النقائص المقترنة بها أنها كلمات مخلوقة، تكلم بها مخلوق، مفتقر إلى
أدوات، ومخارج، وهذه نقيصة، لا ينفك عنها كلام مخلوق، وكلمات الله
متعالية عن هذه القوادح، فهي التي لا يتبعها نقص، ولا يعتريها اختلال.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((أعوذ بكلمات الله التامات ... إلخ)): قيل:
معناه: الكاملات اللاتي لا يلحقها نقص، ولا عيب، كما يلحق كلام البشر.
وقيل: معناه: الشافية الكافية. وقيل: الكلمات - هنا - هي: القرآن، فإنَّ الله
تعالى قد أخبر عنه بأنه هدى وشفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما
يدفع به الأذى، ولمّا كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى، والتجاء إليه، كان
ذلك من باب المندوب إليه، المرغَّب فيه. وعلى هذا فحقّ المتعوِّذ بالله تعالى،
وبأسمائه وصفاته أن يَصْدُق الله في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويُحضر
ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك، وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه. انتهى (٢).
(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) متعلّق بـ(أعوذ))، وعبّر بـ(ما)) للتعميم.
(١) (شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٤٩٩/٤.
(٢) ((المفهم)» ٣٦/٧.

٢٧٣
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٤)
(لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ) من المخلوقات (حَتَّى يَرْتَحِلَ)؛ أي: يذهب (مِنْ مَنْزِلِهِ
ذَلِكَ))) قال الزرقانيّ كَُّ: وشَرْط نفع ذلك: الحضورُ والنيةُ، وهي استحضار
أنه وس﴿ أرشده إلى التحصن به، وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحدٌ، واتفق
أنه ضرّه شيء، فلأنه لم يقله بنيّة وقوّة يقين، وليس ذلك خاصّاً بمنازل السفر،
بل عامّ في كل موضع جَلَس فيه، أو نام، وكذلك لو قالها عند خروجه للسفر،
أو عند نزوله للقتال الجائزة، قاله الأبيّ.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((لا يضرّه شيء)) هذا خبر صحيح، وقولٌ
صادق، علمنا صِدْقه دليلاً وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عَمِلت عليه،
فلم يضرّني شيء إلى أن تركته، فلدغتي عقرب بالمهدية ليلاً، فتفكرت في
نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوّذ بتلك الكلمات، فقلت لنفسي ـ ذاماً لها،
ومُوبّخاً - ما قاله وَّهِ للرجل الملدوغ: أما إنكِ لو قلتِ حين أمسيتٍ: أعوذ
بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق لم تضركِ. انتهى(١).
وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه يقرأ مع الحديث المذكور: ﴿رَّبِّ
أَنْزِلْنِ مُنَزَّلًا مُّبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]، و﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾
الآية [الإسراء: ٨٠]، وأن ذلك حَسَنٌ عند الإشراف على المنزل، وأن الله تعالى
قاله لنوح؛ حين نزل من السفينة، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خولة بنت حكيم ﴿نا هذا من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ .
[تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َّلُ في ((التمهيد)»: هذا الحديث رواه
عن يعقوب بن الأشج جماعة ثقات، منهم: الحارث بن يعقوب، وابن
عجلان، واختلفا عليه في إسناده، ثم أخرج بسنده إلى قتيبة بن سعيد، حدّثنا
الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث بن يعقوب، عن يعقوب بن
عبد الله، عن بُسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم
السُّلمية أن رسول الله وَله قال ... الحديث.
(١) ((المفهم)) ٣٦/٧ - ٣٧.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر ، والدعاء، والتوبة
ثم قال: هكذا قال: عن يزيد، عن الحارث، وغيرُه يقول فيه: عن
الليث، عن يزيد، والحارث جميعاً عن يعقوب، وكذلك رواه ابن وهب، عن
عمرو بن الحارث، عن يزيد والحارث جميعاً عن يعقوب.
ثم أخرج بسنده عن وُهيب قال: حدّثنا ابن عجلان، عن يعقوب بن
عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيِّب، عن سعد بن مالك، عن خولة بنت
حكيم، قالت: قال رسول الله ويل : ((لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً، قال: أعوذ
بكلمات الله التامات، من شرّ ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء، حتى
يرتحل منه)).
قال أبو عمر: أهل الحديث يقولون: إن رواية الليث هي الصواب، دون
رواية ابن عجلان، ورواية ابن وهب عن الليث أصحّ، من رواية قتيبة عندي في
هذا، والله أعلم.
ثم قال: قال أبو عمر: حديث ابن عجلان رواه ابن عيينة عن ابن
عجلان، عن يعقوب، عن سعيد مرسلاً، ورواه بكير، عن سليمان بن يسار،
وبسر بن سعيد مرسلاً، والقول قول من وصله، وأسنده. انتهى(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٥٤/١٦ و٦٨٥٥] (٢٧٠٨)، و(الترمذيّ) في
((الدعوات)) (٣٤٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٤/٦) وفي ((عمل اليوم
والليلة)) (٤٧٥/١ و٤٧٦)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٩٢)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٧٧/٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٠/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٥٣/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة) في فوائده:
١ - (منها): استحباب هذا الدعاء عند نزول مكان مَخُوف.
٢ - (ومنها): أن نَفْع هذا الدعاء ونحوه من الأدعية النبوية لا بدّ أن
يكون بنيّة صادقة، وعزم قويّ، وقد جرّبه الصادقون، فوجدوا أثره، قال
القرطبيّ نظّثهُ: هذا خبر صحيح، وقول صادق، فإني منذ سمعته عملت به، فلم
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٨٦/٢٤.

٢٧٥
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٥)
يضرّني شيء، فتركته ليلة فلدغتني عقرب. انتهى(١).
٣ - (ومنها): مشروعيّة الاستعاذة بكلام الله ثقيلة.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ كَخّلُ: وفي الاستعاذة بكلمات الله أبين
دليل على أن كلام الله منه تبارك اسمه، وصفة من صفاته، ليس بمخلوق؛ لأنه
محال أن يستعاذ بمخلوق، وعلى هذا جماعة أهل السُّنَّة، والحمد لله.
ثم أخرج بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه الحنظليّ، قال: ذَكَر
سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة
- وكان قد أدرك أصحاب رسول الله وَله، فمن دونهم - يقولون: الله رَك هو
الخالق، وما سواه مخلوق، إلا القرآن، فإنه كلام الله، منه خرج، وإليه يعود.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، كِلَاهُمَا عَنِ
ابْنِ وَهْبٍ - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو
- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ حَدَّثَاهُ،
عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيم السُّلَمِيَّةِ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلاً، فَلْيَقُلَّ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ الثَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ،
فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٍ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ)).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الخزاز الضرير، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله أربع وسبعون سنةً (خ مد) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣/ ٣٥٠.
[تنبيه]: قوله: ((هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ)): هكذا النسخ التي بين أيدينا، ووقع في
((تحفة الأشراف))(٣): ((هارون بن سعيد الأيليّ)) بدله، وكتب في الهامش: هكذا
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٤٤٧/١.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٨٦/٢٤.
(٣) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٩٨/١١.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
في الأصول بأيدينا، ووقع في النسخة المطبوعة: ((هارون بن معروف)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الحديث؛
فإن كلّاً من الهارونين ثقةٌ، يروي عنهما مسلم، ويرويان عن ابن وهب، فلعلّه
روى عنهما هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أَبُو الطَّاهِرِ)) هو: أحمد بن
عمرو بن عبد الله بن السّرْح المصريّ.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ)؛ أي: من هوامّ، أو سارق، أو غير ذلك؛
لأنه نكرة في سياق النفي، فيعمّ، قاله الأبيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (حَتَّى بَرْتَحِلَ مِنْهُ) قال الأبيّ رَّتُهُ: قوله: ((حتى يرتحل)) ليس
ذلك خاصّاً بمنازل السفر، بل عامّ في كلّ موضع جلس فيه، أو نام، وكذلك
لو قالها عند خروجه إلى السفر، أو عند نزوله للقتال الجائز، فإن ذلك كلّه من
الباب، قال: وشَرْط نَفْع ذلك النّة، والحضور، فلو قاله أحد، واتَّفَقَ أنْ ضَرَّه
شيء حُمل على أنه لم يَقُلْه بنيّة، ومعنى النيّة: أن يستحضر أن النبيّ وَّ أرشده
إلى التحصّن به، وأنه الصادق المصدوق. انتهى (٢).
والحديث من أفراد المصنّف تَذَلُهُ وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٦] (٢٧٠٩) - (قَالَ يَعْقُوبُ: وَقَالَ الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ ذَكْوَانَ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَلَّهِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ مَّا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: ((أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ:
أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّمَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَُّك))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٌ) الكِنانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٤/٢٥.
(١) ((شرح الأبيّ)) ١٣٣/٧.
(٢) ((شرح الأبّيّ)) ١٣٣/٧ - ١٣٤.

٢٧٧
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرٍ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٦)
والباقون ذُكروا في الباب، و((يعقوب)) هو: ابن عبد الله بن الأشج
المذكور قبله.
[تنبيه]: قوله: (قَالَ يَعْقُوبُ ... إلخ) هذا موصول بالإسناد السابق، وليس
معلّقاً، فهو من رواية المصنّف عن هارون بن معروف، وأبي الطاهر، كلاهما
عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، والحارث بن
يعقوب، كلاهما عن يعقوب بن عبد الله بن الأشجّ ... الحديث.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف (١)، وفي رواية ابن
حبّان في (صحيحه)): ((أن رجلاً من أسلم قال ... )). (إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ مَا) نافية، وقوله: (لَقِيتُ) مفعوله مقدّر؛ أي: الراحة، أو النوم،
يوضّحه رواية مالك في ((الموطأ))، ولفظها: ((إن رجلاً من أسلم قال: ما نِمْتُ
هذه الليلةَ، فقال له رسول الله وَعليه: من أيّ شيء؟ فقال: لدغتني عقرب)).
وقال القاري في ((المرقاة): ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء لقيت؟ أي: لقيت
وجعاً شديداً، أو للتعجب؛ أي: أمراً عظيماً، أو موصولةٌ، والخبر محذوف؛ أي:
الذي لقيته لم أصفه لشدته، والمعنى: لقيت شدةً عظيمةً. انتهى (٢).
(مِنْ عَقْرَبٍ) قال الفيّوميّ ◌َخْدَهُ: العَقْرَبُ تُطلق على الذكر والأنثى، فإذا
أريد تأكيد التذكير قيل: عُقْرُبَانُ بضم العين والراء، وقيل: لا يقال إلا عَقْرَبٌ،
للذكر والأنثى، وقال الأزهريّ: العَقْرَبُ يقال للذكر والأنثى، والغالب عليها
التأنيث، ويقال للذكر: عُقْرُبَانُ، وربما قيل: عَقْرَبَةٌ بالهاء للأنثى، قال الشاعر:
كَأَنَّ مَرْعَى أُمْكُمْ إِذْ غَدَتْ عَقْرَبَةٌ يَكُومُهَا عُقْرُبَانُ
فَجَمَع بين اسم الذكر الخاصّ، وأنّث المؤنثة بالهاء، وأرض مُعَقْرِبَةٌ:
اسم فاعل، ذاتُ عَقَارِبَ، كما يقال: مُثَعْلَبَة، ومُضَفْدعة، ونحو ذلك.
(٣)
انتھی(٣).
(١) (تنبيه المعلم)) ص ٤٤٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢ - ٤٢٢.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٣٦/٥.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(لَدَغَتْنِي) قال الفيّومِيّ ◌َخْذُهُ: لَدَغَتْهُ العقرب بِالْغين المعجمة، لَدْغاً، من باب
نفع: لَسَعته، ولَدَغَتْهُ الحية لَدْغاً: عَضّته، فهو لَدِيٌ، والمرأة لَدِيغٌ أيضاً، والجمع:
لَدْغَى، مثلُ جَرِيح وجَرْحَى، ويتعدى بالهمزة إلى مفعول ثان، فيقال: أَلدَغْتُهُ
العقربَ: إذا أرسلتها عليه، فَلَدَغَتْهُ، وقال الأزهريّ: اللَّدْغُ بالناب، وفي بعض
اللغات: تَلْدَعُ العقرب، ويقال: اللَّدْغُةُ جامعة لكلّ هامّة تَلْدَغُ لَدْغاً. انتهى(١).
(الْبَارِحَةَ)؛ أي: الليلة الماضية، تقول العرب قبل الزوال: فعلنا الليلةَ
كذا؛ لِقُربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحةَ(٢)، وهو
منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ(لدغتني)). (قَالَ) وَلّ: ((أَمَا) بتحفيف الميم:
أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا)). (لَوْ) شرطيّة جوابها (لم تضرّك))، (قُلْتَ حِينَ
أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)؛ أي: من شرِّ خَلْقه، وهو
ما يفعله المكلّفون، من إثم، ومضارّة بعضٍ لبعض، من نحو ظُلم، وبغي،
وقتل، وضرب، وشتم، وغيرها من نحو لَدْغ، ونهش، وعض، وزاد ابن
السنيّ: ((ثلاثاً))؛ أي: لو قلت هذا التعوذ ثلاث مرات.
(لَمْ تَضُرَُّكَ)))؛ أي: العقرب، بأن يحال بينك وبين كمال تأثيرها بحسب
كمال المتعوّذ، وقوّته، وضعفه؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد
حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضره(٣).
وفي ((التمهيد)) لابن عبد البرّ عن سعيد بن المسيِّب قال: بلغني أن من
[الصافات: ٧٩] لم يلدغه
(٧٩)
قال حين يمسي: ﴿سَلَهُ عَلَى نُوجِ فِى الْعَلَمِينَ
(٤)
عقرب. انتهى
[فائدة نحويّة مهمّة]: ذكر صاحب ((البدر المكنون)) أنه وصل رجل إلى
إشبيلية يقصد قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله وَالت: ((ما
لم تصفر الشمس))، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين،
فقال الشيخ: كيف تضبطون الراء من قوله: ((ما لم تصفر الشمس))؟ فقالوا
بأجمعهم: بالفتح، ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتاً.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥١/٢.
(٣) ((مرعاة المفاتيح)) ٣٧٣/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٢.
(٤) ((عون المعبود)) ٢٧٢/١٠.

٢٧٩
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّدِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٦)
فأنشد الشيخ :
أوْرَدَها سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ
ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟ فقال: إن العرب على
ثلاث فِرَقٍ، مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون.
فالمتبعون، يُتبعون الحرف المضعّف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت
ضمة ضَمُّوه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفاً فتحوا، نحو:
لم يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]،
وإن كانت كسرة كسروه، نحو: لم يفرّ، وفرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع،
فإنهم لا يُتْبعون لِما قبله:
أحدهما: إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المُتْبعين إنما يُتْبعون
الحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُهُ، بضم
[الواقعة: ٧٩]
الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿لَّ يَمَشُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ
إن قلنا: إن ((لا)) ناهية، لا نافية.
ثانيها: إذا اتصل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو: رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا،
وفِرّها، بفتح الحرف المدغم فيه إتباعاً لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء
في الموضعين لخفّة الهاء، فلم يعتدّوا بها فاصلاً، فكأن الضمةَ باشرت واو
الصلة، والفتحةً باشرت ألف الصلة.
ثالثها: إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو
غيرُها، فيرجع المُتْبعون هنا للكسر، نحو: غُضِّ الطرفَ، وعليه يقال: ((ما لم
تصفرِّ الشمس)) بكسر الراء، لا غير.
والفرقة الثانية: الكاسرون؛ يَكسِرُون آخرَ الفعل مطلقاً على أصل التقاء
الساكنين، فيقولون: ردِّ زيداً، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة،
إنما يقال: ((ما لم تصفرّ)) بالكسر أيضاً، وهذه اللغة لغة كعب، ونمير.
والفرقة الثالثة: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء،
فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون: مُدِّ
الحبل، وشُدِّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: ((ما لم تصفرِ))
بالكسر أيضاً، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: ((ما لم تصفرَّ)) بفتح الراء، وعليه فجميع العرب
يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم
یفتحونه .
فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ [من الخفيف]:
ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّ فَلَا لَا
وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس أحمد بن
الحاج، فقال [من الرجز]:
آخِرُهُ کَلا تَضُرَّ أَحَدَا
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا
الآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الفُصَحَا
فَاكْسِرَهُ مُظْلَقاً لِقَوْمٍ وافْتَحَا
مِنْ هَؤلاءِ حَيْثُ يَلْقَىَّ ساكِنَا
ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أنْ يُتْبَعَ مَا
وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أوْ أَلِفِ
إلا بِنَحْوِ مُسُّهُ وَفِرُّهُ
وَنَحْوُ رُدَّهَا وَحُبَّهَا افْتَحَا
وَنَحْوُ غُضِّ الطَّرْفَ عَضِّ اللَّحْمَا
يَأْتُونَ بِالْكَسْرِ كَسُرِّ الْحَزَنَا
يَلِي فَإِثْرَ ضَمَّةٍ لَهُ اضْمُمَا
وبَعْدَ كِسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي
فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَلا تُمِرُّهُ
لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ أُوضِحَا
فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابِعِ الْعِلْمَا(١)
والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٥٦/١٦ و٦٨٥٧] (٢٧٠٩)، و(أبو داود) في
(الطبّ)) (٣٨٩٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٦٠٥)، و(ابن ماجه) في
((الطبّ)) (٣٥١٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٥٢/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة))
(٥٨٥ و٥٨٦ و٥٨٧)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٥٢/٢)، و(أحمد) في («مسنده))
(٢٩٠/٢ و٣٧٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٢٠ و١٠٢١)، و(أبو يعلى)
(١) راجع: ((الفتح الودوديّ على المكوديّ)) ٢٠٦/٢ - ٢٠٧.