النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (١٣) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ خَفْضِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٤٥) (فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) قال الطيبيّ ◌َُّهُ: دلّ التنكير على أن المطلوب غُفران عظيم، لا يُدرَك كُنْهُهُ، ووَصَفَهُ بكونه من عنده مُريداً لذلك العِظَمِ؛ لأن الذي يكون من عند الله تعالى لا يُحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت. الثاني : - وهو أحسن - أنه إشارة إلى طلب مغفرة مُتفَضَّل بها، لا يقتضيها سبب من العبد، من عَمَل حَسَن، ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير، ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرّؤٌ عن الأسباب، والإدلالِ بالأعمال، والاعتقادِ في كونها موجبة للثواب وجوباً عقلياً. انتهى. قال في ((الفتح)): وبهذا الثاني جزم ابن الجوزيّ(١)، فقال: المعنى: ◌َبْ لي المغفرة تفضّلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي. انتهى(٢). (وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))) هما صفتان ذُكرتا ختماً للكلام على جهة المقابلة لِمَا قبله، فـ((الغفور)) مقابل لقوله: ((اغفر لي))، و((الرحيم)) مقابل لقوله: ((ارحمني))، وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول، والثاني بالثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يُراعَى القربُ، فيُجعَل الأول للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلب التفنن في الكلام، ومما يُحتاج إليه في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لِمَا قبلها، قاله ابن دقيق العيد تَخُّْهُ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكر الصدّيق ـه هذا مُتّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحميديّ كَّلُ في ((الجمع بين الصحيحين)) (٨١/١): جعله بعض الرواة من مسند عبد الله عمرو؛ لأنه قال فيه عنه: إن أبا بكر قال (١) (كشف المشكل)) ١٣/١. (٢) ((الفتح)) ٦٦/٣، ((كتاب الأذان)) رقم (٨٣٤). ٢٤٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة لرسول الله عليه، وقد أخرجاه أيضاً كذلك من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب - يعني: الرواية التالية - وهو مذكور في ((تحفة الأشراف)) (١) في مسند ابن عمرو. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن عبد الله بن عمرو رضي﴿ما كان حاضراً عندما سأل أبو بكر نظراته النبيّ ◌َ ﴿ عن هذا الدعاء، ثم ثبّته أبو بكر، فكان يُحدّث بهما، فصحّ كونه من مسنديهما، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٤٥/١٣ و٦٨٤٦] (٢٧٠٥)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٣٤) و((الدعوات)) (٣٦٢٦) و((التوحيد)) (٧٣٨٧ و٧٣٨٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٣١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٣٠٢) وفي (الكبرى)) (١٢٢٥) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٧٩)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/١ و٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦/٦)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٤٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٧٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٢)، و(البزّار) في مسنده)) (٨٥/١ و١٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ١٥٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٦٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب طلب التعليم من العالم، خصوصاً في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. ٢ - (ومنها): ما قاله الكرمانيّ تَخّثُ: هذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعترافَ بغاية التقصير، وطلبَ غاية الإنعام، فالمغفرة سَتْر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب الجنة، وهذا هو الفوز العظيم. ٣ - (ومنها): أن فيه ردّاً على من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من لا خطيئة له، ولا ذنب؛ لأن الصدّيق ◌ُله من أكبر أهل الإيمان، وقد علّمه (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٨٠/٦. ٢٤٣ (١٣) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ خَفْضِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٤٦) النبيّ وَّل أن يقول: ((إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت)). قاله الطبريّ رحمه الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيّةَ الدعاء في الصلاة، وفضلَ هذا الدعاء على غيره، وطلبَ التعليم من الأعلى، وإن كان الطالب يعرف ذلك النوع، وخص الدعاء بالصلاة لقوله ويتر: ((أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد)). ٥ - (ومنها): أن المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع، فيتسبب في تحصيله، وفي تعليم النبيّ وَ﴿ لأبي بكر هذا الدعاء إشارةٌ إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا . ٦ - (ومنها): ما قاله العلامة المحقق ابن دقيق العيد تَظّهُ: في الحديث دليل على أن الإنسان لا يَعرَى من ذنب وتقصير، كما قال ◌َّه: ((استقيموا، ولن تُحصوا ... )) وفي الحديث: ((كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوّابون))، وربما أخذوا ذلك من حيث الأمر بهذا القول مطلقاً من غير تقييد بحالة، فلو كان ثمّة حال لا يكون فيها ظلم ولا تقصير لَمَا كان هذا الإخبار مطابقاً للواقع، فلا يؤمر به. انتهى(١). وقال الحافظ تَّثُ: فيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صدّيقاً . وقال السنديّ تَخَّلهُ - بعد نقل كلام الحافظ هذا -: بل فيه: أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صدّيقاً؛ لأن النِّعم عليه غير متناهية، وقوّته لا تطيق أداء أقلّ قليل من شكرها، بل شُكره من جملة النعم أيضاً، فيحتاج إلى شكره هو أيضاً كذلك، فما بقي إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف، وقد جاء في جملة أدعيته وَّر: ((ظلمت نفسي)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٤٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ؛ أَنَّهُ (١) ((إحكام الأحكام)) ٤٠/٣ - ٤١ بحاشية ((العدّة). (٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٥٣/٣. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: عَلَّمْنِي يَا رَسُولَ اللهِ دُعَاءَ أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((ظُلْماً كَثِيراً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً . ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَرَجُلٌ سَمَّاهُ) هو عبد الله بن لهيعة، كما سيأتي في رواية ابن خزيمة، وإنما أبهمه؛ لكونه ضعيفاً، لكنه يصلح للمتابعة، فذكره متابعاً لعمرو بن الحارث. وفاعل ((سمّاه)) ضمير عبد الله بن وهب. وقوله: (فِي صَلَاتِي)؛ أي: في الصلاة التي أؤديها في أيّ مكان من المسجد، أو غيره. وقوله: (وَفِي بَيْتِي) يَحْتَمل أن يكون في الصلاة التي يصليها في البيت، كالتهجّد ونحوه، ويَحْتَمل أن يكون أعمّ من الصلاة، بأن يدعو بها في بيته ولو لم يصلّ. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير عمرو بن الحارث. [تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، والرجل كلاهما عن أبي الخير ساقها ابن خزيمة دَّثُ في ((صحيحه))، فقال: (٨٤٦) - أنا يونس بن عبد الأعلى الصّدَفيّ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن أبا بكر الصديق رَظ ◌ُبه قال ٢٤٥ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٧) لرسول الله وسلم: علّمني يا رسول الله دعاء أدعو به في صلاتي، وفي بيتي، قال: ((قل: اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)). انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾. (١٤) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٤٧] (٥٨٩)(٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرِ (٣) - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَهَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَابَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَنْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل بابین. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير المدنيّ، تقدّم قريباً . (١) ((صحيح ابن خزيمة)) ٢٩/٢. (٢) تقدّم، فهو مكرّر. (٣) وفي نسخة: ((واللفظ لأبي كريب)). ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضاً قريباً . ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أيضاً قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وأبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضيًّا، من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ) هي قوله: (اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الثَّارِ)؛ أي: فتنة تؤدي إلى النار؛ لئلا يتكرر، ويَحْتَمِل أن يراد بفتنة النار: سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوْعٌ سَلَمْ خَهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، وقوله: (وَعَذَابِ الثَّارِ)؛ أي: من أن أكون من أهل النار، وهم الكفار فإنهم هم المعذّبون، وأما الموحدون فإنهم مؤدّبون، ومهذّبون بالنار، لا معذبون وقال المناويّ كَّلُهُ: ((وعذاب النار))؛ أي: إحراقها بعد فتنتها، كذا قرر بعضهم، وقال الطيبيّ: قوله: ((فتنة النار))؛ أي: فتنة تؤدي إلى عذاب النار، وإلى عذاب القبر؛ لئلا يتكرر إذا فُسّر بالعذاب. (وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ) معنى فتنة القبر: التحيّر في جواب منكر ونكير، وقوله: (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) عطف عامّ على خاصّ، فعذابه قد ينشأ عنه فتنة، بأن يتحير، فيعذَّب لذلك، وقد يكون لغيرها، كأن يجيب بالحقّ، ولا يتحير، ثم يعذَّب على تفريطه في بعض المأمورات، أو المنهيات، كإهمال التنزه عن البول. وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الفتنة هنا هي ضلال أهل النار المفضي بهم إلى (١) ((عون المعبود)) ٤/ ٢٨٢. ٢٤٧ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٧) عذاب النار، وفتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه، وهما: منكر ونكير - كما تقدَّم -. وعذاب القبر: هو ضربُ من لم يوفّق للجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة، وشر فتنة الغنى: هي الحرص على الجمع للمال، وحبّه حتى يكتسبه من غير حلّه، وبمنعه من واجبات إنفاقه، وحقوقه. وشر فتنة الفقر؛ يعني به: الفقر المدقع الذي لا يصحبه صبر، ولا ورع، حتى يتورّط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الأديان، ولا بأهل المروءات، حتى لا يبالي بسبب فاقته على أيّ حرام وثب، ولا في أيّ ركاكة تورّط، وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يردّه مُلك الدنيا بحذافيرها. وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يدلّ على أن الغنى أفضل من الفقر، ولا أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأنَّ الغنى والفقر المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء، وقد تكلّمنا على مسألة التفضيل فيما تقدَّم. والكسل المتعوّذ منه: هو التثاقل عن الطاعات، وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية، والعجز المتعوّذ منه: هو عدم القدرة على تلك الأمور، والهَرَم المتعوّذ منه: هو المعبّر عنه في الحديث الآخر بأرذل العمر، وهو: ضَعف القوى، واختلال الحواسّ، والعقل الذي يعود الكبير بسببه إلى أسوأ من حال الصغير، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن تُعَجِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِ ﴾ [يس: ٦٨]. انتهى (١). اْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى) هو البَطَر، والطغيان، وتحصيل المال من الحرام، وصَرْفه في العصيان، والتفاخر بالمال والجاه. (وَمِنْ شَرِّ فِتْتَةِ الْفَقْرِ) هو الحسد على الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل بما يدنِّس العِرْض، ويَثْلِم الدين، وعدم الرضا بما قَسَم الله له، وغير ذلك مما لا تُحْمَد عاقبته. وقيل: الفتنة هنا: الابتلاء، والامتحان؛ أي: من بلاء الغنى، وبلاء الفقر؛ أي: من الغنى والفقر الذي يكون بلاءً ومشقةً. ذكره في ((المرقاة))(٢). وقال المناويّ: ((ومن شر فتنة الغنى))؛ أي: البطر، والطغيان، والتفاخر، وصَرْف المال في المعاصي، ((وأعوذ بك من فتنة الفقر))؛ أي: حسد الأغنياء، (١) ((المفهم)) ٣٣/٧ - ٣٤. (٢) ((عون المعبود)) ٢٨٢/٤. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة والطمع في مالهم، والتذلل لهم بما يدنِّس العرض، ويَثْلَم الدين، ويوجب عدم الرضا بما قُسم، ذكره البيضاويّ، وقال الطيبيّ: الفتنة إن فُسّرت بالمحنة والمصيبة، فشرّها أن لا يصبر الرجل على لأوائها، ويجزع منها، وإن فُسرت بالامتحان والاختبار، فشرّها أن لا يَحمد في السراء، ولا يصبر في الضراء (١). وقال في ((الفتح)): قال الغزاليّ: فتنة الغنى: الحرص على جمع المال، وحبه، حتى يكسبه من غير حِلّه، وبمنعه من واجبات إنفاقه، وحقوقه، وفتنة الفقر يراد به: الفقر الْمُدْقِع الذي لا يصحبه خير، ولا ورع، حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أيّ حرام وثب، ولا في أيّ حالة تورّط، وقيل: المراد به: فَقْر النفس الذي لا يردّه مُلك الدنيا بحذافيرها، وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى، ولا عكسه. انتھی(٢). (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) ((المسيح)) بفتح الميم، وكسر السين، وبكسرهما مع تشديد السين، فمن شدّد فهو من ممسوح العين، ومن خفّف فهو من السياحة؛ لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين اليمنى؛ أي: أعور، وقال ابن فارس: المسيح: الذي أحد شِقَّيْ وجهه ممسوح، لا عين له، ولا حاجب. و((الدجال)) من الدجل، وهو التغطية؛ لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، أو لتغطيته الحقّ بالكذب، أو لأنه يقطع الأرض (٣). وقال المناويّ: ((المسيح)) بفتح الميم، وخفة السين، وبحاء مهملة، سُمّي به؛ لكون إحدى عينيه ممسوحة، أو لمسح الخير منه، فَعِيل بمعنى مفعول، أو لمسحه الأرض، أو قطعها في أمد قليل، فهو بمعنى فاعل، وقيل: هو بِخاء معجمة، ونُسب قائله إلى التصحيف. و(الدجال)): احتراز عن عيسى عليّلها، من الدجل: الخلطُ، أو التغطية، أو الكذب، أو غير ذلك، وهو عدو الله المموِّه، واسمه: صافي، وكنيته: أبو (١) ((فيض القدير)) ١٢٧/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٥/٢٣. (٢) ((فتح الباري)) ١٧٧/١١. ٢٤٩ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٧) يوسف، وهو يهوديّ، وإنما استعاذ النبيّ وَّرُ منه مع كونه لا يدركه؛ نشراً الخبره بين أمته جيلاً بعد جيل؛ لئلا يلتبس كفره على مدركه. انتهى(١). وقال وليّ الدين نَّثُ: المشهور في لفظ ((المسيح الدجال)) أنه بفتح الميم، وكسر السين المهملة، وتخفيفها، وبالحاء المهملة؛ كالمسيح ابن مريم؛ إلا أنه مسيح الهدى، وذاك مسيح الضلالة، سُمِّي به لمسح إحدى عينيه، فيكون بمعنى مفعول، وقيل: لمسحه الأرض، فيكون بمعنى فاعل، وقيل: التمسّح والتمساح: المارد الخبيث، فقد يكون فعيلاً من هذا، وقال ثعلب في ((نوادره)): التمسح والممسَّح: الكذاب، فقد يكون من هذا أيضاً، وضَبَطه بعضهم بكسر الميم، وتشديد السين، حُكي عن ابن أبي مروان بن سراج، وأنكره الهرويّ، وقال: ليس بشيء، وضُبِط بوجهين آخرين، هما: بفتح الميم مع تخفيف السين، وكسر الميم، مع تشديد السين، مع الخاء المعجمة فيهما، يقال: مسخ خلقه؛ أي: شَوَّه، وقيل: هو الممسوخ العين، والمسيخ الأعور، وقال بعضهم: أصله بالعبرانية: مشيح؛ أي: بالشين المعجمة، والحاء المهملة، فعُرِّب كما عُرِّب موسى. وأما ((الدجال)) فقيل: معناه الكذاب، وقيل: الممَوِّه بباطله، وسِحره الملِّس به، والدجل: طلي البعير بالقطران، وقيل: سمي بذلك لضربه نواحي الأرض، وقَطْعه لها، يقال: دجل الرجل، بالتخفيف والتثقيل، كما ذكره القاضي في ((المشارق))، وبالفتح والضم، كما ذكره في ((الإكمال شرح مسلم)): إذا فعل ذلك، وقيل: هو من التغطية؛ لأنه يغطي الأرض بجموعه، والدجل: التغطية، ومنه سمّيت دجلة؛ لتغطية ما فاضت عليه. انتهى (٢). اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ) جمع خطيئة، وأصل خطايا: خطائئ، على وزن فعائل، ولمّا اجتَمَعت الهمزتان، قُلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة، ثم استُثقِلت، والجمع ثقيل، وهو معتلّ مع ذلك، فقُلبت الياء ألفاً، ثم قُلبت الهمزة الأُولى ياء؛ لخفائها بين الألفين (٣). (١) ((فيض القدير)) ١٢٧/٢. (٢) ((طرح التثريب شرح التقريب)) ١٠٩/٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٦/٢٣. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة (بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) خصَّهما بالذِّكر؛ لنقائهما، ولِبُعدهما من مخالطة النجاسة، و((البرد)) بفتح الباء الموحدة والراء: حَبُّ الغمام، تقول منه: بردت الأرض. وقال في ((الفتح)): حكمة العدول عن الماء الحارّ إلى الثلج والبرد، مع أن الحارّ في العادة أبلغ في إزالة الوسخ: الإشارةُ إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران، لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد في هذا المقام، أشار إلى هذا الخطابيّ. وقال الكرمانيّ: وله توجيه آخر، وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار؛ لكونها تؤدي إليها، فعَبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل؛ تأكيداً في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال المبرّدات؛ ترقياً عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى أبرد منه، وهو البَرَد، بدليل أنه قد يَجْمُد ويصير جليداً، بخلاف الثلج، فإنه يذوب. انتهى(١). (وَنَقِّ) بفتح النون، وشد القاف، (قَلْبِي) الذي هو بمنزلة ملك الأعضاء، واستقامَتُها باستقامته. (مِنَ الْخَطَايَا) تأكيد للسابق، ومجاز عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها. (كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ) - بفتح الدال، والنون -؛ أي: الوسخ، وفي رواية: ((من الدرن)). وقال في ((العمدة)): قوله: ((ونَقِّ)) أمْر مِن نَقَّى يُنَّقِّي تنقية، وذَكَره للتأكيد، وقال الداوديّ: هو مجاز؛ يعني: كما يَغسل ماء الثلج، وماء البرد ما يصيبه. قيل: العادة أنه إذا أُريدَ المبالغة في الغسل يغسل بالماء الحارّ، لا بالبارد، ولا سيما الثلج ونحوه، وأجاب الخطابيّ بأن هذه أمثال، لم يُرِدْ بها أعيان المسمَّيات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان مقصوران على الطهارة، لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضَرْب المثل بهما أوكد في بيان ما أراده من التطهير . وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أنه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم؛ لأنها مؤدية إليها، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيداً في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال (١) ((فتح الباري)) ١١/ ١٧٧. ٢٥١ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٧) المبردات؛ ترقياً عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، إلى أبرد منه، وهو البَرَد، بدلیل جموده(١) . وقوله: (وَبَاعِدْ)؛ أي: أَبْعِد، وعَبَّر بالمفاعلة مبالغةً، (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) كرَّر ((بين)) هنا دون ما بعده؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، وجوباً، خلافاً لابن مالك، كما قال في ((الخلاصة)): وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَظْفٍ عَلَى ضَمِيرٍ خَفْضٍ لَازِماً قَدْ جُعِلا وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِماً إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا أي: ذنوبي، والْخِظْءُ بالكسر: الذنب. (كَمَا بَاعَدْتَ)؛ أي: كتبعيدك (بَيْنَ الْمَشْرِقِ) موضع الشروق، وهو مطلع الأنوار، (وَالْمَغْرِبِ)؛ أي: محل الأفول، وهذا مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة، إنما هي في الزمان والمكان؛ أي: امحُ ما حَصَل من ذنوبي، وحُلْ بيني وبين ما يُخاف من وقوعها، حتى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلية، فـ((ما)) مصدرية، والكاف للتشبيه، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مُحال، فشبّه بُعْد الذنب عنه بُبعد ما بينهما، والثلاثة إشارة لِمَا يقع في الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي، والنبيّ وَّ معصوم، وإنما قصد تعليم الأمة، أو إظهار العبودية، قاله المناويّ تَخْذُ(٢). (اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ) هو عدم انبعاث النفس بالخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، (وَالْهَرَمِ) - بفتحتين - هو الرد إلى أرذل العمر؛ لِمَا فيه من اختلال العقل، والحواسَّ، والضبط، والفهم، وتشويه بعض المنظر، والعجز عن كثير من الطاعات، والتساهل في بعضها(٣). (وَالْمَأْثَم)؛ أي: مما يأثم به الإنسان، أو ما فيه إثم، أو ما يوجب الإثم، أو الإثمَ نفسه وضعاً للمصدر موضع الاسم، (وَالْمَغْرَم)))؛ أي: الدَّين، يقال: غَرِم الرجل بالكسر: إذا ادّان: وقيل: الْغُرْم والمغرم: ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه، ومنه الغرامة، والغريم: الذي عليه الدَّين، (١) ((عمدة القاري)) ٦/٢٣. (٣) ((الديباج على مسلم)) ٦/ ٦٢. (٢) فيض القدير)) ١٢٨/٢. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة والأصل فيه: الْغَرَامِ، وهو الشرّ الدائم، والعذاب(١). زاد في رواية أخرى لمسلم تقدّمت في ((المساجد)): ((قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟ فقال: إن الرجل إذا غَرِم حدّث، فَكَذَب، ووَعَد، فأخلف))، وبيّن في رواية النسائيّ أن السائلة هي عائشة نفسها، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في ((كتاب المساجد)) برقم [١٣٢٦/٢٥] (٥٨٧) واستوفيت شرحه، وبيان مسائله، هناك، لكنيّ نسيت ذِكر هذه الرواية هناك، وهذا غريب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم وجدت فوائد لم أذكرها هناك، وهي مما جمعه الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَُّ في كتابه الممتع ((طرح التثريب شرح التقريب))، فأحببت إيرادها هنا؛ تتميماً للفوائد، وتكميلاً للعوائد: ١ - (منها): فائدة استعاذة النبيّ وَّر من هذه الأمور مع أنه مُعاذ منها قطعاً إظهار الخضوع، والاستكانة، والعبودية، والافتقار، وليقتدي به غيره في ذلك، ويَشْرَع لأمته. ٢ - (ومنها): أنه لم يُبَيِّن في هذه الرواية المحلّ الذي كان النبيّ وَلّر يأتي فيه بهذه الاستعاذة، وفي ((الصحيحين)) من حديث عائشة رضيوثًا؛ أنه وَلو كان يدعو بذلك في صلاته (٢)، وفي ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث أبي هريرة د﴿ُه الأمر بذلك بعد الفراغ من التشهد، وفي رواية له تقييد ذلك بالأخير، ففيه استحباب الإتيان بهذا الدعاء بعد التشهد الأخير، وقد صرح بذلك العلماء من أصحابنا - أي: الشافعيّة - وغيرهم، وزاد ابن حزم الظاهريّ على ذلك، فقال بوجوبه، ولم يخص ذلك بالتشهد الأخير، فقال: ويلزمه فرضاً أن يقول إذا فرغ من التشهد في كلتا الجلستين: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك ... )) فذكرها، قال: وقد رُوي عن طاوس أنه صلى ابنه بحضرته، فقال له: ذكرت هذه الكلمات؟ قال: (١) ((عمدة القاري)) ١١٧/٦. (٢) تقدّم في مسلم في ((كتاب المساجد)) برقم [١٣٢٨/٢٥] (٥٨٩). ٢٥٣ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٧) لا، فأمَره بإعادة الصلاة. انتهى، وهذا الأثر عن طاوس ذكره مسلم في ((صحیحه)) بلاغاً بغير إسناد. قال القاضي عياض: وهذا يدلّ على أنه حَمَل أمْر النبيّ وَّ بذلك على الوجوب، وقال النوويّ: ظاهر كلام طاوس أنه حَمَل الأمر به على الوجوب، فأمَر بإعادة الصلاة؛ لفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب، ولعل طاووساً أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. انتھی. وكذا قال أبو العباس القرطبيّ: يَحْتَمِل أن يكون إنما أمَره بالإعادة تغليظاً عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرم فائدتها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الذي يظهر من أمر طاوس لابنه بالإعادة أنه يرى وجوب ذلك، وهذا هو الأرجح؛ لأنه وَ ﴿ أَمَر به، وأمْره للوجوب إلا لصارف، ولا صارف هنا، فما ذهب إليه ابن حزم هو الأرجح؛ لظاهر النصّ، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: وما ذكره ابن حزم من وجوب ذلك عقب التشهد الأول لم يوافقه عليه أحد، ثم إنه تردّه الرواية التي تقدّم ذِكرها من عند مسلم التي فيها تقييد التشهد بالأخير، فوجب حَمْل المطلق على المقيد، لا سيما والحديث واحد، مداره على أبي هريرة وقد أورد ابن حزم هذه الرواية على نفسه، وقال: فهذا خبر واحد، وزيادة الوليد بن مسلم زيادة عدل، فهي مقبولة، فإنما يجب ذلك في التشهد الأخير فقط، ثم أجاب عنه بقوله: لو لم يكن إلا حديث محمد بن أبي عائشة وحده، لكان ما ذكرتُ، لكنهما حديثان، كما أوردنا أحدهما من طريق أبي سلمة، والثاني من طريق محمد بن أبي عائشة، وإنما زاد الوليد على وكيع بن الجراح، وبقي خبر أبي سلمة على عمومه فيما يقع عليه اسم تشهد. انتهى. قال وليّ الدين: وهو مردود لأن محمد بن أبي عائشة وأبا سلمة كلاهما يرويه عن أبي هريرة ◌ُبه، فهو حديث واحد لا حديثان، ثم إن سُنَّة الجلوس الأول التخفيف فيه عند الأئمة الأربعة، وغيرهم، وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ عن ابن مسعود ظُه عن النبيّ وَلّ: كان في الركعتين ٢٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الأُوْلَيين كأنه على الرَّضْف، قلنا: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم، وصححه الحاكم على شرط الشيخين(١). وحكى ابن المنذر عن الشعبيّ: أن من زاد فيه على التشهد عليه سجدتا السهو، وعن ابن عمر: أنه أباح أن يدعو فيه بما بدا له، ولم يستحضر الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) هذه الرواية المقيدة بالأخير، فقال: قوله: ((إذا تشهّد أحدكم)) عامّ في التشهد الأول والأخير، وقد اشتهر بين الفقهاء التخفيف في التشهد الأول، وعدم استحباب الذِّكر بعده حتى سامح بعضهم في الصلاة على الأول فيه، والعموم الذي ذكرناه يقتضي الطلب لهذا الدعاء، فمن خصّه فلا بدّ له من دليل راجح، وإن كان نصّاً فلا بد من صحته. انتهى. قال وليّ الدين: وقد عرفت المخصص، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التقييد بالأخير في الرواية السابقة، وهي في ((صحيح مسلم)) يؤيّد ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يستحبّ التعوّذ المذكور في الجلوس الأول، فما ذهب إليه ابن حزم مردود، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن الشيخ تقيّ الدين تَخْذَلُهُ قال: قد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور، حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة؛ لِعِظَم الأمر فيها، وشدّة البلاء في وقوعها، ولأن كلها أو أكثرها أمور ثمانية(٢) غيبية، فتكررها على الأنفس يجعلها ملَكة لها. انتهى. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن بطال، والقاضي عياض، وغيرهما على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس من القرآن؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنه قال: لا يجوز أن يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، قال ابن بطال: وهو قول النخعيّ، وطاووس، وهو استدلال واضح، لكن فيما حكوه عن أبي حنيفة (١) الحديث فيه انقطاع؛ لأن أبي عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود، لكن كثيراً من العلماء يصححون إرساله؛ لأنه يروي عن أكابر أصحاب أبيه؛ كعلقمة، والأسود، وغيرهما، فتنبه. (٢) هكذا نسخة ((الطرح))، ولعل الصواب: ((إيمانيّة))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٢٥٥ (١٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٨٤٨) نظر؛ فإنه لا يقصر ذلك على ما في القرآن، بل يُلحق به في الجواز الأدعية المأثورة، والذي يمتنع الدعاء به في الصلاة عند الحنفية ما يُشْبه كلام الناس، وهو ما لا يستحيل سؤاله من العباد، فلا يَرِد عليه بهذا الحديث، لكن يَرِد عليه بغيره من الأحاديث، والله أعلم. انتهى. ٥ - (ومنها): ما قال القاضي عياض: جاء دعاؤه وَّر في هذه الأحاديث وغيرها جملةٌ، كقوله: ((فتنة المحيا والممات))، فقد أدخل فيه جميع دعاء الدنيا والآخرة، وجاء تفصيلاً، كقوله: ((أعوذ بك من المأثم والمغرم))، وهذا داخل في فتنة المحيا، وجاء دعاؤه بالتعوذ من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة القبر، وهو داخل في فتنة الممات، فدل على جواز الدعاء بالوجهين، وقد جاءت الأحاديث بالأمر بالدعاء إلى الله تعالى في كل شيء، وإن كان قد رُوي عن بعض السلف استحباب الدعاء بالجوامع، كما تقدم في الاستعاذة من فتنة المحيا والممات، وسؤال العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولكل مقام مقال. انتھی . ٦ - (ومنها): أن فيه ذكرَ العامّ بعد الخاصّ؛ لأن عذاب النار، وعذاب القبر من فتنة الممات، وذكر الخاص بعد العامّ؛ لأن شر المسيح الدجال من فتنة المحيا . ٧ - (ومنها): أن فيه إثباتَ عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحقّ خلافاً للمعتزلة، وقد اشتهرت به الأحاديث حتى كادت أن تبلغ حدّ التواتر، والإيمان به واجب. انتهى ما كتبه الحافظ وليّ الدين كَُّهُ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٤٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). (١) ((طرح التثريب شرح التقريب)) ١٠٧/٣ - ١١١. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح أبو سفيان الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: أما رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة فقد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٠١٦) - حدّثنا محمد، أخبرنا أبو معاوية، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ◌َّا قالت: كان النبيّ وَّه يقول: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللَّهُمَّ اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونَقّ قلبي من الخطايا، كما نَقِّيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الكسل، والمأثم، والمغرم)). انتهى(١). وأما رواية وكيع عن هشام، فقد ساقها ابن ماجه تَّتُ في ((سننه))، فقال: (٣٨٣٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيع، جميعاً عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن النبيّ وَّ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر، ومن شرّ فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال، اللَّهُمَّ اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونَقِّ قلبي من الخطايا، كما نَقّيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والمأثم، والمغرم)). انتھی(٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٤٤/٥. (٢) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٦٢/٢. ٢٥٧ (١٥) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَغَيْرِهِمَا - حديث رقم (٦٨٤٩) (١٥) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَغَيْرِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٤٩] (٢٧٠٦) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل باب. ٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) ◌ُه، تقدّم قبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَثُ كلاحقه، وهو (٤٢٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث والإخبار، وفيه أنس به من المكثرين السبعة. شرح الحديث : عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َُّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ) بفتح العين المهملة، وسكون الجيم: سَلْب القوّة، وتخلّف التوفيق؛ إذ صفة العبد العجز، وإنما يقوى بقوة يُحدثها الله فيه، فكأنه استعاذ به أن يَكِله إلى أوصافه، فإن كل من رُدّ إليها فقد خُذل، (والكسل) هو التثاقل، والتراخي مما ينبغي مع القدرة، أو هو عدمُ انبعاث النفس لفعل الخير، والعاجز معذور، والكسلان لا، ومع ذلك ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة هو حالة رؤية، ولو مع عُذر، فلذا تعوّذ منه، قاله المناويّ(١). وقال في ((الفتح)): الفرق بين العجز والكسل: أن الكسل تَرْك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، والعجز عدم القدرة. انتهى. (وَالْجُبْنِ) بضمّ، فسكون: الْخَوَر عن تعاطي الحرب خوفاً على الْمُهْجة، وإمساك النفس، والضنّ بها عن إتيان واجب الحقّ. (وَالْهَرَم) - بفتحتين -: كِبَر السن المؤدي إلى تساقط القُوَى، وأما سوء الكِبَر فما يورثه كِبَر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي، وقال الموفق البغداديّ: هو اضمحلال طبيعيّ، وطريق للفناء ضررويّ، فلا شفاء له. (وَالْبُخْلِ) - بضمّ، فسكون، أو بفتحتين -: مَنْع السائل المحتاج عما يفضل عن الحاجة. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي، (وَمِنْ فِتْتَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))) المحيا مفعل، من الحياة، والممات مفعل من الموت، ويقع على المصدر، والزمان، والمكان، قال النوويّ: واختلفوا في المراد بفتنة الموت، فقيل: فتنة القبر، وقيل: يَحْتَمِل أن يراد به: الفتنة عند الاحتضار، قال: وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، وعذاب القبر، فهو من باب ذِكر الخاصّ بعد العامّ، ونظائره كثيرة. انتهى. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): فتنة المحيا ما يتعرض له الإنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأشدّها وأعظمها - والعياذ بالله تعالى - أمر الخاتمة عند الموت، قال: وفتنة الممات يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لِقُرْبِها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرّفه في الدنيا، فإن ما قارب الشيء يُعطَى حكمه، فحالة الموت تُشْبه الموت، ولا تُعَدّ من الدنيا، ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر، كما صحّ عن رسول الله وَيّ في فتنة القبر: ((مثل، أو قريباً من فتنة الدجال)). قال: ولا يكون هذا متكرراً مع قوله: ((من عذاب القبر))؛ لأن العذاب (١) ((فيض القدير)) ٢/ ١٢٢. ٢٥٩ (١٥) - بَابُ الثَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَغَيْرِهِمَا - حديث رقم (٦٨٤٩) مرتَّب على الفتنة، والسبب غير المسبّب، ولا يقال: إن المقصود زوال عذاب القبر؛ لأن الفتنة نفسها أمر عظیم، وهو شدید یستعاذ بالله من سوئه. انتهى. قال وليّ الدين تَّثُ: هذا مبنيّ على أن المراد بالفتنة: الامتحان، والاختبار، وهو الظاهر، فأما إن حُملت الفتنة على العذاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]؛ أي: عذّبوهم، فتتَّحد فتنة القبر مع عذاب القبر، والأَولى حمل الفتنة على الامتحان والاختبار؛ ليحصل التغاير، لا سيما، وقد ذكروا أن هذا هو أصل مدلول الفتنة، والله أعلم. انتهى. وقال في ((الفتح)): وأما فتنة المحيا والممات، فقال ابن بطال: هذه كلمة جامعة لِمعانٍ كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان وَلٌ يتعوذ من جميع ما ذُكر؛ دفعاً عن أمته، وتشريعاً لهم؛ ليبيِّن لهم صفة المهمّ من الأدعية. قال الحافظ: أصل الفتنة: الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يُكره، ويقال: فتنتُ الذهب إذا اختبرته بالنار؛ لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب، كقوله: ﴿أَثَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] وتُستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدِّين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَوَأ الْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]، واستُعملت أيضاً في الضلال، والإثم، والكفر، والعذاب، والفضيحة، ويُعرف المراد حيثما وَرَدَ بالسياق والقرائن. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٤٩/١٥ و٦٨٥٠ و٦٨٥١ و٦٨٥٢] (٢٧٠٦)، (١) ((الفتح)) ٤٠٥/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٦٧). ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٢٣) و((التفسير)) (٤٧٠٧) و((الدعوات)) (٦٣٦٧ و٦٣٦٩ و٦٣٧١) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٧١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥١٤ و١٥٤١) و((الحروف والقراءات)) (٣٩٧٢)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٨٠ و٣٤٨١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٤٤٩ و٥٤٥٢ و٥٤٥٣) و((الكبرى)) (٤٤٨/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنَّفه)) (١٩٠/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٣/٣ و١١٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٥٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٠٠٩ و١٠١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٥٥ و١٣٥٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٥٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ، حَذَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، كِلَاهُمَّا عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلـ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ يَزِيدَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ قَوْلُهُ: ((وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو كامل)) هو: فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، و((التيميّ)) هو: سليمان بن طَرْخان، والد معتمر. [تنبيه]: أما رواية المعتمر عن أبيه، فقد ساقها النسائيّ تَظّثُ في ((الكبرى))، فقال: (٧٨٨٨) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، عن أنس؛ أن النبيّ وَ ﴿ كان يقول: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والهرم، والبخل، والجبن، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات)). انتهى(١). وأما رواية يزيد بن زُريع عن سليمان التيميّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (١) ((السنن الكبرى)) ٤٤٨/٤، وأخرجه أيضاً في ((المجتبى)) برقم (٥٤٥٤).