النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨) هو المشهور، ومعناه: تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك، والصاحبة، والولد، وجميع الرذائل، ويُطلق التسبيح، ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويُطلق ويراد به الصلاة النافلة. انتهى(١). وقال ابن الأثير تَخْتُ: قد تكرر في الحديث ذِكر التسبيح على اختلاف تصرف اللفظة، وأصل التسبيح: التنزيه، والتقديس، والتبرئة من النقائص، ثم استُعمل في مواضعَ تقرُب منه اتساعاً، يقال: سبّحته أسبّحه تسبيحاً وسبحاناً، فمعنى سبحان الله: تنزيه الله، وهو نصب على المصدر بفعل مضمر، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءة. وقيل: معناه: التسرّع إليه، والخفة في طاعته. وقيل: معناه: السرعة إلى هذه اللفظة. وقد يُطلق التسبيح على غيره، من أنواع الذكر مجازاً؛ كالتحميد، والتمجيد، وغيرهما. وقد يُطلق على صلاة التطوع، والنافلة. ويقال أيضاً للذكر، ولصلاة النافلة: سبحةٌ، يقال: قضيت سبحتي، والسبحة من التسبيح، كالسُّخْرة من التسخير. وإنما خُصَّت النافلة بالسبحة، وإن شارَكَتْها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سبحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات، والأذكار في أنها غير واجبة. انتهى (٢). (وَبِحَمْدِهِ) قيل: الواو للحال، والتقدير: أسبّح الله متلبساً بحمدي له، من أجل توفيقه، وقيل: عاطفة، والتقدير: أسبّح الله، وأتلبّس بحمده، ويَحْتَمِل أن يكون الحمد مضافاً للفاعل، والمراد من الحمد: لازِمه، أو ما يوجب الحمد من التوفيق، ونحوه، ويَحْتَمِل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم، والتقدير: وأثني عليه بحمده، فيكون ((سبحان الله)) جملة مستقلّة، ((وبحمده)) جملة أخرى. وقال الخطابيّ في حديث ((سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك)): أي: بقوّتك التي هي نعمة توجب عليّ حمدك سبّحتك، لا بحولي، وبقوتي، كأنه يريد: أن ذلك مما أقيم فيه السبب مقام المسبَّب، قاله في ((الفتح))(٣). (فِي يَوْمٍ) متعلّق بـ((قال))، (مِائَةَ مَرَّةٍ) صفة لمصدر مقدّر؛ أي: قولاً مائة (١) ((عمدة القاري)) ٢٥/٢٣. (٣) ((الفتح)) ١٣/ ٥٤١. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٨٣٣/٢. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مرّة، (حُطَّتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: أزيلت، ومُحيت (خَطَايَاهُ) وفي نسخة: ((حُطّت عنه خطاياه))، (وَلَوْ كَانَتْ) تلك الخطايا في الكثرة (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))) ((الزبد)) بفتحتين: هو ما يعلو على وجه البحر عند هيجانه، واختصاص هذه الألفاظ بالذكر، واعتبار الأعداد المعيَّنة بحكمة تخصّها، لا يَطّلع عليها إلا من أمدّه الله تعالى بنور الوحي. وقال في ((الفتح)): زاد في رواية: ((من قال حين يمسي، وحين يصبح))، ويأتي في ذلك ما ذكره النوويّ من أن الأفضل أن يقول ذلك متوالياً في أول النهار، وفي أول الليل، والمراد بقوله: ((وإن كانت مثل زبد البحر)): الكناية عن المبالغة في الكثرة، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عظ ته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨١٨/١٠] (٢٦٩١)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٩٣) و((الدعوات)) (٦٤٠٣)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٦٨)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٥ و٢٦)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٧٩٨)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢٠٩/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٨٤٩)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٤٢٢/١)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١٢٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الذكر بما جاء في هذا الحديث. ٢ - (ومنها): بيان أن الذكر فضله عظيم، وإن كان من الأفعال التي لا مشقّة فيها، بل هي متيسّرة على الجميع، حيث إنها تُفعل قياماً، وقعوداً، وعلى الجنوب، وماشياً، ومشتغلاً بأشغال أخرى، ومع هذا كلّه يحصل بها من الأجر ما لا يحصل بالأعمال الشاقّة، بل هي أفضل من الجهاد، والإنفاق في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال، فقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي الدرداء نظُه قال: قال النبيّ وَّل: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ١٤٣ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالذُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨) مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟))، قالوا: بلى، قال: ((ذِكر الله تعالى))(١)، وهو حديث صحيح. ٣ - (ومنها): بيان سعة فضل الله ◌ُعَلَ على عباده حيث شرع لهم الذكر الميسور لكلّ أحد، ورتّب عليه الثواب الجزيل، فيُدرك العبد في أيام معدودة من الأجر والثواب ما يُدركه في سنين مديدة بغيره من الأعمال، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخّْلهُ: هذا الحديث فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم، كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نُهي عن اعتدائها، ومجاوزة أعدادها، وأن زيادتها لا فضل فيها، أو تبطلها، كالزيادة في عدد الطهارة، وعدد ركعات الصلاة. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: الزيادة من أعمال الخير، لا من نفس التهليل. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: مطلق الزيادة، سواء كانت من التهليل، أو من غيره، أو منه ومن غيره، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم(٢). ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلَتُهُ: وهذه الأجور العظيمة، والعوائد الجمة، إنما تحصل كاملة لمن قام بحقّ هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأمّلها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين، فإنْ لم يكن، فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسان في الذكر، فإنَّه من أعظم العبادات، وقد قال صلّ فيما قدَّمناه في الإحسان: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))، متَّفقٌ عليه. ثم لمّا كان الذاكرون في إدراكاتهم، وفهومهم مختلفين، كانت أجورهم على ذلك، بحَسَب ما أدركوا، وعلى هذا يُنَزّل اختلاف مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثواباً عظيماً (١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٥٩/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/١٧. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مضاعَفاً، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر، أو أقل، كما اتَّفَق هنا في حديث أبي هريرة ربه المتقدّم، فإنَّ فيه ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها، وقد علّق عليها من ثواب ◌ِثْق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة: ((من قال ذلك في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب))، وفي حديث أبي أيوب: ((من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب))، وعلى هذا فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال القاضي عياض كذّثهُ(٢): قوله: ((حُطّت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر))، مع قوله في التهليل: ((مُحيت عنه مائة سيئة)) قد يُشعر بأفضلية التسبيح على التهليل؛ يعني: لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة، لكن تقدّم في التهليل: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به))، فيَحْتَمِل أن يُجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل، وأنه بما زِيد من رَفْع الدرجات، وكَتْب الحسنات، ثم ما جُعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب، قد يزيد على فضل التسبيح، وتكفيره جميع الخطايا؛ لأنه قد جاء: من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عموماً بعد حصر ما عدّد منها خصوصاً، مع زيادة مائة درجة، وما زاده عتق الرقاب الزيادة على الواحدة، ويؤيده الحديث الآخر: ((أفضل الذكر التهليل))، وأنه أفضل ما قاله، والنبيّون من قبله، وهو كلمة التوحيد، والإخلاص، وقيل: إنه اسم الله الأعظم، وقد مَضَى شرح التسبيح، وأنه التنزيه عما لا يليق بالله تعالى، وجميع ذلك داخل في ضمن: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). انتهى ملخصاً. قال الحافظ: وحديث: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث جابر نظراته، ويعارضه في (١) ((المفهم) ٢٠/٧ - ٢١. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٩٢/٨. ١٤٥ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨) الظاهر حديث أبي ذرّ: ((قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحبّ الكلام إلى الله، قال: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده))، أخرجه مسلم، وفي رواية: ((سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده)». وقال الطيبيّ تَخْثُ: في الكلام على حديث أبي ذرّ ◌َظُه فيه تلميح بقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ويمكن أن يكون قوله: ((سبحان الله وبحمده)) مختصراً من الكلمات الأربع، وهي: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))؛ لأن ((سبحان الله)) تنزيهٌ له عما لا يليق بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى ((لا إله إلا الله))، وقوله: ((وبحمده)) صريح في معنى ((والحمد لله))؛ لان الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد، ويستلزم ذلك معنى ((الله أكبر))؛ لأنه إذا كان كل الفضل والإفضال لله، ومن الله، وليس من غيره شيء من ذلك، فلا يكون أحد أكبر منه، ومع ذلك كله فلا يلزم أن يكون التسبيح أفضل من التهليل؛ لأن التهليل صريح في التوحيد، والتسبيح متضمِّن له، ولأن نفي الآلهة في قول: ((لا إله)) نفي لمضمونها، مِن فِعل الخلق، والرزق، والإثابة، والعقوبة، وقول: ((إلا الله)) إثبات لذلك، ويلزم منه نفي ما يضادّه، ويخالفه، من النقائص، فمنطوق ((سبحان الله)) تنزيه، ومفهومه توحيد، ومنطوق ((لا إله إلا الله)) توحيد، ومفهومه تنزيه؛ يعني: فيكون ((لا إله إلا الله)) أفضل؛ لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه، والله أعلم. وقد جمع القرطبيّ كَُّ(١) بما حاصله: أن هذه الأذكار إذا أُطلق على بعضها أنه أفضل الكلام، أو أحبه إلى الله، فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة راه عند مسلم: ((أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهنّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، ويَحْتَمِل أن يُكتَفَى في ذلك بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى؛ لأن حاصلها التعظيم، والتنزيه، ومن نزَّهه فقد عظّمه، ومن عظمه فقد نزهه. انتهى. (١) ((المفهم)) ١٩/٧. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة وقال النوويّ كَّتُهُ(١): هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدميّ، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. وقال البيضاويّ: الظاهر أن المراد من الكلام: كلام البشر، فإن الثلاث الأُوَل، وإن وُجدت في القرآن، لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فیه علی ما هو فيه. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن تكون ((من)) مضمرة في قوله: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله))، وفي قوله: ((أحب الكلام)) بناءً على أن لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى، لكن يظهر مع ذلك تفضيل ((لا إله إلا الله))؛ لأنها ذُكرت بالتنصيص عليها بالأفضلية الصريحة، وذُكرت مع أخواتها بالأحبية، فحصل لها التفضيل تنصيصاً وانضماماً، والله أعلم. وأخرج الطبريّ من رواية عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملاً حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم یشکر الله عبدٌ حتی یقولها)). ومن طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((من قال: لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين)). [تكميل]: أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن أبي سعيد، عن النبيّ ◌َّه: ((قال موسى: يا رب علِّمني شيئاً أذكرك به، قال: قل: لا إله إلا الله ... )) الحديث، وفيه: «لو أن السماوات السبع، وعامرهنّ والأرضين السبع، جُعلن في كِفّة، ولا إله إلا الله في كِفّة، لمالت بهنّ لا إله إلا الله))، فيؤخذ منه أن الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله. ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعريّ ◌َلُله، رفعه: ((والحمد لله تملأ الميزان))، فإن الملء يدلّ على المساواة، والرجحانُ صريح في الزيادة، فيكون أولى، ومعنى («ملء الميزان»: أن ذاكرها يمتلئ ميزانه ثواباً. وقال ابن بطال تَُّهُ: هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر إنما هي لأهل (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٧. ١٤٧ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالذُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٩) الشرف في الدين، والكمال؛ كالطهارة من الحرام، والمعاصي العظام، فلا تظنّ أن من أدمن الذكر، وأصرّ على ما شاءه من شهواته، وانتهك دين الله وحرماته، أنه يلتحق بالمطهرين المقدسين، ويبلغ منازلهم بكلام أجراه على لسانه، ليس معه تقوى، ولا عمل صالح، ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَِّّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَاءٍ تَخَْهُمْ وَمَمَانُهُمّ [الجاثية: ٢١]. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨١٩] (٢٦٩٢) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفَضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ) هو محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، من سُهيل، والباقيان بصريّان، وفيه أبو هريرة ظته، تقدّم القول فيه. (١) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ١٣٤/١٠، و((الفتح)) ٦٣٣/١٧. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسِي)؛ أي: فيهما بأن يأتي ببعضها في هذا، وببعضها في هذا، أو في كل واحد منهما، وهو الأظهر، لكن كلام النوويّ الآتي يؤيد الأول، وكأنه اعتبر المتيقن الذي هو الأقل. (سُبْحَانَ اللهِ)؛ أي: تنزيهاً لله تعالى عما لا يليق به من كل نقص، (وَبِحَمْدِهِ) الواو للحال؛ أي: سبحان الله حال كوني ملتبساً بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح، (مِائَةَ مَرَّةٍ) سواء كانت متوالية، وهو الأفضل، والأَّولى، وخصوصاً في أوله، أو متفرقة بعضها أول النهار، وبعضها آخره، (لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ) هذا القائل، وهو قول المائة المذكورة، (إِلَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ) هذا القائل، (أَوْ زَادَ عَلَيْهِ))) قال الطيبيّ؛ أي: يكون ما جاء به أفضل من كل ما جاء به غيره، إلا مما جاء به من قال مثله، أو زاد عليه، قيل: الاستثناء منقطع، والتقدير: لم يأت أحد بأفضل مما جاء به، لكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساواته، ولا يستقيم أن يكون متصلاً إلا على التأويل، نحو قوله: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّ الْيَعَافِيرُ وَإِلَّ الْعِيسُ(١) وقيل: التقدير: لم يأت أحد بمثل ما جاء به، أو بأفضل مما جاء به إلخ، والاستثناء متصل. ودلّ الحديث على أن من زاد على العدد المذكور، كان له الأجر المذكور والزيادة، فليس ما ذكره تحديداً لا يجوز الزيادة عليه، كما في عدد الطهارة، وعدد الركعات. انتهى، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٢٠. ١٤٩ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٠) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨١٩/١٠] (٢٦٩٢)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٤٢٧)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٦٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ١٤٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٣٨٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧١/٢) وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٠] (٢٦٩٣) - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي: الْعَقَدِّ - حَدَّثَنَا عُمَرُ - وَهُوَ: ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ) المازنيّ، أبو أيوب البصريّ، ثقة (١) [١١] (٦ أو ١٤٧) (م س) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢١/٤. ٢ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) - بفتح المهملة والقاف - عبد الملك بن عمرو الْقَيْسيِّ البصريّ، ثقةٌ [٩] [٤ أو ٢٠٥] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريا، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦] مات بعد (١٥٠) (خ م س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٨/٢٢. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبِيعي - بفتح السين المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، مدلّس، اختلط بأَخَرَة [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ١١. ٥ - (عَمْرُو بْن مَيْمُونٍ) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى، مخضرم، مشهور، ثقة، عابدٌ، نزل الكوفة [٢] مات سنة أربع وسبعين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٢/١١. (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): صدوق، كما هو ظاهر من ترجمته، فتنبّه. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة [تنبيه]: هذا الحديث بهذا الإسناد مقطوع؛ أي: موقوف على التابعيّ؛ لأنه قال: ((عن عمرو بن ميمون قال: من قال: لا إله إلا الله ... ))، ويأتي متّصلاً مرفوعاً بالسند التالي - إن شاء الله تعالى -. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ التابعيّ الكبير، أدرك الجاهليّة. قال الجامع عفا الله عنه: أشرت آنفاً أنه مقطوع، ولكن يأتي في السند التالي أن عَمْراً سمعه من ابن أبي ليلى، وابن أبي ليلى من أبي أيوب الأنصاريّ ظُه، عن النبيّ وَِّ، فاتّصل مرفوعاً، ولله الحمد. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ تعليقاً: ((وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدّثني عمرو بن ميمون))، فصرّح أبو إسحاق بالتحديث، فزالت عنه تهمة التدليس؛ لأنه كان معروفاً بالتدليس، فتنبّه. (قَالَ) عمرو بن ميمون راوياً عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب ظُه، عن النبيّ وَّ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ))) فِلُِّ، إنما خصّ بالذكر ولد إسماعيل لعلّها؛ لأن عِتق منَّ كان من ولده له فضل على عتق غيره، وذلك لأن محمداً، وإسماعيل، وإبراهيم - صلوات الله عليهم وسلامه - بعضهم من بعض، فمن كان من أولادهم فله شرف عظيم، ففي عِقته فضل جسيم (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): هذا الحديث متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٠/١٠ و٦٨٢١] (٢٦٩٣)، و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٤٠٤)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٥٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٥/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٨/٥ و٥٤٢٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٥/٤)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٣/٢٣. ١٥١ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢١] ( .. ) - وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْم، بِمِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، يُحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَليه). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) بفتح الفاء، وسكّنها بعض المغاربة، والصواب الفتح، واسم أبي السفر: سعيد بن يُحْمِد، ويقال: أحمد، الثوريّ، الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] مات في خلافة مروان بن محمد (خ م د س ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٦٩/١٠. ٢ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (رَبِيعُ بْنُ خُثَيْم) - بضم الخاء المعجمة، وفتح المثلثة - ابن عائذ بن عبد الله الثوريّ، أبو يزيدَ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم، قال له ابن مسعود لو رآك رسول الله صل﴿ لأحبك [٢]. قال الشعبي: كان من معادن الصدق، وقال ابن معين: لا يُسأل عن مثله. وقال ابن حبان: أخباره في الزهد والعبادة أشد من أن يحتاج إلى الإغراق في ذكرها. وقال العجلي: تابعي ثقة. وكان خياراً. مات بعد قتل الحسین سنة (٦٣) وقيل: (٦١)، (خ م قد ت س ق). ٤ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] اختلف في سماعه من عمر نظُبه، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين، قيل: إنه غَرِق (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٥ - (أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ، من كبار الصحابة ﴿، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ وَ ل ﴿ حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيّون روى بعضهم عن بعض، وهم ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الشعبيّ، وربيع بن خُثيم، وعمرو بن ميمون، وابن أبي ليلى، ورواية الثلاثة الآخرين من رواية الأقران، فكلهم من الطبقة الثانية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) هو شيخه في السند الماضي سليمان بن عُبيد الله الغيلانيّ، وليس هذا تعليقاً، وإنما عطف على الإسناد الماضي، فهو متّصل، فتنبّه. وقوله: (بِمِثْلِ ذَلِكَ)؛ أي: ساق الحديث ربيع بن خُثيم عن عمرو بن میمون بسنده بمثل ما ساقه أبو إسحاق عنه. ويَحتَمل أن يكون المعنى: وساق سليمان الحديث بهذا السند، بمثل ما ساقه بسنده الماضي. وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ لِلرَّبِيع ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير الشعبيّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٢] (٢٦٩٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الْبَحَلِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((كَلِمَتَانٍ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بُّنُ طَرِيفِ الْبَجَلِيُّ) هو: محمد بن طَرِيف بن خليفة، أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] (ت٢٤٢) وقيل: قبل ذلك (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٨٩/٩٠. ٤ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان - بفتح المعجمة، وسكون الزاي - الضبِّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٥ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٨/١. ١٥٣ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٢) ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٠٦/١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف دَّثُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير زُهير، وأبي هريرة ◌َظُه، وفيه أبو هريرة ◌ُه تقدّم القول فيه. [تنبيه آخر]: قال الحافظ كَّلُ: لم أر هذا الحديث إلا من طريق محمد بن فضيل بهذا الإسناد، وقد تقدم في ((الدعوات))، وفي ((الأيمان والنذور))، وأخرجه أحمد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان، كلهم من طريقه، قال الترمذيّ: حسن، صحيح، غريب، قال الحافظ: وجه الغرابة فيه: ما ذكرته من تفرّد محمد بن فضيل، وشيخه، وشيخ شيخه، وصحابيه. انتهى(١). شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) وفي رواية عند البخاريّ: ((عن ابن فُضيل: حدّثنا عمارة))، (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بنَ عمرو بن جرير البجليّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: (كَلِمَتَانٍ)؛ أي: كلامان، والكلمة تُطلق على الكلام، كما يقال: كلمة الشهادة، كلمة الإخلاص. فقوله: ((كلمتان)) خبر مقدّم، و((خفيفتان)) وما بعدها صفة، و(سبحان الله ... إلخ)) مبتدأ مؤخّر، والنكتة في تقديم الخبر: تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما طال الكلام في وَصْف الخبر حَسُن تقديمه؛ لأن كثرة الأوصاف الجميلة، تزيد السامع شوقاً. (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، فَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ) وَصَفهما بالخفة والثقل؛ لبيان قلة العمل، وكثرة الثواب، وقال (١) ((الفتح)) ٦٣١/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٦٣). ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الطيبيّ: الخفة مستعارة للسهولة، شبّه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يَخِفّ على الحامل من بعض المحمولات، ولا يشقّ عليه، فذكر المشبّه، وأراد المشبّه به، وأما الثِّقَل فعلى حقيقته؛ لأن الأعمال تتجسم عند الميزان، والميزان هو الذي يوزن به في القيامة أعمال العباد، وفي كيفيته أقوال، والأصح أنه جسم محسوس، ذو لسان، وكِفّتين، والله تعالى يجعل الأعمال كالأعيان موزونة، أو يوزن صحف الأعمال، أو العباد أنفسهم، أو ثواب أعمالهم، والحقّ أن الكلّ يوزن؛ لأن النصوص وردت بكلّ ذلك، ذكره في ((العمدة)) (١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((خفيفتان)) فيه إشارة إلى قلة كلامهما، وأحرفهما، ورشاقتهما، قال الطيبيّ: الخفة مستعارة للسهولة، وشبّه سهولة جريانها على اللسان بما خف على الحامل من بعض الأمتعة، فلا تتعبه، كالشيء الثقيل، وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقّة على النفس ثقيلة، وهذه سهلة عليها، مع أنها تُثَقّل الميزان، كثقل الشاقّ من التكاليف. وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة، وخفة السيئة، فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها، وغابت حلاوتها، فثقلت، فلا يحملنّك ثقلها على تَرْكها، والسيئة حضرت حلاوتها، وغابت مرارتها، فلذلك خَفّت، فلا يحملنّك خفتها على ارتكابها. انتهى(٢). (حَبِيبَتَانٍ)؛ أي: محبوبتان؛ والمعنى: محبوبٌ قائلهما، ومحبة الله للعبد تقدّم أنه حقيقة على ما يليق بجلاله. قال الكرمانيّ ◌َُّ(٣): فإن قيل: فَعِيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا سيما إذا كان موصوفه معه، فَلِمَ عَدل عن التذكير إلى التأنيث؟. فالجواب: أن ذلك جائز، لا واجب، وأيضاً فهو في المفرد، لا المثنى. سلّمنا، لكن أنّث لمناسبة الثقيلتين والخفيفتين، أو لأنها بمعنى الفاعل، لا المفعول، والتاء لنقل اللفظة من الوصفية إلى الاسمية، وقد يُطلق على ما لم يقع، لكنه متوقع، كمن يقول: خذ ذبيحتك للشاة التي لم تُذْبَح، فإذا وقع عليها (١) ((عمدة القاري)) ٢٦/٢٣. (٢) ((الفتح)) ١٧ / ٦٣٢. (٣) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ٢٤٩/٢٥ - ٢٥٠. ١٥٥ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٢) الفعل فهي ذبيح حقيقةً. انتهى(١). (إِلَى الرَّحْمَنِ) إنما خصّ لفظ «الرحمن» من بين سائر الأسماء الحسنى؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده، حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، وقال العينيّ تَّتُهُ: يجوز أن يقال: اختصاص ذلك لإقامة السجع؛ أعني: الفواصل، وهي من محسِّنات الكلام، على ما عُرف في علم البديع، وإنما نُهي عن سجع الكهان؛ لكونه متضمِّناً للباطل. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): وفي هذه الألفاظ الثلاثة سجع مستعذب، وقد ورد النهي عنه، وهو محمول على ما كان متكلَّفاً، أو متضمّناً لباطل، لا ما جاء عَفْواً، عن غير قصد إليه. انتهى (٣). (سُبْحَانَ اللهِ) قد تقدّم أنه لازَم النصب بإضمار الفعل، و((سبحان)) عَلَم للتسبيح، كعثمان علم للرجل، والعَلَم على نوعين: علم شخصيّ، وعلم جنسيّ، ثم إنه يكون تارةً للعين، وتارة للمعنى، فهذا من العَلَم الجنسي الذي للمعنى، قيل: لفظ (سبحان)) واجب الإضافة، فكيف الجمع بين العَلَمية والإضافة؟ وأجيب: بأنه يُنَّكَّر، ثم يضاف، كما قال الشاعر [من الطويل]: عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ بِأَبْيَضَ مَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ يَمَانٍ ووجه تكرير ((سبحان الله)): الإشعار بتنزيهه على الإطلاق، ثم إن التسبيح ليس إلا ملتبساً بالحمد؛ ليُعلم ثبوت الكمال له نفياً وإثباتاً جميعاً (٤). (وَبِحَمْدِهِ) قيل: الواو للحال، والتقدير: أسبّح الله متلبساً بحمدي له، من أجل توفيقه، وقيل: عاطفة، والتقدير: أسبّح الله، وأتلبّس بحمده. ويَحْتَمِل أن يكون الحمد مضافاً للفاعل، والمراد من الحمد: لازِمه، أو ما يوجب الحمد من التوفيق ونحوه. ويَحْتَمِل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم، والتقدير: وأثني عليه (١) ((الفتح)) ٦٣١/١٧ - ٦٣٢. (٣) ((الفتح)) ١٧/ ٦٣١ - ٦٣٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦/٢٣. (٤) ((عمدة القاري)) ٢٦/٢٣. ١٥٦ البحر المحيط التجاري شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة بحمده، فيكون ((سبحان الله)) جملة مستقلّة، و((بحمده)) جملة أخرى. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): واتفقت الروايات عن محمد بن فضيل على ثبوت ((وبحمده)) إلا أن الإسماعيليّ قال بعد أن أخرجه من رواية زهير بن حرب، وأحمد بن عبدة، وأبي بكر بن أبي شيبة، والحسين بن عليّ بن الأسود، عنه: لم يقل أكثرهم: ((وبحمده)). قال الحافظ: وقد ثبت من رواية زهير بن حرب عند الشيخين، وعند مسلم عن بقية من سمَّيت من شيوخه، والترمذيّ عن يوسف بن عيسى، والنسائيّ عن محمد بن آدم، وأحمد بن حرب، وابن ماجه عن عليّ بن محمد، وعليّ بن المنذر، وأبو عوانة عن محمد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحمسيّ، وابن حبان أيضاً من رواية محمد بن عبد الله بن نمير، كلهم عن محمد بن فضيل، كأنها سقطت من رواية أبي بكر، وأحمد بن عبدة، والحسين. انتهى(١). (سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيم))) قال الحافظ تَظُّ: هكذا عند الأكثر بتقديم ((سبحان الله وبحمده) على ((سبحان الله العظيم))، وتقدم (٢) في ((الدعوات)) عن زهير بن حرب بتقديم ((سبحان الله العظيم)) على ((سبحان الله وبحمده))، وكذا هو عند أحمد بن حنبل، عن محمد بن فضيل، وكذا عند جميع من سمَّيته قبلُ، قال: وقد وقع لي بعلوّ في ((كتاب الدعاء)) لمحمد بن فضيل، من رواية عليّ بن المنذر عنه، بثبوت ((وبحمده)) وتقديم ((سبحان الله وبحمده)). انتهى(٣). [تنبيه]: قال الكرمانيّ ◌َّلهُ: صفات الله وجودية؛ كالعلم، والقدرة، وهي صفات الإكرام، وعدمية، كلا شريك له، ولا مثل له، وهي صفات الجلال، فالتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وتَرْك التقييد مشعر بالتعميم؛ والمعنى: أنزهه عن جميع النقائص وأحمده بجميع الكمالات، قال: والنظم الطبيعيّ يقتضي تقديم التخلية على التحلية، فقدَّم التسبيح الدالّ على التخلي على التحميد الدالّ على التحلي، وقدّم لفظ ((الله))؛ لأنه اسم الذات المقدسة الجامع لجميع الصفات، والأسماء الحسنى، ووَصَفه (١) ((الفتح)) ١٧/ ٦٣٢ - ٦٣٣. (٣) ((الفتح)) ٦٣٢/١٧ - ٦٣٣. (٢) أي: في ((صحيح البخاريّ)). ١٥٧ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٢) بالعظيم؛ لأنه الشامل لِسَلْب ما لا يليق به، وإثبات ما يليق به؛ إذ العظمة الكاملة مستلزمة لعدم النظير والمثيل، ونحو ذلك، وكذا العلم بجميع المعلومات، والقدرة على جميع المقدورات، ونحو ذلك، وذَكَر التسبيح متلبساً بالحمد؛ ليعلم ثبوت الكمال له نفياً وإثباتاً، وكَرّره تأكيداً، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة، نحو سبحان، وسَبِّحْ بلفظ الأمر، وسَبَّحَ بلفظ الماضي، ويسبح بلفظ المضارع، ولأن التنزيهات تُدرَك بالعقل، بخلاف الكمالات، فإنها تقصر عن إدراك حقائقها، كما قال بعض المحققين: الحقائق الإلهية لا تُعرف إلا بطريق السلب، كما في العلم (١)، لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، وأما معرفة حقيقة علمه فلا سبيل إليه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٢/١٠] (٢٦٩٤)، و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٤٠٦) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٨٢) و((التوحيد)) (٧٥٦٣) وفي ((خلق أفعال العباد)) (٦٤/١)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)» (٣٤٦٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٧/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣٠)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)» (٣٨٠٦)، و(أحمد) في («مسنده» (٢٣٢/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٨/١٠ و٢٨٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٨٣١ و٨٤١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٠٩٦)، و(اللالكائيّ) في («اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١١٧١/٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٤٢٠/١) وفي ((الأسماء والصفات)) (ص٤٩٩) وفي («الاعتقاد)) (٢١١/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٦٤)، والله تعالى أعلم. (١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعله: كما في العالم، والله تعالى أعلم. (٢) ((الفتح)» ٦٣٣/١٧ - ٦٣٤. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الترغيب، والتخفيف، والحثّ على الذِّكر المذكور؛ لمحبة الرحمن له، والخفة بالنسبة لِمَا يتعلق بالعمل، والثِّقَل بالنسبة لإظهار الثواب. ٢ - (ومنها): أنه جاء ترتيب هذا الحديث على أسلوب عظيم، وهو أن حُبّ الرِب ◌َ سابق، وذِكر العبد، وخفة الذكر على لسانه تالٍ، ثم بَيّن ما فيهما من الثواب العظيم النافع يوم القيامة. ٣ - (ومنها): الحثّ على إدامة هذا الذكر، وقد تقدم في فضل التسبيح: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُّت خطاياه، وإن كانت مثل زَبَد البحر))، وإذا ثبت هذا في قول: ((سبحان الله وبحمده) وحدها، فإذا انضمت إليها الكلمة الأخرى، فالذي يظهر أنها تفيد تحصيل الثواب الجزيل المناسب لها، كما أن من قال الكلمة الأولى، وليست له خطايا مثلاً، فإنه يحصل له من الثواب ما يوازن ذلك. ٤ - (ومنها): أن فيه إيرادَ الحكم المرغّب في فعله بلفظ الخبر؛ لأن المقصود من سياق هذا الحديث الأمر بملازمة الذكر المذكور. ٥ - (ومنها): أن من البديع المقابلةَ، والمناسبةَ، والموازنةَ في السجع؛ لأنه قال: ((حبيبتان إلى الرحمن)) ولم يقل: للرحمن؛ لموازنة قوله: ((على اللسان))، وعَدَّى كلّاًّ من الثلاثة بما يليق به. ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى امتثال قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ [ق: ٣٩]، وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة في عِدّة آيات أنهم يسبحون بحمد ربهم، وأخرج مسلم عن أبي ذرّ ◌َظُه، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أيُّ الكلام أحب إلى الله؟ قال: ((ما اصطفى الله لملائكته: سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده))، وفي لفظ له: ((إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٣] (٢٦٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ ١٥٩ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٣) رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ))). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ))) قال القرطبيّ كَّتُهُ: أي: من أن تكون له الدنيا بكلّيتها، فيَحْتَمِل أن يكون هذا على جهة الإغياء على طريقة العرب في ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون معنى ذلك أن تلك الأذكار أحبّ إليه من أن تكون له الدنيا، فينفقها في سبيل الله، وفي أوجه البرّ، والخير، وإلا فالدنيا من حيث هي دنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وكذلك هي عند أنبيائه، وأهل معرفته، فكيف تكون أحبّ إليه من ذكر أسماء الله تعالى وصفاته التي يحصل بها ذلك الثواب العظيم، والحظ الجزيل؟ انتهى(١). وقال المناويّ كَّلُهُ ما حاصله: إنما كانت أحبّ إليه؛ لأنها الباقيات الصالحات، وفيه أن الذكر أفضل من الصدقة، وبه أفتى السيوطيّ، قال: بل وأفضل من جميع العبادات، وتقدّمه لذلك الغزاليّ، قال: ولذلك لم يرخّص في تَرْكه في حال من الأحوال. انتهى(٢). وقال القاري تَخُّْهُ: قوله: ((أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس))؛ أي: من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها، كذا قيل، قال ابن حجر (٣): فـ((أحبّ)) ليس على حقيقته؛ والمعنى: أنها أحب إليّ باعتبار ثوابها الكثير الباقي من الدنيا بأسرها، لزوالها وفنائها، وهذا نحو حديث: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فیها)). وقال ابن العربيّ: أطلق المفاضلة بين قول هذه الكلمات وبين ما طلعت (١) ((المفهم)) ٢٢/٧ - ٢٣. (٣) يعني: الهيتميّ الشافعيّ شارح ((المشكاة)). (٢) ((فيض القدير)) ٢٥٦/٥. ١٦٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة عليه الشمس، ومن شَرْط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر. وأجاب ابن بطال بأن معناه: أنها أحب إليه من كل شيء؛ لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر من ذكر الشيء بذكر الدنيا؛ إذ لا شيء سواها إلا الآخرة. وأجاب ابن العربيّ بما حاصله: أن ((أفعل)) قد يراد به أصل الفعل، لا المفاضلة؛ كقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا مفاضلة بين الجنة والنار، أو الخطاب واقع على ما استقرّ في نفس أكثر الناس، فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها، وأنها المقصود، فأخبر بأنها عنده خير مما تظنون أنه لا شيء أفضل منه. وقيل: يَحْتَمِل أن يكون المراد أن هذه الكلمات أحبّ إليّ من أن تكون لي الدنيا، فأتصدق بها . والحاصل: أن الثواب المترتب على قول هذا الكلام أكثر من ثواب من تصدّق بجميع الدنيا، ويؤيده حديث: ((لو أن رجلاً في حِجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله كان الذاكر الله أفضل)). ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أحبّ إليّ من جَمْع الدنيا، واقتنائها، وكانت العرب تفتخر بجمع الأموال. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هما [٦٨٢٣/١٠] (٢٦٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٨/١٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٦/٦ و٢٠٩) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣٥)، و(ابن حبّان) (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٠٩/٥.