النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥)
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أباً، وتسمية
الفلاسفة له موجباً بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك.
وثالثها: وَصْفه بما يتعالى عنه، ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث
اليهود: إنه فقير، وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: ﴿يَدُ اُللَّهِ
مَغْلُولَةُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجَحْد حقائقها؛ كقول من يقول
من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة، لا تتضمن صفات، ولا معاني،
فُيُطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد،
ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به،
وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعاً ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد
المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات
كماله، وجحدوها، وعطّلوها، فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية
وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي، والمتوسط، والمنكوب،
وكل من جحد شيئاً عما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله وعليه فقد ألحد
في ذلك، فليستقلّ، أو ليستكثر.
وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون
علوّاً كبيراً، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفة
كماله، وجحدوها، وهؤلاء شبّهوها بصفات خَلْقه، فجَمَعهم الإلحاد، وتفرّقت
بهم طُرُقه، وبرّأ الله تعالى أتباع رسوله وَّه، وورثته القائمين بسُنَّته عن ذلك
كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها
بصفات خَلْقه، ولم يَعْدِلوا بها عما أُنزلت عليه لفظاً، ولا معنى، بل أثبتوا له
الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئاً من
التشبيه، وتنزيههم خليّاً من التعطيل، لا كمن شبّه حتى كأنه يعبد صنماً، أو
عطّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدماً.
وأهل السُّنَّة وسط في النِّحَل، كما أن أهل الإسلام وسط في الْمِلَل،
توقَّدُ مصابيح معارفهم ﴿مِن شَجَرَةِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنٍَ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ يَكَدُ زَيْتُهَا
يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥]،

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره، ويسهّل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته،
ومتابعة رسوله وَله، إنه قريب مجيب.
ثم قال رَّتُهُ: فعليك بمعرفتها، ومراعاتها، ثم اشرح الأسماء الحسنى،
إن وجدت قلباً عاقلاً، ولساناً قائلاً، ومحلّاً قابلاً، وإلا فالسكوت أَولى بك،
فجناب الربوبية أجلّ وأعزّ مما يخطر بالبال، أو يعبِّر عنه المقال، ﴿وَفَوَقَ كُلّ
ذِى عِلٍّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علماً.
انتهى كلام ابن القيّم تَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَعَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلَّ وَاحِداً، مَنْ
أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَزَادَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((إِنَّهُ وِتْرٌ، يُحِبُّ
الْوِتْرَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
٢ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي
عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القَدْر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، وقبله بحديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُّبُ﴾ .
(١) ((بدائع الفوائد)) ١٧٧/١ - ١٨١.

٤٣
(٣) - بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ - حديث رقم (٦٧٨٧)
(٣) - (بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨٧] (٢٦٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا دَهَا أَحَدُكُمْ، فَلْيَعْزِمْ فِي
الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِي، فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ)(١) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي
مولاهم أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ من الثامنة، مات سنة
ثلاث وتسعين وهو ابن ثلاث وثمانين، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ)(٢) البناني - بموحدة ونونين - البصري ثقة
من الرابعة، مات سنة ثلاثين، (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير بْهُبه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف دَّثُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه،
فالأول كوفيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس ظُه أحد المكثرين
السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ◌َه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ، فَلْيَعْزِمْ
فِي الدُّعَاءِ)؛ أي: ليجزم، ولا يتردد، مِن عزمت على الشيء: إذا صمّمت على
فِعله، وقيل: عَزْم المسألة: الجزم بها من غير ضَعف في الطلب، وقيل: هو
(١) تقريب التهذيب ١٠٥/١.
(٢) تقريب التهذيب ٣٥٧/١.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
حُسن الظن بالله تعالى في الإجابة، والحكمة فيه أن في التعليق صورة الاستغناء
عن المطلوب منه، وعن المطلوب، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: معنى الأمر بالعزم: الجِدّ فيه، وأن يجزم بوقوع
مطلوبه، ولا يعلّق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأموراً في جميع ما يريد
فعله أن يعلّقه بمشيئة الله تعالى، وقيل: معنى العزم: أن يُحسن الظنّ بالله تعالى
في الإجابة. انتهى.
وقال المناويّ: قال الزمخشريّ: والعزم: التصميم، والمضيّ على فِعل
شيء، أو تَرْكه بعقد القلب عليه، وأن يتصلب فيه، فإن الله يعطي ما يشاء لمن
يشاء، ومن هو كذلك ((لا مستكره)) - بكسر الراء - وفي رواية: ((لا مکرہ لہ))؛
أي: يستحيل أن يُكرهه أحد على شيء؛ لأن الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما
شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أراد إسعاد عبد من عبيده ألهمه
الدعاء، وليس في الوجود من يُكرهه على خلاف مراده، فالتعليق بالمشيئة
وغيرها من قبيل العبث الذي ينزَّه جناب المدعوّ المقدَّس عنه، فيُكره ذلك
تنزيهاً، ومن قال: لا يجوز؛ كابن عبد البرّ أراد نفي الحلّ المستوي الطرفين،
كما أشار إليه النوويّ، فإطلاق التحريم بدون هذه الإرادة سقيم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فإطلاق التحريم ... سقيم)) فيه نظر لا
يخفى، بل الظاهر أنه للتحريم، وأن عدم إطلاقه هو السقيم، كما لا يخفى
ذلك على الفهيم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
(وَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) وفي حديث أبي هريرة التالي: ((فلا
يقل: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت))، وفي حديثه الثالث: ((لا يقولنّ أحدكم: اللَّهُمَّ
اغفر لي إن شئت، اللَّهُمَّ ارحمني إن شئت))، وفي رواية عند البخاريّ: ((اللَّهُمَّ
ارزقني إن شئت))، وهذه كلها أمثلة، والرواية الأُولى تتناول جميع ما يُدعَى به.
(فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ)) وفي حديث أبي هريرة: ((وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ،
وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ))، وفي حديثه أيضاً: ((ليعزم في
الدعاء، فإن الله صانع ما شاء، لا مُكرِه له)).
(١) ((الفتح)) ١٣/ ٤٥١.
(٢) ((فيض القدير)) ٣٤٢/١.

٤٥
(٣) - بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ - حديث رقم (٦٧٨٧)
ومعنى قوله: (لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ)؛ أي: لأن التعليق يوهم إمكان إعطائه على
غير المشيئة، وليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله تعالى لا مكره له.
ومعنى قوله: ((ليعظّم الرغبة))؛ أي: يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء،
والإلحاح فيه، ويَحْتَمِل أن يراد به: الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، ويؤيّده
ما في آخر هذه الرواية: ((فإن الله لا يتعاظمه شيء)).
والمستكره، والمكرِه بمعنى واحد، والمراد: أن الذي يحتاج إلى التعليق
بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء، فيخفف الأمر
عليه، ويُعلَم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله ◌ُعَلَ فهو منزه
عن ذلك، فليس للتعليق فائدة.
وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب، والمطلوب منه،
والأول أولى. قاله في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ تَخْثُهُ: قال العلماء: عَزْم المسألة: الشدّة في طلبها، والحزم
من غير ضَعف في الطلب، ولا تعليق على مشيئة، ونحوها، وقيل: هو حسن
الظن بالله تعالى في الإجابة، ومعنى الحديث: استحباب الجزم في الطلب،
وكراهة التعليق على المشيئة، قال العلماء: سبب كراهته أنه لا يتحقّق استعمال
المشيئة إلا في حقّ من يتوجه عليه الإكراه، والله تعالى منزَّه عن ذلك، وهو
معنى قوله وهو في آخر الحديث: ((فإنه لا مستكره له))، وقيل: سبب الكراهة أن
في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب، والمطلوب منه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك ـ وسيأتي أيضاً - أن الظاهر
المستفاد من الحديث التحريم، لا الكراهة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((لا يقولنّ أحدكم: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت)):
إنما نهى الرسول ◌َ ﴿ عن هذا القول؛ لأنَّه يدلّ على فتور الرغبة، وقلّة التهمّم
بالمطلوب، وكأن هذا القول يتضمّن أن هذا المطلوب إن حصل، وإلا استغني
عنه، ومن كان هذا حاله لم يُتحقّق من حاله الافتقار، والاضطرار الذي هو
روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلاً على قلّة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه،
(١) ((الفتح)) ٤٥١/١٣.
(٢) ((شرح النووي)) ١٧/ ٧.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وأيضاً فإنَّه لا يكون موقناً بالإجابة، وقد قال رَّيه: ((ادعوا الله وأنتم موقنون
بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاٍ))(١).
ثم إن النبيّ وََّ لم يَكْتَفِ بالنهي عن ذلك، حتى أمَر بنقيضه، فقال:
(ليعزم في الدعاء))؛ أي: ليجزم في طلبه، وليحقق رغبته، ويتيقّن الاجابة، فإنَّه
إذا فعل ذلك دلّ على علمه بعظيم قَدْر ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى
أنه مفتقر لِمَا يطلب، مضطرّ إليه، وقد وعد الله المضطرّ بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّن
يُجِيبُ الْمُضْطَرَ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
وقوله: ((فإنَّ الله لا مستكره له)): إظهارٌ لعدم فائدة تقييد الاستغفار
والرحمة بالمشيئة؛ لأنَّ الله تعالى لا يضطرّه إلى فعل شيء، دعاءٌ، ولا غيره،
بل يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء، ولذلك قيّد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في
قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، فلا معنى لاشتراط مشيئته
فيما هذا سبيله، فأما اشتراطها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه. انتهى كلام
القرطبيّ تَظُّهُ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٨٧/٣] (٢٦٧٨)، و(البخاريّ) في ((الدعوات))
(٦٣٣٦) و((التوحيد)) (٧٤٦٤) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٠٨)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (١٥١/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١/٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٠١/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء، وطلب الحوائج الدنيويّة، والأخرويّة
من الله ◌ُعَلّ؛ لأنه تعالى أمَر به، فقال: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]،
(١) حديث صحيح، رواه الترمذيّ برقم (٣٤٧٤).
(٢) ((المفهم)» ٢٩/٧ - ٣٠.

٤٧
(٣) - بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ - حديث رقم (٦٧٨٧)
وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ الآية
[البقرة: ١٨٦]، وهو ◌ُعَلَ يغضب إذا تُرك دعاؤه، يدلّ على ذلك خَتْمه الآية
الأُولى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[غافر: ٦٠]، بخلاف المخلوق، فإنه يغضب إذا سئل، ولقد أحسن من قال،
وأجاد في المقال [من الكامل]:
وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ
لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ
٢ - (ومنها): وجوب العزم في المسألة، وعدم التردّد فيها، قال ابن
عبد البرّ ◌َّقُهُ: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ أعطني إن شئت، وغير ذلك من
أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل، لا وجه له؛ لأنه لا يفعل إلا ما
شاءه، قال في ((الفتح)): وظاهره أنه حَمَل النهي على التحريم، وهو الظاهر،
وحَمَل النوويّ النهي في ذلك على كراهة التنزيه، وهو أولى، ويؤيده ما في
حدیث الاستخارة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأَولى ما دلّ عليه كلام ابن عبد البرّ تَظُّهُ
من التحريم؛ لأن النصّ ورد بصيغة النهي، والأمر، وهما للتحريم، والوجوب
ما لم يصرفهما صارف، ولا صارف هنا، ولا دلالة لدعاء الاستخارة على ما
قاله، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَظّثُ: في الحديث أنه ينبغي للداعي أن
يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة، فإنه يدعو
كريماً، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعنّ أحداً الدعاءَ ما يعلم في نفسه؛ يعني: من
التقصير، فإن الله قد أجاب دعاء شرّ خلقه، وهو إبليس حين قال: ﴿رَبِّ
﴾ [الحجر: ٣٦].
٣٦
فَأَنْظِرْ نِيّ إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (
وقال الداوديّ: معنى قوله: ((ليعزم المسألة)): أن يجتهد، ويُلِحّ، ولا
يقل: إن شئت؛ كالمستثنى، ولكن دعاء البائس الفقير.
٤ - (ومنها): بيان أن الرب ◌َاللَ لا يفعل إلا ما يشاء، لا يُكرهه أحد على ما
يختاره، كما قد يكره الشافع المشفوع له عنده، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح
عليه، فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال: ﴿وَإِلَى رَيِّكَ فَرْغَبِ ج)﴾ [الشرح: ٨]،

٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
والرهبة تكون منه، كما قال: ﴿وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠](١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨٨] (٢٦٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ، فَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ
لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ»).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل بابين، وكذا شَرْح
الحديث تقدّم في الحديث الماضي، وفيه:
مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٨٨/٣ و٦٧٨٩] (٢٦٧٩)، و(البخاريّ) في
((الدعوات)) (٦٣٣٩) و((التوحيد)) (٧٤٧٧) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٠٨)،
و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٩٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٥١/٦)،
و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٥٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢١٣/١)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٩٩/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٣/٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٨٩٦ و٩٧٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ - عَنْ عَطَاءِ بْنٍ
مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّ اللهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ، لَا
مُكْرِهَ لَهُ))).
(١) ((فيض القدير)) ٣٤٣/١.

٤٩
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٠)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن
موسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ
متقنٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍٍ) بن ضَمْرة، أو عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضَمْرة المدنيّ،
ثقة [٨] (ت٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) - بضم المعجمة،
وموحدتين - هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب
الدَّوْسيّ - بفتح الدّال ـ المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت١٤٦) (عخ م مد ت س
ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٩/٥٤.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، وسكون التحتانية، ثم نون - أبو
معاذ المدنيّ، وقيل: البصريّ، صدوقٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٨/٧٧.
و«أبو هريرة
) ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٩٠] (٢٦٨٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي:
ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَتَمَثَّيَنَّ
أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَّنِّاً، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا
كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَقَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبل حديث،
و((عبد العزيز)) هو: ابن صُهيب، وهو من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو (٤١٩)
من رباعيّات الكتاب.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَتَمَنَّبَنَّ)
بالنون المشددة، فـ(لا)) ناهية، والفعل مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة. وسيأتي في
الحديث المذكور آخر الباب بلفظ: ((لا يتمنّى)) بإثبات الألف، وسيأتي الكلام
عليه هناك - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: زاد البخاري في أول هذا الحديث من طريق الزهريّ، عن أبي
عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف: ((أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((لن يُدخل أحداً عملُه الجنّة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا،
ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله بفضل، ورحمة، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنّينّ
أحدكم الموت ... )) الحديث.
(أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) الخطاب للصحابة ﴿ه، والمراد هُمْ ومَن بَعدَهم من
المسلمين عموماً. (لِضُرٍّ) بضمّ الضاد المعجمة، وفَتْحها، قرئ بهما في السبع.
(نَزَلَ بِهِ)؛ أي: لأجل ضرر حصل له في بدنه، أو أهله، أو ماله، قال
التوربشتيّ: النهي عن تمنّ الموت، وإن أُطلق في هذا الحديث فالمراد منه:
المقيّد، كما في الحديث الآتي، فعلى هذا: يُكره تمنّي الموت من ضرّ أصابه
في نفسه، أو ماله؛ لأنه في معنى التبرّم عن قضاء الله في أمر يضرّه في دنياه،
وينفعه في آخرته، ولا يُكره للخوف في دينه من فساد. انتهى.
وقال في ((الفتح)): حَمَل هذا الضرّ جماعة من السلف على الضر
الدنيويّ، فإن وُجد الضر الأخرويّ، بأن خَشِي فتنة في دينه، لم يدخل في
النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: ((لا يتمنينّ أحدكم الموت؛
لضر نزل به في الدنيا))، على أن ((في)) في هذا الحديث سببية؛ أي: بسبب أمر
من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة وظ﴿، ففي ((الموطأ)) عن
عمر تَظُه؛ أنه قال: ((اللَّهُمَّ كَبِرت سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي،
فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفَرِّط))، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر، عن
عمر
وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاريّ؛ أنه قال:
يا طاعون خذني، فقال له عُلَيم الكِنديّ: لِمَ تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله وجهاليه:

٥١
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٠)
((لا يتمنينّ أحدكم الموت))، فقال: إني سمعته يقول: ((بادروا بالموت ستّاً:
إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم ... )) الحديث.
وأخرج أحمد أيضاً من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم
يقل رسول الله وَله: ((ما عُمِّر المسلم كان خيراً له ... )) الحديث، وفيه الجواب
نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود، وصححه
الحاكم في القول في دُبُر كل صلاة، وفيه: ((وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني إليك
غیر مفتون)).
(فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّياً) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى ((أحدكم))، و((متمنّاً))
خبرها، وجملة: ((لا بُدّ)) معترضة، وهي في محلّ نصب على الحال، قال
الفيّوميّ تَخْتُ: ((لا بُدّ من كذا))؛ أي: لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا
مقروناً بالنفي. انتهى(١).
وحاصل المعنى: أنه لا يجوز لأحد أن يتمنّى الموت، فإن كان لا محيد
عن التمنّي، فلا يتمنّ صريحاً، بل يعدل عنه إلى التفويض إلى الله تعالى الذي
هو أعلم بمصالح عباده، وهو بهم رؤوف رحيم، فيسأله معلقاً بوجود الخير فيه.
وفي رواية للبخاريّ: ((فإن كان لا بُدّ فاعلاً، فليقل ... ))، وفي لفظ له:
((فإن كان ولا بدّ متمنياً للموت، فليقل ... )) الحديث؛ أي: فلا يتمنّ صريحاً،
بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه.
قال في ((الفتح)): وهذا يدلّ على أن النهي عن تمنّي الموت مقيّد بما إذا
لم يكن على هذه الصيغة؛ لأن في التمنّي المطلق نوع اعتراض، ومراغمة للقدر
المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض، وتسليم للقضاء.
قال: وفي قوله: ((فإن كان، لا بدّ ... إلخ)) ما يَصرِفُ الأمرَ عن حقيقته
من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلّ على أنه لمطلق الإذن؛ لأن الأمر بعد
الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب
((السنن)) من حديث المقدام بن معد يكرب: ((حسبُ ابن آدم لُقيمات يُقمن
صُلبه، فإن كان ولا بدّ، فثلث للطعام ... )) الحديث؛ أي: إذا كان لا بدّ من
الزيادة على اللُّقيمات، فليقتصر على الثلث، فهو إذنٌّ بالاقتصار على الثلث،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨/١.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
لا أمْر يقتضي الوجوب، ولا الاستحباب. انتهى(١).
(فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي)؛ أي: أبقني على الحياة، (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ) ((ما))
مصدريّة ظرفية؛ أي: مدّة كون الحياة (خيراً لِي)؛ أي: من الموت، وهو أن
تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتن والمحن،
(وَتَوَقَّنِي)؛ أي: أمِتْنِي (إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي)))؛ أي: من الحياة، بأن يكون
الأمر بعكس ما تقدّم.
قال الحافظ العراقيّ كَّتُهُ في ((شرح الترمذيّ)): لمّا كانت الحياة حاصلة،
وهو متّصف بها حَسُن الإتيان بـ((ما))؛ أي: ما دامت الحياة متصفة بهذا
الوصف، ولمّا كانت الوفاة معدومة في حال التمنّي لم يحسن أن يقول: ((ما
كانت))، بل أتى بـ((إذا)) الشرطيّة، فقال: ((إذا كانت))؛ أي: إذا آل الحال إلى أن
تكون الوفاة بهذا الوصف. انتهى.
والظاهر: أن هذا التفصيل، يشمل ما إذا كان الضرّ دينيّاً أو دنيويّاً، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٦٧٩٠ و٦٧٩١ و٦٧٩٢] (٢٦٨٠)،
و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٧١) و((الدعوات)) (٦٣٥١)، و(أبو داود) في
((الجنائز)) (٣١٠٨)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٧١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(١٨٢٠ و١٨٢١) وفي ((الكبرى)) (١٩٤٦ و١٩٤٧) وفي ((عمل اليوم والليلة))
(١٠٥٥ و١٠٥٧ و١٠٥٩ و١٠٦٠ و١٠٦١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٦٥)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠١/٣ و١٠٤
و١٦٣ و٢٤٧)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٢٤٦ و١٣٩٨)، و(ابن حبّان
في (صحيحه)) (٢٩٦٦ و٣٠٠١)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٩٣٧)،
(١) ((الفتح)) ٤٥/١٣ - ٤٦، ((كتاب المرضى)) رقم (٥٦٧١).

٥٣
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٠)
و(الطبرانيّ) في ((المعجم الصغير)) (١٣٨/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦/
٤٢٧ و٤٥٥ و٦/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٧/٣) وفي ((شُعب الإيمان))
(١٨٠/٧ و٢٣٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تمني الموت، وعن الدعاء به، وهو محمول
على الكراهة على ما قيل، وحَمَله بعضهم على التحريم، وهو الظاهر.
٢ - (ومنها): أن قوله: ((فإن كان لا بدّ متمنياً، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما
كانت الحياة خيراً لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيراً لي))، ليس المراد بهذا
الأمر استحباب الدعاء به لهذا، بل تَرْكه أفضل من الدعاء به، فإنه رتَّب الأمر
به على كون المتمني لا بدّ أن يقع منه صورة تمنّ مع نهيه أوّلاً عن ذلك، وكذا
قال النوويّ: في هذه الحالة الأفضل الصبر، والسكون للقضاء.
٣ - (منها): ما قاله في ((الفتح)): لا يَرِد على هذا الحديث مشروعية
الدعاء بالعافية مثلاً؛ لأن الدعاء بتحصيل الأمور الأخروية، يتضمن الإيمان
بالغيب، مع ما فيه من إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتذلل له، والاحتياج،
والمسكنة بين يديه، والدعاء بتحصيل الأمور الدنيوية؛ لاحتياج الداعي إليها،
فقد تكون قُدّرت له إن دعا بها، فكل من الأسباب والمسببات مقدّر، وهذا كله
بخلاف الدعاء بالموت، فليست فيه مصلحة ظاهرة، بل فيه مفسدة، وهي طلب
إزالة نعمة الحياة، وما يترتب عليها من الفوائد، لا سيما لمن يكون مؤمناً، فإن
استمرار الإيمان من أفضل الأعمال، والله أعلم. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أن الحديث قد دلّ على أن الوفاة قد تكون خيراً للعبد،
فما الجمع بينه وبين قوله في حديث أبي هريرة به: ((وإنه لا يزيد المؤمن من
عمره إلا خيراً؟)).
[قلت]: إنْ حُمل المؤمن على الكامل في الإيمان، فالأمر في ذلك
واضح، فإن ذلك الذي تكون الوفاة خيراً له ليس كامل الإيمان، وإنْ حُمل
على مطلق الإيمان، فالغالب أن تكون الحياة خيراً له، كما تقدم، وهذه
(١) ((الفتح)) ٨١/١٧ - ٨٢، ((كتاب التمنّي)) رقم (٧٢٣٥).

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الصورة التي تكون الوفاة فيها خيراً له نادرة، فلا يدعو بها، ولا يعتمد عليها
على ظنّ نفسه فيها، إلا إن وَكَل الأمر في ذلك إلى علم الله تعالى، قاله وليّ
الدين تَخْتُمُ(١).
(المسألة الرابعة): في الحديث النهي عن تمنّي الموت، وعن الدعاء به،
وهو محمول على الكراهة، كما حَكَى العراقيّ تَخْتُهُ في ((شرح الترمذيّ)»
الإجماع عليه، وقال: إن هذا هو الصارف عن حمل النهي على التحريم، قال
وليّ الدين: لكن صرّح أبو عمر بن عبد البرّ بالتحريم، فقال: المتمني للموت
ليس بمحبّ للقاء الله وم، بل هو عاصٍ الله تعالى في تمنّيه للموت، إذا كان
بالنهي عالِماً، ثم قال العراقيّ: وقد صحّ عن عمر ظ ◌ُبه الدعاء بالموت، فيما
رواه مالك في ((الموطإِ)) أنه قال: اللَّهُمَّ قد ضَعُفت قوّتي، وكَبُرت سنّي،
وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيِّع، ولا مقصِّر، فما جاوز ذلك الشهر
حتى قُبض مُبه. قال العراقيّ: وليس فيه أن ذلك لخوف فتنة.
وتعقّبه ولده، فقال: بل ظاهره أنه لخوف فتنة في الدين، فإنه خائف
لضَعف قوته، وانتشار رعيته، وكثرتهم، أن يقع تضييع منه لأمورهم، وتقصير
في القيام بحقوقهم، فلمّا خَشِي هذه الفتنة دعا بالموت.
قال العراقيّ: وقد جاء تمني الموت عن جماعة من السلف خوفاً من
إظهار أحوالهم التي بينهم وبين الله تعالى، لا يحبون اطلاع الخلق عليها .
قال وليّ الدين: الظاهر أن ذلك لخوف الفتنة في الدين أيضاً، خَشُوا من
ظهور أعمالهم وأحوالهم وخروجها من السرّ إلى العلانية تطرّق المفسدات
إليها، من الرياء، والإعجاب، وكانوا في راحة بالاختفاء، فطلبوا الموت خوفاً
من مفسدة الظهور.
[فإن قلت]: دعا يوسف الصديق لعلّ* بالموت في قوله: ﴿تَوَقَّنِى مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، قال قتادة: لم يتمن الموت أحد إلا
يوسف ◌ُالَّ حين تكاملت عليه النعم، وجُمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه.
قال وليّ الدين: المختار في تفسير تلك الآية أن مراده: توفّني عند
(١) (طرح التثريب)) ٢٥٨/٣.

٥٥
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٠)
حضور أجَلي مسلماً، وليس مراده استعجال الموت، وبتقدير حَمْلها على
الدعاء بالموت، فقد اختَلَف أهل الأصول في أن شرع من قبلنا، هل هو شرع
لنا أم لا؟ وبتقدير أن يكون شرعاً لنا، فشَرْطه أن لا يَرِد في شرعنا ما ينسخه،
وقد وَرَدَ في شرعنا نَسْخه في هذا الحديث.
[فإن قلت]: فقد دعا النبيّ ◌َل﴾ بالموت حيث قال في آخر مرض موته:
((اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى))، وقد أورده البخاريّ في
((صحيحه)) في ((باب تمني المريض الموت)).
[قلت]: ليس هذا دعاء بالموت، وإنما هو رِضَى به عند مجيئه، فإن الأنبياء
- صلوات الله عليهم وسلامه ــ لا يُقْبَضُون عند انتهاء آجالهم حتى يُخَيَّروا؛ إكراماً
لهم، وتعظيماً لشأنهم، ولن يختاروا لأنفسهم إلا ما يختاره الله لهم، فلما خُيّر
النبيّ ◌َّول عند انتهاء أجله اختار ما اختاره الله له، ورضي بالموت، وأحبه، وطلبه
بعد التخيير، لا ابتداء، وقد قال في الحديث: ((ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه))،
وذلك يقتضي أنه لا كراهة في طلبه عند تحقق مجيئه؛ لِمَا في ذلك من إظهار
الرضا بقضاء الله تعالى، والاستبشار بما يَرِد من عنده، ولكن الآحاد لا سبيل إلى
تحقيق هذا، وأن يخيّروا على لسان ملَك مشافهةً صريحةً، وغاية ما يقع للواحد
منهم منام، أو خاطر صحيح، لا يَصِل به إلى القطع به، ولو استَبْشَر عند ذلك
بقلبه؛ لِمَا يَرِد عليه من أمر الله لكان حسناً، والله تعالى أعلم (١).
[فإن قلت]: إذا منعتم أن يكون للآحاد طريق إلى تحقيق هذا، وحسمتم
الباب فيه، فما معنى هذا التقييد في قوله: ((من قبل أن يأتيه))؟.
[قلت]: فیه وجهان:
أحدهما: أنه أشار بذلك إلى حالة نزول الموت، فإنه ينبغي للعبد أن
تكون حاله فيها حال المتمني للموت الداعي به، راضياً به مطمئن القلب إلى ما
ورد عليه من أمر الله تعالى، غير جازع، ولا قَلِقٍ .
ثانيهما: أنه أشار بقوله: ((من قبل أن يأتيه)) إلى أن في الدعاء بالموت
قبل حلوله نوع اعتراض، ومراغمة للمقدور المحتوم.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٥٤/٣.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
[فإن قلت]: وسائر الأدعية كذلك؛ لأنها إما مقدَّرة، فلا فائدة في
سؤالها؛ لوقوعها لا محالة، أو غير مقدَّرة، ففي سؤالها اعتراض، ومراغمة
للقَدَر، وهذا يؤدي إلى سدّ باب الدعاء، وهو باطل.
[قلت]: أما الدعاء بالمغفرة، والرحمة، والأمور الأخروية، ففيه إظهار
الافتقار، والمسكنة، والخضوع، والتذلل، والاحتياج.
وأما الدعاء بالأمور الدنيوية، فلاحتياج للعبد إليها، وظهور المصلحة
فيها، وقد تكون قُدِّرت له إن دعا بها، دون ما إذا لم يَدْع بها، فالأسباب
مقدرة، كما أن المسبَّبات مقدرة، وأما الدعاء بالموت، فلم يَظهر فيه مصلحة؛
لِمَا فيه من طلب إزالة نعمة الحياة، وما يترتب عليها من الفوائد، كما سيأتي
تقريره(١).
(المسألة الخامسة): أشار النبيّ وله إلى المعنى في النهي عن تمني
الموت، والدعاء به، وهو انقطاع الأعمال بالموت، ففي الحياة زيادة الأجور،
بزيادة الأعمال، ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان، فأيُّ عمل أعظم منه؟ وقد
قال النبيّ وَّ ه ــ لَمّا سُئل عن أفضل الأعمال -: ((إيمان بالله))، فبدأ به.
[فإن قلت]: قد يُسلب الإيمان بالله - والعياذ بالله -.
[قلت]: إنْ سبق له في علم الله خاتمة السوء، فلا بدّ من وقوع ذلك،
طال عمره، أو قَصُر، وإن سبقت له السعادة، فزيادة عمره زيادةٌ في حسناته،
ورَفْع في درجاته، كَثُرت أو قلّت.
وقد رَوَى أحمد في ((مسنده)) من رواية عليّ بن يزيد، عن القاسم بن
عبد الرحمن، عن أبي أمامة ظُه قال: جلسنا إلى رسول الله وَل ◌َهُ، فَذَكَّرنا،
ورَقَّقنا، فبكى سعد، فأكثر البكاء، فقال: يا ليتني متّ، فقال النبيّ وَّ: (يا
سعد أعندي تتمنى الموت؟)) فردّد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ((يا سعد إن كنت
خُلقت للجنة فما طال من عمرك، أو حَسُن من عملك، فهو خير لك)).
[فإن قلت]: فما معنى قوله: ((وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً))، فقد
يزيده شرّاً بالأعمال السيئة؟.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٥٤/٣ - ٢٥٥.

٥٧
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩٠)
[قلت]: إنْ حُمل على المؤمن الكامل الإيمان، فواضح، فإن ذاك لا
يصدر منه إلا خير، وإنْ حُمل على مطلق المؤمن، بحيث يتناول المخلِّط فهو
أيضاً لا يزيده عمره إلا خيراً؛ لكثرة المكفرات، والمضاعفة للأعمال
الصالحة، فما دام معه أصل الأعمال، فحسناته مقبولة مضاعفة، وسيئاته
محفوفة بالمكفِّرات، بحيث لا يبقى منها إن شاء الله إلا اليسير، يمحوه الكرم
المحض، والعفو العظيم.
[فإن قلت]: قوله في الرواية الأخرى: ((إما محسناً فلعله يزداد، وإما
مسيئاً فلعله يَسْتَعْتِب))، يُسأل عنه، فيقال: لم تنحصر القسمة في هذين
الوصفين، فلعله بكونه مسيئاً يزداد إساءةً، فيكون زيادة العمر زيادة له في
السيئات، كما في الحديث الصحيح: ((شرّ الناس من طال عمره، وساء عمله))،
أو لعله يكون محسناً، فتنقلب حاله إلى الإساءة - والعياذ بالله تعالى -.
[قلت]: تَرَجَّى النبيّ وَّ له زيادة الإحسان، أو الانكفاف عن السوء،
فبتقدير أن يدوم على حاله، فإذا كان معه أصل الإيمان، فهو خير له بكل
حال، كما تقدّم، وعلى تقدير أن يخف إحسانه، فذاك الإحسان الخفيف الذي
دام عليه، مضاعف له مع أصل الإيمان، وإن زادت إساءته، فالإساءة كثير منها
يُكَفَّر، وما لا يُكفَّر يُرجَى العفو عنه، كما تقدم، فما دام معه الإيمان فالحياة
خیر له، كما تقدم.
وقال الحافظ العراقيّ تَّثُ في ((شرح الترمذيّ)): هذا خرج مخرج
الرجاء، وحُسن الظن بالله تعالى، وأن المحسن يرجو من الله تعالى الزيادة في
توفيقه للزيادة فيه، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط، بل لا يقطع رجاءه من الله
تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ
الآية [الزمر: ٥٣]. انتهى.
اللهِ﴾﴾
(المسألة السادسة): أطلق في حديث أبي هريرة ظبه النهي عن تمني
الموت، وقيّده في حديث أنس ◌َظُه في ((الصحيحين)) بأن يكون تمنّيه لضرّ نزل
به، فقال: ((لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ لضرّ نزل به))، ومطلق الضرّ يشمل
الدنيويّ، والأخرويّ، لكن المراد إنما هو الضرّ الدنيويّ، من مرض، أو فاقة،
أو محنة، من عدوّ، أو نحو ذلك، من مشاقّ الدنيا، كما هو مبيَّن في رواية

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
النسائيّ، وابن حبان، في (صحيحه))، فقال: ((لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ لضرّ
نزل به في الدنيا))، وهو الذي أراده أيوب لعلّلها في قوله: ﴿مَسَّفِىَ الضُّرُّ﴾
[الأنبياء: ٨٣]، وإخوة يوسف لَلهُ في قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨]،
فأما الضر في الدين، فهو خوف الفتنة في دِينه، فالظاهر أنه لا بأس معه
بالدعاء بالموت، وتمنيه، ويدلّ لذلك قوله في حديث أبي هريرة ظه مرفوعاً:
((لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وليس به
الدِّين، إلا البلاء))، متّفقٌ عليه.
[فإن قلت]: قد عُرف أن تمني الموت للضرّ الدنيوي منهيّ عنه، والضرّ
الأخرويّ لا بأس به، فإذا كان تمنيه لغير ضرّ دنيويّ، ولا أخرويّ، كيف
حکمه؟ .
[قلت]: مقتضى حديث أبي هريرة ظُبه النهي عنه، ومفهوم التقييد بالضرّ
في حديث أنس رؤيته أنه غير منهيّ عنه، وقد يقال: هذا المفهوم غير معمول
به؛ لأن التقييد خرج مخرج الغالب، في أن الناس لا يتمنون الموت إلا لضرّ
نزل بهم، فيفعلون ذلك ضيقاً وضجراً وسخطاً للمقدور، ولم تَجْر عادة الناس
بتمني الموت بغير سبب، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، ولعل هذا
أرجح، فيكون تمني الموت في صورة انتفاء الضرر الدنيويّ والأخرويّ منهيّاً
عنه أيضاً.
وقد يستثنى من النهي صورة أخرى، وهي ما إذا فَعَل ذلك شوقاً إلى الله
تعالى ورسوله بَ﴾، فلا بأس به، وقد فعله جماعة من السلف، ورُوي عن ابن
مسعود رضيه؛ أنه قال: ((ليأتينّ عليكم زمان، يأتي الرجل إلى القبر، فيقول: يا
ليتني مكان هذا، ليس به حبّ الله، ولكن من شدّة ما يرى من البلاء»، وهذا
في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثله من قِبَل الرأي، فظهر بذلك أن تمني
الموت، والدعاء به جائز، إن كان لمصلحة دينية، وهو خوف الفتنة في دينه،
أو الشوق إلى الله تعالى ورسوله ◌َّ، إن كان في ذلك المقام، ومكروه فيما
عدا ذلك، وفي حديث معاذ مرفوعاً: ((وإذا أردت بالناس فتنة، فتوفني إليك
غير مفتون))، وقال تعالى حكاية عن مريم علقبها: ﴿يَلَيْتَنِ مِتُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ
نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣].

٥٩
(٤) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ - حديث رقم (٦٧٩١)
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر وليّ الدين تَخْشُ استثناء تمنّ الموت
حبّاً لله تعالى، ورسوله ◌َ*، وعندي في ذلك نظر، فعموم حديث أبي
هريرة رضي مرفوعاً: ((لا يتمنّى أحدكم الموت، إما محسناً فلعله يزداد، وإما
مسيئاً فلعله يَستعتب)) - رواه البخاريّ بهذا اللفظ -، عامّ يتناول هذا المستثنى،
فلا وجه لاستثنائه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة): [إن قلت]: إذا كانت الآجال مقدرةً، لا يزداد فيها، ولا
ينقص منها، فما الذي يؤثر تمني الموت في ذلك، وما الحكمة من النهي عنه؟.
[قلت]: هذا هو المعنى المقتضي للنهي عنه؛ لأنه عَبَث، لا فائدة فيه، وفيه
مراغمة المقدور، وعدم الرضا به، مع ما تقدم من كون المؤمن لا يزيده عمره إلا خيراً.
[فإن قلت]: إذا تقرر أن التمني للموت لا يؤثر في الأعمال؛ لتقديرها،
فما معنى قوله وَّي في اليهود: ((أنهم لو تمنوا الموت لماتوا جميعاً))؟
[قلت]: ذاك قاله النبيّ ونَ ﴿ بوحي خاصّ، أوحي إليه في حقّ أولئك
اليهود أنهم لو تمنّوا الموت لماتوا، فرُتِّبت آجالهم على وصفٍ إن وُجد منهم
ماتوا، وإن لم يوجد بَقُوا إلى وقت مقدّر لهم، والله تعالى يعلم هل يتمنون
الموت، فتقرب آجالهم، أو لم يتمنونه، فتبعد آجالهم؟ والأسباب مقدرة، كما
أن المسبَّبات مقدرة، وهذا كما في الحديث الصحيح؛ أنه قيل للنبيّ وَّه:
أرأيت رُقَّى نَسترقِي بها، ودواءً نَتَدَاوى به، هل يردّ من قدر الله شيئاً؟، فقال:
(هي من قدر الله تعالى)). ذكر الفوائد كلها الحافظ وليّ الدين العراقيّ تَّثُ في
كتابه الممتع ((طرح التثريب في شرح التقريب))(١)، وهي فوائد حسان، ونُزهة
قرائح ذوي العرفان، والله تعالى المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ - كِلَاهُمَا
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ)).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٥٣/٣ - ٢٥٨.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) محمد بن أحمد بن أبي خَلَف السّلَميّ البغداديّ
الْقَطِيعِيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) مات وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في
((الإيمان)) ٥٠٢/٩٢.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حَسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٤٧٦/٩٠.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريباً.
٤ - (عَفَّنُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، ورُبّما
وَهِم، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس
في ثابت، وتغيّر حِفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٦ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(٢٢٠) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ)؛ يعني: أن كلّاً من شعبة، وحمّاد بن سلمة
رويا هذا الحديث عن ثابت، عن أنس ربه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) ضمير ((أنه))، لثابت، وكذا فاعل ((قال)) ضميره أيضاً.
[تنبيه]: أما رواية شعبة عن ثابت، فقد ساقها البخاريّ نَّثُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٣٤٧) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا ثابت البنانيّ، عن أنس بن
مالك ظُه، قال النبيّ وَلّ: ((لا يتمنينّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، فإن
كان لا بدّ فاعلاً، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفّني إذا
كانت الوفاة خيراً لي)). انتهى (١).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٦/٥.