النص المفهرس
صفحات 1-20
G البحر المحيط التجارى في شرح صَخْع الأمْر ◌ُسُلِمُ الحَجَا لَجَامِعِهِ الْفَقِيْرِالحِصَوْلَه الغَنِالْقَدِرُ مُحَدَابْ الشَُّ العُلَّمَ بَلِبْنَ آدَمِ بنُمُوسَ الِأنيُّوُالوَلّويّ خْوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكَّهَة عَفَا اللّه تعالى عَنْهُ، وَعَن والديه آمين المُجَلَّدُ الثَّانِيِ وَالأَرْبَعُونَ كِتَابُ: الذِّكْرِ، وَاْلُّعَاءِ، وَالتَّوَبَةِ - الرّقَّادِه - النَّبَةِ رَقَمُ الْأَحَادِيْثِ (٦٧٨٥ - ٦٩٨٩) دارابن الجوزي بِشِـ البحر المحيط التجاري في شرح جهة الأمر مُسْلِرُ الحجاب ٤٢ حِقُوق الطِّّع محفوظة ◌ِدارابن الجوزي الطّبْعَة الأولى ى ١٤٣٦هـ حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٦هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دارابن للنشر والتوزيع دارابن الجوزي للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com ٥ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلٍ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) براس الرحمن الرحيم قال الجامع عفا الله عنه: شرعت في كتابة الجزء الثاني والأربعين من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج زخّتُهُ» يوم الجمعة من شهر رجب (١٤٣٣/٧/١٨هـ). (٢) - (بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَخْصَاهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٨٥] (٢٦٧٧) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: (اللّهِ تِسْعَةٌ(١) وَتِسْعُونَ اسْماً، مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: ((مَنْ أَحْصَاهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قبل بابین. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المکيّ، تقدّم قبل بابین. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، تقدّم قريباً. (١) وفي نسخة: ((إن لله تسعة)). ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ٦ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة نظراته، وفيه أبو هريرة رضيبه رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، وفي رواية للبخاريّ: ((قال: حفظناه من أبي الزناد، عن الأعرج)). قال في ((الفتح)): قوله: ((حفِظناه من أبي الزناد)): في رواية الحميديّ في ((مسنده)): ((عن سفيان، حدّثنا أبو الزناد))، وكذا أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريقه. (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ) وفي رواية للبخاريّ: ((عن أبي هريرة روايةً قال))، قال في ((الفتح)): قوله: ((رواية)): في رواية الحميديّ: قال رسول الله وَليه، وللبخاريّ في ((التوحيد)) من رواية شعيب، عن أبي الزناد بسنده: ((أن رسول الله وَ ﴿ قال))، ووقع عند الدارقطنيّ في ((غرائب مالك)) من رواية عبد الملك بن يحيى بن بكير، عن أبيه، عن ابن وهب، عن مالك بالسند المذكور، عن النبيّ وَّه قال: ((قال الله ريك: لي تسعة وتسعون اسماً)). (قَالَ: (للهِ) خبر مقدّم لقوله: (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) وفي بعض النسخ: ((إن الله تسعة وتسعين)) (اسْماً) قال في ((الفتح)): كذا في معظم الروايات بالنصب على التمييز، وحَكَى السهيليّ أنه روى بالجرّ، وخرّجه على لغة من يجعل الإعراب في النون، ويُلزم الجمع الياء، فيقول: كم سنينُكِ برفع النون، وعددتُ سنينَك بالنصب، وكم مَرّ من سنينِك بكسر النون، ومنه قول الشاعر [من الوافر]: وَمَا ذَا تَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِينِ بكسر النون، فعلامة النصب في الرواية فتح النون، وحُذف التنوين؛ ٧ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) لأجل الإضافة. انتهى(١)؛ أي: لإضافة ((تسعة)) إلى ((اسم). زاد في رواية همّام بن منّه التالية: ((مِائَةً إِلَّا وَاحِداً» برفع ((مائةٌ))، ونَصْبه على البدل في الروايتين؛ يعني: رواية: (لله تسعة وتسعون))، ورواية: ((إن الله تسعةً وتسعین)). وقوله: ((إلا واحداً)) هكذا في رواية مسلم بالتذكير، ووقع عند البخاريّ بلفظ ((واحدةٍ)) بالتأنيث، فقال: فقال ابن بطال: كذا وقع هنا، ولا يجوز في العربية، قال: ووقع في رواية شعيب في ((الاعتصام)): ((إلا واحداً)) بالتذكير، وهو الصواب. وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، وليست الرواية المذكورة في ((الاعتصام)) بل في ((التوحيد))، وليست الرواية التي هنا خطأ، بل وَجّهوها، وقد وقع في رواية الحميديّ هنا: ((مائة غير واحد)) بالتذكير أيضاً، وخُرِّج التأنيث على إرادة التسمية، وقال السهيليّ: بل أنَّث الاسم؛ لأنه كلمة، واحتَجَّ بقول سيبويه: الكلمة: اسم، أو فعل، أو حرف، فسمَّى الاسم كلمة، وقال ابن مالك: أنَّث باعتبار معنى التسمية، أو الصفة، أو الكلمة. وقد اختلف العلماء في حكمة قوله: ((مائة إلا واحداً)) بعد قوله: ((تسعة وتسعون اسماً))، قيل: لدفع الالتباس بسبع وسبعين، وللاحتياط فيه بالزيادة والنقصان(٢)، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (مَنْ حَفِظَهَا) قال في ((العمدة)): المراد بالحفظ: القراءة بظهر القلب، فيكون كناية عن التكرار؛ لأن الحفظ يستلزم التكرار، وقيل: معناه: العمل بها، والطاعة بمعنى كلّ اسم منها، والإيمان بها، ومعنى الرواية الأخرى: ((من أحصاها)): عدّها في الدعاء بها، وقيل: أحسنَ المراعاة لها، والمحافظة على ما تقتضيه، وصدَّق معانيها، وقيل: من أحصاها؛ أي: کرر مجموعها. انتهى(٣) . . وقال المناويّ كَثُ: ((من أحصاها)): حفظها، أو أطاق القيام بحقّها، أو (١) ((الفتح)) ١٤/ ٤٧٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢٣. ٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة عرفها، أو أحاط بمعانيها، أو عمل بمقتضاها، بأن وَثِق بالرزق إذا قال: الرزاق مثلاً، وهكذا، وعدّها كلمة كلمة؛ تبركاً، وإخلاصاً. وقوله: ((تسعة وتسعون اسماً)) ليس للحصر بها، ودليل ذلك خبر: ((أسألك بكلّ اسم سمّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك))، وإنما خصّها لأنها أشهرها، أو أظهرها معنى، أو لتضمّنها معاني ما عداها، أو لأن العدد زوج وفرد، والفرد أفضل، ومنتهى الإفراد بلا تكرار تسعة وتسعون، أو لغير ذلك. انتهى(١). وقال العلامة ابن القيّم ◌َّثُهُ: قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً ... إلخ))، الكلام جملة واحدة، وقوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) صفة لا خبر مستقلّ، والمعنى: له أسماء متعددة، من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك، وقد أعدّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم، مُعَدُّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. انتهى (٢). (دَخَلَ الْجَنَّةَ) عَبَّر بالماضي تحقيقاً لوقوعه، وتنبيهاً على أنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع لأنه كائن لا محالة(٣). (وَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ)؛ يعني: أنه واحد، لا شريك له، والوتر بكسر الواو، وفَتحها، وقرئ بهما، (يُحِبُّ الْوِتْرَ))) من الأعمال، وكثير من الطاعات، ولهذا جعل الله الصلوات خمساً، والطواف سبعاً، ونَدَب التثليث في أكثر الأعمال، وخلق السموات سبعاً، والأرضين سبعاً، وغير ذلك(٤). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وإن الله وتر)) يجوز فتح الواو، وكسرها، والوتر: الفرد، ومعناه في حقّ الله: أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته، ولا انقسام. (١) ((فيض القدير)) ٤٧٨/٢. (٢) ((بدائع الفوائد)) ١/ ١٧٧. (٣) ((الفتح)) ١٤/ ٤٨٦، و((عمدة القاري)) ٢٩/٢٣. (٤) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢٣. ٩ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلٍ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) وقوله: ((يحب الوتر)): قال عياض: معناه أن للوتر في العدد فضلاً على الشفع في أسمائه؛ لكونه دالاً على الوحدانية في صفاته. وتُعُقّب بأنه لو كان المراد به الدلالة على الوحدانية لَمَا تعددت الأسماء، بل المراد: أن الله يحب الوتر من كل شيء، وإن تعدَّدَ ما فيه الوتر، وقيل: هو منصرف إلى من يعبد الله بالوحدانية، والتفرد على سبيل الإخلاص، وقيل: لأنه أمَر بالوتر في كثير من الأعمال، والطاعات، كما في الصلوات الخمس، ووتر الليل، وأعداد الطهارة، وتكفين الميت، وفي كثير من المخلوقات؛ كالسماوات والأرض. انتهى ملخصاً. وقال القرطبيّ كَّلُهُ: الظاهر أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذِكره، حتى يُحْمَل عليه، فيكون معناه: أنه وتر يحب كل وتر شَرَعه، ومعنى محبته له: أنه أمَر به، وأثاب عليه، ويصلح ذلك العموم ما خلقه وتراً من مخلوقاته، أو معنى محبته له: أنه خصصه بذلك؛ لحكمة يعلمها، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك وتراً بعينه، وإن لم يجر له ذكر، ثم اختَلَف هؤلاء، فقيل: المراد صلاة الوتر، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: يوم عرفة، وقيل: آدم، وقيل غير ذلك، قال: والأشبه ما تقدم من حَمْله على العموم، قال: ويظهر لي وجه آخر، وهو أن الوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: أن الله في ذاته، وكماله، وأفعاله واحد، ويحب التوحيد؛ أي: أن يوحَّد، ويُعتَقَد انفراده بالألوهية دون خَلْقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، والله أعلم(١). به : قال الحافظ: لعل من حَمَله على صلاة الوتر استَنَد إلى حديث عليّ ((إن الوتر ليس بحتم كالمكتوبة، ولكن رسول الله و ﴾ أوتر، ثم قال: أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر))، أخرجوه في السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة، واللفظ له، فعلى هذا التأويل تكون اللام في هذا الخبر للعهد؛ لتقدُّم ذِكر الوتر المأمور به، لكن لا يلزم أن يُحمل الحديث الآخر على هذا، بل العموم فيه أظهر، كما أن العموم في حديث عليّ مُحْتَمِل أيضاً. [تنبيه]: قد طعن أبو زيد البلخيّ في صحة الخبر، بأن دخول الجنة ثبت (١) ((المفهم)) ١٨/٧. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة في القرآن مشروطاً ببذل النفس والمال، فكيف يحصل بمجرد حِفظ ألفاظ تُعَدّ في أيسر مدّة؟. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن الشرط المذكور ليس مطّرداً، ولا حَصْر فيه، بل قد تحصل الجنة بغير ذلك، كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد أن فاعله يدخله الجنة، وأما دعوى أن حفظها يحصل في أيسر مدة، فإنما يَرِد على من حَمَل الحفظ والإحصاء على معنى أن يسردَها عن ظهر قلب، فأما من أوّله على بعض الوجوه المتقدمة، فإنه يكون في غاية المشقّة، ويمكن الجواب عن الأول بأن الفضل واسع، قاله في ((الفتح))(١)، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: ((مَنْ أَحْصَاهَا))) بيّن به اختلاف شيوخه في لفظ الحديث، فرواه عمرو الناقد، وزهير بن حرب بلفظ: ((من حفظها دخل الجنّة))، ورواه محمد بن يحيى بن أبي عمر بلفظ: ((من أحصاها دخل الجنّة))، وسيأتي البحث في معنى الإحصاء مستوفى في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٨٥/٢ و٦٧٨٦] (٢٦٧٧)، و(البخاريّ) في ((الشروط)) (٢٧٣٦) و((الدعوات)) (٦٤١٠) و((التوحيد)) (٧٣٩٢)، و(الترمذيّ) في («الدعوات)) (٣٥٠٧ و٣٥٠٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٣/٤)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٦١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٧/٢ و٤٢٧ و٤٩٩ و٥٠٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٥/٣) وفي ((مسند الشاميين)) (٣٨٦/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٠٧ و٨٠٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٧/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٢٢/٣)، (١) ((الفتح)) ٤٧٦/١٤ - ٤٨٧، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠). ١١ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَخْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) و(تمّام) في ((فوائده)) (٢٥٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٤/٦ و٢٧/١٠) وفي ((شُعب الإيمان)) (١١٥/١) وفي ((الاعتقاد)) (٥٠/١) وفي (الأسماء والصفات)) (ص٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قد حقّق الحافظ تَّلُ طرق هذا الحديث، حيث قال بعد ذكر رواية ابن عيينة عن أبي الزناد، المذكورة هنا ما نصّه: هذا الحديث رواه عن الأعرج أيضاً موسى بن عقبة عند ابن ماجه، من رواية زهير بن محمد عنه، وسَرَدَ الأسماء. ورواه عن أبي الزناد أيضاً شعيب بن أبي حمزة، كما عند البخاريّ في ((الشروط)) و((التوحيد))، وأخرجه الترمذيّ من رواية الوليد بن مسلم، عن شعيب، وسَرَدَ الأسماء، ومحمد بن عجلان، عند أبي عوانة، ومالك عند ابن خزيمة، والنسائيّ، والدارقطنيّ في ((غرائب مالك))، وقال: صحيح عن مالك، وليس في ((الموطأ)) قَدْر ما عند أبي نعيم في طرق الأسماء الحسنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، عند الدارقطنيّ، وأبو عوانة، ومحمد بن إسحاق، عند أحمد، وابن ماجه، وموسى بن عقبة، عند أبي نعيم، من رواية حفص بن ميسرة عنه. ورواه عن أبي هريرة أيضاً همام بن مُنَبِّه، عند مسلم، وأحمد، ومحمد بن سيرين، عند مسلم، والترمذيّ، والطبرانيّ في ((الدعاء))، وجعفر الفريابي في ((الذِّكر))، وأبو رافع، عند الترمذيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عند أحمد، وابن ماجه، وعطاء بن يسار، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الله بن شقيق، ومحمد بن جبير بن مُطعِم، والحسن البصريّ، أخرجها أبو نعيم بأسانيد عنهم، كلها ضعيفة، وعراك بن مالك، عند البزار، لكن شكّ فيه. ورويناها في ((جزء المعالي))، وفي ((أمالي الجرفي)) من طريقه بغير شكّ. ورواه عن النبيّ ◌َّل مع أبي هريرة: سلمان الفارسيّ، وابن عباس، وابن عمر، وعليّ، وكلها عند أبي نعيم أيضاً بأسانيد ضعيفة، وحديث عليّ في (طبقات الصوفية)) لأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وحديث ابن عباس، وابن عمر معاً في الجزء الثالث عشر من ((أمالي أبي القاسم بن بشران))، وفي ((فوائد أبي عمر بن حيويه)) انتقاء الدارقطنيّ. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة قال: هذا جميع ما وقفت عليه من طرقه، وقد أطلق ابن عطية في ((تفسيره)) أنه تواتر عن أبي هريرة، فقال: في سرد الأسماء نظرٌ، فإن بعضها ليس في القرآن، ولا في الحديث الصحيح، ولم يتواتر الحديث من أصله، وإن خرّج في ((الصحيح))، ولكنه تواتر عن أبي هريرة. كذا قال، ولم يتواتر عن أبي هريرة أيضاً، بل غاية أمره أن يكون مشهوراً. انتهى كلام الحافظ تَخُّْهُ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سرد الأسماء المذكورة: قال الحافظ تَخْتُهُ: لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث سرد الأسماء، إلا في رواية الوليد بن مسلم، عند الترمذيّ، وفي رواية زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عند ابن ماجه، وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء، والزيادة، والنقص، على ما سأشير إليه. ووقع سرد الأسماء أيضاً في طريق ثالثة، أخرجها الحاكم في ((المستدرك))، وجعفر الفريابيّ في ((الذُّكر)) من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. واختَلَف العلماء في سرد الأسماء، هل هو مرفوع، أو مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول، واستدَلَّوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يَرِد في القرآن بصيغة الاسم؛ لأن كثيراً من هذه الأسماء كذلك. وذهب آخرون إلى أن التعيين مُدْرَج؛ لخلوّ أكثر الروايات عنه، ونقله عبد العزيز النخشبيّ عن كثير من العلماء، قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بسياق الأسماء الحسنى، والعلة فيه عندهما تفرُّد الوليد بن مسلم، قال: ولا أعلم خلافاً عند أهل الحديث أن الوليد أوثق، وأحفظ، وأجلّ وأعلم، من بشر بن شعيب، وعليّ بن عياش، وغيرهما، من أصحاب شعيب، يشير إلى أن بشراً، وعليّاً، وأبا اليمان، رووه عن شعيب بدون سياق الأسماء، فرواية أبي اليمان عند البخاريّ، ورواية عليّ عند النسائيّ، ورواية بشر عند ١٣ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) البيهقيّ، وليست العلة عند الشيخين تفرّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج. قال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معاً، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين. وقال الترمذيّ بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديث غريب، حدّثنا به غير واحد عن صفوان، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان، وهو ثقة، وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في شيء من الروايات ذِكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد رُوي بإسناد آخر عن أبي هريرة، فيه ذِكر الأسماء، ولیس له إسناد صحيح. انتهى. قال الحافظ: ولم ينفرد به صفوان، فقد أخرجه البيهقيّ من طريق موسى بن أيوب النصيبيّ، وهو ثقة، عن الوليد أيضاً. وقد اختلف في سنده على الوليد، فأخرجه عثمان الدارميّ في ((النقض على المريسيّ)) عن هشام بن عمّار، عن الوليد، فقال: عن خُليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره بدون التعيين، قال الوليد: وحدّثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآّ إِلَهَ إِلَّ هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: ٢٢]، وسرد الأسماء، وأخرجه أبو الشيخ ابن حيّان من رواية أبي عامر القرشيّ، عن الوليد بن مسلم، بسند آخر، فقال: حدّثنا زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال زهير: فبلَغنا أن غير واحد من أهل العلم قال: إن أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله، وسَرَد الأسماء، وهذه الطريق أخرجها ابن ماجه، وابن أبي عاصم، والحاكم، من طريق عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، عن زهير بن محمد، لكن سرد الأسماء أوّلاً، فقال بعد قوله: ((من حفظها دخل الجنة)): الله الواحد الصمد ... إلخ، ثم قال بعد أن انتهى العدّ: قال زهير: فبلَغَنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها يُفتتح بلا إله إلا الله له الأسماء الحسنى. قال الحافظ: والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ورواية الوليد تُشعر بأن التعيين مدرَج، وقد تكرر في رواية الوليد عن زهير ثلاثة أسماء، وهي: الأحد، الصمد، الهادي، ووقع بدَلها في رواية عبد الملك: المُقْسِط، القادر، الوالي، وعند الوليد أيضاً: الوالي، الرشيد، وعند عبد الملك: الوالي، الراشد، وعند الوليد: العادل، المنير، وعند عبد الملك: الفاطر، القاهر، واتفقا في البقية. وأما رواية الوليد عن شعيب، وهي أقرب الطرق إلى الصحة، وعليها عَوّل غالب من شرح الأسماء الحسنى، فسياقها عند الترمذيّ: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المُقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البَرّ التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور)). وقد أخرجه الطبرانيّ عن أبي زرعة الدمشقيّ، عن صفوان بن صالح، فخالف في عدّة أسماء، فقال: ((القائم الدائم)) بدل: ((القابض الباسط))، و(الشديد)) بدل: ((الرشيد))، و((الأعلى المحيط مالك يوم الدين)) بدل: ((الودود المجید الحکیم)). ووقع عند ابن حبان، عن الحسن بن سفيان، عن صفوان: ((الرافع)) بدل: (المانع)). ووقع في ((صحيح ابن خزيمة)) في رواية صفوان أيضاً مخالفة في بعض الأسماء، قال: ((الحاكم)) بدل: ((الحكيم))، و((القريب)) بدل: ((الرقيب))، و((المولى)) بدل: ((الوالي))، و((الأحد)) بدل: ((المغني)). ووقع في رواية البيهقيّ، وابن منده، من طريق موسى بن أيوب، عن ١٥ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) الوليد: ((المغيث)) بالمعجمة، والمثلثة، بدل: ((المقيت)) بالقاف، والمثناة. ووقع بين رواية زهير وصفوان المخالفة في ثلاثة وعشرين اسماً، فليس في رواية زهير: ((الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم المغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام)»، وذكر بدلها: ((الرب الفرد الكافي القاهر المبين - بالموحدة - الصادق الجميل البادي - بالدال ـ القديم البارّ - بتشديد الراء - الوفي البرهان الشديد الواقي - بالقاف - القدير الحافظ العادل المعطي العالم الأحد الأبد الوتر ذو القوّة)). ووقع في رواية عبد العزيز بن الحصين اختلاف آخر، فسقط فيها مما في رواية صفوان من ((القهار)) إلى تمام خمسة عشر اسماً على الولاء، وسقط منها أيضاً: ((القوي الحليم الماجد القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل المقسط الجامع الضار النافع الوالي الرب))، فوقع فيها مما في رواية موسى بن عقبة المذكورة آنفاً ثمانية عشر اسماً على الولاء، وفيها أيضاً: ((الحنان المنان الجليل الكفيل المحيط القادر الرفيع الشاكر الأكرم الفاطر الخلاق الفاتح المثيب - بالمثلثة، ثم الموحدة - العلام المولى النصير ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الإله المدبر)) - بتشديد الموحدة -. قال الحاكم: إنما أخرجت رواية عبد العزيز بن الحصين شاهداً لرواية الوليد، عن شعيب؛ لأن الأسماء التي زادها على الوليد كلها في القرآن. كذا قال، وليس كذلك، وإنما تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف، لا أن جميعها وَرَدَ فيه بصورة الأسماء. وقد قال الغزاليّ في ((شرح الأسماء)) له: لا أعرف أحداً من العلماء عُني بطلب أسماء، وجمعها سوى رجل من حفاظ المغرب، يقال له عليّ بن حزم، فإنه قال: صَحّ عندي قريب من ثمانين اسماً يشتمل عليها كتاب الله، والصحاح من الأخبار، فلتطلب البقية من الأخبار الصحيحة، قال الغزاليّ: وأظنه لم يبلغه الحديث؛ يعني: الذي أخرجه الترمذيّ، أو بَلَغه، فاستضعف إسناده، قال الحافظ: الثاني هو مراده، فإنه ذَكَر نحو ذلك في ((المحلَّى))، ثم قال: والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة، لا يصح شيء منها أصلاً، وجميع ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ما تتبعته من القرآن ثمانية وستون اسماً، فإنه اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم، لا ما يؤخذ من الاشتقاق؛ كالباقي من قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ولا ما ورد مضافاً؛ كالبديع من قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ١١٧]، وسأبيّن الأسماء التي اقتصر عليها قريباً. وقد استضعف الحديث أيضاً جماعة، فقال الداوديّ: لم يثبت أن النبيّ وَّهُ عَيَّن الأسماء المذكورة. وقال ابن العربيّ: يَحْتَمِل أن تكون الأسماء تكملة الحديث المرفوع، ويَحْتَمِل أن تكون مِن جَمْع بعض الرواة، وهو الأظهر عندي. وقال أبو الحسن القابسيّ: أسماء الله وصفاته لا تُعلم إلا بالتوقيف من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع، ولا يدخل فيها القياس، ولم يقع في الكتاب ذِكر عدد معيَّن، وثبت في السُّنَّة أنها تسعة وتسعون، فأخرج بعض الناس من الكتاب تسعة وتسعين اسماً، والله أعلم بما أخرج من ذلك؛ لأن بعضها ليست أسماء؛ يعني: صريحةً. ونقل الفخر الرازيّ عن أبي زيد البلخيّ أنه طعن في حديث الباب، فقال: أما الرواية التي لم يُسرَد فيها الأسماء، وهي التي اتفقوا على أنها أقوى من الرواية التي سُردت فيها الأسماء، فضعيفة من جهة أن الشارع ذكر هذا العدد الخاصّ، ويقول: إن من أحصاه دخل الجنة، ثم لا يسأله السامعون عن تفصيلها، وقد عَلِمت شدّة رغبة الخلق في تحصيل هذا المقصود، فيمتنع أن لا يطالبوه بذلك، ولو طالبوه لبيّنها لهم، ولو بيَّنَها لَمَا أغفلوه، ولنُقل ذلك عنهم، وأما الرواية التي سُردت فيها الأسماء، فيدلّ على ضَعفها عدم تناسبها في السياق، ولا في التوقيف، ولا في الاشتقاق؛ لأنه إن كان المراد الأسماء فقط، فغالبها صفات، وإن كان المراد الصفات، فالصفات غير متناهية. وأجاب الفخر الرازيّ عن الأول بجواز أن يكون المراد من عدم تفسيرها: أن يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الأسماء؛ رجاء أن يقعوا على تلك الأسماء المخصوصة، كما أُبهمت ساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى. وعن الثاني بأنّ سَرْدها إنما وقع بحسب التتبع، والاستقراء على الراجح، ١٧ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) فلم يحصل الاعتناء بالتناسب، وبأن المراد: من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، بحَسَب ما وقع الاختلاف في تفسير المراد بالإحصاء، فلم يكن القصد خَصْر الأسماء. انتهى. قال الحافظ: وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعاً، فقد اعتنى جماعة بتتبّعها من القرآن، من غير تقييد بعدد، فروينا في ((كتاب المائتين)) لأبي عثمان الصابونيّ بسنده إلى محمد بن يحيى الذَّهْليّ أنه استخرج الأسماء من القرآن، وكذا أخرج أبو نعيم عن الطبرانيّ، عن أحمد بن عمرو الخلال، عن ابن أبي عمرو: حدّثنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى، فقال: هي في القرآن. وروينا في ((فوائد تمام)) من طريق أبي الطاهر بن السرح، عن حبان بن نافع، عن سفيان بن عيينة الحديث؛ يعني: حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))، قال: فوَعَدَنا سفيان أن يُخرجها لنا من القرآن، فأبطأ، فأتينا أبا زيد، فأخرجها لنا، فعرضناها على سفيان، فنظر فيها أربع مرّات، وقال: نعم هي هذه. وهذا سياق ما ذكره جعفر، وأبو زيد، قالا: ففي ((الفاتحة)) خمسة: ((الله رب الرحمن الرحيم مالك)، وفي ((البقرة)): ((محيط قدير عليم حكيم علي عظيم تواب بصير ولي واسع كاف رؤوف بديع شاكر واحد سميع قابض باسط حي قيوم غني حميد غفور حليم))، وزاد جعفر: ((إله قريب مجيب عزيز نصير قويّ شديد سريع خبير)). قالا: وفي ((آل عمران)): وهاب قائم))، زاد جعفر الصادق: ((باعث منعم متفضل))، وفي ((النساء)): ((رقيب حسيب شهيد مقیت و کیل))، زاد جعفر: ((علي كبير))، وزاد سفيان: ((عفوّ))، وفي ((الأنعام)): ((فاطر قاهر))، زاد جعفر: ((مميت غفور برهان))، وزاد سفيان: ((لطيف خبير قادر))، وفي ((الأعراف)): ((محيي مميت))، وفي ((الأنفال)): ((نعم المولى ونعم النصير))، وفي ((هود)): ((حفيظ مجيد ودود فعال لِمَا يريد))، زاد سفيان: ((قريب مجيب))، وفي (الرعد)): ((كبير متعال))، وفي ((إبراهيم)): ((منان))، زاد جعفر: ((صادق وارث))، وفي ((الحِجر)): ((خلاق))، وفي ((مريم)): ((صادق وارث))، زاد جعفر: ((فَرْد))، وفي ((طه)) عند جعفر وحده: ((غفار))، وفي ((المؤمنين)): ((كريم))، وفي ((النور)): (حق مبين))، زاد سفيان: ((نور))، وفي (الفرقان)): ((هاد))، وفي ((سبأ)): ((فتاح)، ١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة وفي ((الزمر)): ((عالم)) عند جعفر وحده، وفي ((المؤمن)): ((غافر قابل ذو الطول))، زاد سفيان: ((شديد))، وزاد جعفر: ((رفيع))، وفي ((الذاريات)): ((رزاق ذو القوة المتين)) بالتاء، وفي ((الطور)): ((بَرّ))، وفي ((اقتربت)): ((مقتدر))، زاد جعفر: ((مليك))، وفي ((الرحمن)): ((ذو الجلال والإكرام))، زاد جعفر: (رب المشرقين ورب المغربين باقي معين))، وفي ((الحديد)): ((أول آخر ظاهر باطن))، وفي ((الحشر)): ((قدوس سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر خالق بارئ مصور))، زاد جعفر: ((ملك))، وفي ((البروج)): ((مبدئ معيد))، وفي (الفجر)): (وتر)) عند جعفر وحده، وفي ((الإخلاص)): ((أحد صمد)). قال: هذا آخر ما رويناه عن جعفر، وأبي زيد، وتقرير سفيان من تتبّع الأسماء من القرآن، وفيها اختلاف شديد، وتكرار، وعدّة أسماء لم تَرِدْ بلفظ الاسم، وهي: ((صادق منعم متفضل منان مبدئ معيد باعث قابض باسط برهان معين مميت باقي))، ووقفت في ((كتاب المقصد الأسنى)) لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد أنه تتبّع الأسماء من القرآن، فتأملته فوجدته كرر أسماء، وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم: ((الصادق والكاشف والعلام))، وذكر من المضاف: ((الفالق)) من قوله: ﴿فَلِقُ اٌلَْبِّ وَالنَّوَىَّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، وكان يلزمه أن يذكر ((القابل)) من قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. قال: وقد تتبّعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم، مما لم يُذكر في رواية الترمذيّ، وهي: ((الرب الإله المحيط القدير الكافي الشاكر الشديد القائم الحاكم الفاطر الغافر القاهر المولى النصير الغالب الخالق الرفيع المليك الكفيل الخلاق الأكرم الأعلى المبين - بالموحدة - الحفي - بالحاء المهملة، والفاء - القريب الأحد الحافظ))، فهذه سبعة وعشرون اسماً إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذيّ مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تَكْمُل بها التسعة والتسعون، وكلها في القرآن، لكن بعضها بإضافة؛ كالشديد، من: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣] والرفيع، من: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥]، والقائم من قوله: ﴿قَابِرُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، والفاطر من: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، والقاهر من: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، والمولى والنصير من: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، ١٩ (٢) - بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا - حديث رقم (٦٧٨٥) والعالم من: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ [المؤمنون: ٩٢]، والخالق من قوله: ﴿خَلِقُ كُلِّ [الزمر: ٦٢]، والغافر من: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣]، والغالب من: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، والرفيع من: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥]، والحافظ من قوله: ﴿قَللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ [يوسف: ٦٤]، ومن قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ, لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذيّ وهي المحيي من قوله: ﴿لَمُحِى الْمَوْقَى﴾ [الروم: ٥٠]، والمالك من قوله: ﴿مَلِكَ اٌلْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والنور من قوله: ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، والبديع من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، والجامع من قوله: ﴿جَامِعُ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩]، والحَكَم من قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا﴾ [الأنعام: ١١٤]، والوارث من قوله: ﴿وَغَحْنُ اٌلْوَرِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، والأسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذيّ مما لم تقع في القرآن بصيغة الاسم، وهي سبعة وعشرون اسماً: ((القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل العدل الجليل الباعث المحصي المبدئ المعيد المميت الواجد الماجد المقدم المؤخر الوالي ذو الجلال والإكرام المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور))، فإذا اقتُصر من رواية الترمذيّ على ما عدا هذه الأسماء، وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها خَرَج من ذلك تسعة وتسعون اسماً، وكلها في القرآن واردة بصيغة الاسم، ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن، إلا قوله: ((الحفيّ)) فإنه في سورة ((مريم)) في قول إبراهيم: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ، كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقلّ من نبَّه على ذلك. قال: ولا يبقى بعد ذلك إلا النظر في الأسماء المشتقة من صفة واحدة، مثل: ((القدير والمقتدر والقادر والغفور والغفار والغافر والعلي والأعلى والمتعال والملك والمليك والمالك والكريم والأكرم والقاهر والقهار والخالق والخلاق والشاكر والشكور والعالم والعليم)، فإما أن يقال: لا يمنع ذلك من عدّها، فإن فيها التغاير في الجملة، فإن بعضها يزيد بخصوصية على الآخر ليست فيه، وقد وقع الاتفاق على أن الرحمن الرحيم اسمان مع كونهما مشتقين من صفة واحدة، ولو مُنع مِن عدّ ذلك للزم أن لا يُعَدّ ما يَشترك الاسمان فيه مَثَلاً من حيث المعنى، مثل: الخالق البارئ المصور، لكنها عُدّت؛ لأنها ولو ٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة اشتركت في معنى الإيجاد والاختراع، فهي مغايرة من جهة أخرى، وهي أن الخالق يفيد القدرة على الإيجاد، والبارئ يفيد الموجد لجوهر المخلوق، والمصور يفيد خالق الصورة في تلك الذات المخلوقة، وإذا كان ذلك لا يمنع المغايرة لم يمتنع عدّها أسماء مع ورودها، والعلم عند الله تعالى. وهذا سَرْدها لِتُحفظ، ولو كان في ذلك إعادة، لكنه يُغتفر لهذا القصد: ((الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار التواب الوهاب الخلاق الرزاق الفتاح العليم الحليم العظيم الواسع الحكيم الحي القيوم السميع البصير اللطيف الخبير العلي الكبير المحيط القدير المولى النصير الكريم الرقيب القريب المجيب الوكيل الحسيب الحفيظ المقيت الودود المجيد الوارث الشهيد الولي الحميد الحق المبين القوي المتين الغني المالك الشديد القادر المقتدر القاهر الكافي الشاكر المستعان الفاطر البديع الغافر الأول الآخر الظاهر الباطن الكفيل الغالب الحكم العالم الرفيع الحافظ المنتقم القائم المحيي الجامع المليك المتعالى النور الهادي الغفور الشكور العفوّ الرؤوف الأكرم الأعلى البرّ الحفيّ الربّ الإله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)). انتهى ما حققه الحافظ ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من التحقيق أن سرد الأسماء مرفوعاً غير ثابتٌ، وإنما هو مدرج من بعض الرواة، وقد حقّق الحافظ تَّتُهُ عدّها مما في القرآن، فأجاد، وأفاد، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الخامسة): قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: ((مائة إلا واحدٌ)) بعد قوله: ((تسعة وتسعون)) أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعاً بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعاً للتصحيف الخطيّ والسمعيّ. وقال الطيبيّ كَُّ: [فإن قلت]: ما فائدة هذا التأكيد - يعني: قوله: ((مائة إلا واحد)) _؟. [قلت]: ما ذكره الشيخ التوربشتيّ: إن معرفة أسماء الله تعالى، وصفاته (١) ((الفتح)) ٤٦٦/١٤ - ٤٧٣، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤١٠).