النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠١) والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما في النسخة الهنديّة بلفظ: ((أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ، أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْماً)) هو الصواب؛ لأنه الموافق لِمَا في ((صحيح البخاريّ)) كما سيأتي في التنبيه، إلا أنه قدّم ((يوماً)» على «ليلة)). والحاصل: أن رواية شعبة بالشكّ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح الحديث الماضي، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: أما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فقد ساقها أبو يعلى تَخْلُ في ((مسنده))، فقال: (٥١٥٧) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، قال: قال رسول الله و ل﴾، وهو الصادق المصدوق: ((إن خَلْق أحدكم لَيُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقيّ أم سعيد، فوالذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها)). انتهى (٢). وأما رواية وكيع عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد تَّتُ مقروناً بيحيى القطّان، فقال في «مسنده)) : (٤٠٩١) - حدّثنا يحيى عن الأعمش ووكيع، ثنا الأعمش، قال: ثنا زيد بن وهب، عن عبد الله قال: ثنا رسول الله وَطير، وهو الصادق المصدوق، قال: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه في أربعين يوماً، أو قال: أربعين في موضع آخر، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الغرض للمصنّف بهذا الكلام بيان وقوع = الشك في رواية شعبة في موضع واحد، لا في موضعين، كما هو واضح من رواية البخاريّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (١) هامش النسخة التركيّة ٤٥/٨. (٢) ((مسند أبي يعلى)) ٨٩/٩. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ليلة - قال وكيع ـ: ليلةً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسِل الله رَ إليه الملَك بأربع كلمات: عمله، وأجله، ورزقه، وشقيّ أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيُختم له بعمل أهل النار، فيكون من أهلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيُختم له بعمل أهل الجنة، فيكون من أهلها)). انتهى (١). وأما رواية شعبة عن الأعمش، فقد ساقها البخاري في ((صحيحه))، فقال : (٧٤٥٤) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا الأعمش، سمعت زيد بن وهب، سمعت عبد الله بن مسعود ظله يقول: حدّثنا رسول الله وَّفيه، وهو الصادق المصدوق: ((إن خَلْق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، أو أربعين ليلةً، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة، فيدخلها)). انتهى (٢). وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٢] (٢٦٤٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ نُمَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ، عَنْ خُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((يَدْخُلُ الْمَلَُ (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٢٩/١. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٧١٣. ٣٦٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٢) عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ (١) وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ؟، فَيُكْتَبَانٍ، فَيَقُولُ: أَبْ رَبِّ أَذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟(٢) فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَ يُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجمحي مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٢ - (أَبُو الطّفَيْلِ) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ، وربما سُمّي عمراً، وُلد عام أُحد، ورأى النبيّ وَّ، وروى عن أبي بكر، فمَن بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة، على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة ﴿ على الإطلاق، قاله مسلم وغيره (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٧/ ١٦٣١. ٣ - (حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ) - بفتح الهمزة - ويقال: ابن أُميّة بن أَسِيد الْغِفَاريّ، أبو سَرِيحة - بمهملتين، مفتوح الأول - شَهِد الحديبية، وقيل: إنه بايع تحت الشجرة. رَوَى عن النبيّ ◌َّهِ، وعن أبي بكر، وعليّ، وأبي ذرّ. وروى عنه أبو الطفيل، والشعبيّ، ومعبد بن خالد، وهلال بن أبي حصين، وغيرهم، وقال عثمان بن أبي زرعة، عن أبي سلمان المؤذن: توفي أبو سريحة، فصلى عليه زيد بن أرقم، وقال ابن حبان: مات اثنتين وأربعين. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان، هذا الحديث برقم (٢٦٤٤) وأعاده بعده مرّتين، وحديث (٢٩٠١): ((إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ... ))، وأعاده بعده. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لِمَا أسلفناه (١) وفي نسخة: ((أو خمس)). (٢) وفي نسخة: ((أم أنثى)). ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر غير مرّة، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن الأول هو آخر من مات من على الإطلاق. الصحابة شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، وقوله: (يَبْلُغُ بِ النَّبِيَّ وَّهِ) جملة حالية، وقد تقدّم قريباً نكتة عدوله عن قوله: عن النبيّ وَّه أو نحوه إلى هذه الصيغة، فلا تغفل. (قَالَ) النبيّ ◌ََّ: ((يَدْخُلُ الْمَلَك)؛ أي: الموكّل بالرحم، (عَلَى النُّطْفَةِ) بضمّ النون، وسكون الطاء المهملة: ماء الرجل والمرأة، جَمْعها: نُطفٌ، ونِطافٌ، مثلُ بِيُرْمة، وبُرَم، وبِرام، قاله الفيّوميّ(١). (بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِم) قال المجد تَخْتُهُ: الرِّحْمُ بالكسر، وككتِفٍ: بيتُ مَنْبِتِ الوَلَدِ، ووِعاؤُه،َ والقَرَابَةُ، أو أصْلُهَا، وأسبابُها، جَمْعه: أرْحَامُ. (٢) انتھی' وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الرحم: موضع تكوين الولد، ويُخفف بسكون الحاء، مع فتح الراء، ومع كسرها أيضاً، في لغة بني كلاب، وفي لغة لهم تُكسر الحاء إتباعاً لكسرة الراء، ثم سمّيت القرابة والوصلة من جهة الولاء رَحِماً، فَالرَّحِمُ خلاف الأجنبيّ، والرَّحِمُ أنثى في المعنيين، وقيل: مذكّر، وهو الأكثر في القرابة. انتهى (٣). (بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ) وفي نسخة: ((أو خمس))، والظاهر أنها أَولى؛ لموافقتها لـ(ليلةً))، و((أو)) هنا للشكّ، والشكّ من ابن عيينة، كما بيّنه أحمد في ((مسنده)) (٤)، ولفظه: ((بأربعين ليلة - وقال سفيان مرة -: أو خمس وأربعين ليلةً)). (وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) قال القرطبيّ كَُّ: هذا كله شكّ من الرواة، وحاصله: أن بَعْث الملَك المذكور في هذا الحديث إنما هو في الأربعين الرابعة التي هي مدّة التصوير، كما دلّ على ذلك ما قدّمناه قبل هذا، وسُمّيت المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى قوله: ((بعث الله إليها ملكاً، وصوّرها، وخلق سمعها وبصرها، وجِلْدها، وعظامها))، فعَطَف بالفاء المرتبة، (١) ((المصباح المنير)) ٦١١/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٤٣٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١. (٤) راجع: ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/٤. ٣٦٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٢) وهذا لا يكون حتى تصل النطفة إلى حال نهاية المضغة، كما دلّ عليه ما تقدَّم. وبهذا تتفق الروايات، ويزول الاضطراب المتوهّم فيها - والله أعلم -. ونسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازيّة لا حقيقية، وإنما صَدَر عنه فِعل ما في المضغة، كان عنه التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى، وخلقه، واختراعه، ألا ترى أن الله تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنا جميع الخليقة، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَّةٍ مِن طِينٍ (١) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ١٣) الآية [المؤمنون: ١٢، ١٣]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْشَكُم مِّن قُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَقٍ﴾ الآية [الحج: ٥]، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكٌ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]، وغير ذلك من الآيات. هذا مع ما دلّت عليه قاطعات البراهين، من أنه لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. [تنبيه]: هذا الترتیب العجيب، وإن خَفِیت حکمته، فقد لاحت لنا حقيقته، وهو أنه كذلك سَبَق في علمه، وثَبَت في قضائه، وحُكمه، وإلا فمن الممكن أن يوجد الإنسان، وأصناف الحيوان، بل وجميع المخلوقات في أسرع من لحظة، وأيسر من النطق بلفظة، كيف لا؟ وقد سمع السامعون قوله : ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُنُ [النحل: ٤٠]. انتهى(١) . (فَيَقُولُ) الملك: (يَا رَبِّ أَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ؟، فَيُكْتَبَانِ) بضمّ أوله، ومعناه: يُكتب أحدهما، (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟) وفي نسخة: أم أنثى؟ (فَيُكْتَبَانِ)؛ أي: يُكتب أحدهما، (وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ) من الطاعات، أو المعاصي، (وَأَثَرُهُ)؛ أي: أثر وَضْع قدمه؛ أي: قدر آثار قدميه في الأرض مدّة حياته، (وَأَجَلُهُ)؛ أي: مقدار ما يعيشه في الدنيا من الزمن، (وَرِزْقُهُ)؛ أي: كلّ ما ينتفع به من علم، أو مال، حلالاً كان، أو حراماً، قليلاً كان، أو كثيراً. (ثُمَّ تُطْوَى) بالبناء للمفعول؛ أي: تُلَفّ تلك (الصُّحُفُ) بضمّتين: جمع صحيفة؛ أي: الأوراق التي كُتبت فيها هذه الأشياء، (فَلَا يُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ))) بالبناء (١) ((المفهم)) ٦٥٥/٦ - ٦٥٦. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر للمفعول فيهما؛ أي: لا يزاد فيها من غيرها، ولا يُنقص شيء مما كُتب فيها، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة بن أَسِيد ◌َظُبه هذا من أفراد المصنّف تَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٧٠٢ و٦٧٠٣ و٦٧٠٤ و٦٧٠٥ و٦٧٠٦] (٢٦٤٤ و٢٦٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٤ - ٧)، و(الحميديّ) في (مسنده)) (٣٦٤/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير) (١٧٦/٣)، و(ابن أبي عاصم) في (السُّنَّة)) (٨٠/١)، و(ابن وهب) في ((القدر)) (١٤٤/١)، و(تمّام الرازيّ) في ((الفوائد)) (١٦/٢)، و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص١٨٣ - ١٨٤)، و(اللالكائيّ) في ((أصول الاعتقاد)) (١٠٤٥ و١٠٤٦ و١٠٤٧)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦١٧٧)، و(ابن عبد البرّ) في ((التمهيد)) (١٠٣/١٨)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٢٥٤/١٢)، وفوائده تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود نظاُه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٣] (٢٦٤٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ عَامِرَ بَّنَ وَاثِلَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، فَأَتَّى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ يُقَالُ لَهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلِ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّل يَقُولُ: ((إِذَا مَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانٍ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكاً، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَلَحْمَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: بَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ ٣٦٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٣) مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ(١)، وَلَا يَنْقُصُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح) - بمهملات - المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، صدوقٌ، إلا أنه يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمكّين، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرٍ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس (الْمَكِّيِّ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ) ◌َتُهُ (حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) تَعُْ (يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) قال القرطبيّ كَّتُ: يعني: أن أول مبدأ الإنسان في بطن أمه، يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء الله مِنْ خَلْقه ما سبق في علم الله تعالى، من سعادته، ومن شقاوته، ورزقه، وأجله، وعمله؛ إذ قد سبق كَتْبُ ذلك في (١) وفي نسخة: ((على أمر)) بصيغة المصدر. ٣٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر اللوح المحفوظ، كما دلّ عليه الكتاب، والأخبار الكثيرة الصحيحة، وكل ذلك قد سبق به العلم الأزليّ، والقضاء الإلهيّ الذي لا يقبل التغيير، ولا التبديل، المحيط بكل الأمور على التعيين والتفصيل، ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند الله من علم حال النطفة، فتقول: يا رب ما الرزق؟ وما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء؛ أي: يُظهر من قضائه، وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، وتعلّقت به إرادته. انتهى(١). (وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ)؛ أي: السعيد من تصفّح أفعال غيره، فاقتدى بأحسنها، وانتهى عن سيئها، فالسعيد له من غيره عظة، وفي التجارب تحكيم ومعتبر، وقال الغزاليّ تَّلهُ: المراد أن الإنسان يشاهد من خبائث من اضطر إلى مرافقته، وأحواله، وصفاته، ما يستقبحه، فيجتنبه، وقيل لعيسىلعلَّ *: من أدّبك؟ فقال: ما أدّبني أحد، رأيت جهل الجاهل، فجانبته. قال الغزاليّ: ولقد صدق، فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم، لَكَمُلَت آدابهم، واستغنوا عن مؤذِّب. انتهى(٢). (رَجُلاً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِوَهِ يُقَالُ لَهُ: (فَأَتَى) عامر بن واثلة خُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ) ◌َبِهِ (فَحَدَّقَهُ بِذَلِكَ)؛ أي: بما مرّ (مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ظُه: ((الشقيّ من شقي في بطن أمه))، (فَقَالَ) عامر: (وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ) لأعمال الأشقياء؛ لأنه لم يخرج إلى الدنيا، (فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ)؛ أي: الَّمذكور أولاً؛ لأن النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأول، كما قال في ((عقود الجمان)): إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ! تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرفْ ثَانِ أي: فقال حذيفة بن أَسِيد لعامر ﴿ها: (أَتَعْجَبُ) بفتح أوله وثالثه، مضارع عَجِبَ، من باب تَعِبَ. (مِنْ ذَلِكَ؟)؛ أي: من شقاوة الشخص في بطن أمه، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا تَعْجَب من ذلك، ثم ذكر دليل نھیه له، فقال: (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَِّ يَقُولُ: ((إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانٍ) بغير همزة (١) ((المفهم)) ٦٥٤/٦. (٢) ((فيض القدير)) ١٧٧/٢. ٣٦٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٣) وَصْل، وهي لغة تميم، وفي لغة غيرهم: اثنتان بهمزة الوصل. (وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكاً) هو الملك الموكّل بالرحم، كما بُيّن في حديث أنس الآتي. (فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَلَحْمَهَا، وَعِظَامَهَا) قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: لا يصحّ حَمْل هذا الحديث على ظاهره؛ لأن التصوير في ١٢ الأربعين الثالثة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَلَةٍ مِن طِينٍ [المؤمنون: ١٢] - إلى قوله -: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فهذه الآية تُفَسِّرُ ما جاء في هذه الأحاديث من اختلاف ألفاظها، ويكون معنى صوّرها، وخلق سمعها وبصرها: كتب ذلك، وما قضى ◌َُّلَ له من الذكورة والأنوثة، وكون الأعضاء سويّةً، وغير ذلك، ألا تراه كيف قال: ((ويقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك))، فإنه يدلّ أنه لم يوجد بعدُ، وإنما كُتب، وقوله في الآخر: فيكتبان، وتطوى الصحيفة، ثم يكون للملك تصوير آخَر، وهو وقت نفخ الروح فيه، وله فيه تصرّف بحسب الأقوال وأمثال هذه الأفعال. انتهى(١). (ثُمَّ قَالَ) الملك: (يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ)؛ أي: يأمره بما شاء من الذكورة والأنوثة، (وَيَكْتُبُ الْمَلَلُكُ) قال القرطبيّ ◌َخَذْتُ: ((ويكتب الملك))؛ يعني: من اللوح المحفوظ، كما تقدَّم في حديث يحيى بن أبي زائدة، ولذلك عَطَف هذه الجملة على ما تقدم بالواو؛ لأنَّها لا تقتضي ترتيباً(٢). (ثُمَّ يَقُولُ) الملك: (يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ) التي كتبها، واشتملت على هذه الأمور، والحال أنها (فِي یلوِ)؛ أي: يد ذلك الملك. وقال القرطبيّ كَثّثُ: ((ثم يخرج الملك بالصحيفة))؛ أي: يخرج من حال الغَيبة عن هذا العالم إلى حال مشاهدته، فيُطلع الله تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك؛ ليقوم كلٌّ بما عليه من وظيفته حسب ما سطّر في صحيفته(٣). (١) ((شرح الأبّيّ)) ٧٨/٧. (٣) ((المفهم)) ٦/ ٦٥٥. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٥٥. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (فَلَا يَزِيدُ) الملك في تلك الصحيفة (عَلَى مَا أُمِرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: على الذي أُمر بكتابته، وفي بعض النُّسخ: ((فلا يزيد على أَمْر))، بصيغة المصدر، وفي رواية ابن حبّان: ((في أمر)). (وَلَا يَنْقُصُ))) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر، ويجوز في لغة ضعيفة ضمّ أوله، وكسر ثالثه، من أنقص رباعيّاً، قال الفيّوميّ كَخْذُ: نَقَصَ نَقْصاً، من باب قَتَل، ونُقْصَاناً، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ يتعدى، ولا يتعدى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، و﴿غَيِّرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضاً بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصْتُ زيداً حقَّه، وانْتَقَصْتُهُ مثله، ودرهم نَاقِصٌ، غير تامّ الوزن. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٤] (.) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بَّنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ، وَّسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّوْفَلِيُّ) أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد الله بن سنان، أبو عثمان البصري، يُلَقَّب أبا الجوزاء - بالجيم، والزاي - ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلَد بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقة ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم (١) ((المصباح المنير)) ٦٢١/٢. ٣٧١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٥) المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) فاعل ((ساق)) ضمير ابن جريج؛ أي: ساق ابن جريج الحديث عن أبي الزبير بمثل ما ساقه عمرو بن الحارث عنه في الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية ابن جريج عن أبي الزبير هذه ساقها عبد الله بن وهب تَخْشُهُ في ((القدر))، فقال: (٣٢) - أخبرناه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد القرشيّ، ويعرف بأبي صخرة سنة تسع وثلاثمائة، قال: أنبأ أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن جعفر المدينيّ سنة أربع وثلاثين ومائتين، قال: ثنا رَوْح بن عُبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أنبأ أبو الزبير، أن أبا الطفيل قال: سمعت عبد الله بن مسعود ظته يقول: الشقيّ من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فقلت: خِزْياً للشيطان، أيشقى الإنسان ويَسْعَد قبل أن يعمل؟ قال: فلقيت حذيفة بن أَسيد ظله، فقال: ألا أخبرك بما سمعت من رسول الله وَليفيه، سمعته يقول: ((إذا استقرّت النطفة في الرحم اثنتين وأربعين ليلة، نزل ملك الأرحام، فقال: أيْ رب أشقيّ أم سعيد؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: أي رب ما عمله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: أيْ رب ما أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يعرج الملك بالصحيفة، ما يزاد على ما فيها من الأخبار والقدر)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْفُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْئَمَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ (١) ((القدر لابن وهب)) ١٤٢/١ - ١٤٣. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ خُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بِأَذْنَيَّ هَاتَيْنٍ يَقُولُ: ((إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ: الَّذِي يَخْلُقُهَا - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ اللهُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللهُ سَوِيّاً، أَوْ غَيْرَ سَوِيٌّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ؟ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللهُ شَقِيّاً، أَوْ سَعِيداً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ البغداديّ القطيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر - بفتح النون، وسكون المهملة - الكرمانيّ، كوفيّ الأصلِ، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٩٠/ ٤٧١. ٣ - (زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ) بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ) الطائفيّ، أصله من الكوفة، صدوقٌ، يخطئ، ويدلّس [٦] (م ٤) تقدم في ((الصيام)) ٢٩/ ٢٦٩٧. ٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد عطاء (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٣/٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (عَلَى أَبِي سَرِيحَةً) بفتح السين المهملة، وكسر الراء، بعدها حاء مهملة، کنیة حُذيفة بن أُسِید وقوله: (ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكَ) قال النوويّ ◌َخْذُ: هكذا جميع نُسخ بلادنا: ((يتصوّر)) بالصاد، وذكر القاضي: ((يتسوّر)) بالسين، قال: والمراد بيتسوّر: ينزل، وهو استعارة، مِن تسوّرت الدار: إذا نزلت فيها من أعلاها، ٣٧٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٦) ولا يكون التسوّر إلا من فوق، فيحتمل أن تكون الصاد الواقعة في نُسخ بلادنا مبدلةً من السين، والله أعلم(١). وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ إلخ) الضمير لعبد الله بن عطاء. وقوله: (الَّذِي يَخْلُقُهَا)؛ أي: يصوّرها. وقوله: (أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟) بفتح السين المهملة، وكسر الواو، وتشديد التحتانيّة؛ أي: تامّ الخلق، وغير تامّه. وقوله: (مَا خُلُقُهُ؟) بضمّتين؛ أي: سجيّته. والحديث من أفراد المصنّف تَظْذَلُهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٦] (.) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْقُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي كُلْقُومٌ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، صَاحِبَّ رَسُولِ اللهِ وَهِ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّ مَلَكاً مُؤَكَّلاً بِالرَّحِمِ، إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً بِإِذْنِ اللهِ(٢) لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) أبو عبيدة، صدوقٌ [١١] (ت٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة ثبت في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ كُلْتُومٍ) بن جَبْرِ البصريّ، صدوقٌ يَهِم [٧]. رَوَى عن أبيه، وبكر بن عبد الله المزنيّ، والحسن البصريّ. وروى عنه القطان، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وخالد بن الحارث، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، وعفان، ومسلم بن إبراهيم، وغيرهم. (١) (شرح النوويّ)) ١٦/ ١٩٤. (٢) وفي نسخة: ((يأذن الله)). ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر قال ابن المدينيّ عن يحيى بن سعيد: قال لي ربيعة بن كلثوم في حديث عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: وهل يروي سعيد بن جبير إلا عن ابن عباس؟ وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالحٌ، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: ليس له إلا اليسير، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان شيخاً، وعنده أحاديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وأبوه ثقةٌ، وقال النسائيّ في ((الضعفاء)): ليس بالقويّ. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وعند النسائي حديث آخر في تحريم الخمر. ٤ - (أَبُوهُ) كُلْتُوم بن جَبْر - بجيم، وموحّدة ساكنة - أبو محمد، ويقال: أبو جَبْر البصريّ، صدوقٌ يخطئ [٤]. روى عن عبد الله بن الزبير، وأبي الغادية الجهنيّ، وأنس، وأبي الطفيل، وسعيد بن جبير، وقزعة بن يحيى، ومسلم بن يسار، وغيرهم. وروى عنه ابنه ربيعة، وابن عون، وجرير بن حازم، وعبد الوارث بن سعيد، والحمادان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن سعد في البصريين، وقال: كان معروفاً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: مات سنة ثلاثين ومائة. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية كلثوم بن جبر عن أبي الطفيل هذه ساقها الطبرانيّ تَّهُ في ((الأوسط))، فقال: (٢٦٣١) - حدّثنا أبو مسلم، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، قال: حدّثني أبي، عن أبي الظُفيل عامر بن واثلة، قال: كان عبد الله بن مسعود يخطبنا بالكوفة، فيقول: الشقيّ من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه، فقال حذيفة بن أَسِيد رجل من أصحاب ٣٧٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٧) النبيّ وَ ه عجباً من أمر هذا، يقول: السعيد من سَعِد في بطن أمه، والشقيّ من شقي في بطن أمه، فقال عبد الله: يا حذيفة، وما يعجبك من هذا؟ ثم قال: ألا أحدّثك بالشفاء من ذاك، ثم رفع الحديث، فقال: إن ملكاً موكلا بالرحم، إذا أراد الله وَك أن يخلق شيئاً بإذن الله، فيقول: يا رب أجَله، فيقضي ربك، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك، ويكتب الملك، ثم يقول: شقيّ أم سعيد؟ فيقضي ربك، ويكتب الملك، فيكون كذلك، ما زاد، وما نقص. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٧] (٢٦٤٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَذَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِيَّ بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَتَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكاً، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أي رَبِّ عَلَقَةٌ، أي رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقاً قَالَ: قَالَ الْمَلَُك: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِِّ)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠/ ٢٦٧. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُ، وهو (٤١٢) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية الراوي عن جدّه، وفيه أنس بن مالك ظله أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة. (١) ((المعجم الأوسط)) ١٠٧/٣. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُّ، وقوله: (وَرَفَعَ الْحَدِيثَ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن أنساً رَُّه رفع الحديث إلى النبيّ ◌َّ، وإنما عدل التابعيّ عن الصيغة المشهورة، من: حدّثنا، أو أخبرنا، أو سمعت إلى هذه الصيغة؛ لكونه نسي الصيغة التي ذكرها الصحابيّ، فأتى بصيغة تحتمل ذلك، والله تعالى أعلم. (أَنَّهُ) وَِّ (قَالَ: ((إِنَّ اللهَ رَ قَدْ وَكَّلَ) بالتشديد، من التوكيل، ويجوز تخفيفها، قال في ((الفتح)): وقع في روايتنا بالتخفيف، يقال: وَكَله بكذا: إذا استكفاه إياه، وصَرَف أمره إليه، وللأكثر بالتشديد، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. انتهى(١). (بِالرَّحِم مَلَكاً) المعنى: أنه تعالى فوّض إليه أمره، وجعل التصرّف إليه حسب الأمر الإلهيّ، (فَيَقُولُ) الملك: (أَيْ) حرف نداء، (رَبِّ نُطْفَةٌ) بالرفع والتنوين؛ أي: وقعت في الرحم نطفةٌ، وفي رواية: ((نطفةً)) بالنصب؛ أي: خلقت يا رب نطفةً، ونداء الملَك بالأمور الثلاثة ليس في دفعة واحدة، بل بين كل حالة وحالة مدة تبيَّن من حديث ابن مسعود ظُه المتقدّم أنها أربعون يوماً، قاله في ((الفتح))(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((نطفةٍ)) يجوز فيه الرفع، والنصب، أما النصب فهو رواية القابسيّ، ووجهه أن يكون منصوباً بفعل مقدَّر، تقديره: جعلتَ المنيّ نطفةً في الرحم، أو خلقتَ نطفةً، وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف: أي: يا رب هذه نطفةٌ. [فإن قلت]: كيف يكون الشيء الواحد نطفةً علقةً مضغةً؟. [قلت]: هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملَك في أوقات متعددة، لا في وقت واحد، ولا يقال: ليس فيه فائدة الخبر، ولا لازمه؛ لأن الله علّام الغيوب؛ لأنا نقول: هذا إنما يكون إذا كان الكلام جارياً على ظاهره، أما إذا عُدل عن الظاهر، فلا يلزم المحذور المذكور، وههنا المراد: التماس إتمام (١) ((الفتح)) ٤١٨/١. (٢) ((الفتح)) ٤١٨/١. ٣٧٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآَدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٧) خَلْقه، والدعاء بإفاضة الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام عن ذلك، ونحوهما، ومثل هذا كثير، ووقع في القرآن أيضاً في قوله تعالى حكاية عن أم مريم ◌َلَّالِ: ﴿رَبِّ إِنَِّ وَضَعْتُهَا أَنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] فإنه يكون للاعتذار، وإظهار التأسف. انتهى(١). (أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ) بفتحتين؛ أي: قطعة دم غليظ جامد، (أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ)؛ أي: قطعة لحم قَدْر ما يمضغه الماضغ، وفائدة قول الملك هذا: أن يستفهم هل يتكون منها خلق أم لا؟. (فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقاً) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا أراد الله أن يقضي خَلْقها))؛ أي: أن يتمّ خلقها؛ أي: خَلْق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة، ثم صارت مضغة، ويجيء القضاء بمعنى الفراغ أيضاً(٢). (قَالَ) النبيّ نَّهِ: (قَالَ الْمَلَك: أي رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ)؛ أي عاص لله تعالى (أَوْ سَعِيدٌ؟)؛ أي: مطيع لله تعالى، (فَمَا الرِّزْقُ؟) قال في ((العمدة)): الرزق في كلام العرب: الحظّ، قال الله تعالى: ﴿وَّجْعَلُونَ [الواقعة: ٨٢]؛ أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (َ﴾ هو نصيب الرجل، وما هو خاصّ له، دون غيره، وقيل: الرزق كل شيء يؤكل، أو يُستعمل، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا، فقال: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٢] فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لَمَا أمكن إنفاقه، وقيل: الرزق هو ما يُملك، وهو أيضاً باطل؛ لأن الإنسان قد يقول: اللَّهُمَّ ارزقني ولداً صالحاً، وزوجةً صالحةً، وهو لا يملك الولد، والزوجة، وأما في عُرف الشرع، فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصريّ: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره؛ أن يمنعه من الانتفاع به، ولمّا فَسَّرت المعتزلة الرزق بهذا لا جَرَمَ، قالوا: الحرام لا يكون رزقاً، وقال أهل السُّنَّة: الحرام رزق؛ لأنه في أصل اللغة الحظّ والنصيب، كما ذكرنا، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار حظّاً له، ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل (١) ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٣. ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر إلا من السرقة، فوجب أن نقول: طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً. انتھی(١). (فَمَا الأَجَلُ؟) الأجل هو الزمان الذي عَلِم الله رَك أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يُطلق على غاية المدّة، وعلى المدّة(٢). (فَيُكْتَبُ) بالبناء للمفعول؛ أي: تُكتب هذه الأشياء، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل؛ أي: يكتب الملك (كَذَلِكَ)؛ أي: مثل ما أعلمه الله تعالى من الذكورة، والشقاوة وضدّهما، والرزق، والأجل، (فِي بَطْنِ أَمِّهِ)))؛ أي: في رحمها . وقال في ((العمدة)): قوله: ((فيكتب)) على صيغة المعلوم، قيل: الضمير الذي هو فاعله هو الله تعالى، وقيل: يرجع إلى الملك، ويروى على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجوز أن تكون حقيقة؛ لأنه أمر ممكن، والله على كل شيء قدير، ويجوز أن تكون مجازاً عن التقدير. قال الجامع عفا الله عنه: احتمال المجاز غير صحيح؛ فالصواب أنه حقيقةٌ؛ إذ لا دليل يصرفه، ولا مانع من حَمْله عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: ((في بطن أمه)) ظرف لقوله: ((يكتب)) وهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه، كما تقول: كتبت في الدار، فإن في الدار ظرف لقولك: كتبت، والمكتوب عليه خارج عن ذلك، والتقدير أزليّ، وهو أمر عقليّ محض، ويسمى قضاء، والحاصل في البطن: تعلّقه بالمحل الموجود، ويسمى قَدَراً، والمكتوب هو الأمور الأربعة المذكورة(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظته هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٠٧/١] (٢٦٤٦)، و(البخاريّ) في (١) عمدة القاري)) ٢٩٥/٣. (٣) عمدة القاري)) ٢٩٥/٣. (٢) عمدة القاري)) ٢٩٥/٣. ٣٧٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٧) ((الحيض)) (٣١٨) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٣٣) و((القدر)) (٦٥٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٦/٣ و١١٧ و١٤٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٨٢/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٦/ ٢٦٠)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢١/٧) وفي ((الاعتقاد)) (١/ ١٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في ((العمدة)): (اعلم): أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه من الأحكام بيان حال المبدأ، وهو ذاته، ذكراً وأنثى، وحال المعاد، وهو السعادة، والشقاوة، وما بينهما، وهو الأجل، وما يتصرف فيه، وهو الرزق، وقد جاء أيضاً: ((فَرَغ الله من أربع: من الْخَلْق، والْخُلُق، والأجل، والرزق))، والخلق بفتح الخاء، إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمّها السعادة وضدها . وقال المهلَّب: إن الله تعالى عَلِم أحوال الخلق قبل أن يخلقهم، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وأجمع العلماء أن الأَمَة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تامّ الخلق، واختلفوا فيمن لم يتم خلقه، من المضغة، والعلقة، فقال الأوزاعيّ ومالك: تكون بالمضغة أم ولد مخلّقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدّة، وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب: لا تكون أم ولد، وتكون بالمضغة والعلقة، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ وغيرهما: إن كان قد تبيّن في المضغة شيء من الخلق أصبع، أو عين، أو غير ذلك، فهي أم ولد، وعلى مثله هذا انقضاء العدّة، ثم المراد بجميع ما ذُكر من الرزق، والأجل، والسعادة، والشقاوة، والعمل، والذكورة، والأنوثة: أنه يَظهر ذلك للملك، ويؤمر بإنفاذه، وكتابته، وإلا فقضاء الله، وعِلمه، وإرادته سابق على ذلك. قال القاضي عياض: ولم يُختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يُعَوَّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام، من الاستلحاق، ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف، وقيل: إن الحكمة في عدّتها عن الوفاة بأربعة أشهر، والدخول في الخامس تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة، إذا لم يظهر حَمْل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ، فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدّر حدوث شيء عند ذلك النفخ بإحداث الله تعالى، لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سبباً عادة، لا موجباً عقلاً، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٨] (٢٦٤٧) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَنَانَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً))، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى (@) وَصَدَّقَ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْفَى ﴿ وَكَذَّبَ بِالْمُشْفَ لِلْيُسْرى فسنيسره ◌ِالْحُسْنَى فَسَتْيَسِرُ هُو ٩ [الليل: ٥ - ١٠]). لِلْعُسْرَى رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل باب. ٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة - بفتح الموحّدة، (١) ((عمدة القاري)) ٢٩٥/٣.