النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآَحَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية: ((فصوّرها))، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مُضغة، فيُحمل الأول على أن المراد: أنه يصوّرها لفظاً وكَتْباً لا فعلاً؛ أي: يذكر كيفية تصويرها ويكتبها، بدليل أن جَعْلها ذكراً أو أنثى إنما يكون عند المضغة . قال الحافظ: وقد نوزع في أن التصوير حقيقةً إنما يقع في الأربعين الثالثة، بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر على الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدي به الملَك تصوير ذلك لفظاً وكَتْباً، ثم يشرع فيه فعلاً عند استكمال العَلَقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ولكن بقي في حديث حُذيفة بن أسيد أنه ذَكَر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقةِ، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه. وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون الملَك عند انتهاء الأربعين الأُولى يَقْسِم النطفة إذا صارت عَلَقَة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يَقسِم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدّر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة. وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره، والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة. وقد أخرج الطبري من طريق السُّدِّيّ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] قال عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وذكر أسانيد أخرى قالوا: ((إذا وقعت النطفة في الرحم، طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون عَلَقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً، فإذا أراد الله أن يخلقها بعث ملكاً فصوَّرها كما يؤمر))، ويؤيده حديث أنس عند البخاريّ حيث قال بعد ذِكر النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة: ((فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أيْ رب أذكر أم أنثى؟ ... )) الحديث. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ومال بعض الشراح المتأخرين إلى الأخذ بما دل عليه حديث حُذيفة بن أُسيد من أن التصوير والتخليق يقع في أواخر الأربعين الثانية حقيقةً، قال: وليس في حديث ابن مسعود ما يدفعه، واستند إلى قول بعض الأطباء: إن المنيّ إذا حصل في الرحم حصل له زبدية، ورغوة في ستة أيام أو سبعة من غير استمداد من الرحم، ثم يستمد من الرحم، ويبتدئ فيه الخطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوها، ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير عَلَقة، ثم تتميز الأعضاء، وتمتد رطوبة النخاع، وينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تمييزاً يظهر في بعض، ويخفى في بعض، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يوماً في الأقل، وخمسة وأربعين في الأكثر، لكن لا يوجد سِقْط ذَكَر قبل ثلاثين، ولا أنثى قبل خمسة وأربعين، قال: فيكون قوله: ((فيكتب)) معطوفاً على قوله: ((يُجمَع))، وأما قوله: ((ثم يكون علقة مثل ذلك))، فهو من تمام الكلام الأول، وليس المراد أن الكتابة لا تقع إلا عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيُحمل على أنه من ترتيب الإخبار، لا من ترتيب المخبَر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرّف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه. قال الحافظ: كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أولى، وغالب ما نُقِل عن هؤلاء دَعَاوى لا دلالة عليها . قال ابن العربي تخّثهُ: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك، كونه قابلاً للنَّسخ، والمحو، والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى، فإنه لا يتغير. (١) انتھی' . (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فوالله إن أحدكم))، وفي رواية آدم: ((فإن أحدكم))، ومثله لأبي داود عن شعبة وسفيان جميعاً، وفي رواية أبي الأحوص: ((فإن الرجل منكم ليعمل))، ومثله في رواية حفص دون قوله: ((منكم))، وفي رواية ابن ماجه: ((فوالذي نفسي بيده))، وفي رواية الترمذي وغيره: ((فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل))، لكن وقع عند أبي عوانة وأبي نعيم في ((مستخرجيهما)) من طريق يحيى القطان، عن (١) ((الفتح)) ١٩٥/١٥ - ١٩٨. ٣٢٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الأعمش: ((قال: فوالذي لا إله غيره))، قال في ((الفتح)): وهذه محتملة لأن يكون القائل النبيّ وَ﴿، فيكون الخبر كله مرفوعاً، ويَحْتَمِل أن يكون بعض رواته، ووقع في رواية وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: ((حتى ان أحدكم ليعمل))، ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرَج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، وأكثر الروايات يقتضي الرفع، إلا رواية وهب بن جرير، فبعيدة من الإدراج، فأخرج أحمد، والنسائيّ من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود نحو حديث الباب، وقال بعد قوله: ((واكتبه شقيّاً، أو سعيداً، ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل))، كذا وقع مفصّلاً في رواية جماعة عن الأعمش، منهم المسعوديّ، وزائدة، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وآخرون فيما ذكره الخطيب. وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل وعلقمة وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة، كأنس، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسيّ عن الأعمش، على هذا القَدْر. نعم؛ وقعت هذه الزيادة مرفوعة في حديث سهل بن سعد عند البخاريّ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وفي حديث عائشة عند أحمد، وفي حديث ابن عمر، والْعُرس بن عَمِيرة في البزار، وفي حديث عمرو بن العاص، وأكثم بن أبي الجون في الطبرانيّ. لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قويّ مفردة من رواية حميد، عن الحسن البصريّ عنه، ومن الرواة مَنْ حَذَف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تامّاً عند أنس، فحدَّث به مفرّقاً، فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحبّ الطبريّ، وحينئذ تُحمل رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب على أن عبد الله بن مسعود لِتَحَقُّق الخبر في نفسه أقْسَم عليه، ويكون الإدراج في القَسَم، لا في المقسَم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع. ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ويؤيد الرفع أيضاً أنه مما لا مجال للرأي فيه، فيكون له حُكم الرفع. [تنبيه]: قد اشتَمَلت جملة قوله: ((فوالذي نفسي بيده إلخ)) على أنواع من التأكيد بالقَسَم، ووَصْف المقسَم به، وبـ((أنّ))، وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكر، أو المستبعد، أو من يتوهم فيه شيء من ذلك، وهنا لمّا كان الحكم مستبعَداً، وهو دخول مَن عمل الطاعة طول عمره النار، وبالعكس حَسُن المبالغة في تأكيد الخبر بذلك، والله أعلم (١). وقوله: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ) وفي رواية البخاريّ: ((فوالله إن أحدكم - أو الرجل - ليعمل))، قال في ((الفتح)): وقع في رواية آدم: ((فإن أحدكم)) بغير شكّ، وقدَّم ذِكر الجنة على النار، وكذا وقع للأكثر، وهو كذا عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وفي رواية حفص: ((فإن الرجل))، وأخّر ذِكر النار، وعَكَس أبو الأحوص، ولفظه: ((فإن الرجل منكم)). وقوله: (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) الباء زائدة، والأصل: يعمل عَمَلَ أهل الجنّة؛ لأن قوله: ((عَمَلَ)) إما مفعول مطلق، وإما مفعول به، وكلاهما مستغنٍ عن الحرف، فكانت زيادة الباء للتأكيد، أو ضُمّن ((يعمل)) معنى: يتلبس في عمله بعمل أهل الجنّة، وظاهره: أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وفي حديث سهل بلفظ: ((ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس)) وهو محمول على المنافق، والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. وقوله: ((بعمل أهل الجنة))؛ يعني: من الطاعات الاعتقادية، والقولية، والفعلية، ثم يَحْتَمِل أن الحفظة تكتب ذلك، ويُقبل بعضها، ويُرَدّ بعضها، ويَحْتَمِل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على الخاتمة. (حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) قال الطيبيّ كَُّهُ: ((حتى)) هنا هي الناصبة، و((ما)) نافية، ولم تَكُفّ ((يكون)) عن العمل فهي منصوبة بـ((حتى))، وأجاز غيره أن تكون ((حتى)) ابتدائية، فـ(يكون)) على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضاً. (إِلَّ ذِرَاعٌ) هكذا في هذه الرواية بغير شكّ، ووقع في رواية للبخاريّ: ((غير ذراع، أو باع))، قال في ((الفتح)): والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من (١) ((الفتح)) ١٩٩/١٥ - ٢٠٠. ٣٢٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الموت، فيحال مَن بينه وبين المكان المقصود بمقدار ذراع، أو باع من المسافة، وضابط ذلك الحسيّ: الغرغرة التي جُعلت علامة لعدم قبول التوبة، وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صِرْفاً، وأهل الشرّ صِرْفاً إلى الموت، ولا ذِكر للذين خَلَطوا، وماتوا على الإسلام؛ لأنه لم يقصد في الحديث تعميم أحوال المكلَّفين، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة. (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) وفي رواية ((كتابه))، قال الطيبيّ: الفاء للتعقيب على حصول السبق بلا مُهلة، وضَمّن (يسبق)) معنى: يَغْلِب، فعدّاه بـ((على))؛ أي: يغلب عليه الكتاب، وما قُدّر عليه سَبْقاً بلا مُهلة، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنّة، أو أهل النار. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((عليه)) في موضع نصب على الحال؛ أي: يسبق المكتوب واقعاً علیه. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطيبيّ من التضمين أوضح، والله تعالى أعلم. وفي رواية سلمة بن كهيل: ((ثم يدركه الشَّقَاء - وقال - ثم تدركه السعادة))، والمراد بسَبْق الكتاب: سَبْق ما تضمَّنه، على حذف مضاف، أو المراد: المكتوب؛ والمعنى: أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثّل العمل والكتاب شخصين ساعيين لَظَفِر شخص الكتاب، وغُلب شخص العمل. ووقع في حديث أبي هريرة الآتي عند مسلم: ((وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له بعمل أهل الجنة))، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: ((سبعين سنةً))، وفي حديث أنس عند أحمد، وصححه ابن حبان: ((لا عليكم أن لا تعجبوا بعمل أحد، حتى تنظروا بِمَ يُختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحوّل، فيعمل عملاً سيئاً ... )) الحديث. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٤/٢ - ٥٣٥. ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وفي حديث عائشة عند أحمد، مرفوعاً: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحوّل فعمل عمل أهل النار، فمات، فدخلها ... )) الحديث. ولأحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو: ((خرج علينا رسول الله (َ﴾، وفي يده كتابان ... )) - الحديث، وفيه -: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحابه: ففيم العمل؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل ... )) الحديث. وفي حديث عليّ عند الطبرانيّ نحوه، وزاد: ((صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم السعادة، فتستنقذهم ... )) الحديث، ونحوه للبزار، من حديث ابن عمر، وفي حديث سهل بن سعد: ((إنما الأعمال بالخواتيم))، ومثله في حديث عائشة عند ابن حبان، ومن حديث معاوية نحوه، وفي آخر حديث عليّ المشار إليه قبلُ: ((الأعمال بخواتيمها)). (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا) قال في ((الفتح)): ظاهره أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وثبت في حديث سهل بلفظ: ((ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس))، وهو محمول على المنافق والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. قال: والمراد بسبق الكتاب: سبق ما تضمّنه، على حذف مضاف، أو المراد: المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثّل العمل والكتاب شخصين ساعيين، لَظَفِر شخص الكتاب، وغُلِب شخص العمل. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ١١ / ٤٨٧. ٣٢٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ)؛ أي: يغلب عليه المكتوب؛ أي: المقدَّر، أو التقدير، (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) بأن يستغفر، ويتوب (فَيَدْخُلُهَا))) وفي الحديث تصريح بإثبات القَدَر، وأن التوبة تهدم الذنوب، وأن من مات على شيء حُكم له بذلك من خير، أو شرّ، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة(١). وقال القرطبيّ تَخَّثُ عند قوله: ((فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها)): ظاهر هذا الحديث أن هذا العامل كان عمله صحيحاً، وأنه قَرُب من الجنة بسبب عمله، حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابق القَدَر الذي يظهر عند الخاتمة، وعلى هذا فالخوف على التحقيق إنما هو مما سبق؛ إذ لا تبديل له، ولا تغيير، فإذاً الأعمال بالسوابق، لكن لمّا كانت السوابق مستورة عنّا، والخاتمة ظاهرة لنا، قال وَله: ((إنما الأعمال بالخواتيم))؛ أي: عندنا وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال، وأما العامل المذكور في حديث سهل المتقدّم في ((الإيمان)) فإنَّه لم يكن عمله صحيحاً في نفسه، وإنما كان رياء وسمعةً، ولذلك قال ◌َله: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار))، فيستفاد من هذا الحديث الاجتهاد في إخلاص الأعمال لله تعالى، والتحرز من الرياء، ويستفاد من حديث ابن مسعود تَرْك العُجْب بالأعمال، وترك الالتفات، والركون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى، ورحمته، والاعتراف بمنّته، كما قال ◌َّ: ((لن يُنْجي أحداً منكم عمله ... )) الحديث(٢)، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٠٠/١ و٦٧٠١] (٢٦٤٣)، و(البخاريّ) في (١) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ١/ ٤١٧. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٥٣ - ٦٥٤. ٣٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (بدء الخلق)) (٣٢٠٨) و((الأنبياء)) (٣٣٣٢) و((القدر)) (٦٥٩٤) و((التوحيد)) (٧٤٥٤)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧٠٨)، و(الترمذيّ) في ((القدر)) (٢١٣٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٦/٦)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٧٦)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٩٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢٣/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٢/١ و٤١٤ و٤٣٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦١٧٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٧٥ و١٧٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥١٥٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٠١/٢) و((الصغير)) (١٣٣/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٧٩/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٧٠/٥)، و(الدارميّ) في ((الردّ على الجهميّة)) (ص٨١)، و(اللالكائيّ) في ((أصول الاعتقاد)) (١٠٤٠ و١٠٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢١/٧ و٢٦٦/١٠) وفي ((شُعب الإيمان)) (٢٠٧/١) وفي ((الأسماء والصفات)) (ص٣٨٧) وفي (الاعتقاد)) (ص١٣٧ - ١٣٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (٢٦٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٧١)، والله تعالى أعلم. [المسألة الثالثة]: قال الحافظ تَخّلُهُ: هذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا، قال علي ابن المديني في ((كتاب العلل)): كنا نَظُنُّ أن الأعمش تفرَّد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب. قال الحافظ: وروايته عند أحمد، والنسائي، ورواه حبيب بن حَسّان، عن زيد بن وهب أيضاً، وروايته عند أبي نعيم في ((الحلية))، ولم ينفرد به زيد، عن ابن مسعود، بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد، وعلقمةٌ عند أبي يعلى، وأبو وائل في ((فوائد تَمّام))، ومُخَارق بن سُليم، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي كلاهما عند الْفِرْيابي في ((كتاب القدر))، وأخرجه أيضاً من رواية طارق، ومن رواية أبي الأحوص الْجُشَمِيّ كلاهما عن عبد الله مختصراً. وكذا لأبي الطفيل عند مسلم، وناجية بن كعب في ((فوائد العيسوي))، وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطابيّ، وابن أبي حاتم، ولم يرفعه بعض هؤلاء عن ابن مسعود، ورواه عن النبي ◌َّ مع ابن مسعود جماعة من الصحابة مُطَوَّلاً ومختصراً، منهم: أنس، عند البخاريّ في ((صحيحه))، وحُذيفة بن أَسِيد عند ٣٢٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) مسلم، وعبد الله بن عمر في ((القدر)) لابن وهب، وفي ((أفراد الدارقطني))، وفي ((مسند البزار))، من وجه آخر ضعيف، والفريابي بسند قوي، وسهل بن سعد عند البخاريّ، وأبو هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد بسند صحيح، وأبو ذر عند الْفِرْيابي، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في ((الطبّ))، والطبراني، ورَبَاح اللَّخْميّ عند ابن مردويه في ((التفسير))، وابن عباس في ((فوائد المخلص)) من وجه ضعيف، وعلي في ((الأوسط)) للطبراني من وجه ضعيف، وعبد الله بن عمرو في ((الكبير)) بسند حَسَن، والْعُرْس بن عَمِيرة عند البزار بسند جيد، وأكثم بن أبي الْجَوْن عند الطبراني، وابن مَنْدَه بسند حسن، وجابر عند الْفِريابي، وقد أشار الترمذي في الترجمة إلى أبي هريرة، وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) عن بضع وعشرين نفساً، من أصحاب الأعمش، منهم من أقرانه: سليمان التيمي، وجرير بن حازم، وخالد الحذّاء، ومن طبقة شعبةً: الثوريُّ، وزائدة، وعمار بن زريق، وأبو خيثمة. ومما لم يقع لأبي عوانة: رواية شَريك، عن الأعمش، وقد أخرجها النسائي في ((التفسير)) من ((الكبرى)). ورواية وَرْقَاء بن عمر، ويزيد بن عطاء، وداود بن عيسى أخرجها تَمّام، قال الحافظ: وكنت خرّجته في جزء من طرق نحو الأربعين نفساً عن الأعمش، فغاب عني الآن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك. انتهى (١). وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات القَدَر، ووجوب الإيمان به، والمراد بالقدر في لسان الشرع: أن الله رَكْ عَلِم مقادير الأشياء، وأزمانها أزلاً، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وِفْق ما عَلِمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها . وقد تقدّم في شرح حديث عمر رُه في ((كتاب الإيمان)) البحث في القدر والإيمان به مستوفَى، فراجعه تستفد. ٢ - (ومنها): أن فيه أن خَلْق السمع والبصر يقع والجنين داخل بطن أمه، (١) راجع: ((الفتح)) ٥٨٣/١١. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وقد زعم بعضهم أنه يُعطَى ذلك بعد خروجه من بطن أمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَلِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ الآية [النحل: ٧٨]، وتُعُقّب بأن الواو لا تُرَتِّب، والتحقيق أن خلق السمع والبصر وهو في بطن أمه محمولٌ جزماً على الأعضاء، ثم على القوة الباصرة والسامعة؛ لأنها مودَعة فيها، وأما الإدراك بالفعل فهو موضع النزاع، والذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع. ٣ - (ومنها): أن الأعمال حَسَنها وسيئها أماراتٌ، وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في الابتداء. قاله الخطابيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه القَسَمَ على الخبر الصدق تأكيداً في نفس السامع. ٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى علم المبدإ والمعاد، وما يتعلق ببَدَن الإنسان، وحاله في الشقاء والسعادة. ٦ - (ومنها): أن فيه عِدّةَ أحكام تتعلق بالأصول والفروع، والحكمةِ، وغير ذلك. ٧ - (ومنها): أن السعيد قد يَشقَى، وأن الشقي قد يَسْعَد، لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير. ٨ - (ومنها): أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: هذه التي قَطَعَت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حُسن الحال؛ لأنهم لا يَدُرُون بماذا يُختَم لهم. ٩ - (ومنها): أن عموم مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية [النحل: ٩٧] مخصوص بمن مات على ذلك، وأن من عمل السعادة، وخُتم له بالشقاء، فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس، وما ورد مما يخالفه يُؤَوَّلُ إلى أن يَؤُولَ إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسَّك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثٌ﴾ الآية [الرعد: ٣٩]، وأكثرَ كلٌّ من الفريقين الاحتجاجَ لقوله، والحقّ أن النزاع لفظيٍّ، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن ٣٣١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَحَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة، والموكلين بالآدميّ، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله، فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله تعالى. ١٠ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على صِدق البعث بعد الموت؛ لأن من قَدَرَ على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح بعد أن يصير تراباً، ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها، ولقد كان قادراً على أن يخلقه دفعة واحدة، ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رِفْقاً بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تَعْظُم عليها، فهيَّأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل خلقه من نطفة، وتنقّله في تلك الأطوار إلى أن صار إنساناً جميل الصورة، مُفَضّلاً بالعقل والفهم والنطق، كان حقّاً عليه أن يشكر من أنشأه، وهيأه، ويعبده حَقَّ عبادته، ويطيعه ولا يعصيه. ١١ - (ومنها): أن فيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى، واللاحق ما يُقَدَّر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يَقبَل النَّسخ، وأما ما وقع في ((صحيح مسلم)) في الباب التالي من حديث عبد الله بن عمر ها مرفوعاً: ((كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة))، فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله تَانً. ١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن السِّقْطَ بعد الأربعة أشهر يُصَلَّى عليه؛ لأنه وقتُ نَفْخ الروح فيه، وهو منقول عن القول القديم للشافعيّ، والمشهور عن أحمد، وإسحاق، وعن أحمد: إذا بلغ أربعة أشهر وعشراً، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلّى عليه، والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح، وهو القول الجديد للشافعيّ، وقد قالوا: فإذا بَكَى، أو اختلج، أو تنفس، ثم بطل ذلك صُلِّي عليه، وإلا فلا، والأصل في ذلك ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن جابر رَظُه رفعه: ((إذا استَهَلَّ الصبي وَرِثَ، وصُلِّيَ عليه)). وقد ضعّفه النووي في ((شرح المهذّب))، والصواب ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وَقْفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته، قالوا: وإذا بلغ مائة وعشرين يوماً غُسِل، وكُفِّنَ، ودُفِن بغير صلاة، وما قبل ذلك لا يُشرَع له غُسل ولا غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّقت المسألة في ((شرح النسائيّ))(١)، ورجّحت مذهب القائلين بالصلاة على المولود مطلقاً، سواء استَهَلّ، أو لم يستهلّ، بعد أن يتمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق؛ لحديث المغيرة بن شعبة ربه مرفوعاً: ((الطفل يصلَّى عليه))، حديث صحيح، رواه النسائيّ، وفي رواية أبي داود: ((السقط يصلَّى عليه))، فقد دلّ الحديث على الصلاة عليه مطلقاً . والحاصل: أن المذهب الصحيح هو القول بالصلاة عليه مطلقاً؛ لقوّة دليله، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التخليق لا يكون إلا في الأربعين الثالثة، فأقل ما يتبيّن فيه خلق الولد أحد وثمانون يوماً، وهي ابتداء الأربعين الثالثة، وقد لا يتبيّن إلا في آخرها، ويترتب على ذلك أنه لا تنقضي العدة بالوضع إلا ببلوغها، وفيه خلاف، ولا يثبت للأَمَة أُمّيةُ الولد إلا بعد دخول الأربعين الثالثة، وهذا قول الشافعية والحنابلة، وتوسَّع المالكية في ذلك، فأداروا الحكم في ذلك على كلِّ سِقْطٍ، ومنهم من قَيَّده بالتخطيط، ولو كان خفياً، وفي ذلك رواية عن أحمد، وحجتهم ما تقدم في بعض طُرُقه أن النطفة إذا لم يُقَدّر تخليقها لا تصير علقة، وإذا قُدِّر أنها تتخلق تصير علقة، ثم مضغة إلخ، فمتى وَضَعَت علقة عُرِف أن النطفة خرجت عن كونها نطفة، واستحالت إلى أول أحوال الولد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون أظهر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أن كلّاً من السعادة والشقاء، قد يقع بلا عمل ولا عُمْر، وعليه ينطبق قوله وَيرٍ: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، وسيأتي تحقيق القول في ذلك بعد أربعة أبواب - إن شاء الله تعالى -. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٨٦/١٩ - ١٨٧. ٣٣٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) ١٥ - (ومنها): أن فيه الحثَّ القويَّ على القناعة، والزجرَ الشديد عن الحرص؛ لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يُغنِ التَّعَنِّي في طلبه، وإنما شُرع الاكتساب؛ لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا . ١٦ - (ومنها): أن فيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار، وهو معنى [الزخرف: ٧٢]، قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ولا يعارض ذلك حديث: ((لن يُدخل أحداً عمله الجنّة))؛ لِمَا سيأتي في المسألة التالية من الجمع بينهما - إن شاء الله تعالى -. ١٧ - (ومنها): أن من كُتِب شقيّاً لا يُعلَم حاله في الدنيا، وكذا عكسه، واحتج من أثبت ذلك بحديث عليّ ◌َلُه المتّفق عليه: ((أما من كان من أهل السعادة، فإنه يُيَسَّر لعمل أهل السعادة ... )) الحديث. والتحقيق أن يقال: إن أريد أنه لا يُعلم أصلاً ورأساً فمردود، وإن أريد أنه يُعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب فَنَعم، ويقْوَى ذلك في حقّ من اشتَهَر له لسانُ صدق بالخير والصلاح، ومات على ذلك؛ لقوله في الحديث الصحيح المتّفق عليه: ((أنتم شُهداء الله في الأرض))، وإن أريد أنه يُعلم قطعاً لمن شاء الله أن يُطلِعِه على ذلك، فهو من جملة الغيب الذي استَأَثَرَ الله بعلمه، وأطلَع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه. ١٨ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عَمِل به جمع جَمٌّ من السلف، وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في (كتاب العاقبة)): إن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه، وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويَكثُر وقوعه للمُصِرّ على الكبائر، والمجترئ على العظائم، فَيَهْجُمُ عليه الموت بغتة، فَيَصْطَلِمه الشيطان، عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سبباً لسوء الخاتمة - نسأل الله السلامة - فهو محمول على الأكثر الأغلب. قاله في ((الفتح))(١). وقد أورد الحافظ ابن رجب تَظُّهُ في ((جامع العلوم والحكم)) بعض ما ورد عن السلف من خوفهم سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها، فأورد حديث (١) ((الفتح)) ٥٩٦/١١. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ((الصحيحين)) عن سهل بن سعد نظريته أن النبيّ وَّ التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يَدَعُ شاذّةً، ولا فاذّةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله وَله: ((هو من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتّبعه، فجُرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نَصْل سيفه على الأرض، وذُبَابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله وَله، فقال: أشهد أنك رسول الله وَّهِ، وقَصّ عليه القصة، فقال رسول الله وَله: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة))، زاد البخاري في رواية له: ((إنما الأعمال بالخواتيم)). وقوله: ((فيما يبدو للناس)) إشارةٌ إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يَطَّلِعِ عليها الناسُ، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حُسْن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي رَوّاد: حضرتُ رجلاً عند الموت يُلَقَّنُ ((لا إله إلا الله)، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سَبَق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يَقْلَقُ من ذِكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلّقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يُختَم لنا، وقلوب المقربين معلّقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟ وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله * يقول: ((إن الله تعالى قبض خَلْقه قبضتين، فقال: هؤلاء في ٣٣٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الجنة، وهؤلاء في النار))، ولا أدري في أيّ القبضتين كنت؟(١). قال بعض السلف: ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبداً. وكان سفيان يشتدّ قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيّاً، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضاً على لحيته، ويقول: يا رب قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أيِّ مالكٌ؟. وقال حاتمٌ الأصمّ: من خلا قلبه من ذِكر أربعة أخطار، فهو مُغْتَرٍّ، فلا يَأمَن الشقاء: (الأولُ): خطر يوم الميثاق، حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يَعلَم في أي الفريقين كان. (والثاني): حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملَك بالشقاوة والسعادة، ولا يَدرِي أَمِنَ الأشقياء هو أم من السعداء. (والثالث): ذِكر هول المطلع فلا يَدرِي أيبشَر برضا الله أم بسَخَطه. (والرابع): يومَ يصدُر الناس أشتاتاً فلا يَدري أي الطريقين يُسلَك به. وقال سهل التستري: المريدُ يخاف أن يُبْتَلَى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يُبتَلَى بالكفر. ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجَهُ إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفيّة توجب سوء الخاتمة. وقد كان النبي ◌ّ﴿ يُكثر أن يقول في دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))، فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: ((نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن مك يقلّبها كيف شاء)). أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أنس(٢). (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ١٧٦/٤ - ١٧٧ بإسناد صحيح. (٢) أخرجه أحمد ١١٢/٣ و٢٥٧، والترمذيّ (٢١٤٠) وحسّنه. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وأخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة: أن النبي وّر كان يكثر في دعائه أن يقول: ((اللَّهُمَّ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))، فقلت: يا رسول الله، أَوَ إن القلوب لتتقلب؟ قال: «نَعَم ما من خَلْق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله ريك، فإن شاء ريك أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب))، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلّمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: ((بلى، قولي: اللَّهُمَّ رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأَجِرْني من مُضِلات الفتن ما أحييتني))(١). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله وَليقول يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ريك كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله وَلافيه: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القلوب صَرِّف قلوبنا على طاعتك)). انتهى المقصود مما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى(٢). ١٩ - (ومنها): أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علّةً للولد؛ لأن الجماع قد يَحصُل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك. ٢٠ - (ومنها): أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان، بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه، بخلاف نَفْخ الروح، ولذلك لَمّا خلق الله الأرض أوّلاً عَمَد إلى السماء فسوّاها، وترك (١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٢ وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تُكلّم فيه، والحقّ أنه حَسَن الحديث كما قال البخاريّ، ولا سيما رواية عبد الحميد بن بهرام كما هنا، وقد صرّح بأنه سمع أم سلمة ﴿ تحدّث بهذا الحديث، وقد حققت هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح وغيره. (٢) راجع: ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ١٧٢ - ١٧٥، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. ٣٣٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) الأرض لكثافتها بغير فتق، ثم فُتِقَتَا معاً، ولمّا خلق آدم، فصوّره من الماء والطين، تركه مدة، ثم نفخ فيه الروح. ٢١ - (ومنها): أن الداوديّ استدل بقوله: ((فتدخل النار)) على أن الخبر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يُحبطه إلا الكفر. وتُعُقِّب بأنه ليس في الحديث تَعَرُّض للإحباط، وحَمْله على المعنى الأعم أَولی، فیتناول المؤمن حتى يُختَم له بعمل الكافر مثلاً فیرتدّ، فیموت علی ذلك، فنستعيذ بالله من ذلك، ويتناول المطيع حتى يُختم لهِ بعمل العاصي، فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يُخَلَّد فيها أبداً، بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين. ٢٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح، خلافاً لمن قال به من المعتزلة؛ لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميعُ عمره في طاعة الله، ثم يُختم له بالكفر - والعياذ بالله - فيموت على ذلك، فيدخل النار، فلو كان يجب عليه رعاية الأصلح لم يَحبِط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها، ولا سيما إن طال عمره، وقَرُب موته من كفره. ٢٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المعتزلة على أن مَن عَمِل عمل أهل النار وجب أن يدخلها؛ لترتُّب دخولها في الخبر على العمل، وترتبُ الحكم على الشيء يُشعِر بعلّيته. وأُجيب بأنه علامة لا علة، والعلامة قد تتخلف، سلّمنا أنه علة، لكنه في حق الكفار، وأما العصاة فخرجوا بدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فمن لم يُشرك فهو داخل في المشيئة. ٢٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الأشعريّ في تجويزه تكليف ما لا يطاق؛ لأنه دلّ على أن الله كَلَّفَ العباد كلهم بالإيمان، مع أنه قَدَّرَ على بعضهم أنه يموت على الكفر. وقد قيل: إن هذه المسألة لم يثبت وقوعها إلا في الإيمان خاصة، وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه، وأما مطلق الجواز فحاصل. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين هذا الاستدلال، وأجاد في ذلك، فقال: إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق من ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر البدع المحدثة من المتكلّمين في أصْلَي الدين والفقه، والحقّ فيه التفصيل، فتكليف ما لا يُطاق لِعَجْز العبد عنه عادةً، كالمشي على القفا، أو على الرأس وغيره، فهو غير موجود في الشريعة البتّة، قال رَالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال أيضاً: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢]، وقال ◌َ: ﴿فَنَقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فهو مما رَفَقَ الله ◌ُعَ به علينا من الحرج، فخفّفه على عباده، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وأما تكليف ما لا يُطاق لا للعجز عنه، بل للاشتغال بضدّه من الكفر والفسوق والعصيان، فهذا مما جاءت به الشريعة أمراً ونهياً، وتسميته بما لا يطاق خطأٌ، ولم يَرِد بها الشرع الحنيف. وراجع في هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية تَكْثُ في ((مجموع الفتاوى)) ٤٦٩/٨ وما بعدها، و((درء التعارض)) ٦٥/١. والله تعالى أعلم. ٢٥ - (ومنها): أن فيه أن الله يَعلَم الجزئيات كما يَعلَم الكليات؛ لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة. ٢٦ - (ومنها): أنه ◌َلَ مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومُقَدِّرها، لا أنه يحبها ويرضاها . ٢٧ - (ومنها): أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى، وإيجاده، وخالف في ذلك القدرية والجبرية. فذهبت القدرية إلى أن فِعل العبد من قِبَل نفسه، ومنهم من فرَّق بين الخير والشر، فنَسَب إلى الله الخير، ونفى عنه خلق الشر، وقيل: إنه لا يُعرَف قائله، وإن كان قد اشتَهَرَ ذلك، وإنما هذا رأي المجوس. وذهبت الجبرية إلى أن الكل فِعل الله، وليس للمخلوق فيه تأثير أصلاً، وتوسّط أهل السُّنَّة، فمنهم من قال: أصل الفعل خلقه الله، وللعبد قدرة غير مؤثّرة في المقدور، وأثبت بعضهم أن لها تأثيراً، لكنه يُسَمَّى كسباً، وبَسطُ أدلتهم يطول. قاله في ((الفتح)(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين على الحافظ في (١) ((الفتح)) ١١/ ٥٩٧. ٣٣٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠) هذا التقرير، فقال: هذا تقرير من المؤلّف لكسب الأشاعرة في باب القضاء والقدر، والحقّ أن قدرة العبد ينشأ عنها فعله، ولهذا هو محاسب ومؤاخذٌ عليها، وهي على كلّ حال لا تخرُج عن قدرة الله، ومشيئته بحال، والله تعالى حَلَق العبد، وخَلَق قدرته، فـ((الله خالق كلّ صانع وصنعته))، والله تعالى أعلم. وقد أخرج أحمد، وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، حدثني أبي، قال: ((دخلت على عبادة، وهو مريض، فقلت: أوصني، فقال: إنك لن تَطعَم ◌ُطُعمَ الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وهو أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك ... )) الحديث، وفيه: ((وإن مُتّ، ولست على ذلك دخلت النار)). وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، مرفوعاً مقتصراً على قوله: ((إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه)). ٢٨ - (ومنها): أن فيه أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا ينبغي لأحد أن يغترّ بظاهر الحال، ومن ثَمَّ شُرع الدعاء بالثبات على الدِّين، وبحسن الخاتمة . [تنبيه]: حديث ابن مسعود څه هذا قد يقال: يُعارضه حديث علي عن فائدة العمل مع الآتي في الباب، وهو متّفق عليه، حيث سأل الصحابة تقدم التقدير، فأجابهم النبيّ وَّه بقوله: ((اعملوا فكل ميسر لما خُلِقٍ له)). ويُجمع بينهما بحمل حديث علي ◌َُّه على الأكثر الأغلب، وحَمْل هذا الحديث على الأقل، ولكنه لمّا كان جائزاً تعيَّن طلب الثبات. قاله في ((الفتح)). [تنبيه آخر]: حَكَّى ابن التين: أن عمر بن عبد العزيز: لَمّا سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعةَ، ثم لا يدخل الجنة؟ انتهى. وقد توقف ابن الملقن تَخْثُ في صحة ذلك عن عمر، قال الحافظ تَّهُ: وظهر لي أنه إن ثبت عنه حُمِل على أن راويه حذف منه قوله في آخره: ((فيسبق ٣٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))، أو أكمل الراوي، لكن استبعد عمر وقوعه، وإن كان جائزاً، ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): هذا الحديث يعارضه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ◌َبه مرفوعاً: ((لن يُدخِل أحداً منكم عمَلُهُ الجنةَ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمته ... )) الحديث. وأجاب ابن بطال كَُّ عن ذلك بأن تُحمل الآية - أي: وكذا حديث الباب - على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحمَل الحديث المذكور على دخول الجنة، والخلود فيها . ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فصَرّح بأن دخول الجنة أيضاً بالأعمال. وأجاب بأنه لفظ مُجمَل بيّنه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مُفَسِّراً للآية، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضّله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضّل عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم. وقال القاضي عياض تَخَّهُ: طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أُجمل في الآية. فذَكر نحواً من كلام ابن بطال الأخير، وأن من رحمة الله توفيقَهُ للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله وبرحمته. وقال ابن الجوزي كَخْتُ: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: (الأول): أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. (١) ((الفتح)) ١١/ ٥٩٧ - ٥٩٨.