النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٤٩) - بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة.
٢ - (ومنها): بيان فضل الفقه في الدين؛ لأن من تحلّى بها كان أفضل
من غيره، ولو كان شريف النسب، وقد قال النبيّ وَلفيه: ((من يرد الله به خيراً
يفقّهه في الدين))، فالفقه علامة الخيريّة، وعلامة السعادة في الدنيا والآخرة.
٣ - (ومنها): ذمّ الجهل، وذمّ أهله؛ لأنه وإن كان شريف النسب فجَهْله
يجعله وضيعاً، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتاً لَا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ العِزِّ وَالشَّرَفِ
٤ - (ومنها): بيان أن الأرواح جنود مجنّدة؛ أي: أجناس مجنّسة، أو
جموع مجمعة، تتعارف، وتتناكر حسب ما جُبلت عليه، من الخير والشرّ،
فأهل الخير يأنسون بأهل الخير، وأهل الشرّ يأنسون بأهل الشرّ.
قال المناويّ تَخْلُهُ: التعارف هو التشاكل المعنويّ الموجب لاتحاد الذوق
الذي يُدرك ذوق صاحبه، فذلك علة الائتلاف، كما أن التناكر ضدّه، ولذلك
قیل فيه [من الطويل]:
وَلَا يَصْحَبُ الإِنْسَانُ إِلَّا نَظِيرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ قَبِيلٍ وَلَا بَلَدْ
وقيل: انظر من تصاحب، فقَلَّ من نواة طُرِحت مع حصاة، إلا أشبهتها،
ولهذا قال الغزاليّ تبعاً لبعض الحكماء: لا يتفق اثنان في عِشْرة، إلا وفي
أحدهما وَصْف من الآخر، حتى الطير، ورأى بعضهم مرّة غُراباً مع حمامة،
فاستبعد المناسبة بينهما، ثم تأمل، فوجدهما أعرجين، فإذا أردت أن تعرف من
غابت عنك خِلالُه بموت، أو غَيبة، أو عدم عِشْرة امتحِن أخلاق صاحبه،
وجليسه بذلك، وذلك يدل على كماله، أو نقصه، كما يدل الدخان على النار،
وإذا صاحب الرجل غير شَكْله لم تَدُم صحبته. انتهى(١).
٥ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ كَُّهُ: ويستفاد من هذا الحديث أن
الإنسان إذا وجد من نفسه نَفْرةً ممن له فضيلة، أو صلاح، ينبغي أن يبحث عن
(١) ((فيض القدير)) ٥٥٣/١.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
المقتضي لذلك؛ ليسعى في إزالته، حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك
القول في عكسه.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: معنى ((أجناد مجندة)): أصناف مصنّفة، وقيل:
أجناس مختلفة، ويعني بذلك أن الأرواح، وإن اتفقت في كونها أرواحاً، لكنها
تتمايز بأمور وأحوال مختلفة، تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد،
وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاصّ لذلك النوع للمناسبة،
ولذلك نشاهد أشخاص كلِّ نوع تأْلَف نوعها، وتنفُر من مخالفها، ثم إنا نجد
بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف، وبعضها يتنافر، وذلك بحسب أمور
تتشاكل فيها، وأمور تتباعد فيها، كالأرواح المجبولة على الخير، والرحمة،
والشفقة، والعدل، فتجد من جُبل على الرحمة يميل بطبعه لكل من كان فيه
ذلك المعنى، ويألفه، ويسكن إليه، وينفر ممن اتّصف بنقيضه، وهكذا في
الجفاء والقسوة، ولذلك قد شاع في كلام الناس قولهم: المناسبة تؤلِّف بين
الأشخاص، والشكل يألف شَكْله، والْمِثْل يجذب مثله، وهذا المعنى هو أحد
ما حُمل عليه قوله وَير: ((فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))،
وعلى هذا فيكون معنى ((تعارف)): تناسب، وقيل: إن معنى ذلك هو ما
تعرّف الله به إليها من صفاته، ودلّها عليه من لطفه، وأفعاله، فكل رُوح عَرَف
من الآخر أنه تعرّف إلى الله بمثل ما تعرّف هو به إليه، وقال الخطابيّ: هو ما
خلقها الله تعالى عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول.
قال القرطبيّ: وهذان القولان راجعان إلى القول الأول، فتدبّرهما.
ويُستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وَجَد من نفسه نفرة ممن له
فضيلة، أو صلاح فَتَّش عن الموجب لتلك النفرة، وبَحَث عنه بنور العلم، فإنَّه
ينكشف له، فيتعيّن عليه أن يسعى في إزالة ذلك، أو في تضييقه بالرياضة
السياسية، والمجاهدة الشرعية، حتى يتخلّص من ذلك الوصف المذموم، فيميل
لأهل الفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وَجَد ميلاً لمن فيه شرّ، أو وصف
مذموم. انتهى كلام القرطبيّ كَظُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦ / ٦٤٤ - ٦٤٦.

٢٦٣
(٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٨٧)
٦ - (ومنها): ما قاله في ((شرح السُّنَّة)): فيه دليل على أن الأرواح ليست
بأعراض، وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد في الخلفة. انتهى (١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٥٠) - (بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٧] (٢٦٣٩) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِك،
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيّاً قَالَ
لِرَسُولِ اللهِ وَلِهِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، قَالَ:
حُبَّ اللّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ المدنيّ، ثمّ البصريّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل ببابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري المدني أبو يحيى ثقة
حجة [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها، (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ◌َُّه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّتُهُ، كلاحقه، وهو (٤٠٨) من رباعيّات
الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس ظُ عمّ
لإسحاق، وفيه أنس ﴿له الخادم المشهور، خَدَم النبيّ وَّ عشر سنين، فنال
بركة دعوته، فكَثُر ماله، وأولاده، وطال عمره، فقد جاوز المائة، وهو آخر من
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٩٨/١٠.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مات من الصحابة بالبصرة، وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَظُه: (أَنَّ أَعْرَابِيّاً) وفي الرواية التالية: ((قال
رجل: يا رسول الله متى الساعة؟))، وفي الرواية الثالثة: ((أَنَّ رَجُلاً مِنَ
الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ وَلّر ... ))، قال في ((الفتح)): هو ذو الخويصرة
اليمانيّ، وزعم ابن بشكوال أنه أبو موسى الأشعريّ، أو أبو ذرّ، ثم ساق من
حديث أبي موسى: ((قلت: يا رسول الله المرء يحب القوم، ولمّا يلحق
بهم؟))، ومن حديث أبي ذرّ: ((فقلت: يا رسول الله المرء يحب القوم، ولا
يستطيع أن يعمل بعملهم؟»، وسؤال هذين إنما وقع عن العمل، والسؤال في
حديث الباب إنما وقع عن الساعة، فدلّ على التعدد، ووقع عند الدارقطنيّ
من حديث أبي مسعود: ((أن الأعرابي الذي بال في المسجد قال: يا محمد
متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟))، فدلّ على أن السائل في حديث أنس
هو الأعرابيّ الذي بال في المسجد، وتقدم في ((الطهارة)) أنه ذو الخويصرة
اليمانيّ، كما أخرجه أبو موسى المديني في ((دلائل معرفة الصحابة)).
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ذو الخويصرة هذا هو التميميّ، كما تقدّم في
((الفتح))، وليس ذا الخويصرة الذي اعترض على النبيّ وَ ﴿ حين قسم الغنيمة في
حنين، وقال له: ((اعدل يا محمد))، وأخبر ◌َّله أنه أصل الخوارج، فإن هذا
تميميّ، والمذكور في حديث الباب يَماني، فافترقا(٢)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: مَتَى السَّاعَةُ؟) وفي رواية: ((متى تقوم الساعة؟))،
وفي رواية للبخاريّ: ((متى الساعةُ قائمة؟)) برفع ((قائمة)) ونَصْبه. (قَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء هيّأت
للساعة؟، قال الكرمانيّ دَّثُ: سلك النبيّ وَّ ه مع السائل أسلوب الحكيم،
(١) ((الفتح)) ٣٨٦/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨٨).
(٢) راجع: ((العرف الشذيّ)) للكشميري ١٧٤/١.

٢٦٥
(٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٨٧)
وهو تلقّ السائل بغير ما يَطْلُب مما يُهِمّه، أو هو أهمّ. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ◌َثّثُهُ: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنه سأل
عن وقت الساعة، وإبّان إرسائها، فقيل له: فيم أنت من ذكراها؟ وإنما يُهمّك
أن تهتمّ بأُهبتها، وتعتني بما ينفعك عند إرسائها من العقائد الحقّة، والأعمال
الصالحة، فأجاب بقوله: ((ما أعددت لها إلا أني أحبّ الله ورسوله)).
(قَالَ) الرجل: (حُبَّ اللهِ) رَكَ (وَرَسُولِهِ) وََّ، وفي الرواية الآتية: ((أَنَّهُ
قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ(٢) كَثِيرٍ، أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي))، وفي رواية سَالِمٍ بْنِ أَبِي
الْجَعْدِ الآتية: ((حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَّهُ خَارِ جَيْنٍ
مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلاً عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، قَالَ: فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي
أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ... )). وفي رواية أبي المليح الرّقّيّ، عن الزهريّ، عن أنس:
(خرج رسول الله وَ﴾، فتعرّض له أعرابيّ ... ))، أخرجه أبو نعيم، وله من
طريق شريك بن أبي نَمِر، عن أنس: ((دخل رجل، والنبيّ وَّ يخطب))، ومن
رواية أبي ضمرة، عن حميد، عن أنس: ((جاء رجل، فقال: متى الساعة؟ فقام
النبيّ وَّه إلى الصلاة، ثم صلى، ثم قال: أين السائل عن الساعة؟))، ويُجمع
بينها بأن سأله والنبيّ ◌َ﴿ يخطب، فلم يُجبه حينئذ، فلما انصرف من الصلاة،
وخرج من المسجد رآه، فتذكَّر سؤاله، أو عاوده الأعرابيّ في السؤال، فأجابه
حينئذ(٣).
(قَالَ) النبيّ ◌َِّ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))) زاد سلّام بن أبي الصهباء، عن
ثابت، عن أنس: ((إنك مع من أحببت، ولك ما احتسبت))، أخرجه أبو نعيم،
وله مثله من طريق قُرّة بن خالد، عن الحسن، عن أنس، وأخرج أيضاً من
طريق أشعث، عن الحسن، عن أنس: ((المرء مع من أحبّ، وله ما اكتسب))،
(١) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٣٥/٢٢ - ٣٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٠١/١٠.
(٣) ((الفتح)) ٤٤/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٦٧).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ومن طريق مسروق، عن عبد الله: ((أنت مع من أحببت، وعليك ما اكتسبت،
وعلى الله ما احتسبت))(١).
ومعنى: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))؛ أي: مُلْحَقٌ بهم حتى تكون من زمرتهم،
قال تعالى: ﴿فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩](٢).
قال الحافظ: وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة، فكيف تصحّ المعية؟
فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما، ولا تلزم في جميع
الأشياء، فإذا اتَّفَق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعيّة، وإن تفاوتت
الدرجات(٣). انتھی.
وقال المناويّ كَّلُهُ: ((أنت مع من أحببت))؛ أي: إن كنت كذلك، فأنت
مع من أحببت شهوداً له بالقلب، وذِكراً له باللسان، وخدمةً له بالأركان،
فذِكر الله من العبد بلسانه علامة شهوده له بجَنانه، كما قال: ((اعبد الله كأنك
تراه)). انتهى، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رصّته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠ / ٦٦٨٧ و ٦٦٨٨ و٦٦٨٩ و٦٦٩٠ و٦٦٩١
و٦٦٩٢ و٦٦٩٣ و٦٦٩٤] (٢٦٣٩)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة))
(٣٦٨٨) و((الأدب)) (٦١٧١ و٦١٦٧) و((الأحكام)) (٧١٥٣) وفي ((الأدب
المفرد)» (٣٥٢)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٢٧)، و(الترمذيّ) في ((الزهد))
(٢٣٨٥ و٢٣٨٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣١٧)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢١٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٤/٣ و١١٠ و١٥٩ و١٦٨ و١٧٣
و١٧٦ و١٩٢ و١٩٨ و٢٠٠ و٢٢٦ و٢٢٧ و٢٦٨ و٢٨٣ و٢٨٨)، و(الحميديّ)
(١) ((الفتح)) ٤٤/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٦٧).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠/ ٣٢٠١.
(٣) ((الفتح)) ٣٦/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٦٧).

٢٦٧
(٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٨٧)
في ((مسنده)) (١١٩٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢٨٩ و٢٩٠ و٢٩١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٨ و١٠٥ و٥٦٣ و٥٦٤)، و(الضياء) في ((المختارة)) (٤/
٣٨١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٤٦/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥/
٣٧٣ و٣٤/٦ و١٨٠)، و(الرويانيّ) في («مسنده)) (٣٩٠/٢)، و(البيهقيّ) في
(شعب الإيمان)) (١٣١/٢)، و(تمام الرازيّ) في ((الفوائد)) (٢٢٤/١)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٧٧ و٣٤٧٥ و٣٤٧٦ و٣٤٧٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل حب الله تعالى، ورسوله ◌َّله، والصالحين، وأهل
الخير الأحياء والأموات، فإنه يكون معهم في الجنّة.
وقد أخرج الطبرانيّ عن عائشة ﴿يا قالت: جاء رجل إلى النبيّ وَّ،
فقال: يا رسول الله إنك لأحبّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي،
وإني لأكون في البيت، فأذكرك، فما أصبر حتى آتيَ، فأنظر إليك، وإذا ذكرت
موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت
الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يَرُدّ عليه النبيّ وَّ ر شيئاً، حتى نزل جبريل؛ بهذه
الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، قال الحافظ الهيثميّ: رواه الطبرانيّ في
(الصغير))، و((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران
العابديّ، وهو ثقة. انتهى(١).
٢ - (ومنها): أن من فضل محبة الله تعالى ورسوله صل﴿ امتثال أمرهما،
واجتناب نهيهما، والتأدب بالآداب الشرعية، قاله النوويّ دَخْذَلُهُ.
وقال القاضي عياض تَخُّ: فيه أن محبة الله تعالى، ومحبّة رسوله وَليه
الاستقامة على طاعتهما، وترك مخالفتهما، وإذا أحبّهما تأدّب بآداب
شريعتهما، ووقف عند حدودهما، وأن حبه الله، ولنبيّه بَّ، ولمن أحبه من
الصالحين، ومَيْله بقلبه إليهم إنما ذلك كلّه الله تعالى، وطاعة له، وثمرة صحّة
(١) ((مجمع الزوائد)) ٧/ ٧.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
إيمانه، وشَرْح قلبه، وهو من أعظم الدرجات، وأرفع منازل الطاعات، ومن
أعمال القلوب التي الأجر عليها أعظم من أجر أعمال الجوارح، وإثابة الله
على ذلك أن رُفع إلى منزلة من أحبه فيه، وإن لم يكن له أعمال مثل أعماله،
وهو فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. انتهى (١).
وقال القاري تَخْتُ: ومن علامة المحبة الصادقة أن يختار أمر المحبوب،
ونهيه على مراد غيره، ولذا قالت رابعة العدويّة [من البسيط]:
هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِیعُ
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ
إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ(٢)
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ.
٣ - (ومنها): أنه لا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يَعمَل
عملهم؛ إذ لو عَمِله لكان منهم، ومِثْلهم، وقد صَرَّح في الحديث الذي بعد هذا
بذلك، فقال: ((أَحَبَّ قوماً، ولمّا يلحق بهم))، قال أهل العربية: ((لَمّا)) نفي
للماضي المستمرّ، فيدل على نفيه في الماضي، وفي الحال، بخلاف ((لم))،
فإنها تدلّ على الماضي فقط، ثم إنه لا يلزم من كونه معهم أن تكون منزلته،
وجزاؤه مثلهم من كل وجه، قاله النوويّ ◌َّتُ(٣).
٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال كَّلُهُ: دلّ الحديث على أن من أحب عبداً
في الله، فإن الله جامِع بينه وبينه في جنّته، ومُدخِله مَدخَله، وإن قصّر عن
عمله، وهذا معنى قوله: ((ولم يلحق بهم))؛ يعني في العمل، والمنزلة، وبيان
هذا المعنى - والله أعلم - أنه لمّا كان المحبّ للصالحين إنما أحبهم من أجل
طاعتهم الله، وكانت المحبة عملاً من أعمال القلوب، واعتقاداً لها أثاب الله
معتقد ذلك ثواب الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يُؤتي
فضله من يشاء. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((إكمال المعلم)) ١١٩/٧.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٠٤/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١٦.
(٤) ((شرح ابن بطال على صحيح البخاريّ)) ٤١٦/١٧.

٢٦٩
(٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٨٨ - ٦٦٨٩).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالُوا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى
السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيراً، قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، قَالَ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، والأبواب الثلاثة الماضية.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ؛ كسابقه، وهو (٤٠٩) من رباعيّات
الكتاب.
وقوله: (فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيراً) بالباء الموحّدة، وضبطوه أيضاً بالثاء المثلّثة؛
أي: لم يذكر ذلك الرجل عملاً كبيراً، من صلاة، وصيام، وغيرهما، كما قال
في الرواية الآتية: ((ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة ... )).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرُّنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي
أَنَسُ بْنُ مَالِك؛ أَنَّ رَّجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ. بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا
أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ(١)، أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي).
(١) وفي نسخة: ((من كبير)).

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذكروا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ) تقدّم أنه ذو الخُويصرة اليمانيّ.
وقوله: (أَتَى رَسُولَ اللهِ. بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل حديث سفيان بن عيينة عن
الزهريّ المذكور قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إلخ) الضمير لمعمر بن راشد؛ أي: معمراً قال في
روايته: قال ذلك الأعرابي: ما أعددت إلخ.
وقوله: (مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ) بالثاء المثلّثة، وفي بعض النُّسخ بالباء
الموحّدة، و((من)) زائدة، و((كثيراً)) مفعول به لـ «أعددت)).
وقوله: (أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي) جملة في محلّ نصب صفة لـ «كثير))؛ أي: لم
أُعدّ للساعة كثيراً من الأعمال الصالحة التي أُثني بسببها على نفسي، وأراد
بالأعمال: غير الفرائض؛ لأن الفرائض لا بدّ من الإتيان بها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في
(مصنّفه))، فقال:
(٢٠٣١٧) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال:
حدّثني أنس بن مالك، أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله وَ لقول، فقال: يا
رسول الله متى الساعة؟ فقال رسول الله وَ﴾: ((وما أعددت لها؟)) فقال
الأعرابيّ: ما أعددت لها من كبيرٍ، أحمَدُ عليه نفسي، إلا أني أحب الله
ورسوله، فقال النبيّ وَّةٍ: ((إنك مع من أحببت)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩٠] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ
زَيْدٍ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟))، قَالَ: حُبَّ اللهِ
وَرَسُولِهِ، قَالَ: ((فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الإِسْلَامِ فَرَحاً
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٩٩/١١.

٢٧١
(٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٠)
أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((فَإِنََّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللهَ،
وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَهُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريباً.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
و((أنس بن مالك)) ر ◌ُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَذَتُهُ، كلاحقه، وهو (٤١٠) من رباعيّات
الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، وفيه أنس ظُه، وقد تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ﴿به؛ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) تقدّم أنه ذو الخويصرة
اليمانيّ، (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟)؛ أي: متى
وقت قيام الساعة؟ (قَالَ) بَّ: ((وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟)) وفي رواية البخاريّ:
((قال: ويلك وما أعددت لها؟)) قال القاري تَخْدَثُ: ولَمّا كان السؤال مُحْتَمِلاً
لأن يكون تعنتاً وإنكاراً لها، وأن يكون تصديقاً بها، وإشفاقاً منها، واشتياقاً
للقاء ربه قال ﴿ امتحاناً له: ((ويلك، وما أعددت لها؟)) وإلا لو تحقق عنده
إيمانه بها، وإيقانه لها لقال له: ويحك، بدل: ويلك. انتهى (١).
(قَالَ) الرجل: (حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ) بنصب ((حبَّ)) على أنه مفعول به لمقدّر
دلّ عليه السؤال؛ أي: أعددت لها حبّ الله تعالى، وحبّ رسوله وَّ، وفي
رواية البخاريّ: ((ما أعددت لها، إلا أني أحبّ الله ورسوله)). (قَالَ) وَلو:
((فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ)))؛ أي: ملحَق بهم، وداخل مَدْخَلهم. (قَالَ أَنَسٌْ) ◌َظُله:
(فَمَا فَرِحْنَا) بكسر الراء، (بَعْدَ الإِسْلَام)؛ أي: بعد فرحنا لهدايتنا للإسلام،
(فَرَحاً أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَِّّ ◌َِهِ: ((فَإِنََّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))) قال القرطبيّ كَتُهُ: وإنَّما
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٣٠٤.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
كان فَرَحُهم بذلك أشدّ؛ لأنَّهم لم يسمعوا أن في أعمال البرّ ما يحصل به ذلك
المعنى من القرب من النبيّ ◌َ ﴿ والكون معه، إلا حبّ الله تعالى ورسوله وَلّه،
فَأَعْظِمْ بأمر يُلحق المقصّر بالمشمّر، والمتأخّر بالمتقدِّم. (قَالَ أَنَسٌ) ◌َُّهُ لَمّا
فَهِم أن هذا اللفظ محمولٌ على عمومه معلّقاً به رجاءه، ومحقّقاً فيه ظنه، (فَأَنَا
أُحِبُّ اللهَ) وَ (وَرَسُولَهُ) ◌َِّ (وَأَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ◌َّهِ (وَهُمَرَ) بن
الخطّاب ◌َُّبه، (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ) في الجنّة، (وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ)
قال القرطبيّ: الوجه الذي تمسَّك به أنس ◌ُه يشمل من المسلمين المحبين
كلَّ ذي نفس، فلذلك تعلّقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصِّرين، ورجونا رحمة
الرحمن، وإن كنّا غير مستأهلين. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم البحث فيه مستوفَّى في الحديث الأول من
الباب، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَِّّ وَِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ
أَنَسِ: فَأَنَا أُحِبُّ، وَمَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) - بضمّ الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة
المفتوحة - هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب - بكسر الحاء، وتخفيف السين
المهملتين - البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: قوله: ((الْغُبَريّ)) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى
غُبَر بن غَنْم بن حُبِيّب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، بطنٌ مِن يشكر، قاله
في ((اللباب))(٢) .
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعِيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة -
(١) ((المفهم)» ٦/ ٦٤٧.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٧٤/٢.

٢٧٣
(٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٢)
أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُهُ، كسابقه، وهو (٤١١) من رباعيّات
الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَنَسِ إلخ) فاعل (يذكر)) ضمير جعفر بن سليمان؛
يعني: أنه اختصر الحديث، ولم يَسُقْه مطوّلاً، كما ساقه حمّاد بن زيد.
[تنبيه]: رواية جعفر بن سليمان، عن ثابت هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي
الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: بَيْئَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَّهُ خَارِجَيْنٍ مِنَ
الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلاً عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، قَالَ: فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ(١) صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، قَالَ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله ثلاث
وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
(١) وفي نسخة: ((كثير)).

٢٧٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عَّاب - بمثناة ثقيلة،
ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، وكان لا يدلِّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفَانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ،
ثقةٌ، وكان يرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو٩٨) وقيل: مائة، أو بعد ذلك، ولم يثبت
أنه جاوز المائة (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨.
و((أنس بن مالك)) رُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين غير أنس
فبصريّ، وإسحاق، فمروزيّ.
رجواعنه،
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) اسمه رافع، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ) رَبُهُ (قَالَ: بَيْنَمَا) هي ((بين)) الظرفيّة، زيدت عليها ((ما))، وقد تقدّم
الكلام فيها غير مرّة. (أَنَا وَرَسُولُ اللهِ نََّ) حال كوننا (خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ)
النبويّ، وقوله: (فَلَقِينَا) جواب ((بينما))، والفاء زائدة. (رَجُلاً) تقدّم أنه ذو
الخويصرة اليمانيّ، ويَحتَمِل أن يكون غيره. (عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ) بضمّ السين،
وتشديد الدال المهملتين: هي الظلال المسقّفة عند باب المسجد، قاله
النوويّ تَّهُ(١).
وقال الفيّوميّ تَخَّتُهُ: السُّدَّةُ بالضمّ، في كلام العرب: الْفِناء لبيت الشَّعر،
وما أشبهه، وقيل: السُّدَّةُ كالصُّفَّة، أو كالسَّقِيفة، فوق باب الدار، ومنهم من
أنكر هذا، وقال: الذين تكلموا بِالسُّدَّةِ لم يكونوا أصحاب أبنية، ولا مَدَرٍ،
والذين جعلوا السُّدَّةَ كالصفة، أو كالسقيفة، فإنما فسَّروها على مذهب أهل
الحضر، والسُّدَّةُ: الباب، ويُنسَب إليها على اللفظ، فيقال: السُّدِّيُّ، ومنه
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٦.

٢٧٥
(٥٠) - بَابُ الْمَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٢)
الإمام المشهور، وهو إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ؛ لأنه كان يبيع الْمَقَانع ونحوها في سُدَّةٍ
مسجد الكوفة، والجمع سُدَدٌ مثل غُرْفة وغُرَف. انتهى(١).
(فَقَالَ) الرجل: (يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: (مَا
أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، قَالَ) أنس ◌َُّله: (فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ)؛ أي: خَضَع، وهو من
باب استفعل، من السكون الدالّ على الخضوع، وقال الداوديّ؛ أي: سكن،
وقال الكرمانيّ: استكان افتعل، من السكون، فالمدّ شاذٌ، وقيل: استفعل من
الكون، فالمدّ قياس، قاله في ((العمدة)»(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: اسْتَكَنَ: إذا خَضَع، وذلّ، وتُزاد الأَلِف، فيقال:
اسْتَكَانَ، قال ابن القَطّاع: وهو كثير في كلام العرب، قيل: مأخوذ من
السكون، وعلى هذا فوزنه افتعل، وقيل: من الْكِينة، وهي الحالة السيئة،
وعلى هذا فوزنه استفعل. انتهى (٣).
وقال المرتضى كَثْتُ: استكانَ الرجلُ: خَضَع، وذَلّ، ومنه حديث توبة
كعب: ((أما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما))؛ أي: خَضَعَا، وذَلَّا، ووزنه
افتعل، أُشبعت حركة عَيْنِه، فجاءت ألِفاً. انتهى(٤).
(ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ)
وفي بعض النسخ: ((كثير)) بالثاء المثلّثة، بدل ((كبير)) بالموحّدة،ً وإضافته إلى
ما بعده، من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: صلاة كثيرة، ولا صياماً كثيراً،
ولا صدقةً كثيرة، قال القرطبيّ كَّهُ: يعني بذلك: النوافل من الصلاة،
والصيام، والصدقة؛ لأن الفرائض لا بدّ له، ولغيره من فعلها، فيكون معناه:
أنه لم يأت منها بالكثير الذي يُعتمد عليه، ويُرجى دخول الجنّة بسببه، هذا
ظاهره.
ويَحْتَمل أن يكون أراد: أن الذي فَعَله من تلك الأمور، وإن كان كثيراً،
فإنه محتقَر بالنسبة إلى ما عنده من محبّة الله تعالى، ورسوله بَّر، فإنه ظهر له
(١) ((المصباح المنير)) ٢٧٠/١ - ٢٧١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١ - ٢٨٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣١/٢٤.
(٤) ((تاج العروس)) ص ٨٠٧٠.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أن محبّة الله تعالى ورسوله وسلم أفضل الأعمال، وأعظم القُرَب، فجعلها
عُمْدته، واتّخذها عُدّته، والله تعالى أعلم(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الثاني من سياق
الحديث، فالأول هو الأقرب، فتأملّ بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق.
(وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ) وَ (وَرَسُولَهُ) بَِّ (قَالَ) ◌َِّ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ
أَحْبَيْتَ)))؛ أي: لك الشرف العظيم، وهو أن تلحق بمن أحببتهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩٣] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيُّ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنٍ جَبَلَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيُّ) - بفتح التحتانية، وسكون
المعجمة، وضمّ الكاف - أبو عليّ الصائغ المروزيّ، ثقةٌ [١١].
رَوَى عن عبدان عبد الله بن عثمان، وأخيه شاذان عبد العزيز بن عثمان،
وعلي بن الحكم الأنصاريّ، وهاشم بن مخلد، وعلي بن الحسن بن شقيق،
وحبيب الجلاب المروزيين.
وروى عنه الشيخان، والنسائيّ، وأحمد بن سيار المروزيّ، والفضل بن
محمد الشعرانيّ، ومحمد بن محمد بن رجاء بن السنديّ، ومحمد بن علي
الحكيم الترمذيّ.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مسلمة بن قاسم: روى عنه بعض أصحابنا،
ووثقه .
مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
(١) ((المفهم)) ٦ /٦٤٦ - ٦٤٧.

٢٧٧
(٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٣)
هذا الحديث(١)، وكذلك ليس له عند البخاريّ إلا حديث واحد، وهو حديث:
((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرِشي، وعيبتي ... )) الحديث.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ) - بفتح الجيم، والموحّدة - أبو
عبد الرحمن المروزيّ الْمُلَقَّب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٢١) في شعبان (خ
م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (أَبُوهُ) عثمان بن جَبَلة - بفتح الجيم، والموحّدة - ابن أبي رَوَّاد - بفتح
الراء، وتشديد الواو - الْعَتَكيّ - بفتح العين المهملة، والمثناة - مولاهم،
المروزيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] مات على رأس المائتين (خ م س) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٤٢.
٤ - (شُعْبَةٌ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَلي - بفتح الجيم والميم -
المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمي
بالإرجاء [٥] (ت١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد هذه ساقها
البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٨١٩) - حدّثنا عبدان، أخبرنا أبي، عن شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن
سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك، أن رجلاً سأل النبيّ وَّه: متى الساعة يا
رسول الله؟ قال: ((ما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها من كثيرٍ صلاةٍ، ولا صومِ،
ولا صدقةٍ، ولكني أحب الله ورسوله، قال: ((أنت مع من أحببت)). انتهى (٢).
[تنبيه]: هكذا رواية شعبة عند الشيخين عن سالم بن أبي الجعد، بواسطة
عمرو بن مرّة، لكن أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) دون واسطة، وقد صرّح شعبة
بسماعه عن سالم، ونصّه:
(١) هذا هو الصواب، كما في البرامج الحديثية، وأما الذي في ((تهذيب التهذيب)) عن
((الزهرة)) من أن مسلماً روى عنه أربعة أحاديث، فغير صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى
وليّ التوفيق.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٨٣/٥.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٣٦٣٢) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا غُندر، عن شعبة، قال:
سمعت سالم بن أبي الجعد، عن أنس، أن رجلاً سأل النبيّ ◌َّ متى الساعة؟
قال: ((وما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها من كبيرٍ صلاةٍ، ولا صيام، ولا
صدقةٍ، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: ((فأنت مع من أحببت)). انتهى(١).
ولعلّ شعبة له طريقان في هذا، ويمكن أن يكون سمعه عن عمرو، عن
سالم، ثم لقي سالماً، فسمعه منه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)) ما حاصله: يقال: إن أبا عبدان تفرد برواية
هذا الحديث عن شعبة، وضاق مخرجه على الإسماعيليّ، وأبي نعيم، فأخرجاه
من طريق البخاريّ عنه، وأخرجه مسلم عن واحد، عن عبدان، ووقع لي من
رواية أخرى عن شعبة، أخرجه أبو نعيم في ((المحبين)) من طريق السميدع بن
واهب عنه، وقد رواه منصور عن سالم بن أبي الجعد، كما سيأتي في ((كتاب
الأحكام)»، وأخرجه أبو عوانة من رواية الأعمش، عن سالم، واستغربه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: تفرّد والد عبدان بروايته عن شعبة، فيه
نظر؛ لأنه رواه عنه غندر في ((مسند أبي يعلى))، كما أسلفته آنفاً، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩٤] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَساً (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َيقول
ء
بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
(١) ((مسند أبي يعلى)) ٣١٣/٦.

٢٧٩
(٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٤)
٢ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن
اليمن، صدوقٌ، رُبّما وَهِم [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة،
بوزن جعفر - أبو بكر البصريّ الدَّسْتوائيّ - بفتح الدال، وسكون السين
المهملتين، وفتح المثناة، ثم مدّ ــ ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧]
(ت١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و((أبو عوانة)) هو: وضّاح بن
عبد الله اليشكريّ الواسطيّ.
[تنبيه]: أما رواية شعبة عن قتادة، فقد ساقها أبو يعلى تَّثهُ في ((مسنده))
بسند المصنّف، فقال:
(٣٠٢٤) - حدّثنا أبو موسى(١)، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة،
عن قتادة، قال: سمعت أنساً قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَّز، فقال: متى
الساعة؟ قال: ((ما أعددت لها؟)) قال: أُحِب الله ورسوله، قال: ((أنت مع من
أحببت)). انتهى(٢).
وأما رواية هشام الدستوائيّ عن قتادة، فقد ساقها أبو يعلى تَخُّْ في
((مسنده))، بسند المصنّف أيضاً فقال:
(٣٠٢٣) - حدّثنا أبو موسى، حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي،
عن قتادة، عن أنس، أن رجلاً من أهل البادية، سأل نبيّ الله وَلّ، قال:
وكانوا هم أجدر أن يسألوه من أصحابه، قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال:
((وما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها، غير أني أحبّ الله ورسوله، قال:
((فإنك مع من أحببت))، قال أنس: فما رأيت المسلمين فَرِحُوا بشيء بعد
الإسلام أشدّ فرحاً منه بقوله. انتهى(٣).
(١) أبو موسى في الإسنادين هو محمد بن المثنّى شيخ مسلم في هذا الحديث.
(٣) ((مسند أبي يعلى)) ٣٧٢/٥.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٣٧٣/٥.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وأما رواية أبي عوانة عن قتادة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلِتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٩٥] (٢٦٤٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ
تَرَى فِي رَجُلٍ، أَحَبَّ قَوْماً، وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ
أَحَبَّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مهران الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ المشهور، مات رُبه سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
[تنبيه]: كون عبد الله هنا هو ابن مسعود رضيبه هو الذي مشى عليه بعض
الرواة، وبعضهم جعله عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعريّ رُله، وكلاهما
صحيح، كما يأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
والباقون ذُكروا في الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو مسلسل بالكوفيين، غير إسحاق،
فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ((عبد الله)) مهملاً، وقد
سبقت القاعدة غير مرّة، فلا تغفل، فهو عبد الله بن مسعود نظرته، من السابقين
الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة ﴿ه، ومناقبه جَمّة، وأَمَّره عمر على
الكوفة.