النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٧)
هريرة: ((من لم يبلغ الحنث))، وهذا السياق ظاهره أن هذه الزيادة عن أبي
هريرة موقوفةٌ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن أبا هريرة وأبا سعيد اتفقا على
السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، وهو مرفوع أيضاً، وقد
تقدم في ((العلم)) من طريق أخرى عن شعبة بالإسناد الأول، وقال في آخره:
((وعن ابن الأصبهانيّ: سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة، وقال: ثلاثة لم
يبلغوا الحنث))، وهذه الزيادة في حديث أبي سعيد من رواية شريك، وفي
حِفظه نَظَر، لكنها ثابتة عند مسلم من رواية شعبة عن ابن الأصبهانيّ.
وقال في ((الفتح)): وعبَّر بقوله: ((ولد)) ليتناول الواحد فصاعداً، وإن كان
حديث الباب قد قَيَّد بثلاثة، أو اثنين، لكن وقع في بعض طرقه ذِكر الواحد،
ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: ((من دَفَن ثلاثة، فصبر عليهم، واحتَسَب،
وجبت له الجنة، فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: أو اثنين، فقالت: وواحد،
فسكت، ثم قال: وواحد))، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وحديثٍ ابن
مسعود، مرفوعاً: ((من قدم ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصناً
حصيناً من النار، قال أبو ذر: قَدَّمت اثنين، قال: واثنين، قال أُبَيّ بن كعب:
قدّمت واحداً، قال: وواحداً))، أخرجه الترمذيّ، وقال: غريب، وعنده من
حديث ابن عباس، رفعه: ((من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة، فقالت
عائشة: فمن كان له فرط، قال: ومن كان له فرط .... )) الحديث.
قال الحافظ: وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل
وقع في رواية شريك التي عَلّق البخاريّ إسنادها: ((ولم يسأله عن الواحد))،
وروى النسائيّ، وابن حبان من طريق حفص بن عبيد الله، عن أنس أن المرأة
التي قالت: واثنان، قالت بعد ذلك: يا ليتني قلت: وواحد.
وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، رفعه: ((من مات له
ثلاث من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة))، قلنا: يا رسول الله واثنان؟ قال
محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد، قال: وأنا أظن
ذلك.
قال الحافظ: وهذه الأحاديث الثلاثه أصحّ من تلك الثلاثة، لكن روى
البخاريّ من حديث أبي هريرة، مرفوعاً: ((يقول الله رَك: ما لعبدي المؤمن

٢٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة))، وهذا
يَدخُل فيه الواحد، فما فوقه، وهو أصح ما ورد في ذلك. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٨] (٢٦٣٥) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى
- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ أَبِي
حَسَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانٍ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ ((صِغَارُهُمْ
دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ: أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أَوْ قَالَ:
بِيَدِهِ - كَمَا آَخُذُ أَنَا بِصَنِفَةٍ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى - أَوْ قَالَ: فَلَا يَنْتَهِي - حَتَّى
يُدْخِلَهُ اللهُ، وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ))، وَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصّنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] (٢٤٥) (م قد
ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢.
٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيمي، أبو المعتمر البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (أَبُو السَّلِيلِ) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام - ضُرَيب
- بالتصغير، آخره موحّدة - ابن نُقَير - بِنون، وقاف، مصغّراً - الْقَيسيّ،
الْجُرَيريّ - بضم الجيم، مصغّراً - ثقةٌ [٦] (م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٨٨٥/٤٤.
٦ - (أَبُو حَسَّانَ) خالد بن غَلّق - بِالْغين المعجمة، على الصحيح -
الْقَيْسيّ - بالقاف، والسين المهملة - ويقال: العيشيّ - بالعين المهملة، والشين
المعجمة - البصريّ، ثقة(٢) [٣].
(١) ((الفتح)) ٦٩٠/٣ - ٦٩١.
(٢) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): مقبول، فقد روى عنه اثنان، ووثقه ابن سعد، =

٢٢٣
(٤٧) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٨)
رَوى عن أبي هريرة حديث الدَّعَاميص، وعنه سعيد الجريريّ، وأبو
السليل ضُريب بن نُقير، قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن ماكولا في علاق: يقال فيه: بِالْعين المهملة،
والأول أكثر؛ أي: كونه بِالْغين المعجمة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود في
((القدر))، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: كون أبي حسّان هنا هو خالد بن غَلّاق هو الذي نصّ عليه في
((التهذيبين))، لكن ذكر في ((تحفة الأشراف)) احتمال أن يكون هو الأعرج،
ونصّه: أبو حسّان عن أبي هريرة قيل: اسمه مسلم بن عبد الله الأجرد، وقيل:
خالد بن علاق. انتهى(١).
والأعرج هو: الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله،
صدوقٌ، رُمي برأي الخوارج، قُتل سنة ثلاثين ومائة [٤] (خت م ٤) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٢٤/٣٦.
قال الجامع عفا الله عنه: كون أبي حسّان هنا هو خالد بن غلّاق هو
الصواب؛ لأنه صرّح باسمه: أحمد في ((مسنده))، والبخاريّ في ((الأدب
المفرد)، ونصّ أحمد:
(١٠٣٣٠) - حدّثنا إسماعيل، عن الْجُريريّ، عن خالد بن غلاق
العيشيّ(٢)، قال: نزلتُ على أبي هريرة، قال: ومات ابن لي، فوَجَدت عليه،
فقلت: هل سمعت من خليلك شيئاً، نطيّب بأنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم،
سمعته قال: ((صغارهم دَعاميص الجنة))(٣).
وقال البخاريّ ◌ُّتُهُ :
(١٤٥) - حدّثنا عياش، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا سعيد
= وابن حبّان، وأخرج له مسلم هنا، ولم يتكلّم أحد فيه، فهو ثقة دون شكّ، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(١) ((تحفة الأشراف)) ٤٣٤/١٠.
(٢) تصحَّف في النسخة إلى العبشيّ، والصواب: العيشيّ، ويقال: القيسيّ.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٨٨/٢.

٢٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الْجُريريّ، عن خالد العيشيّ(١)، قال: ((مات ابن لي، فوجدت عليه وَجْداً
شديداً، فقلت: يا أبا هريرة، ما سمعت من النبيّ وَّرِ شيئاً ... )) الحديث(٢).
و((أَبُو هُرَيْرَةَ)) رَظُهُ ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة التحمّل، والأداء منه، ومنهما، كما أسلفته غير مرّة، وفيه رواية الابن عن
أبيه، وفيه ثلاثة اشتهروا بالكنية، أبو السَّلِيل، وأبو حسّان، وأبو هريرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَسَّانَ) خالد بن غلّاق العيشيّ؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي
هُرَيْرَةَ) تَظُهُ: (إِنَّهُ) هذا الضمير المُسمّى بضمير الشأن، قال ابن مالك كَثْتُهُ في
((الكافية الشافية))(٣):
بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى»
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا
إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ
للابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ
حَتْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلِ اسْتَتَرْ
كَـ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ))
فِي بَابِ ((إِنَّ) اسْماً كَثِيراً يُحْذَفُ
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا
أُنْثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
تَأُنِيثُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا))
وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا
أي: إن الشأن والحال (قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانٍ) لم يسمَّيا، (فَمَا) استفهاميّة؛
أي: أيّ شيء (أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا) بضمّ
حرف المضارعة، وتشديد الياء، من التطييب، و(أنفسَنَا)) منصوب على
المفعوليّة؛ أي: تجعل أنفسنا بسببه طيّبة، منشرحة، راضية بقضاء ربّها،
ويَحْتَمِل أن يكون بفتح حرف المضارعة، وكسر الطاء، من طاب يطيب، وعليه
(١) وقع في النسخة: العبسيّ، والعيشيّ بالياء والشين المعجمة.
(٢) ((الأدب المفرد)) ٦٣/١.
(٣) ((الكافية الشافية)) لابن مالك تختفُ ٢٣٣/١ - ٢٣٤ بنسخة الشرح.

٢٢٥
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٨)
فـ(أنفسُنا)) مرفوع على الفاعليّة. (عَنْ مَوْتَانًا) متعلّق بـ«تطيّب))، (قَالَ) أبو
حسّان: (قَالَ) أبو هريرة ◌َُّه: (نَعَمْ) أحدّثك عن رسول الله وَلِّ أنه قال:
((صِغَارُهُمْ)؛ أي: صغار أولاد المسلمين (دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ))) هو بالدال والعين
والصاد المهملات، واحدهم دُعْمُوص، بضم الدال؛ أي: صغار أهلها، وأصل
الدُّعموص: دُوَيَِّة تكون في الماء، لا تفارقه؛ أي: إن هذا الصغير في الجنة لا
يفارقها، قاله النوويّ تَخْذَهُ(١).
وقال المناويّ كَّلُهُ: قوله: ((دعاميص الجنة))؛ أي: صغار أهلها، وهو
بفتح الدال: جمع دُعموص بضمها: الصغير، وأصله دُويّبة صغيرة، يَضْرِب لونها
إلى سواد، تكون في الغدران، لا تفارقها، شَبَّهَ الطفلَ بها في الجنة؛ لِصِغره،
وسرعة حركته، وكثرة دخوله وخروجه، وقيل: هي سمكة صغيرة، كثيرة
الاضطراب في الماء، فاستعيرت هنا للطفل؛ يعني: هم سَيّاحون في الجنة،
دَخالون في منازلها، لا يُمنعون، كما لا يُمنع صبيان الدنيا الدخولَ على الْحُرَم،
وقيل: الدُّعموص: اسم للرجل الزّوّار للملوك، الكثير الدخول عليهم والخروج،
ولا يتوقف على إذن، ولا يبالي أين يذهب من ديارهم، شُبّه طفل الجنة به؛
لكثرة ذهابه في الجنة، حيث شاء، لا يُمنع من أي مكان منها. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَظَُّ: قوله: ((دعاميص الجنة)) هي جمع دُعموص، وهو
دويّةٌ تغوص في الماء، والجَمْع دَعاميص، ودَعَامص، قال الأعشى:
فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكُمْ وَبَحْرُكَ سَاجِ لَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا
ودُعَيميص الرمل: اسم رجل كان داهياً، يُضرَب به المثل، يقال: هو
دُعيميص هذا الأمر؛ أي: عالم به.
قلت(٣): هذا الذي وجدته في كتب اللغة، وأصحاب الغريب أن
الدُّعموص دويبةٌ، تغوص في الماء، ولا يليق هذا المعنى بالدعاميص المذكور
في هذا الحديث، إلا على معنى تشبيه صغار الجنة بتلك الدُّويبة في صغرها،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٨٢.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٤/ ١٩٤.
(٣) القائل هو القرطبيّ كَّثُ.

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أو في غوصهم في نعيم الجنة، وكل ذلك فيه بُعْدٌ، وقد سمعت من بعض من
لقيته؛ أن الدُّعموص يراد به: الآذن على الْمَلِك، المتصرِّف بين يديه، وأنشد
لأمية بن أبي الصَّلْت [من مجزوّ الكامل المرقّل](١):
دُعْمُوصِ أَبْوَابِ الْمُلُو كِ وَجَائِبٍ لِلْخَرْقِ فَاتِخْ
قلت: وهذا يناسب ما ذكره في هذا الحديث. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: ((دعاميص الجنة)): جمع دُغْموص، فُسِّر بالدُّويبة
التي تكون في مستنقع الماء، قال: والدُّعموص: الدّخّال في الأمور؛ أي: إنهم
سيّاحون في الجنة، دَخّالون في منازلها، لا يُمنعون من موضع، كما أن الصبيان
في الدنيا لا يُمنعون من الدخول على الْحُرَم، ولا يَحتجب منهم أحد. انتهى(٣).
(يَتَلَقَى)؛ أي: يستقبل (أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ: أَبَوَيْهِ) ((أو)) للشكّ من
الراوي، ولم يتبيّن لي من هو؟ أي: هل قال: ((أباه))، أو قال: ((أبويه)). (فَيَأْخُذُ
بِثَوْبِهِ)؛ أي: بثوب أبيه، (أَوْ قَالَ: بِيَدِهِ) ((أو)) هنا أيضاً للشكّ، (كَمَا آخُذُ)
بالمدّ مضارع أخذتُ، وقوله: (أَنَا) ضمير منفصل مؤكّد للضمير المستتر في
(آخُذُ))، (بِصَنِفَةٍ ثَوْبِك) بفتح الصاد المهملة، وكسر النون، هو طرفه، ويقال لها
أيضاً: صنيفةٌ، وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: هو بكسر النون، قال الجوهريّ: صَنِفة
الإزار - بكسر النون -: طَرَفه، وهو جانبه الذي لا هُذْب له، ويقال: هي حاشية
الثوب أيُّ جانب كان، وقال غيره: صَنِفة الثوب، وصنيفته: طرفه. انتهى.
وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ(ثوبك))، (فَلَا يَتَنَاهَى)؛ أي: لا يترك
أحدهم أباه، وقوله: (أَوْ قَالَ) ((أو)) للشكّ؛ أي: أو قَالَ الراوي بدلاً من
((يتناهى)): (فَلَا يَنْتَهِي) وهو بمعنى ((يتناهى))، (حَتَّى يُدْخِلَهُ)؛ أي: أحدَهم (اللهُ،
وَأَبَاهُ) معطوف على الضمير المنصوب، ويَحْتَمِل أن تكون الواو معيّة؛ أي: مع
أبيه، (الْجَنَّةَ))) جعلنا الله وَلَ من أهلها .
وقال القرطبيّ تَّلهُ: قوله: ((فلا يتناهى إلخ))؛ أي: ما يترك ذلك، يقال:
(١) أي: زيد فيه سبب خفيف، فصار متفاعلاتن.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٤١.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢/ ١٢٠، و((لسان العرب)) ٣٦/٧.

٢٢٧
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٩)
انتهى، وتناهى، وأنهى: بمعنى ترك، وهكذا الرواية المشهورة: ((أبويه)) بالتثنية،
وعند ابن ماهان: ((أباه)) بالباء الموحّدة، وعند عبد الغافر: ((وإيّاه)) بالياء من
تحتها، وكلُّ له وجه واضح.
وفي هذا الحديث ما يدلّ على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو
قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدلّ عليه أخبار صحيحة كثيرة، وظاهر قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُمْ بِيِمَنٍ أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]،
وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء، فإنَّه قد
تقرّر الإجماع على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازريّ، وإنما الخلاف
في أولاد المشركين على ما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى (١).
وقال المناويّ كَّلُهُ: فيه أن أطفال المسلمين في الجنة، وهو إجماع من يُعْتَدّ
به، ولا عبرة بخلاف المجبّرة، ولا حجة لهم في خبر: ((الشقيّ من شَقِي في بطن
أمه))؛ لأنه عامّ مخصوص، بل الجمهور على أن أطفال الكفار فيها. انتهى (٢).
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدٍ)؛ أي: ابن سعيد شيخه الأول، (قَالَ) سليمان
التيميّ والد المعتمر: (حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ) مصرحاً بالتحديث، بدل قول محمد بن
عبد الأعلى في روايته: ((عن أبي السليل)) بالعنعنة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٦٦٧٨/٤٧ و٦٦٧٩] (٢٦٣٥)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٠٦٢٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٩١/١)، و(البيهقي) في
((الكبرى)) (٦٩٣٤)، و(ابن عبد البر) في ((التمهيد)) (١١٤/١٨)، والله أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ
سَعِيدٍ - عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ شَيْئاً
تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٤٢.
(٢) ((فيض القدير)) ١٩٤/٤.

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليَشكُريّ، أبو قدامة السَّرَخْسيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ، مأمونٌ، سُنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً.
و((التيميّ)) هو سليمان بن طَرْخان المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن سليمان التيميّ هذه لم أجدها
إلا عند الحافظ المزيّ في ((تهذيب الكمال))، أخرجها بسنده، فقال:
وأخبرنا أبو إسحاق بن الدرجيّ، قال: أنبأتنا حفصة بنت محمد بن أبي
زيد بن حمكا، قالت: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحاميّ، قال: أخبرنا أبو سعد
الكنجروذيّ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن
خزيمة، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسيّ، قال:
حدّثنا أبو قُدامة، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن التيميّ، عن أبي السَّلِيل، عن
أبي حسّان، قال: قلت لأبي هريرة: إنه تُؤُفّي ابنان لي، فهل سمعت من
رسول الله * شيئاً تطيّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: ((نعم، صغارهم دعاميص
الجنة، يَلْقَى أحدهم أبويه، أو قال: أباه، فيأخذ بصنفة ثوبه، كما أخذتُ أنا
بصنفة ثوبك، وقال كذا، فلا يفارقه حتى يدخله الله الجنة)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٠] (٢٦٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنُونَ ابْنَ
غِيَاثٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ طَلْقِ بْنِ
مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ
النَّبِيَّ ◌َّهِ بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللّهِ ادْعُ اللهَ لَهُ، فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلاثَةً، قَالَ:
((دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ))، قَالَ
عُمَرُ مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ جَدِّهِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ).
(١) ((تهذيب الكمال)) ١٤٩/٨.

٢٢٩
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٨٠)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٥/٢.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٣ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طَلْق النخعيّ القاضي الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاتٍ) - بكسر الغين المعجمة، وآخره مثلثة -
ابن طَلْق - بفتح الطاء، وسكون اللام - أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [١٠]
(ت٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٥/٣٢.
٥ - (طَلْقُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) النَّخَعِيّ، أبو غِيَاث الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ، ثقة(١) [٣].
رَوَى عن شُريح القاضي، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعنه حفيده
حفص بن غياث، وسفيان الثوريّ، وشريك القاضي، ومحمد بن جابر السحيميّ.
ونسبه ابن خلفون، فقال: طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، كان
معاوية ممن شَهِد القادسية، وفي ((الأربعين)) للجوزقيّ عن عمر بن حفص بن
طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، وكان ممن شَهِد بدراً.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الذهبيّ في ((الكاشف)): ثقةٌ مُقِلّ(٢).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والنسائي، وليس له
عندهم إلا هذا الحديث.
٦ - (أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) بن عبد الله الْبَجَليّ الكوفيّ، قيل:
اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
(١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): مقبول، لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان،
والذهبيّ، وأخرج له مسلم، ولم يطعن فيه أحد، فهو ثقة، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الكاشف)) ٥١٦/١.

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة (
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه؛ أنه (قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسمَّ، (النَّبِيَّ وَُّ بِصَبِيٍّ
لَهَا)؛ أي: بولد لها صغير، (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ ادْعُ اللهَ لَهُ)؛ أي: للصبيّ حتى
يشفى من مرضه، ففي الرواية التالية: ((جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ وَ بِابْنِ لَهَا،
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ)). (فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلاثَةً) وفي
رواية النسائيّ: ((وقد قدّمت ثلاثةً))، (قَالَ) وَطِّ مستفهماً لها: ((دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟))
بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أدفنت ثلاثة أولاد؟ (قَالَتْ) المرأة: (نَعَمْ) دفنت
قبله ثلاثةً، (قَالَ) وَِّ: (لَقَدِ احْتَظَرْتِ)؛ أي: امتنعتِ بمانع وثيق، وأصلُ
الحظر: المنع، وأصل الْحِظَار بكسر الحاء، وفتحها: ما يُجعل حول البستان،
وغيره من قضبان، وغيرها، كالحائط، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(١).
وقال المجد تَُّهُ: حَظَرَ الشيءَ، وعليه: مَنَعَه، وحَجَرَه، واتَّخَذ حَظِيرً،
كاحتَظَرَ، والمالَ حبسه فيها، والشيءَ حازه، والْحَظِيرةُ: جَرِينُ التمرِ، والمحيطُ
بالشيء، خشباً، أو قصباً. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير تَذَتُهُ: والاحتظار فِعلُ الحِظَار، أراد: لقد احتميت بحمى
عظيم من النار، يَقِيك حَرَّها، ويؤمّنك دخولها. انتهى (٣).
(بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ))) - بفتح الحاء المهملة، وكسرها -: هو ما يُجعل
حول البستان، من شجر، ونحوه، وقال المجد تَّتُهُ: الْحِظَارَ، ككتاب:
الحائط، ويُفتَحُ، وما يُعمَل للإبل من شجر، ليقيها البرد. انتهى (٤). وقوله:
(مِنَ النَّارِ) متعلق بـ((احتظرت)).
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((لقد احتظرت بحظار شديد من النار))؛ أي:
امتنعت، وأصل الحظر: المنع، والحظار: ما يُدار بالبستان من عِيدان،
وقَصَب، سمّي بذلك؛ لأنه يمنع من يريد الدخول، والحظيرة، والمحظور منه،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/١٦.
(٣) ((النهاية)) ٤٠٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٠١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٣٠١.

٢٣١
(٤٧) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٨١)
والحظار هنا: هو الحجاب المذكور في الحديث الآخر. انتهى (١).
وقوله: (قَالَ عُمَرُ)؛ أي: ابن حفص شيخه الرابع، (مِنْ بَيْنِهِمْ)؛ أي: من
بين المشايخ الأربعة الذين رووا عن حفص بن غياث، (عَنْ جَدِّهِ)؛ أي: عبّر
بلفظ: ((حدّثنا أبي عن جدّه))، وهو طلق بن معاوية، (وَقَالَ الْبَاقُونَ)؛ أي:
الثلاثة، وهم: ابن أبي شيبة، وابن نُمير، والأشجّ، (عَنْ طَلْقٍ)؛ أي: قالوا:
حدثنا حفص، عن طلق، (وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ)؛ أي: لم يقولوا: ((عن جدّه)).
وغَرَض المصنّف تَخْذَلُ بهذا بيان الاختلاف الواقع بين شيوخه، وإن كان
الاختلاف في الحقيقة لفظيّاً، إذ الجدّ هو طلق، فلا اختلاف في الحقيقة،
وإنما هو لبيان الألفاظ التي أدّوا بها ما تحمّلوه، وسمعه منهم المصنّف، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه هذا من أفراد المصنّف رَّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٨٠/٤٧ و٦٦٨١] (٢٦٣٦)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (١٤٤ و١٤٧)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٦/٤) وفي
((الكبرى)) (٢٠٠٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤١٩/٣ و٥٣٦)، و(ابن راهويه)
في («مسنده)) (٢١٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦/٣)، و(تمام) في
((الفوائد)) (٣٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٧/٤) و((شُعب الإيمان)) (٧)
١٣٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنْ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ أَبِي غِيَاتٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ
جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ وَهَ بِابْنِ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ، قَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَّ: ((لَقَدِ احْتَظَرْتٍ
بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ))، قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٤٢.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ، وقاضيها، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ) بيّن به أن زهير بن حرب
قال في روايته: حدّثنا جرير، عن طلق، ولم يذكر كنية طلق، وهو أبو غياث
بِالْغين المعجمة، ثم التحتانيّة، آخره ثاء مثلّثة.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّهُ، وقد مضى شرحه وبيان مسألتيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[خاتمة]: نختم بها الباب:
(اعلم): أن الإمام ابن عبد البرّ قد ذكر اختلاف أهل العلم في الأطفال،
أحببت ختم الباب به تتميماً للفوائد، وتكميلاً للعوائد:
قال رَخْذُهُ: وأما اختلاف العلماء في الأطفال، فقالت طائفة: أولاد الناس
كلهم، المؤمنين منهم والكافرين إذا ماتوا أطفالاً صغاراً ما لم يبلغوا في
مشيئة الله وَ يصيّرهم إلى ما شاء من رحمة، أو عذاب، وذلك كلّه عدلٌ منه،
وهو أعلم بما كانوا عاملين.
وهو قول جماعة من أهل الأثر، منهم حماد بن زيد، وهو الذي يدلّ
عليه ((موطأ مالك))، وهذا القول نسبه أهل الكلام إلى أهل الأخبار.
وحجة من ذهب إلى هذا حديث أبي هريرة ربه أن رسول الله وصل* سئل
عن الأطفال؟ فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
وحديث أنس بن مالك رضيه، عن النبيّ وَلو قال: ((إن الله رَ وَكّل بالرحم
مَلَكاً، يقول: يا رب نطفة، يا رب عَلَقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه،
قال: أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ وما الرزق؟ وما الأجل؟ فيُكتب في بطن أمه)).
وحديث ابن مسعود تظله قال: حدّثنا رسول الله وَلل، وهو الصادق
المصدوق: ((أن ابن آدم يمكث في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يصير عَلَقة أربعين
يوماً، ثم يصير مُضغَةً أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: يا رب
أذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ وما الأجل؟ وما الأثر؟ فيوحي الله، ويكتب
الملَك، حتى إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا
ذراع - أو قَيْد ذراع - فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل النار،

٢٣٣
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٨١)
فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع - أو قيد ذراع - فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل الجنة،
فیدخل الجنة)).
وقد رَوَى هذا المعنى جماعة من الصحابة
وقد رُوي عن ابن عباس بالأسانيد الصحاح عنه، أن النبيّ وَّ سئل عن
أولاد المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
ورواه أبو هريرة عن النبي ◌َ ي مثله، وطرقه عن أبي هريرة صحاح ثابتة،
وهي أثبت من جهة النقل من كل ما رُوي في هذه الأبواب.
ومن جهة من ذهب إلى هذا المذهب أيضاً حديث عائشة رضيؤها قالت: أتى
رسول الله * بصبي من صبيان الأنصار؛ ليصلي عليه، فقلت: طوبى له،
عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءاً، ولم يدركه ذنب، فقال النبيّ ◌َمطار:
((أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلها، وخلقهم
في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلها، وخلقهم في أصلاب
آبائهم))(١) .
وهو حديث رواه طلحة بن يحيى، وفضيل بن عمرو، عن عائشة بنت
طلحة، عن عائشة، وليس ممن يُعتمد عليه عند بعض أهل الحديث.
ومن حجتهم أيضاً: حديث ابن عباس، عن أبيّ بن كعب؛ أن
رسول الله ◌َي﴿ قال: ((إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً))(٢).
وهذا خبر لم يروه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
عن أُبَيّ مرفوعاً إلا رقبة بن مَسْقلة، وعبد الجبار بن عباس الهمدانيّ، ولم
يرفعه شعبة، والثوريّ.
وهو مذهب ابن عباس في كتابه إلى نَجْدة الحروريّ، حيث قال له: وأما
الغلمان، فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام، فاقتلهم.
على أنه قد رُوي عن عكرمة وقتادة؛ أن الذي قَتَله الخضر رجلٌ، وكان
(١) حديث صحيح. رواه النسائيّ ٤ / ٥٧.
(٢) حديث صحيح. رواه أبو داود ٢٢٧/٤.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
قاطع طريق، وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللغة في لفظ الغلام؛ لأن الغلام عندهم
هو الصبي الصغير، يقع عليه عند بعضهم اسم الغلام من حين يَفهم إلى سبع
سنين، وعند بعضهم يسمى غلاماً، وهو رضيع إلى سبع سنين، ثم يصير يافعاً،
ويَفَاعاً إلى عشر سنين، ثم يصير حَزَوّراً إلى خمس عشرة سنة، واختلف في تسمية
منازل سِنِّه بعد ذلك إلى أن يصير هِمّاً فانياً كبيراً مما لا حاجة بنا إلى ذكره.
وقال آخرون، وهم الأكثر: أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار
في المشيئة.
ومن حجتهم: حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَّم قال: ((ما من المسلمين
من يموت له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله وإياه الجنة
بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: لا
حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي)).
ومعلوم أن من أدركته الرحمة من أجل غيره، وشَفَع فيه غيره أنه قد كان
مرحوماً قبله، وكان أرفع حالاً، وأسلم ممن شَفَع فيه.
وحديث شعبة عن معاوية بن قُرّة، عن أبيه، أن رجلاً جاء بابنه إلى
النبيّ وَّة، فقال له رسول الله مَله: («أتحبه؟)) فقال: أحبك الله يا رسول الله كما
أحبه، فتُوُفّي الصبي، ففقده النبيّ بَّهَ، فقال: ((أين فلان؟)) قالوا: يا رسول الله
تُؤُقّي ابنه، ثم دخل الرجل، فقال له رسول الله وَّ ه: ((أما ترضى أن لا تأتي
باباً من أبواب الجنة، إلا جاء يسعى، يفتحه لك؟)) فقالوا: يا رسول الله أله
وحده، أم لنا كلنا؟ قال: (بل لكم كلكم)) (١).
رواه يحيى القطان، وابن مهديّ، ومحمد بن جعفر، وعلي بن الجعد،
وغيرهم عن شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، عن النبيّ وَلِ ه .
وحديث البراء عن النبيّ ◌َّر؛ أنه قال في ابنه إبراهيم: ((إن له مرضعاً في
الجنة)) .
وحديث أبي هريرة؛ أنه قال: سمعت رسول الله وَ* يقول: ((صغارهم
دعاميص الجنة)).
(١) حديث صحيح.

٢٣٥
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٨١)
وحديث أبي هريرة أيضاً: ((أولاد المسلمين في جبل تكفلهم سارة
وإبراهيم، فإذا كان يوم القيامة دَفعوهم إلى آبائهم))(١).
واحتجوا أيضاً بما رُوي عن علي بن أبي طالب ◌َظُه في قول الله رَّت:
(٢)﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩] قال: هم
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةُ ﴿ إِلَّ أَضْحَبَ آلْيَمِنِ
أطفال المسلمين.
وقال آخرون: حُكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة،
منهم مؤمنون بإيمان آبائهم، وكافرون بكفر آبائهم، فأطفال المسلمين في الجنة،
وأطفال الكفار في النار.
وحجتهم حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة؛ أن رسول الله وعليه قال
في أطفال الكفار: ((هم من آبائهم)).
قال: وهذا عندي لا حجة فيه؛ لأنه إنما ورد في أحكام الدنيا أنهم إن
أصيبوا في التبييت والغارة، فلا قَوَد فيهم، ولا دية، وقد نَهَى رسول الله وَه
عن قَتْل النساء والصبيان في دار الحرب.
واحتجوا أيضاً بحديث الشعبيّ عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد
الجعفيّ، قال: أتيت النبيّ بَ﴿، فقلت: يا رسول الله، إن أمنا ماتت في
الجاهلية، وكانت تَقْري الضيف، وتَصِلُ الرحم، وتفعل، وتفعل، فهل ينفعها
من عملها شيء؟ قال: ((لا))، قلنا: إن أمنا وَأَدت أختاً لنا في الجاهلية، لم
تبلغ الحنث، فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله وَله: ((الوائدة، والموؤودة
في النار، إلا أن تُدرِك الوائدة الإسلام، فيُغفر لها)).
وروى بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهانيّ، قال: سمعت
عبد الله بن أبي قيس يقول: سمعت عائشة تقول: سألت النبيّ وَّ عن ذراريّ
المؤمنين؟، فقال: ((هم مع آبائهم)) قلت: فلا عمل، قال: ((الله أعلم بما كانوا
عاملين)). وسألته عن ذراري المشركين؟ فقال: ((هم مع آبائهم))، قلت: فلا
عمل، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
(١) أخرجه ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) ١١٥/١٨.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقد روي هذا الحديث عن عائشة أيضاً من وجهين غير هذا، هما
أضعف من هذا.
وفي حديث أبي عَقِيل يحيى بن المتوكل، عن بُهَيّة، عن عائشة زيادة في
أولاد المشركين أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لئن شئت لأسمعتك تضاغيهم في
النار)).
وأبو عَقِيل ضعيف متروك.
قال: ولو صح في هذا الباب شيء احتَمَل أن يكون خصوصاً لقوم من
المشركين، ويدل على ذلك أيضاً قوله: ((لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في
النار)).
وهذا لا يكون إلا فيمن مات، وصار في النار، على أن التخصيص ليس
له حظّ من النظر، والأَولى بأهل النظر أن يُعارضوا هذه الآثار بما هو أقوى
مجيئاً منها عن النبيّ وَّر بالشهادة للأطفال كلهم بالجنة.
وقد احتجّ من ذهب إلى أن أطفال الكفار في النار، وأطفال
المسلمين في الجنة بقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم بِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِّيََّهُمْ وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وقوله رَّك لنوح ◌َّلاَ:
﴿وَأُوْجِى إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فلما
قيل لنوح ذلك، وعُلم أنهم لا يؤمنون، وأنهم على كفرهم يموتون دعا
عليهم بهلاكهم جميعاً، فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا
٣٦
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧].
قال: وهذا عندي لا حجة فيه؛ لأنه في قوم بأعيانهم يلدون الفجار
والكفار، ولا يصح الفجور والكفر إلا ممن تجري عليه الأقلام، ويلحقه
التكليف.
وقال آخرون: أولاد المسلمين، وأولاد الكفار إذا ماتوا صغاراً في
الجنة.
وقال بعضهم: هم خَدَم أهل الجنة؛ يعني: أولاد المشركين خاصّةً، ثم عن
خنساء امرأة من بني صريم، عن عمها، قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((الأنبياء

٢٣٧
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٨١)
في الجنة، والشهداء في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة))(١).
ومن حديث عائشة قالت: ((سألت خديجة النبيّ وَّ ر عن أولاد المشركين؟
فقال: ((هم مع آبائهم))، ثم سألته بعد ذلك، فقال: ((الله أعلم بما كانوا
عاملين))، ثم سألته بعد ذلك، فنزلت: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]
فقال: ((هم على الفطرة، وهم في الجنة)).
وفي حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله وير: ((سألت ربي عن
اللاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم)).
قال أبو عمر: إنما قيل للأطفال: اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب،
من غير عَمد، ولا قَصْد، من قولهم: لهيت عن الشيء: إذا لم أعتقده، كقوله
تعالى: ﴿لَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣].
ومن حديث سلمان قال: أطفال المشركين خَدَم أهل الجنة.
وقد رُوي ذلك مرفوعاً من حديث أنس(٢).
وروى أبو رجاء العطارديّ عن سمرة بن جندب، عن النبيّ وَّ الحديث
الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله وميله: ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة،
فإنه إبراهيم عليلا، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال:
فقيل: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين))(٣).
وفي رواية أخرى عن أبي رجاء، عن سمرة، في هذا الحديث: ((والشيخ
في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس))، فهذا يقتضي ظاهره
عموم جميع الناس.
وآثار هذا الباب معارضة لحديث: ((الوائدة، والموؤودة في النار))، وما
كان مثله .
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في ((سننه)) ١٥/٣: عن حسناء بنت معاوية
الصريمية، قالت: ثنا عمي قال: قلت للنبيّ ◌َل9: من في الجنة؟ قال: ((النبيّ في
الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة)).
(٢) صحيح موقوفاً على أنس ظه. راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ٤٥٢/٣.
(٣) رواه البخاريّ.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وإذا تعارضت الآثار وجب سقوط الحكم بها، ورجعنا إلى أن الأصل أنه
لا يعذّب أحد إلا بذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُ﴾ [الزمر: ٧١].
وآيات القرآن كثيرة في هذا المعنى، على أني أقول: إن الله ليس بظلام
للعبيد، ولو عذّبهم لم يكن ظالماً لهم، ولكن جَلّ من تسمى بالغفور الرحيم
الرؤوف الحكيم، أن تكون صفاته إلا حقيقة، لا إله إلا هو، لا يُسأل عما
يفعل وهم يُسألون.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وإذا تعارضت الآثار وجب إلخ)) فيه نَظَر
لا يخفى؛ لأنك قد علمت أن الآثار التي تدلّ على أنهم في النار ضعاف،
فكيف يعارض بها ما في ((صحيح البخاريّ)): ((وأولاد المشركين))، هذا غريب
من ابن عبد البرّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقال آخرون: يُمتحنون في الآخرة.
واحتجّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله وَّر في الهالك
في الفترة، والمعتوه، والمولود، قال: ((يقول الهالك في الفترة: لم يأت
كتاب، ولا رسول، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ
رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ﴾ [طه: ١٣٤]، ويقول المعتوه: يا رب لم
تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شرّاً، قال: ويقول المولود: رب لم أُدرك
العقل والعمل، قال: فترفع لهم نار، فيقال لهم: رِدُوها، وادخلوها، قال:
فَيَرِدها، أو يدخلها، من كان في عِلم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويُمسك عنها
من كان في علم الله شقيّاً لو أدرك العمل، قال: فيقول الله وَل: إياي عصيتم،
فكيف برسلي لو أتتكم)».
وقد رُوي عن أنس بن مالك، عن النبيّ ◌َّ مثل معنى هذا الحديث.
وقد روي أيضاً من حديث معاذ بن جبل مثله، ومعناه.
وهي كلها أسانيد ليست بالقويّة، ولا يقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون
أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل، ولا ابتلاء،
وكيف يكلَّفون دخول النار، وليس ذلك في وُسْع المخلوقين؟ والله لا يكلف

٢٣٩
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَأَ حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٢)
نفساً إلا وسعها، ولا يخلو أمر من مات في الفترة من أن يموت كافراً، أو غير
كافر، إذا لم يكفر بكتاب الله، ولا رسول، فإن كان قد مات كافراً جاحداً،
فإن الله قد حرَّم الجنة على الكافرين، فكيف يُمتحنون؟ وإن كان معذوراً بأن لم
يأته نذير، ولا أُرسل إليه رسول، فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشدّ
العذاب؟ والطفل، ومن لا يعقل أحرى بأن لا يُمتحن بذلك.
وإنما أدخل العلماء في هذا الباب النظر؛ لأنه لم يصحّ عندهم فيه الأثر،
وبالله التوفيق، لا شريك له. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الحقّ قول من قال: إن أولاد الناس في
الجنّة، مسلميهم، وكافريهم؛ لقوّة الحجة في ذلك، ولا سيّما قصّة إبراهيم ظلَّلا
وحوله أولاد الناس، فقد أخرجه البخاريّ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٨) - (بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٢] (٢٦٣٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ،
. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدَاً دَّهًا
جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَاناً فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ،
فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَاناً، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ
الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدَاً دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَاناً
فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَاناً
فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي.
(١) ((الاستذكار)) ١٠٩/٣ - ١١٤.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ اللهَ) وَ (إِذَا
أَحَبَّ عَبْداً) من عباده، وفيه إثبات صفة المحبّة لله تعالى، وليس كما قال
المؤوّلون: ((إذا أحب عبداً))؛ أي: رضي عنه، وأراد به خيراً، وهداه،
ووفقه(١)، فإن هذا تفسير باللازم، والحقّ أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى.
ومن التأويل: قول النوويّ في ((شرحه)): قال العلماء: محبة الله تعالى
لعبده هي إرادته الخير له، وهدايته، وإنعامه عليه، ورحمته، وبغضه: إرادة
عقابه، أو شقاوته، ونحوه، وحبّ جبريل والملائكة يَحْتَمِل وجهين: أحدهما:
استغفارهم له، وثناؤهم عليه، ودعاؤهم، والثاني: أن محبتهم على ظاهرها،
المعروف من المخلوقين، وهو ميل القلب إليه، واشتياقه إلى لقائه، وسبب
حبهم إياه كونه مطيعاً لله تعالى، محبوباً له، ومعنى يوضع له القبول في
الأرض؛ أي: الحب في قلوب الناس، ورضاهم عنه، فتميل إليه القلوب،
وترضى عنه، وقد جاء في رواية: ((فتوضع له المحبة)). انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((إرادته الخير له إلخ)) هذا هو التأويل،
والحقّ أن المحبّة ثابتة على ظاهرها على ما يليق بجلال الله منعلً، وقوله: ((قال
العلماء)) يريد به علماء الخلف المؤوِّلين لأحاديث الصفات، لا علماء السلف
الذين يُمرّونها على ظواهرها، ويَكِلون علم كيفيّتها إلى الله ◌ُعَلَ، وأما تفسير
محبّة الملائكة باحتمالين، فالاحتمال الثاني هو الأرجح، وهو مستلزم
للاحتمال الأول، فإنهم إذا أحبوا العبد، واشتاقوا إليه، ومالت قلوبهم إليه
دعوا له، واستغفروا له، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في بعض طرق الحديث بيان سبب هذه المحبة، والمراد
بها، ففي حديث ثوبان ظُه عن النبيّ وَّر قال: ((إن العبد ليلتمس مرضاة الله،
ولا يزال بذلك، فيقول الله ريت لجبريل: إن فلاناً عبدي يلتمس أن يرضيني،
ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة
العرش، ويقولها مَن حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم تَهِط له
(١) ((فيض القدير)) ٢٠٤/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/١٦ - ١٨٤.