النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩)
قال بعد هذا: ((كحامل المسك، ونافخ الكير)) هذا نحوٌ مما يسمّيه أهل الأدب
لفّ الخبرين، وهو نحو قول امرئ القيس [من الطويل]:
لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّبُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
كَأَنَّ رُؤُوسَ الظَّيْرِ رَظْباً وَيَابِساً
فكأنه قال: قلوب الطير رطباً العُنّابُ، ويابساً الْحَشَف، ومقصود هذا
التمثيل الحضّ على صحبة العلماء، والفضلاء، وأهل الدين، وهو الذي يزيدك
نُطْقه علماً، وفِعْله أدباً، ونَظَرَه خشيةً، والزجر عن مخالطة من هو على نقيض
(١)
ذلك. انتھی
[فائدة]: ذكر في ((القاموس))، و((شرحه)) فائدة نفيسة في ضبط ((السَّوء))
بالفتح، و((السُّوء)) بالضمّ، أحببت إيرادها هنا؛ لنفاستها، قال: سَاءه يَسوءهُ
سُوءاً، بالضَّمِّ، وسَوْءاً بالفتح، وسَوَاءً، كسحاب، وسَوَاءةً، كسحابةٍ، وسَوَايَةً،
كعَبَايةٍ، وسَوَائِيَةً، كعَلانِيَةٍ، ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً مقلوباً، وأَصله مَسَاوِئَة، كرِهوا
الواو مع الهمزة؛ لأنَّهما حرفان مُسْتَثْقلانٍ، وسُؤْتُ الرجلَ سَوَايَةً، ومَسَايَةً
يُخفَّفان، ومَساءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به ما يكرَهُ، نقيض سرَّهُ، فاسْتاءَ هو في
الصنيع، ويقال: سَاءَ ما فعل فلانٌ صَنيعاً يَسوءُ؛ أي: قَبُحَ صَنيعاً، وفي ((تفسير
الغريب)) لابن قتيبة قوله تعالى: ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]؛ أي: قَبُحَ هذا
الفعلُ فِعْلاً وطريقاً، كما تقول: سَاءً هذا مذهباً، وهو منصوب على التمييز،
كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٢٩]، والسُّوءُ بالضَّمِّ: الاسمُ منه،
وقوله رَّك: ﴿وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] قيل: معناه: ما بي من جُنونٍ؛
لأَنّهم نسبوا النبيّ وَّه إلى الجُنون، والسُّوءُ أيضاً بمعنى الفُجور، والمُنكر،
ويقال: لا خيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح والضمّ، إِذا فتحتَ السين فمعناه: لا خَيْرَ
في قولٍ قَبيح، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه: لا خَيْرَ في أن تقولَ سُوءاً؛ أي: لا
تقل سُوءاً، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَايِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] بالوجهين:
الفتح، والضم، قال الفرَّاء: هو مثل قولك: رجلُ السَّوْءِ، والسَّوْءُ بالفتح في
القراءة أكثرُ، وقلَّما تقولُ العربُ: دائرة السُّوءِ بالضَّمِّ، وقال الزّجَّاج في قوله
تعالى: ﴿الَّانِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَايِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كانوا ظُّوا أَنْ
(١) ((المفهم)) ٦٣٣/٦ - ٦٣٤.

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
لن يعودَ الرسولُ والمؤمنون إلى أَهليهم، فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم، قال:
ومن قرأَ: ظنَّ السُّوءِ فهو جائزٌ، قال: ولا أعلم أحداً قرأَ بها، إِلَّا أَنَّها قد
رُوِيَتْ، قال الأَزهريُّ: قولُه: لا أعلم أحداً إلى آخره وَهَمٌ، قرأَ ابنُ كثيرٍ، وأَبو
عمرو: دائرةُ السُّوءِ بضم السِّين ممدوداً في ((سورة براءة))، و((سورة الفتح))،
وقرأَ سائرُ القُرَّاء: السَّوْءِ بفتح السين في السُّورتين، قال: وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ
على مِثْلِ الزجَّاج قِراءةُ القارِئَيْنِ الجليلين: ابنِ كثيرٍ، وأبي عمرو، وقال أَبو
منصور: أَمَّا قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] فلم يُقرأْ إِلَّ بالفتح، قال:
ولا يجوز فيه ضمّ السين، وقد قرأَ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿دَآيِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:
٩٨] بضم السِّين ممدوداً في السُّورتين، وقرأَ سائر القُرَّاء بالفتح فيهما، وقال
الفرَّاء في ((سورة براءة)) في قوله تعالى: ﴿وَيَتَرَسُ بِكُ الدَّوَابِرِّ عَلَيْهِمْ دَآبِرَةُ
السَّوْءٌ﴾ [التوبة: ٩٨] قال: قراءة القُرَّاءِ بنصب السَّوْءِ، وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ،
ومن رفع السِّين جَعَله اسماً، قال: ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله: ﴿مَا كَانَ
أَبُوكِ آمْرَاَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ اُلسَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢]؛
لأنَّه ضدٌّ لقولهم: هذا رجلُ صدقٍ، وثوبُ صدقٍ، وليس للسَّوْءِ هنا معنَّى في
بلاءٍ، ولا عذابٍ، فيُضَمّ، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:
٩٨]؛ أي: الهزيمَةِ، والشَّرِّ، والبلاءِ، والعذاب، والرَّدى، والفَساد، وكذا في
قوله تعالى: ﴿أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] بالوجهين، أَو أَنَّ المضموم هو
الضَّرَرُ، وسوءُ الحال، والسَّوْءُ المفتوح من المَسَاءة، مثل الفَساد، والرَّدى،
والنَّار، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ﴾ [الروم: ١٠]، قيل:
هي جهنم أَعاذنا الله منها في قراءةٍ؛ أي: عند بعض القُرَّاء، والمشهور:
السُّوَأَى، ورجلٌ سَوْءٍ بالفتح؛ أَي: يعملُ عملَ سَوْءٍ، وإذا عرَّفته وصفتَ به،
تقول: هذا رجلُ سَوْءٍ بالإضافة، وتُدخل عليه الألف واللام، فتقول: هذا رجلٌ
السَّوْءِ، قال الفرزدق [من الطويل]:
بصاحِبِهِ يوماً أَحالَ على الدَّمِ
وكنتَ كذِئْبِ السَّوْءِ لمَّا رَأَى دَماً .
بالفتح، والإضافة، لفّ ونشرٌ مرتَّب، قال الأَخفش: ولا يقال: الرَّجلُ
السَّوْءُ، ويقال: الحقُّ اليقينُ، وحقُّ اليقين جميعاً؛ لأَنَّ السَّوْءَ ليس بالرَّجل،
واليقينُ هو الحقُّ، قال: ولا يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، قال ابن بَرِّيّ:

١٦٣
(٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩)
وقد أَجاز الأَخفشُ أن يُقال: رجلُ السَّوْءِ، ورجلُ سَوْءٍ، بفتح السين فيهما، ولم
يُجز: رجلُ السُّوءِ، بضم السِّين؛ لأَنَّ السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ، وسوءِ الحال، وإِنَّما
يُضاف إلى المصدر الذي هو فِعله، كما يقال: رجلُ الضَّربِ، والطّعنِ، فيقومُ
مقامَ قولك: رجلٌ ضرَّابٌ، وطعَّانٌ، فلهذا جاز أَن يقال: رجلُ السَّوْءِ، بالفتح،
ولم يَجُزْ أَن يقال: هذا رجلُ السُّوءِ، بالضَّمِّ، وتقول في النَّكرة: رجلُ سَوْءٍ، وإذا
عرَّفت قلت: هذا الرجلُ السَّوْءُ، ولم تُضِف، وتقول: هذا عملُ سَوْءٍ، ولا تقل:
السَّوْءِ؛ لأنَّ السَّوْءَ يكون نعتاً للرجل، ولا يكون السَّوْءُ نعتاً للعمل؛ لأنَّ الفعل
من الرجل، وليس الفعل من السَّوْءِ، كما تقول: قوْلُ صدقٍ، والقولُ الصّدقُ،
ورجلُ صدق، ولا تقول: رجلُ الصِّدق؛ لأنَّ الرجل ليس من الصِّدقِ. انتهى(١).
(كَحَامِلِ الْمِسْكِ) قال الفيّوميّ تَُّ: ((المِسْكُ»: طِيْب معروف، وهو
مُعَرَّب، والعرب تسميه المشموم، وهو عندهم أفضل الطيب، ولهذا ورد:
(لَخُلُوفُ فَمَ الصَّائِمِ عِنْدَ الله أَظْيَبُ مِنْ رِيحِ المِسْكِ)) (٢)؛ ترغيباً في إبقاء أثر
الصوم، قالَ الفراءَ: المِسْكُ مُذكَّر، وقال غيره: يُذكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو
المِسْكُ، وهي المِسْكُ، وأنشد أبو عبيدة على التأنيث قول الشاعر [من الرجز]:
وَالمِسْكُ وَ العَنْبَرُ خَيْرُ طِيبٍ أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيبِ
وقال السجستانيّ: من أنَّث المِسْكَ جعله جمعاً، فيكون تأنيثه بمنزلة
تأنيث الذهب، والعسل، قال: وواحدته مِسْكَةٌ، مثل ذهب وذهبة، قال ابن
السّكِّيت: وأصله مِسِكُ بكسرتين، قال رؤية:
إِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الحَسَكِ
أَحْرِ بِهَا أَظْيَبَ مِنْ رِيحِ المِسِكْ
وهكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ، وقال ابن الأنباريّ: قال
السجستانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار؛ لإقامة الوزن، وكان
الأصمعيّ يُنشد البيت بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَةٍ، مثلُ خِرْقة وخِرَق،
وقِرْبة وقِرَب، ويؤيد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِلٌ بكسرتين، إلا إِيل، وما
ذُكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قال [من الرجز]:
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ص١٣٩ - ١٤٠.
(٢) متفقٌ عليه.

١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالاً بِالرِّجِلْ
والأصل هنا السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركة الكاف نُقلت إلى
السين؛ لأجل الوقف، وذلك سائغ. انتهى(١).
(وَنَافِخِ الْكِيرِ) بكسر الكاف، أصله البناء الذي عليه الزّقّ، سُمّي به الزّقّ
مجازاً للمجاورة(٢)، وقال المجد كَذَقُ: ((الكير)) بكسر الكاف: زِقّ يَنفُخ فيه
الحدّاد، وأما المبنيّ من الطين فكُور، جَمْعه أَكْيارٌ، وكِيَرَة، كعِنَبَةٍ، وکیران.
(٣)
انتھی(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وكير الحداد)) بكسر الكاف، بعدها تحتانية
ساكنة، معروف، قال: وحقيقته البناء الذي يُرَكَّب عليه الزِّقّ، والزِّقّ هو الذي
يُنفخ فيه، فأُطلق على الزق اسم الكير مجازاً؛ لمجاورته له، وقيل: الكير هو
الزقّ نفسه، وأما البناء فاسمه الگُور. انتهى.
(فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإحذاء،
كالإعطاء وزناً ومعنَى، وقال في ((العمدة)): ((يحذيك)) بضم الياء، وسكون
الحاء، وكسر الذال المعجمة، كيُعطيك وزناً ومعنَى، من الإحذاء، وهو
الإعطاء، يقال: أحذيت الرجلَ: إذا أعطيته الشيءَ، وأتحفته به. انتهى (٤).
وقال الجوهريّ: أَحْذَيْتُهُ نعلاً: إذا أعطيتَه نعلاً، تقول منه: استحذيتُهُ،
فَأَخْذاني، وأَحْذَيْتُهُ من الغنيمة: إذا أعطيتَه منها، والاسم: الْحُذْيَا على فُعلى
بالضمّ، وهي القسمة من الغنيمة. انتهى(٥).
(وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ)؛ أي: تشتري (مِنْهُ) من صاحب المسك، (وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ
مِنْهُ رِيحاً) بكسر الراء، مؤنّث، ولذا أنَّث وصفه، فقال: (طَيِّبَةً) قال
الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الرِّيحُ بمعنى الرائحة: عَرَضٌ يُدرَك بحاسّة الشمّ، مؤنثة، يقال:
رِيحٌ ذَكِيّة، وقال الجوهريّ: يقال: رِيحٌ، ورِيحَةٌ، كما يقال: دارٌ، ودَارَةٌ،
ورَاحَ زِيدٌ الريحَ يَرَاحُهَا رَوْحاً، من باب خاف: اشتَمَّها، ورَاحَهَا رَيْحاً، من
(١) ((المصباح المنير)) ٥٧٣/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١١٥٨.
(٥) ((الصحاح في اللغة)) ص٢١٨.
(٢) ((فيض القدير)) ٥٠٦/٥.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٣٥/٢١.

١٦٥
(٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩)
باب سار، وأَرَاحَهَا بالألف كذلك، وفي الحديث: (لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ))(١)
مرويّ باللغات الثلاث. انتهى.
وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الواحد عن بريد بن عبد الله: ((إما
تشتريه، أو تجد ريحه))، قال في ((الفتح)): ورواية عبد الواحد أرجح؛ لأن
الإحذاء، وهو الإعطاء لا يتعيّن، بخلاف الرائحة، فإنها لازمة، سواءٌ وُجد
البيع، أو لم يوجد. انتهى(٢).
وقال المناويّ تَخُّْ: المعنى: أنك إن لم تظفر منه بحاجتك جميعها،
لم تَعْدَم واحدة منها، إما الإعطاء، وإما الشراء، وإما الاقتباس للرائحة.
انتھی.
(وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإحراق؛
أي: يُحرق ثيابك بما تطاير من شرار الكير، وفي رواية البخاريّ المذكورة:
((وكير الحدّاد يُحرق بيتك، أو ثوبك))، (وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحاً خَبِيثَةً))) قال
المناويّ تَخْثُ: المقصود منه: النهي عن مجالسة من تؤذي مجالسته في دین،
أو دنيا، والترغيب في مجالسة من تنفع مجالسته فيهما، وفيه إيذان بطهارة
المسك، وحلّ بيعه، وضَرْب المثل، والعمل في الحُكم بالأشباه والنظائر،
وأنشد بعضهم [من الطويل]:
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْهُ مَحِيصاً فَدَارِهِ
تَجَنَّبْ قَرِين السُّوءِ وَاصْرِمْ حِبَالَهُ
تَثَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لَمْ تُمَارِهِ
وَلَازِمْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاتْرُكْ مِرَاءَهُ
وَمَنْ يَزْرَعِ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ
وَلِلَّهِ فِي عَرْضِ السَّمَوَاتِ جَنَّةٌ
يَجِدْهُ وَرَاءَ الْبَحْرِ أَوْ فِي قَرَارِهِ
وَلَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ(٣)
والله تعالى أعلم.
(١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن عبد الله بن عمرو ؤًا، عن
النبيّ وَّه قال: ((من قتل نفساً معاهداً، لم يَرَح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من
مسيرة أربعين عاماً)).
(٢) ((الفتح)) ٥٥٧/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢١٠١).
(٣) ((فيض القدير)) ٥٠٧/٥.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٩/٤٥] (٢٦٢٨)، و(البخاريّ) في ((البيوع))
(٢١٠١) و((الذبائح)) (٥٥٣٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥١٥)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٠٤/٤ و٤٠٥ و٤٠٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٣/١٣
و٢٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦١ و٥٧٩)، و(القضاعيّ) في ((مسند
الشهاب)) (١٣٨٠)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣١٨/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٦/٦) وفي ((شُعب الإيمان)) (٥٤/٧) وفي ((الأربعين الصغرى)) (١/
٣٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن مجالسة من يُتأذى بمجالسته في الدين والدنيا،
والترغيب في مجالسة من يُنتفع بمجالسته فيهما، قال النوويّ دَخْلَتُهُ: فيه فضيلة
مجالسة الصالحين، وأهل الخير، والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع،
والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشرّ، وأهل البدع، ومن يغتاب
الناس، أو يكثر فجوره، وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة. انتهى(١).
٢ - (ومنها): جواز بيع المسك، والحكم بطهارته؛ لأنه وَ ل * مدحه،
ورَغَّب فيه، ففيه الردّ على من كرهه، وهو منقول عن الحسن البصريّ، وعطاء،
وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف، واستقرّ الإجماع على طهارة المسك(٢).
وقال القرطبيّ كَّهُ: تطابقت الأخبار، واستفاضت على أن المسك
يجتمع في غدّة حيوان هو الغزال، أو يُشْبهه، فيتعفّن في تلك الغدّة حتی تیبس،
وتسقط، فتؤخذ تلك الغدّة كالجليدات المحشوّة، وتلك الجلدة هي المسمّاة
بفأرة المسك، والجمهور من علماء السلف والخلف على طهارة المسك،
وفأرته، وعلى ذلك يدلّ استعمال النبيّ وَّ له، وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما
دلّ عليه هذا الحديث، ومن المعلوم بالعادة المستمرّة بين العرب والعجم
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٤/٤.

١٦٧
(٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩)
استعماله، واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهليّة والإسلام؛ لا يستقذره أحد
من العقلاء، ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء، حتى قال القاضي أبو
الفضل: نقل بعض أئمّتنا الإجماع على طهارته، غير أنه قد ذُكر عن العُمَرَين
كراهيته، ولا يصحّ ذلك، فإن عمر ظُه قد قَسَم ما غُنم منه بالمدينة، وقال أبو
عبد الله المازريّ: وقال قوم بنجاسته، ولم يعيّنهم، والصحيح القول بطهارته،
وإن لم يكن مجمَعاً عليه؛ الأحاديث الصحيحة الدّالة على ذلك؛ إذ قد كان
النبيّ وَ ﴿ كثيراً ما يستعمله، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه،
كما قالت عائشة ﴿يا، وقد تقدم قوله وَله: «أطيب الطيب المسك))، وغير
ذلك، وقد قلنا: إن أهل الأعصار الكريمة مُطْبِقُون على استطابته، واستعماله.
فإن قيل: كيف لا يكون نجساً، وقد قلتم: إنه دم، والدم نجسٌ في أصله
بالإجماع(١)، وإنما يعفى عن اليسير منه؛ لتعذّر التحرّز منه، على ما هو مُفَصَّل
في الفقه؟ .
فالجواب: إنَّا، وإن سلَّمنا أن أصل المسك الدم نجس، فلا نسلّم أنه
بقي على أصل الدموية، فإنَّ الدم إذا تعفن تغيّر لونه، ورائحته إلى ما يستقذر،
ويستخبث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك، فإنَّه قد استحال إلى
صلاح، يُستطاب، ويُستحسن، ويفضّل على أنواع كل الطيب، وهذا كاستحالة
الدم لبناً وبَيْضاً. انتهى(٢).
٣ - (ومنها): جواز الاحتراف بالحدادة.
٤ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الْمَثَل، والعمل في الحُكم بالأشباه
والنظائر، قال الإمام ابن حبّان تَظْتُ في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث: في
هذا الخبر دليلٌ على إباحة المقايسات في الدين. انتهى(٣).
٥ - (ومنها): مدح المسك المستلزم لطهارته، ومدح الصحابة، حيث كان
جليسهم رسول الله وَل حتى قيل: ليس للصحابي فضيلة أفضل من فضيلة
(١) قال الجامع عفا الله عنه: دعواه الإجماع على نجاسة الدم فيه نظر لا يخفى، وقد
تقدّم البحث فيه في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٣٤ - ٦٣٥.
(٣) ((صحيح ابن حبّان)) ٣٢١/٢.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الصحبة، ولهذا سُمُّوا بالصحابة، مع أنهم علماء، كرماء، شجعاء ... إلى تمام
فضائلهم .
٦ - (ومنها): بيان فضيلة صحبة الأخيار، قال بعضهم: في الحديث
إرشاد إلى الأمر بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك، من علم تستفيده، أو
عمل يكون فيه، وأحسن خُلُق يكون فيه، وأحسن خُلُق يكون عليه، فإن
الإنسان إذا جالس من تُذَكِّره مجالسته الآخرة، فلا بد أن ينال منه بقَدْر ما
يوفقه الله بذلك.
وقال المناويّ نَّلهُ: في الحديث بيان النهي عن مجالسته من يتأذى به
ديناً أو دنيا، والترغيب فيمن يُنتفع بمجالسته فيهما، قال الراغب: نَبَّه بهذا
الحديث على أن حقّ الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار،
ومجالستهم، فهي قد تجعل الشِّرِّير خَيِّراً، كما أن صحبة الأشرار قد تجعل
الخير شِرِّراً، قال الحكماء: من صَحَب خيّراً أصاب بركته، فجليس أولياء الله
لا يشقى، وإن كان كلباً، ككلب أهل الكهف، ولهذا أوصت الحكماء
الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء، قال عليّ رظه: لا تصحب الفاجر، فإنه
يُزَيِّن لك فعلَه، ويَوَدُّ لو أنك مثله، وقالوا: إياك ومجالسةَ الأشرار، فإن طبعك
يَسرِق منهم، وأنت لا تدري، وليس إِعْداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط،
بل بالنظر إليه، والنظرُ في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لِخُلُق
المنظور إليه، فإن من دامت رؤيته للمسرور سُرَّ، وللمحزون حَزِن، وليس ذلك
في الإنسان فقط، بل في الحيوان والنبات، فالجمل الصعب يصير ذَلُولاً بمقاربة
الجمل الذلول، والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب، والريحانة الغضّة
تَذْبُل بمجاورة الذابلة، ولهذا يَلتقط أهل الفِلاحة الرِّمَم عن الزرع؛ لئلا
تُفسدها، ومن المشاهَد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظن
بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرِّها؟ فقد قيل:
سُمِّي الإنس؛ لأنه يَأنَس بما يراه خيراً، أو شرّاً. انتهى(١).
وقال القاري تَخْلُهُ في شرح الحديث ما حاصله: المعنى: فعليك بمحبة
(١) ((فيض القدير)) ٥٠٧/٥.

١٦٩
(٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩)
الصالح، ومصاحبته، وإياك ومودة السَّوْء، ومرافقته، قيل: فيه إرشاد إلى الرغبة
في صحبة الصلحاء، والعلماء، ومجالستهم، فإنها تنفع في الدنيا والآخرة،
وإلى الاجتناب عن صحبة الأشرار، والفساق، فإنها تضرّ ديناً ودنيا، قيل:
مصاحبة الأخيار تورث الخير، ومصاحبة الأشرار تورث الشرّ، كالريح إذا هبّت
على الطيب عَبَقت طيباً، وإن مرت على النتن حملت نتناً، وقيل: إذا جالست
الحمقى عَلِقٍ بك من حماقتهم ما لا يَعْلَق بك من العقل، إذا جالست العقلاء؛
لأن الفساد أسرع إلى الناس، وأشد اقتحاماً في الطبائع.
والحاصل: أن الصحبة تؤثّر، ولذا قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا
[التوبة: ١١٩]، وقال بعض العارفين: كونوا مع الله،
١١٩)
اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ
فإن لم تقدروا أن تكونوا مع الله، فكونوا مع من يكون مع الله. انتهى(١).
ولله درّ من قال [من الرجز]:
يَزِيدُ فِي الْقَلْبِ نَشَاطاً وَقُوَى
وَصُحْبَةُ الأَخْيَارِ لِلْقَلْبِ دَوَا
يَزِيدُ فِي الْقَلْبِ السَّقِيمِ سَقَمَا
وَصُحْبَةُ الأَشْرَارِ لِلْقَلْبِ عَمَى
ومن قال [من الطويل]:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ
فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً
إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمِ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ
ومن قال [من الكامل]:
لَا تَصْحَبِ الْكَسْلَانَ فِي حَالَاتِهِ
عَدْوَى الْبَلِيدِ إِلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ
فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي
وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي
وَلَا تَصْحَبِ الأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي(٢)
كُمْ صَالِحٍ بِفَسَادٍ آخَرَ يَفْسُدُ
كَالْجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَتَخْمُدُ(٣)
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٠٦/١٤.
(٢) ((كشف الخفاء)) ٢٦٣/٢.
(٣) من باب نصر، وسَمِع.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٤٦) - (بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٠] (٢٦٢٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي
بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
بَهْرَامَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ نَِّ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ
عِنْدِي شَيْئاً، غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْتَيْهَا، وَلَمْ
تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئاً، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَحَدَّثْتُهُ
حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ
سِتْراً مِنَ النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) - بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي -
المروزيّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٦٢) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٢ - (سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) المروزيّ، أبو سليمان، ويقال: أبو أيوب
المؤدِّب، ثقةٌ حافظٌ، كان يُوَرِّق لابن المبارك، من كبار [١٠] (ت٢٠٣) (خ م
س) تقدم في ((الصلاة)) ٩/ ٨٦٩.
٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك بن واضح المروزي الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ)(١) السمرقنديّ الحافظ المشهور،
تقدّم أيضاً قريباً.
(١) بفتح الباء، وكسرها. اهـ. نوويّ.

١٧١
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧٠)
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغاني،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٧ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم قريباً.
٨ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٩ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْم) هو: عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيَّّ القاضي، ثقة [٥] (ت١٣٥) وهو
ابن سبعين سنةً (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٦/١٧.
والباقيان تقدّما قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثمانيّات المصنّف بالنسبة للسند الأول، ومن سباعيّاته بالنسبة
للثاني، وفيه ثلاثة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب،
عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، وهو من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة
،
من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ)؛
أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم، وفي رواية للبخاريّ من رواية ابن المبارك
عن معمر: عبد الله بن أبي بكر بن حزم، فنَسب أباه لجدّ أبيه، قال الحافظ:
وإدخال الزهري بينه وبين عروة رجلاً مما يُؤْذِن بأنه قليل التدليس، وقد أخرجه
الترمذيّ مختصراً من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد عن معمر،
بإسقاط عبد الله بن أبي بكر من السند، فإن كان محفوظاً احتَمَل أن يكون
الزهريّ سمعه من عروة مختصراً. انتهى (١).
(أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ﴾ ◌َّا (قَالَتْ: جَاءَتْنِي
امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا) قال الحافظ تَخْتُهُ: لم أقف على أسمائهنّ، وسقطت
(١) ((الفتح)) ٥٣٦/١٣، كتاب «الأدب)) رقم (٥٩٩٥).

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الواو لغير أبي ذرّ من قوله: ((ومعها))، وكذا هو في رواية ابن المبارك.
(١) .
.
انتھی
(فَسَأَلَتْنِي) شيئاً من الطعام (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئاً، غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ،
فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا)؛ أي: من تلك
التمرة (شَيْئاً) هكذا في رواية عروة، ووقع في رواية عِراك بن مالك، عن عائشة
الآتية: ((جاءتني مسكينة، تَحْمِل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت
كل واحدة منهنّ تمرةً، ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها،
فشقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها، فأعجبني شأنها ... )) الحديث،
وللطبرانيّ من حديث الحسن بن عليّ نحوه.
ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: ((فلم تجد عندي غير
تمرة واحدة))؛ أي: أخصّها بها، ويَحْتَمِل أنها لم يكن عندها في أول الحال سوى
واحدة، فأعطتها، ثم وجدت ثنتين، ويَحْتَمِل تعدد القصة، قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: احتمال تعدّد القصّة هو الأقرب عندي، والله
تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ)، وقوله: (وَابْتَتَاهَا) مرفوع بالعطف على الضمير
المستتر في ((خرجت))، وفيه العطف على الضمير المستتر بلا فاصل، وهو
قليل، قال في ((الخلاصة)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْع مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلِ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
(فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا)؛ أَي: قصّتها التي جرتٍ مع
ابنتيها في تلك التمرة، وفي الرواية التالية: «فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي
صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ وََّ))، وفي رواية الطيالسيّ في ((مسنده)): ((قالت: دخل عليّ
رسول الله وَر، وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله
الوالدة، ورحمتها، وأخبرته، فقال رسول الله وَلاير: ((من ابتلي بشيء منهنّ،
فأحسن صحبتهنّ، كنّ له ستراً من النار)). (فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (مَنِ ابْتُلِيَ) بالبناء
(١) ((الفتح)) ٥٣٦/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٣٦/١٣ - ٥٣٧.

١٧٣
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧٠)
للمفعول، من الابتلاء، وقوله: (مِنَ الْبَنَاتِ) بيان مقدّم لقوله: (بِشَيْءٍ) قال
القرطبيّ ◌َّهُ: هذا يفيد بحكم عمومه أن السِّتر من النار يحصل بالإحسان إلى
واحدة من البنات، فأمَّا إذا عال زيادة على الواحدة، فيحصل له زيادة على
السِّتر من النار السَّبْق مع رسول الله وَ﴿ إلى الجنة، كما جاء في الحديث
الآخر، وهو قوله: ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو))
- وضمّ أصابعه _(١) .
وفي رواية للبخاريّ: ((من يلي من هذه البنات شيئاً))، قال في ((الفتح)):
قوله: ((من يلي من هذه البنات شيئاً)) كذا للأكثر بتحتانية مفتوحة أوله، من
الولاية، وللكشميهنيّ بموحدة مضمومة، من البلاء، وفي رواية الكشميهنيّ
أيضاً: ((بشيء))، وقوّاه عياض، وأيّده برواية شعيب بلفظ: ((من ابتلي))، وكذا
وقع في رواية معمر عند الترمذيّ.
واختلف في المراد بالابتلاء، هل هو نفس وجودهنّ، أو ابتُلي بما يصدر
منهنّ؟ وكذلك هل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتَّصَفَ منهنّ
بالحاجة إلى ما يُفعَل به؟ انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذَكَر الاحتمالات في ((الفتح))، ولم يرجّح
شيئاً، والذي يظهر لي أن المراد: الابتلاء بما يصدر منهن، من القيام بتربيتهنّ،
ثم تزويجهنّ، ثم ما يحصل لهنّ من مشكلات الحياة، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ تَخُّْهُ: إنما سمّاه ابتلاءً؛ لأن الناس يكرهونهنّ في العادة،
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُمْ بِآلْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
٥٨
(٢)
[النحل: ٥٨](٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((من ابتلي بشيء من البنات إلخ)): ((ابتُلي)):
امتُحِن، واختُبِر. (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) قال القرطبيّ ◌َخْتُ؛ أي: صانهنّ، وقام بما
يُصلحهن، ونَظَر في أصلح الأحوال لهنّ، فمن فعل ذلك، وقَصَد به وجه الله
تعالى، عافاه الله تعالى من النار، وباعده منها، وهو المعبّر عنه بالسِّتر من
النار، ولا شكّ في أن من لم يدخل النار دخل الجنة، وقد دلّ على ذلك قوله
(١) ((المفهم)) ٦٣٦/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٦.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
في الرواية الأخرى في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها: ((إن الله قد أوجب
لها الجنة، وأعاذها من النار)). انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فأحسن إليهنّ)) هذا يُشعر بأن المراد بقوله في
أول الحديث: ((مِنْ هذه)) أكثر من واحدة، وقد وقع في حديث أنس الآتي في
الباب: ((من عال جاريتين))، ولأحمد من حديث أم سلمة: ((من أنفق على
ابنتين، أو أختين، أو ذاتَي قرابة، يحتسب عليهما))، والذي يقع في أكثر
الروايات بلفظ الإحسان، وفي رواية عبد المجيد: ((فصبر عليهنّ))، ومثله في
حديث عقبة بن عامر في ((الأدب المفرد))، وكذا وقع في ابن ماجه، وزاد:
((وأطعمهنّ، وسقاهنّ، وكساهنّ))، وفي حديث ابن عباس، عند الطبرانيّ:
((فأنفق عليهنّ، وزوّجهنّ، وأحسن أدبهنّ))، وفي حديث جابر، عند أحمد،
وفي ((الأدب المفرد)): ((يؤويهنّ، ويرحمهنّ، ويكفلهنّ))، زاد الطبريّ فيه:
((ويزوجهنّ))، وله نحوه من حديث أبي هريرة في ((الأوسط))، وللترمذيّ، وفي
((الأدب المفرد)) من حديث أبي سعيد: ((فأحسن صحبتهنّ، واتقى الله فيهنّ)،
وهذه الأوصاف يجمعها لفظ الإحسان الذي اقتصر عليه في حديث الباب.
وقد اختُلِف في المراد بالإحسان: هل يُقتصر به على قدر الواجب، أو
بما زاد عليه؟ والظاهر الثاني، فإن عائشة ﴿يا أعطت المرأة التمرة، فآثرت بها
ابنتيها، فوصفها النبيّ ◌َ﴿ بالإحسان بما أشار إليه من الحكم المذكور، فدلّ
على أن من فعل معروفاً لم يكن واجباً عليه، أو زاد على قَدْر الواجب عليه عُدّ
محسناً، والذي يقتصر على الواجب، وإن كان يوصف بكونه محسناً، لكن
المراد من الوصف المذكور قَدْر زائد، وشَرْط الإحسان أن يوافق الشرع، لا ما
خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله، إذا استمر إلى أن
يحصل استغناؤهنّ عنه بزوج أو غيره، كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث،
والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله.
وقد جاء أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط، ففي
حديث ابن عباس المتقدم: ((فقال رجل من الأعراب: أو اثنتين؟ فقال: أو
(١) ((المفهم)) ٦ /٦٣٦.

١٧٥
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧٠)
اثنتين))، وفي حديث عوف بن مالك، عند الطبرانيّ: ((فقالت امرأة))، وفي
حديث جابر: ((وقيل))، وفي حديث أبي هريرة: ((قلنا))، وهذا يدلّ على تعدد
السائلين، وزاد في حديث جابر: ((فرأى بعض القوم أن لو قال: وواحدة؟
لقال: وواحدة))، وفي حديث أبي هريرة: «قلنا: وثنتين؟ قال: وثنتين، قلنا:
وواحدة؟ قال: وواحدة))، وشاهده حديث ابن مسعود رفعه: ((من كانت له ابنة،
فأدَّبها، وأحسن أدَبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نِعَم الله
التي أسبغ عليه، كانت له منعةً وسترةً من النار))، أخرجه الطبراني بسند وَاهٍ(١).
(كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ))) كذا في أكثر الأحاديث التي تقدّمت الإشارة
إليها، ووقع في رواية عبد المجيد: ((حجاباً))، وهو بمعناه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َؤُها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٧٠/٤٦] (٢٦٢٩)، و(البخاريّ) في ((الزكاة))
(١٤١٨) و((الأدب)) (٥٩٩٥) وفي ((الأدب المفرد)) (٥٩/١)، و(الترمذيّ) في
((البرّ والصلة)) (١٩١٣ و١٩١٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٥٧/١٠)،
و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٠٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣/٦ و٨٧
و١٦٦ و٢٤٣)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٩٧٦/٣ و٩٧٧)، و(عبد بن حميد)
في ((مسنده)) (٤٢٩/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٣٩)، و(الطبرانيّ) في
(«الأوسط)) (١٠٩/٧)، و(تمام) في ((الفوائد)) (١٤٦/٢)، و(القضاعيّ) في
(مسند الشهاب)) (٣١١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٨/٧) و((شُعب
الإيمان)) (٤٠٤/٦ و٤٦٧/٧ و٤٦٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٦٨١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((المعجم الكبير)) ١٩٧/١٠. وفيه طلحة بن زيد، وهو وضّاع، قاله الحافظ الهيثميّ
في ((مجمع الزوائد)) ١٥٨/٨.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
١ - (منها): بيان فضل الإحسان إلى البنات، والنفقة عليهنّ، والصبر
عليهنّ، وعلى سائر أمورهنّ.
٢ - (ومنها): تأكيد حقّ البنات؛ لِمَا فيهنّ من الضعف غالباً عن القيام
بمصالح أنفسهنّ، بخلاف الذكور؛ لِمَا فيهم من قوة البدن، وجزالة الرأي،
وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال.
٣ - (ومنها): جواز سؤال المحتاج، ولا سيّما إذا كانت امرأة معها
البنات.
٤ - (ومنها): سخاء عائشة خيتا؛ لكونها لم تجد إلا تمرة فآثرت بها .
٥ - (ومنها): أن القليل لا يمتنع التصدق به؛ لحقارته، بل ينبغي
للمتصدق أن يتصدق بما تيسّر له قَلّ أو كثر.
٦ - (ومنها): جواز ذِكر المعروف، إن لم يكن على وجه الفخر، ولا
المنّة.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال كَّلُهُ: إنما سمّاه ابتلاء؛ لأن الناس
يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورَغَّب في إبقائهنّ، وتَرْك
قتلهنّ بما ذُكر من الثواب الموعود به مَنْ أحسن إليهنّ، وجاهد نفسه في الصبر
عليهنّ، وقال الحافظ العراقيّ تَخْذَلُ في ((شرح الترمذيّ)): يَحْتَمِل أن يكون معنى
الابتلاء هنا: الاختبار؛ أي: من اختُبِر بشيء من البنات؛ ليُنظَر ما يفعل،
أيُحسِن إليهنّ، أو يسيء؟ ولهذا قيّده في حديث أبي سعيد ◌َُّه بالتقوى، فإن
من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وَكَله الله إليه، أو يُقصّر عما أُمر بفعله،
أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله، وتحصيل ثوابه(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧١] (٢٦٣٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ
مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ
مَالِكِ، سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي
(١) ((الفتح)) ٥٣٨/١٣.

١٧٧
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧١)
مِسْكِينَةٌ، تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَنْهَا (١) ابْتَتَاهَا، فَشَقَّتِ الثَّمْرَةَ الَّتِي
كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ
لِرَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ
النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم المصريّ، أبو محمد، أو أبو
عبد الملك، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٤) وله نيف وسبعون سنةً (خ م د ت س)
تقدم في ((الإيمان)» ٢٤٩/٣٦.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٤ - (زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ) هو ابن ميسرة المخزوميّ المدنيّ،
مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، قَدِمَ دمشق، ثقةٌ عابدٌ [٥].
رَوَى عن مولاه، وأنس، وعِراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظيّ،
وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن
الهاد، ومالك، وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان عابداً
زاهداً، وقال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يُكرمه، وقال أيضاً: كان رجلاً
عابداً، معتزلاً، لا يزال يكون وحده، وقال ابن عبد البرّ: كان أحد الفضلاء
العبّاد الثقات، لم يكن في عصره أفضل منه، وذكر أبو القاسم الجوهريّ في
سند ((الموطأ)) أنه تُؤُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، قال: وكان من أفضل أهل
زمانه، ويقال: إنه كان من الأبدال.
(١) وفي نسخة: ((فاستطعمها)).

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث.
٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكِ) الغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في
خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
و((عائشة)) رضّا ذُكرت قبله.
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، (أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي
زِيَادٍ) اسمه ميسرة، (مَوْلَى) عبد الله (بْنِ عَيَّاشٍ) بن أبي ربيعة المخزوميّ،
(حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث ابنَ الهاد، (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِك) بكسر العين المهملة،
وتخفيف الراء، قال زياد: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: سمعت عراكاً (يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ
الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى سنة (١٠١) تقدّم في ((المقدّمة)) ٤٦/٦.
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َؤُهَا (أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ)؛ أي: فقيرة، قال الفيّوميّ:
القياس حذف الهاء؛ لأن بناء مِفْعِيل، ومِفْعَال في المؤنث لا تلحقه الهاء، نحو:
امرأةٍ مِعْطيرٍ، ومِكْسَالٍ، لكنها حُمِلت على فَقيرةٍ، فدخلت الهاء، والْمِسْكِينُ
مأخوذ من سَكَنَ المتحرك سُكُوناً: ذهبت حركته؛ لسكونه إلى الناس، وهو بفتح
الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم، قال ابن السِّكِّيت: الْمِسْكِينُ الذي
لا شيء له، والْفَقِيرُ الذي له بُلْغَة من العيش، وكذلك قال يونس، وجعل الْفَقِيرَ
أحسن حالاً من الْمِسْكِينِ، قال: وسألت أعرابيّاً: أفقير أنت؟ فقال: لا والله،
بل مِسْكِينٌ، وقال الأصمعيّ: المِسْكِينُ أحسن حالاً من الْفَقِيرِ، وهو الوجه؛
لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكانت تساوي
جملةً، وقال في حقّ الفقراء: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن الأعرابيّ: الْمِسْكِينُ هو
الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجَعَلهما سواءً، والْمِسْكِينُ أيضاً الذليلُ المقهورُ،
وإن كان غنّاً، قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. انتهى (١).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١.

١٧٩
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧١)
(تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا)؛ أي: أعطيتها طعاماً، (ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ) تقدّم
في الرواية السابقة أن قالت: ((فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها
إياها))، والأقرب في الجمع عندي: الحمل على تعدّد القصّة، والله تعالى أعلم.
(فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ) من ابنتيها، (مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا) ((في)) لغة
في الفم، وهي من الأسماء الستّة التي تُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ
بالياء. (تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا) وفي نسخة: ((فاستطعمها)) بحذف التاء،
(ابْتَتَاهَا)؛ أي: سألتاها تلك التمرة، (فَشَقَّتِ النَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا
ـا :
بَيْنَهُمَا) هذا من شدّة رأفتها بابنتيها، ولذا وجب لها الجنّة، قالت عائشة
(فَأَعْجَبَنِي شَأَتُهَا)؛ أي: حالها الذي جرى بينها وبين ابنتيها في تلك التمرة،
وفي رواية ابن حبّان: ((فأعجبني حَنَانها))، (فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ لَّهِ،
فَقَالَ) وَلِهِ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا)؛ أي: للمرأة، (بِهَا)؛ أي: بسبب هذه
الصنعة، وهي إيثارها ابنتيها على نفسها بتلك التمرة، (الْجَنَّةَ، أَوْ) للشكّ من
الراوي، ولم يتبيّن لي من هو؟، شكّ هل قال: ((قد أوجب لها بها الجنّة))، أو
قال: (أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ)) وفي رواية ابن حبّان: ((إن الله قد أوجب لها
الجنّة، وأعتقها بها من النار))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
! هذا من أفراد المصنّف نَّلُهُ .
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َورُ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٧١/٤٦] (٢٦٣٠)، و(ابن ماجه) في
(الآداب)) (٣٦٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٢/٦)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٤٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٤٤/٤ و٢٧٨/٦)، و(البيهقيّ)
في ((شُعب الإيمان)) (٤٦٨/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في انتقاد الحفّاظ على مسلم في هذا الحديث:
قال الحافظ أبو الحسين العطّار تَُّ في ((غرر الفوائد)): وفي سماع عراك
من عائشة ◌ّا نظر؛ فإنه إنما يروي عن عروة، عن عائشة، وقد ذكر الإمام أبو
عبد الله أحمد بن حنبل: أن حديثه عن عائشة مرسل، وقال موسى بن هارون

١٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الحافظ: لا نعلم له سماعاً من عائشة، وقال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد
الزاهد في كلامه على هذا الحديث: هذا عندنا حديث مرسلٌ، واستدَلّ بما
ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون، ولم يُخرج البخاريّ لعراك
عن عائشة شيئاً، وأخرج له ابن ماجه عنها حديثين، وحديثه عن رجل عنها لا
يدلّ على عدم سماعه بالكلية منها، لا سيّما، وقد جمعهما بلد واحد، وعصر
واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم، حتى يقوم الدليل على
خلافه، كما نصّ عليه في مقدمة كتابه، فسماع عراك من عائشة تا جائز
ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة ظه، والله أعلم.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام الحافظ العطار هذا قد تقدّم في مقدّمة
شرح المقدّمة، وإنما أعدته؛ لطول العهد به.
وخلاصة الجواب عن مسلم: أن هذا الإسناد جارٍ على قاعدته المعروفة،
وهي أنه إذا كان الراويان في عصر واحد، وأمكن لقاء أحدهما للآخر دون
مانع حُملت عنعنته على السَّماع، إلا أن يتبيّن خلاف ذلك، قال الزيلعيّ كَُّهُ
في ((نصب الراية)): وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة، ولم يُنكروه، وأبو
هريرة تُوُفّي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يَبْعُد سماعه من عائشة، مع كونهما
في بلدة واحدة، ولعل هذا هو الذي أوجب لمسلم أن أخرج في ((صحيحه))
هذا الحديث. انتهى (٢).
والحاصل: أن هذا الحديث قد تحقّق فيه شرط مسلم، فسماع عراك من
عائشة ◌ّا جائز ممكن، فيُحمل عليه.
وقد أخرج الحديث ابن ماجه بسند آخر صحيح، فقال في ((سننه)):
(٣٦٦٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، عن مسعر،
أخبرني سعد بن إبراهيم، عن الحسن، عن صعصعة، عَمِّ الأحنف، قال:
دخلت على عائشة امرأة، معها ابنتان لها، فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل
واحدة منهما تمرة، ثم صَدَعَت الباقية بينهما، قالت: فأتى النبيّ وَّهِ، فحدَّثَته،
(١) ((غرر الفوائد)) ٢٥٥/١ - ٢٥٧.
(٢) ((نصب الراية)) ١٠٧/٢.