النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٣٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ - حديث رقم (٦٦٥٧) ٣ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ، ويقال: ابن أبي شعيرة الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ - بفتح المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختَلَط بأخرة [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٦ - (أَبُو مُسْلِم الأَغَرُّ) المدينيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ [٣] وهو غير سلمان الأغرّ الذي يكنى أباً عبد الله، وقد قلبه الطبرانيّ، فقال: اسمه مسلم، ويكنى أبا عبد الله (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٢٦/ ١٧٧٧. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿هَا، تقدّم قريباً. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَبه، ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف تَغْذُهُ، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيين، فمدنيّان، وفيه ثلاثة من التابعيين الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الأعمش عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغرّ، وأن صحابيبه كلاهما من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُسْلِمِ الأَغَرِّ) بالجرّ بدل، أو عَظْف بيان لِمَا قبله، وهو اسمه. (أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيَّ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ُهَا؛ أنهما (قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ))) قال النوويّ تَخْلَثُ: هكذا هو في جميع النُّسخ، فالضمير في ((إزاره، ورداؤه)) يعود إلى الله تعالى؛ للعلم به، وفيه محذوف، تقديره: قال الله تعالى: ومن ينازعني ذلك أعذبه، ومعنى ينازعني يتخلّق بذلك، فيصير في معنى المشارِك، وهذا وعيد شديد في الكِبْر، مصرِّح بتحريمه، وأما تسميته إزاراً، ورداءً، فمجاز، ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب واستعارة حسنةٌ، كما تقول العرب: فلان شعاره الزهد، ودثاره التقوى، لا يريدون الثوب الذي هو شعار، أو دثار، بل معناه صفته كذا، قال المازريّ: ومعنى الاستعارة هنا: أن الإزار والرداء يَلْصَقان بالإنسان، ويلزمانه، وهما جمال له، قال: فضرب ذلك مَثَلاً لكون العزّ والكبرياء بالله تعالى أحقّ، وله ألزم، واقتضاهما جلاله، ومن مشهور كلام العرب: فلان واسع الرداء، وغَمْر الرداء؛ أي: واسع العطيّة. انتهى (١). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذّبته)) كذا جاء هذا اللفظ في كتاب مسلم مفتتحاً بخطاب الغيبة، ثم خرج إلى الحضور، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] فخرج من خطاب الحضور إلى الغيبة، وهي طريقة عربية معروفة، وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته، ثم ألقيته في النار))(٢)، وأصل الإزار: الثوب الذي يُشدّ على الوسط، والرداء ما يُجعل على الكتفين، ولمّا كان هذان الثوبان يخصّان اللابس بحيث لا يستغني عنهما، ولا يقبلان المشاركة عبّر الله تعالى عن العزّ بالإزار، وعن الكبرياء بالرداء، على جهة الاستعارة المستعملة عند العرب، كما قال: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فاستعار للتقوى لباساً، وكما قال ◌َله: ((من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها))(٣)، وكما قال: (البسوا قِناع المخافة، واتّرعوا لباس الخشية))، وهم يقولون: فلان شعاره الزهد والورع، ودثاره التقوى، وهو كثير، ومقصود هذه الاستعارة الحسنة: أن العز، والعظمة، والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصة به التي لا تنبغي لغيره، فمن تعاطى شيئاً منها أذلّه الله تعالى، وصغّره، وحقّره، وأهلكه، كما (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/١٦ - ١٧٤. (٢) رواه أبو داود في ((سننه)) (٤٠٩٠). (٣) رواه الطبرانيّ عن جندب بن سفيان قال: قال رسول الله وَّله: ((ما أسرّ عبدٌ سريرةٌ، إلا ألبسه الله رداءها، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ))، قال الحافظ الهيثميّ: رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه: حامد بن آدم، وهو كذاب. انتهى. «مجمع الزوائد» ٢٢٥/١٠. ١٢٣ (٣٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ - حديث رقم (٦٦٥٧) قد أظهر الله تعالى من سنّته في المتكبرين السابقين واللاحقين. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الحديث من أحاديث الصفات التي أمر السلف، أن يؤمَن بها، وتمرّ كما وردت، وهو نظير حديث البخاريّ في ((التفسير)) عن أبي هريرة له، عن النبيّ ◌َّ قال: ((خلق الله الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بِحِقْو الرحمن ... )) الحديث، وقد قال المحقّقون أن الواجب في مثل هذا أن يُمرّ كما جاء، ولا يؤوّل، ولا يمثّل، ولا يُعطّل، ومن ذلك ما قاله الشيخ البرّاك عند تعليقه على ((فتح الباري)» في شرح حديث الحقو المذكور قال: ومن خير ما يقال في هذا المقام قول الشافعيّ تَّثُ: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. وقول شيخ الإسلام في ((نقض التأسيس)) (١٢٧/٣): هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نصّ الأئمة على أنها تُمرّ كما جاءت، وردّوا علی من نفی موجبه. انتهى(٢). والحاصل: أن الحقّ أن صفة الرداء والإزار ثابتتان لله رَك على ما يليق بجلاله، فلا حاجة إلى التأويلات المتعسّفة، ولا إلى التحريفات المكلّفة، كما خاض غمرة ذلك شُرّاح هذا الكتاب، وغيرهم، بل نثبتها كما أثبتها هذا النصّ، وننزّه الله تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة ﴿ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٥٧/٣٨] (٢٦٢٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب (١) ((المفهم)) ٦٠٦/٦ - ٦٠٧. (٢) راجع ما كتبه الشيخ البرّاك على هامش ((الفتح)) ٥٩٥/١٠ في تفسير ((سورة محمد ۔». ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب المفرد))، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٠٩٠)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٢٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٩/٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٨/٢ و٣٧٦ و٤١٤ و٤٢٧ و٤٤٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٦٩/٥)، و(تمّام) في ((فوائده)) (١٤٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦١/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٢٨٠/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٩٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٩) - (بَابُ النَّهْي عَنْ تَقْنِيطِ الإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٨] (٢٦٢١) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))، أَوْ كَمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حَبِيب الأزديّ، أو الكِنْديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٨) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦. ٥ - (جُنْدَبُ) بن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، ثم الْعَلِفَيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وربّما نُسِب إلى جدّه صحابيّ، مات ◌َظُه بعد الستين، قال ١٢٥ (٣٩) - بَابُ النَّهْي عَنْ تَقْنِيطِ الإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٦٥٨) البخاريّ: كان بالكوفة، ثم خرج إلى البصرة، ثم خرج منها(١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوی شیخه، فحَدثانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران. شرح الحديث: (عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلاً) لا يُعرف(٢)، ويَحتَمِل أن يكون من هذَّه الأمة، أو من غيرهم. (قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ) قاله استكثاراً لذنبه، أو استكباراً، أو تعظيماً لنفسه، حين جنى عليه، كما يصدر عن بعض الجهلة(٣) . وقد بيّن في ((شُعَب الإيمان)) للبيهقيّ سبب قول الرجل هذا الكلام، ولفظه: ((عن جندب قال: وَطِئ رجلٌ على عُنُق رجل، وهو يصلي، فقال الرجل: والله لا يغفر الله لك هذا أبداً ... )) الحديث(٤). وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قول المتألّي: ((والله لا يغفر الله لفلان)) ظاهر في أنه قطع بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل، وكأنه حَكَم على الله تعالى، وحَجَر عليه، وهذه نتيجة الجهل بالأحكام الإلهية، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة، والحظ، والمكانة، وكذلك المذنب من الخسّة والإهانة، فإن كان هذا المتألي مستحلّ لهذه الأمور، فهو كافر، فيكون إحباط عمله لأجل الكفر، كما يُحبط عمل الكفار، وأما إن لم يكن مستحلّ لذلك، وإنما غَلَب عليه الخوف، فحكم بإنفاذ الوعيد فليس بكافر، ولكنه مرتكب كبيرةً، فإنَّه قانط من رحمة الله، فيكون إحباط عمله بمعنى: أن ما أوجبتْ له هذه الكبيرة من الإثم يربو على أجر أعماله الصالحة، فكأنه لم يبق له عملٌ صالح. انتھی(٥). (١) ((التاريخ الكبير)) ٢٢١/٢/١. (٣) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨. (٤) ((شعب الإيمان)) للبيهقيّ ٢٨٩/٥. (٢) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٤. (٥) («المفهم)» ٦/ ٦٠٧. ١٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى) بفتح الهمزة، وهو معطوف على ((أن رجلاً))؛ أي: وحَدّث أن الله تعالى قال، ويكسرها على أن الجملة حاليّة؛ أي: والحال أن الله تعالى قال. (قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ) - بفتح الهمزة، وتشديد اللام المفتوحة -: أي: يتحكّم عليّ، ويحلف باسمي، من الأَلِيّة، وهي اليمين، يقال: آلى يُولي إيلاءً، وائتلى يأتلي ائتلاءً، وتَأَلَّى يَتَأَلَّى؛ أي: حَلَف، والاسم الأليّة (١). وقال الطيبيّ تَّتُهُ: هذا وراد على الإنكار والتهديد، وكان من الظاهر أن يقال: أنت الذي تتألّى عليّ، يدلّ عليه الالتفات في قوله: ((أحبطت عملك))، فعَدَل منه شاكياً صنيعه لغيره، معرضاً عنه، فلا يجوز لأحد الجزم بالجنة، أو النار، أو عدم المغفرة، إلا لمن ورد فيه النصّ. وقال ابن الجوزيّ رَّتُهُ: يتألى بمعنى يحلف، والأليّة: اليمين، والإحباط: الإبطال، وهذا المتألي جَهِل سَعَة الكرم، فعوقب بإحباط العمل. انتهى(٢). وقال القرطبيّ ◌َّهُ: قوله: ((من ذا الذي يتألّ عليّ؟)) استفهام على جهة الإنكار، والوعيد، ويُستفاد منه تحريم الإدلال على الله تعالى، ووجوب التأدّب معه في الأقوال، والأحوال، وأن حقّ العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبوديّة، ومولاه بما يجب له من أحكام الإلهية، والربوبيّة. انتهى(٣). (أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ) ترغيماً لأنفك، (وَأَحْبَطْتُ)؛ أي: محوت، وأزلت من صحيفتك (عَمَلَكَ)))؛ أي: العمل الصالح بسبب جريمتك هذه، وقال المظهر: أي: أبطلت قَسَمك، وجعلت حَلِفك كاذباً؛ لِمَا ورد في حديث آخر: ((من يتألَّى على الله يكذبه))، فلا مُتَمَسَّك للمعتزلة أن صاحب الكبيرة مع عدم الاستحلال يُخَلَّد في النار، كالكفر، يُحبط عمله، قال: لا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو النار، إلا لمن ورد فيه نصّ، كالعشرة المبشرة بالجنة. فإن قلنا: إن قوله هذا كفر، فأحبطتُ عملك ظاهر، وإن قلنا: إنه (١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٨/ ٧٣. (٢) ((كشف المشكل)) ٥٠/٢. (٣) ((المفهم)) ٦/ ٦٠٧. ١٢٧ (٣٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَقْنِيطِ الإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٦٥٨) معصية، فكذا على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السُّنَّة، فيكون محمولاً على التغليظ. انتهى. قال القاري: وفيه أنه يُبعد كونه كفراً، وعلى التنزل فقوله ظاهر؛ أي: على مذهبنا؛ لأن في مذهب الشافعيّ يُشترط للإحباط موته على الكفر، ولا يُعرف في مذهب المعتزليّ أن كل معصية تُحبط جميع الأعمال، ثم حَمْله على ما ذكرناه أولى من حمله على التغليظ، مع أنه لا ينافيه، والله تعالى أعلم. (١) انتھی وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكّ من الراوي في نصّ الحديث، هل قال الرسول بس أو غيره ما ذكرته، أو قال مثل ذلك؟ وهو تنبيه على النقل بالمعنى؛ لئلا يُتوهّم نَقْل اللفظ أيضاً، قال النوويّ تَظُّهُ: ينبغي للراوي، وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة، فقرأها على الشكّ أن يقول عقبه: ((أو كما قال))، وكذا يستحب لمن رَوَى بالمعنى أن يقول بعده: ((أو كما قال))، أو ((نحو هذا))، كما فعله الصحابة ﴿ه، فمن بعدهم، والله تعالى أعلم(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله ظه هذا من أفراد المصنّف نَّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٥٨/٣٩] (٢٦٢١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٥/٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٩٩/٣) وفي ((المفاريد)) له (٤٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الإقناط من رحمة الله مثلاً، فلا يجوز لداع إلى الله تعالى أن يحمل الناس على أن يقنطوا من رحمة الله تعالى، فإن القنوط (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٩/٨. (٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٧٣/٨. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب منها كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال رَى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ، إِلَّا [الحجر: ٥٦]. الضَّالوب﴾ ٢ - (ومنها): تحريم رؤية النفس، واستعظام شأنها، واحتقار غيرها، فإنه من الكبائر أيضاً . ٣ - (ومنها): وجوب التواضع لله تعالى، وللمسلمين، ففي ((صحيح مسلم)) مرفوعاً: ((وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يَفْخَر أحدٌ على أحد، ولا يبغ أحدٌ على أحد)). ٤ - (ومنها): تحريم القول بأن فلاناً من أهل النار، وكذا من أهل الجنّة، إلا لمن أخبر عنه النبيّ وَل* بذلك، كالعشرة المبشّرين بالجنّة، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: وَلَا تَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارَ كَلَّا وَلَا هَذَا مِنَ الأَبْرَارِ فَالنَّارُ وَالْفَوْزُ لِمَنْ قَدْ وَصَفَا إِلَّا لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى ٥ - (ومنها): وجوب خوف المؤمن من إحباط عمله بسوء الأدب مع الله، ومع عباد الله تعالى، قال الإمام البخاريّ تَُّ في (صحيحه)): (باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، وهو لا يشعر))، وقال إبراهيم التيميّ: ما عَرَضت قولي على عملي إلا خَشِيت أن أكون مكذِّباً، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ وير كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه عليَّ إيمان جبريل، وميكائيل، ويُذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أَمِنه إلا منافقٌ. وما يُحذَر من الإصرار على النفاق، والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. انتهى(١). ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَخْلُ: في الحديث دلالةٌ لمذهب أهل السُّنَّة في غفران الذنوب بلا توبة، إذا شاء الله تعالى غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السُّنَّة أنها لا تُحبط إلا بالكفر، ويُتأوّل حبوط عمل هذا على أنه سقطت حسناته في مقابلة سيئاته، (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦/١. ١٢٩ (٤٠) - بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ، وَالْخَامِلِينَ - حديث رقم (٦٦٥٩) فسُمِّي إحباطاً مجازاً، ويَحْتَمِل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويَحْتَمِل أن هذا كان في شَرْع من كان قبلنا، وكان هذا حُكمهم. انتهى(١). ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَُّ: قوله: ((قد غفرت لفلان)) دليل على صحَّة مذهب أهل السُّنَّة أنه لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، وهو مُوجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وأن الله تعالى أن يفعل في عبيده ما يريد، من المغفرة، والاحباط؛ إذ هو الفعّال لِمَا يريد، القادر على ما يشاء. انتهى(٢). ٨ - (ومنها): ما قاله في ((اللمعات)): قوله: ((من ذا الذي يتألى عليّ)) في هذه العبارة تخويف، وتهديد شديد، وفي صورة الغيبة دون أن يقول: أنت الذي تتألى دلالةٌ على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك إذا حلفت عليّ، فاعلم أني قد غفرت له على رغم أنفك، وأحبطت عملك جزاءً على ما قلت. انتهى (٣). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٤٠) - (بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ، وَالْخَامِلِينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٩] (٢٦٢٢) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْجُهنيّ الحرقيّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. (١) (شرح النوويّ)) ١٧٤/١٦. (٢) ((المفهم)) ٦٠٨/٦. (٣) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ٧٣/٨. ١٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، فالعلاء من الخامسة، وأبوه من الثالثة، وفيه أبو هريرة نظراته، وقد تقدّم القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) نَّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((رُبَّ) كلمة ((رُبّ)) أصلها للتقليل، وكَثُر استعمالها في التكثير، وتلحقها كلمة ((ما))، فتدخل على الْجُملة، قاله في ((العمدة))(١). وقال وليّ الدين العراقيّ كَُّهُ: ((رب)) فيها ست عشرة لغةً: ضمّ الراء، وفَتْحها، كلاهما مع التشديد، والتخفيف، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث ساكنةً، أو متحركةً، ومع التجرد منها، فهذه اثنتا عشرة، والضمّ، والفتح، مع سكون الباء، وضمّ الحرفين، مع التشديد، والتخفيف. انتهى (٢). (أَشْعَثَ)؛ أي: مُلَبَّد الشعر، مُغَبَّر، غير مدهون، ولا مُرَجَّل. وقال المناويّ كَُّهُ: ((أشعث))؛ أي: ثائر الشعر، مُغَبَّره، قد أَخَذ فيه الْجَهْد، حتى أصابه الشعث، وغلبته الْغُبْرة. انتهى (٣). قال القاضي: الأشعث: الْمُغَبَّر الرأس، المتفرق الشعر، وأصل التركيب هو التفرقة، والانتشار. انتهى. (مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ)؛ أي: لا قَدْر له عند الناس، فهم يدفعونه عن أبوابهم، ويطرِّدونه عنهم؛ احتقاراً له. وقال المناويّ: ((مدفوع بالأبواب))؛ أي: يُدفَع عند إرادته الدخول على (١) ((عمدة القاري)) ٢٦٦/٤. (٣) ((فيض القدير)) ١٤/٤. (٢) ((فيض القدير)) ١٤/٤. ١٣١ (٤٠) - بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ، وَالْخَامِلِينَ - حديث رقم (٦٦٥٩) الأعيان، والحضور في المحافل، إما باللسان، أو اليد واللسان؛ احتقاراً له، فلا يُتْرَك أن يلج الباب فضلاً أن يقعد معهم، ويجلس بينهم(١). (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ»)؛ أي: لو حلف على وقوع شيء، أوقعه الله تعالى إكراماً له بإجابة سؤاله، وصيانته من الحنث في يمينه، وهذا لعظيم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيراً عند الناس، وقيل: معنى القَسَم هنا الدعاء، وإبراره إجابته(٢) . وقال المناويّ تَخُّْهُ: ((لو أقسم))؛ أي: حلف على الله ليفعل شيئاً لأبرّه؛ أي: أبرّ قسمه، وأوقع مطلوبه إكراماً له، وصوناً ليمينه عن الحنث؛ لِعِظَم منزلته عنده، أو معنى القَسَم: الدعاء، وإبراره: إجابته، و(رُبّ)) هنا للتقليل، قال في ((المغني)): وليست هي للتقليل دائماً خلافاً للأكثر، ولا للتكثير دائماً خلافاً لابن درستويه، وجَمْع، بل للتكثير كثيراً، وللتقليل قليلاً. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَّتُ: ((الأشعث)): المتلبِّد الشعر غير المدّهنه، و((المدفوع بالأبواب))؛ أي: عن الأبواب، فلا يُترَك بقربها احتقاراً له، ويصحّ أن يكون معناه: يُدفع بسدّ الأبواب في وجهه، كلما أراد دخول باب من الأبواب، أو قضاء حاجة من الحوائج، وقوله: «لو أقسم على الله لأبرّه))؛ أي: لو وقع منه قَسَم على الله في شيء لأجابه الله تعالى فيما سأله؛ إكراماً له، ولطفاً به، وهذا كما تقدَّم من قول أنس بن النضر ◌َُّه: ((لا والله لا تُكْسَر ثنيّة الرُّبَيِّع أبداً)) (٤) فأبرّ الله قَسَمه، بأن جعل في قلوب الطالبين للقصاص الرضا بالدية، بعد أن أبوا قبولها . وكنحو ما اتَّفَق للبراء ◌َظُه لَمّا التقى بالكفار، فاقتتلوا، فطال القتال، وعَظُم النزال، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب، أو عزمت عليك، لتمنحنا أكتافهم، ولتلحقني بنبيّك وَلّهِ، فأبرّ الله قَسَمه(٥)، فكان كذلك، ولقد أبعد من (١) ((فيض القدير)) ١٤/٤. (٢) (شرح النوويّ)) ١٧٤/١٦ - ١٧٥. (٣) ((فيض القدير)) ١٤/٤ - ١٥. (٤) متفقٌ عليه. (٥) ذكر ابن حبّان في («مشاهير علماء الأمصار)) ١٣/١: (٣٧) في ترجمة البراء بن = ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب قال: إن القَسَم هنا هو الدعاء من جهة اللفظ والمعنى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٥٩/٤٠] (٢٦٢٢) ويأتي في ((صفة الجنّة)) (٢٨٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٨٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٩٢/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٢٨/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٠٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يُكرم الله ◌ُعَلَ عبده المؤمن بكرامة إجابة دعائه، وإعطاء ما يسأله، ويتمنّاه. ٢ - (ومنها): بيان أن المظاهِر ليست معيار معرفة أولياء الله تعالى، كما هو المعروف لدى عامّة الناس، بل الكثير خلاف ذلك، فكثيراً ما تكون عناية الله عَلَ عند الخاملين، فالمدار التقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ٣ - (ومنها): ما قاله بعضهم: إنما قال النبيّ بَير: (ربّ أشعث إلخ))؛ ليبصِّرك مراتب الشُّعْث الْغُبْر الأصفياء الأتقياء، ويرغّبك في طلب ما طلبوا، = مالك بن النضر النجاريّ الخزرجيّ، وهو أخو أنس بن مالك، من صالحي الأنصار، ومتقشفيهم، قال النبيّ مثل : ((رب أشعث أغبر ذي طمرين، لا يُؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك))، خرج البراء غازياً، فلقي زحفاً من المشركين بناحية السوس، فقاتلهم فيمن معه من المسلمين، فقالوا: يا براء إن رسول الله وَّيّ قال: ((لو أقسمت على الله لأبرّك))، فأقْسِم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب، لَمّا منحتنا أكتافهم، فمُنحوا أكتافهم، وقُتل البراء شهيداً، وذلك سنة ثلاث وعشرين. انتهى. (١) ((المفهم)) ٦٠٩/٦ - ٦١٠. ١٣٣ (٤٠) - بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ، وَالْخَامِلِينَ - حديث رقم (٦٦٥٩) ويُنَشِّطك لتقديم ما قدَّموا، ويُثَبِّطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، ويُعَلِّمك أن الزينة إنما هي بلباس التقوى(١). [حكاية]: ذكر المناويّ في ((فيض القدير)) حكاية غريبة، ذكرتُها للاعتبار، وهي أن بعضهم كان مجاب الدعوة، وكان كلّ من دعا عليه مات لوقته، وأراد جِماع زوجته، فقالت: الأولاد متيقظون، فقال: أماتهم الله، فكانوا سبعة، فماتوا كلهم، فصَلَّوا عليهم بُكرة النهار، فبلغ البرهان المتولي، فأحضره، وقال: أماتك الله، فمات، وقال: لو بقي لأمات خلقاً كثيراً. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: إنما ذكرت هذه الحكاية؛ لئلا يغترّ بها الجهلة، وذلك أن الكرامة بإجابة الدعوة من جملة نِعم الله ◌ُعَلَ، لا يجوز صرفها إلا فيما فيه نَفْع للإسلام والمسلمين، ولنفس صاحب الكرامة، كما أن قوى البدن نعمة من النعم لا يجوز صرفها فيما يضرّ بالمسلمين، فلا تضرب بيدك أحداً لقوّتك إلا إذا استحقّ ذلك، كالقصاص، أو الحد، أو التعزير، ولا تسعَ في مضرّة أي مسلم بقوّتك، وإلا كنت آثماً معاقَباً عند الله تعالى، كذلك إذا أكرمك الله مك باستجابة دعائك، لا تصرف ذلك إلا في الأمور النافعة للمسلمين، فإن أبيت، وعاندت، واستعملت ذلك في مضرّة أحد من المسلمين، فإن الله تعالى سيعاقبك، ويأخذك أخذ عزيز مقتدر، كما يأخذك في استعمال قوّة يدك، ومالك، وأولادك، وعبيدك، وخَدَمك في مضرّة المسلمين، لا فرق بين هذا، وهذا، فينبغي التنبّه لهذه الحقائق، فإن بعض الجهلة من العبّاد الزهاد إذا رأوا أن الله تعالى استجاب دعاءهم، بغوا، وطغوا، وأفسدوا في الأرض، وظلموا عباد الله تعالى، فإياك، ثم إياك أن تكون منهم، فتهلك مهلكهم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (١) ((فيض القدير)) ١٤/٤ - ١٥. (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ١٥/٤. ١٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (٤١) - (بَابُ النَّهْي عَنْ قَوْلِ: ((هَلَكَ النَّاسُ))) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٠] (٢٦٢٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، قَلَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسِّ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وله فيه إسنادان فرَّق بينهما بالتحویل، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه من اشتهر بكنيته، أبو هريرة، وأبو صالح، وفيه أبو هريرة ظه تقدّم القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))) قال النوويّ ◌َُّهُ: رُوي ((أهلكهم)) على وجهين مشهورين: رفع الكاف، وفتحها، والرفع أشهر، ويؤيده أنه جاء في رواية رَوَيناها في ((حلية الأولياء)) في ترجمة سفيان الثوريّ: ((فهو من أهلكهم))، قال الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)): الرفع أشهر؛ ومعناها: أشدُّهم هلاكاً، وأما رواية الفتح؛ فمعناها: هو جَعَلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، واتَّفَق العلماء على أن هذا الذمّ إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس، واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يَعْلَم سرّ الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزّناً لِمَا يرى في نفسه وفي الناس ١٣٥ (٤١) - بَابُ النَّهْي عَنْ قَوْلِ: ((هَلَكَ النَّاسُ)) - حديث رقم (٦٦٦٠) من النقص في أمر الدِّين، فلا بأس عليه، كما قال أنس عظُله: لا أعرف من أمة النبيّ ◌َله إلا أنهم يصلّون جميعاً، هكذا فسّره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه. وقال الخطابيّ: معناه: لا يزال الرجل يَعيب الناس، ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس، وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك، فهو أهلكهم؛ أي: أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العُجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم. انتهى(١). وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ كَّلُهُ: معناه عند أهل العلم: أن يقولها الرجل احتقاراً للناس، وإزراء عليهم، وإعجاباً بنفسه، وأما إذا قال ذلك تأسفاً وتحزناً وخوفاً عليهم؛ لِقُبح ما يرى من أعمالهم، فليس ممن عُني بهذا الحديث، والفرق بين الأمرين أن يكون في الوجه الأول راضياً عن نفسه، مُعْجَباً بها، حاسداً لمن فوقه، محتقراً لمن دونه، ويكون في الوجه الثاني ماقتاً لنفسه، مُوَبِّخاً لها، غير راض عنها، رَوَينا عن أبي الدرداء ◌َُّه أنه قال: لن يفقه الرجل كلَّ الفقه حتى يَمْقُت الناس كلهم في ذات الله، ثم يعود إلى نفسه، فيكون لها أشدّ مقتاً. ثم أخرج بسنده عن صالح بن خالد أنه قال: إذا أردت أن تعمل من الخير شيئاً، فأنزل الناس منزلة البقر، إلا أنك لا تحقرهم. قال أبو عمر: معنى هذا - والله أعلم - أي: لا تلتمس من أحد فيه شيئاً غير الله، وأخلص عملك له وحده، كما أنك لو الظَّلَع عليك البقر، وأنت تعمله، لم تَرْجُ منها عليه شيئاً، فكذلك لا ترجو من الآدميين، ثم بيَّن لك المعنى، فقال: إلا أنك لا تحقرهم. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ:) إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨هـ) وهو راوي هذا الكتاب عن مسلم، تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٦ - ١٧٦. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ كفته ٢٤٢/٢١ - ٢٤٣. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (لَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم، (أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ) بتقدير الاستفهام؛ أي: أأهلكهم يُضبط بالنصب، (أَوْ أَهْلَكُهُمْ) يُضبط (بِالرَّفْع) غرض أبي إسحاق هذا بيان شكّه في ضبط هذا الاسم، وهو قوله: ((أهلكهم)) هل هو بالنصب، أو بالرفع؟ قال القرطبيّ ◌َُّ: وقد قیّده الناس بعده بالوجهين، وكلاهما له وجه، فإذا كان بالرفع: فمعناه أن قائل ذلك القول هو أحقّ الناس بالهلاك، أو أشدّهم هلاكاً، ومَحْمِله على ما إذا قال ذلك مُحَقِّراً للناس، وزارياً (١) عليهم، مُعجباً بنفسه، وعمله، ومن كان كذلك فهو الأحقّ بالهلاك منهم، فأمَّا لو قال ذلك على جهة الشفقة على أهل عصره، وأنهم بالنسبة إلى من تقدّمهم من أسلافهم كالهالكين، فلا يتناوله هذا الذمّ، فإنَّها عادة جارية في أهل العلم، والفضل، يعظّمون أسلافهم، ويُفضّلونهم على مَن بعدهم، ويُقَصِّرون بمن خلفهم، وقد يكون هذا على جهة الوعظ والتذكير؛ ليقتدي اللاحق بالسابق، فيجتهد المقصّر، ويتدارك الْمُفَرِّط، كما قال الحسن كَذَتُهُ: لقد أدركت أقواماً لو أدركتموهم لقلتم: مرضى، ولو أدركوكم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب. وأفاد من قيّده بالنصب، فيكون معناه: أن الذي قال لهم ذلك مُقَنِّطاً لهم هو الذي أهلَكَهم بهذا القول، فإنَّ الذي يسمعه قد ييأس من رحمة الله، فيَهْلِك، وقد يغلب على القائل رأي الخوارج، فيُهلك الناس بالخروج عليهم، ويشقّ عصاهم بالقتال، وغير ذلك، كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقةً وحسّاً . وقيل: معناه: أن الذي قال فيهم ذلك هو الذي أهلكهم، لا الله تعالى، فكأنه قال: هو الذي ظنّ ذلك من غير تحقيق، ولا دليل من جهة الله تعالى، والله تعالى أعلم(٢). (١) يقال: زرى عليه؛ أي: عاتبه، وعاب عليه، كأزرى، وهذه قليلة، أفاده في ((القاموس)) . (٢) ((المفهم)) ٦٠٨/٦ - ٦٠٩. ١٣٧ (٤١) - بَابُ الَّهْي عَنْ قَوْلِ: ((هَلَكَ النَّاسُ)) - حديث رقم (٦٦٦٠) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذَلُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٠/٤١ و٦٦٦١] (٢٦٢٣)، و(البخاريّ) في («الأدب المفرد)) (٢٦٧/١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٨٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٨٤/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٢/٢ و٤٦٥ و٥١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٦١)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (٤٨٣/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٤٥/٦ و١٤١/٧)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٥٪ ٢٨٨)، و(نعيم بن حمّاد) في ((الفتن)) (٦٢٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن قول ((هلك الناس))؛ لأنه يؤدي إلى تعظيم النفس، واحتقار لغيره. ٢ - (ومنها): أن من آداب الداعي إلى الله تعالى أن يكون وسطاً، فلا يحمل الناس على القنوط من رحمة الله تعالى، ولا يحملهم على الرجاء المفرط الذي يؤدّي إلى التساهل في أمر الله تعالى ونهيه. ٣ - (ومنها): الحثّ على التواضع، وعدم رؤية النفس، وسوء الظنّ بالآخرين، بل الحقّ أن يكون متّهماً نفسه بالتقصير، واستحقاق الهلاك لولا فضل الله من، فيكون محبّاً للناس، متواضعاً لهم، محترماً لهم ذاماً لنفسه؛ لأنها أمارة بالسوء، وإلى هذا يشير الشاطبيّ تَخْتُهُ في ((حرز الأماني)) (١)، حيث قال: قَرِيباً غَرِيباً مُسْتَمَالاً مُؤَمَّلَا هُوَ الْمُجْتَبَى يَغْدُو عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَلَّى مَا قَضَاهُ اللَّهُ يُجْرُونَ أَفْعَالاً يَعُدُّ جَمِيعَ النَّاسِ مَوْلَى لِأَنَّهُمْ عَلَى الْمَجْدِ لَمْ تَلْعَقْ مِنَ الصَّبْرِ وَالأَلَا يَرَى نَفْسَهُ بِالذَّمَّ أَوْلَى لِأَنَّهَا وَمَا يَأْتَلِي فِي نُصْحِهِمْ مُتَبَذِّلَا وَقَدْ قِيلَ كُنْ كَالْكَلْبٍ يُقْصِيهِ أَهْلُهُ (١) ((حرز الأماني)) ص١٥. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَّخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، جَمِيعاً عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلُهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية العيشيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم) الأَوْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٦١) (خ م س ق) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٤٤/١٩. ٤ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيْئَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كدت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٥/ ٣٦٧. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ، أبو أيوب المدنيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية روح بن القاسم، وسليمان بن بلال كلاهما عن سهيل بن أبي صالح لم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٢] (٢٦٢٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَيَزِيدُ بَّنُّ هَارُونَ، كُلَّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - بَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - سَمِعْتُ ١٣٩ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٢) يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ - أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَأَ زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر: ١ - (عَبْدَةُ الْكِلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار [٨] (ت١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٥ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ، تغيَّر قبل موته بثلاث سنين [٨] (١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧. ٦ - (أَبُو بَكْر بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم) الأنصاريّ النَّجّاريّ المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكْنَّ أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٤٢٢/٨٠. ٧ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشة، ثقة [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدّمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً. والباقون كلّهم ذُكروا في الأبواب الخمسة الماضية. [تنبيه]: من لطائف الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وفيه ثلاثة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه عائشة ﴿ من المكثرين السبعة. ١٤٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب شرح الحديث: عن أبي (بَكّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ) الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، وهي أم أبي بكر الرَّوي عنها، (حَدَّثَنْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ) عَُّ (يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ)))؛ أي: يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره. واختلف في المراد بهذا التوريث، فقيل: يُجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يُعطاه مع الأقارب، وقيل: المراد: أن يُنَزَّل منزلة من يرث في البِرّ والصلة، والأول أظهر، فإن الثاني استمرّ، والخبر مُشعِر بأن التوريث لم يقع، ويؤيده ما أخرجه البخاريّ من حديث جابر ظُه نحو حديث الباب بلفظ: ((حتى ظننت أنه يَجْعل له ميراثاً)). وقال ابن أبي جمرة: الميراث على قسمين: حسيّ، ومعنويّ، فالحسيّ هو المراد هنا، والمعنويّ ميراث العلم، ويمكن أن يُلحظ هنا أيضاً، فإن حقّ الجار على الجار أن يعلّمه ما يحتاج إليه، والله أعلم. واسم الجار يَشْمَل المسلم، والكافر، والعابد، والفاسق، والصديق، والعدوّ، والغريب، والبلديّ، والنافع، والضارّ، والقريب، والأجنبيّ، والأقرب داراً، والأبعد، وله مراتب، بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كلّها، ثم أكثرها، وهَلُمّ جَرّا إلى الواحد، وعكسُهُ من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيُعطَى كلٌّ حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر، فيُرَجَّح، أو يُساوَى. وقد حمله عبد الله بن عمرو أحدٌ من روى الحديث على العموم، فأمر لمّا ذُبحت له شاة أن يُهدَى منها لجاره اليهوديّ، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)، والترمذيّ، وحسّنه. وقد وردت الإشارة إلى ما ذُكِر في حديث مرفوع، أخرجه الطبرانيّ من حديث جابر رظُه، رفعه: ((الجيران ثلاثة: جار له حقّ، وهو المشرك، له حقّ الجوار، وجار له حقان، وهو المسلم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق، مسلم له رَحِم، له حق الجوار والإسلام والرحم)» (١). (١) ضعيف، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) رقم (٣٤٩٣).