النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٣٦) - بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ - حديث رقم (٦٦٤٦) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َ﴿به؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:)، وقوله: (بَيْنَمَا) تقدّم غير مرّة أن ((بينما)) هي ((بين)) الظرفيّة زيدت عليها ((ما))، ويقال فيها أيضاً: (بينا)) بإشباع الفتحة، فتتولّد منها الألف، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، ويقترن جوابهما كثيراً بـ((إذ))، و((إذا))، فتقول: بينا زيد جالس إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقة بنت النعمان [من الطويل]: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ وقال السنديّ تَخُّْ في ((حاشيته على البخاريّ)): قوله: ((بينما رجل يمشي)): ((بينما)) ظرف يضاف إلى جملة، و((رجل)) مبتدأ، خبره جملة: ((يمشي بطريق))، والجملة مضاف إليها الظرف، والعامل في الظرف: ((وَجَدَ غُصن شوك))، والأفعال الثلاثة بعده معطوفة عليه، والظرف إذا أضيف إلى الجملة يكون في الحقيقة مضافاً إلى مضمون الجملة، وهو ههنا: مشى رجل في الطريق، ولا يخفى أن ((بين)) تقتضي التعدد في المضاف إليه، ولا تعدد ههنا، فيقدر مضاف يحصل به التعدد، وهو الأوقات، فيصير التقدير: بين أوقاتٍ مَشْي رجل في الطريق، وَجَدَ ذلك الرجل غصن شوك إلخ، قال: والابتداء بالنكرة إما لأن المدار على الإفادة، والظاهر: أن من يشترط التخصيص في النكرة عند وقوعها مبتدأ إنما يشترطه فيها عند كونها في جملة مقصودة بالإفادة، لا عند كونها في جملة تابعة لجملة أخرى، هي المقصودة بالإفادة، كما ههنا يدلّ عليه تعليلاتهم، ولو سُلِّم اشتراط التخصيص في النكرة مطلقاً، فالظاهر أن ههنا يقدّر الصفة؛ أي: رجل مذنب، بقرينة المغفرة على أنهم عَدُّوا ((إذا)) التي للمفاجأة من المسوّغات، نَصّ عليه البعض، والله تعالى أعلم. قال: وأما قول القسطلاني تَخْثُ: إن قوله: ((يمشي بطريق)) صفة ((رجلٌ)) وخبره: ((وَجَد غصن شوك))، والجملة مضافة للظرف، فعجيب؛ إذ لا يتمّ الكلام حينئذٍ أصلاً، إذ يصير تمام الحديث كلمةَ ((بين)) مع ما أُضيف إليها من الجملة، ولا يتم الكلام من المضاف والمضاف إليه، ولا يبقى للظرف عامل أصلاً، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: ((فأخَّره)) عامل في الظرف، وليس بمعطوف على ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب قوله: ((وَجَدَ))، وهذا مما يأتي عنه الفاء، وشهادة الذوق، فافهم. انتهى كلام السنديّ ◌َظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على المنصف المتأمل أن إعراب السنديّ المذكور فيه تكلّف ظاهر، والصواب ما قاله القسطلّانيّ تَظْلُهُ، ولا إشكال فيه، لمن تأملّه بالإمعان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. فقوله: (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه الوصف بقوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ)، وقوله: (وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) خبر المبتدأ، و((الغصن)): بضمّ الغين المعجمة، وسكون الصاد المهملة، آخره نون: ما تشعّب من ساق الشجر دِقاقها وغِلاظها، والصغيرة بِهاء، جَمْعه غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ، وأغصان، قاله المجد تَّتُهُ(٢). و((الشوك)) بفتح الشين المعجمة، وسكون الواو: شوك الشجرة معروف، والواحدة شوكة، والجمع أشواك. (عَلَى الطَّرِيقِ) متعلِّق بـ((وَجَدَ))، (فَأَخَّرَهُ)؛ أي: أبعد ذلك الشوك عن الطريق؛ لئلا يؤذي أحداً من المسلمين، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، يقال: شكرته، وشكرت له بمعنى واحد(٣)، وقال المجد تَّتُهُ: ((الشُّكْرُ)) بالضمّ: عِرْفان الإحسان، ونشرُهُ، أو لا يكون إلا عن يَدٍ، ومن الله تعالى الْمُجَازاة، والثناء الجميل، شَكَره، وله شُكْراً، وشُكُوراً، وشُكْراناً، وشكر اللهَ، ولله، وبالله، ونِعمةَ الله، وبها. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: شَكَرتُ للهِ: اعترفتُ بنعمه، وفعلتُ ما يجب من فعل الطاعة، وترك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرت له شُكراً، وشُكراناً، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ، في السَّعَةِ، وقال: بابه الشعر، وقول الناس في القنوت: ((نشكرك، ولا نكفرك)) لم يثبت في الرواية المنقولة عن عمر بنظُبه، على أن له وجهاً، وهو الازدواج، وتشكّرت له مثلُ شكّرتُ له. انتهى(٥). (١) ((حاشية السنديّ على صحيح البخاريّ)) ١١٦/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٥٠. (٤) ((القاموس المحيط)) ص ٧٠٠. (٣) ((عمدة القاري)) ١٧١/٥. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٢٠/١. ١٠٣ (٣٦) - بَابُ فَضْلٍ إِذَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ - حديث رقم (٦٦٤٦) وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((فشكر الله له)) أي: أظهر لملائكته، أو لمن شاء من خِلْقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان لعبيده، وقد تقدَّم: أن أصل الشكر: الظهور، أو يكون جازاه جزاء الشاكر، فسمَّى الجزاء شكراً، وعبّر عنه بِشَكَر، كما قال في الرواية الأخرى: ((فأُدخل الجنة))، وكلّ ذلك إنما حصل لذلك الرجل بحسن نيته في تنحيته الأذى، ألا ترى قوله: ((والله لأُنَحِّيَنّ هذا عن المسلمين، لا يؤذيهم)). انتهى (١). (فَغَفَرَ لَهُ))) بالبناء للفاعل، وفي رواية لابن حبّان: ((حُوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا غُصن شوك كان على الطريق، كان يؤذي الناس، فعزله، فغُفر له))، وفي رواية له: ((غُفر لرجل أخذ غُصن شوك عن طريق الناس ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر)). قال النوويّ كَُّهُ: وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهو كلُّ مُؤْذٍ، وهذه الإماطة أدنى شُعَب الإيمان، كما سبق الحديث في ذلك في ((كتاب الإيمان))(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عظ ته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٤٦/٣٦ و٦٦٤٧ و٦٦٤٨ و٦٦٤٩] (٢٦١٧)، وتقدّم في ((الإمارة)) [٤٩٣٢/٥١] (١٩١٤)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٥٢) و((المظالم)) (٢٤٧٢) و((الجهاد)) (٢٨٢٩) و((الطبّ)) (٥٧٣٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٢٤٥)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٦٣) و((البرّ والصلة)) (١٩٥٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٦٨٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٣١/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده) (١١٣٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٤/٢ و٣٢٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في (١) ((المفهم)) ٦/ ٦٠٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٦٢/١٣. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (صحيحه)) (٥٣٦ و٣١٨٨ و٥٤٠ و٥٣٨ و٥٣٩)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (١٦٩/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٤ و٤١٤٦)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث تقدّم في ((الإمارة)) مطوّلاً برقم [٤٩٣٢/٥١]، وإنما أعدته؛ لكون تخريجه هناك مختصراً، فتنبّه. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إماطة ما يؤذي الناس عن طريقهم، وأن الشخص يؤجر على إماطة الأذى، وكل ما يؤذي الناس في الطريق. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن من طرح الشوك في الطريق، والحجارة، والكناسة، والمياه المفسدة للطرق، وكل ما يؤذي الناس يُخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة، ولا شك أن نَزْع الأذى عن الطريق من أعمال البِرّ، وأن أعمال البرّ تكفّر السيئات، وتوجب الغفران، ولا ينبغي للعاقل أن يحقر شيئاً من أعمال البرّ، أما ما كان من شجر فقطعه، وألقاه، وأما ما كان موضوعاً فأماطه، والأصل في هذا كله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [الزلزلة: ٧]، وإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شُعَب الإيمان. خَيْرًا يَرَهُ ٣ - (ومنها): التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين، وأزال عنهم ضرراً، وأن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب. ٤ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة الشكر لله ثال على ما يليق بجلاله، فهي كسائر صفاته التي أثبتتها النصوص الصحيحة، من الرضى، والرحمة، والقبول، والعجب، والمحبّة، وغير ذلك، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخْتُ في الحديث: أن إماطة الأذى عن الطريق من أعمال البرّ، وأنها توجب الغفران، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يحتقر شيئاً من أعمال البرّ، فربما غُفر له بأقلّها، وقد قال ◌َّ: ((الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))(١)، وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً [سورة الزلزلة: ٧]، وقال الشاعر [من الخفيف]: يَرَهُ (١) متّفقٌ عليه، وهذا اللفظ لمسلم. ١٠٥ (٣٦) - بَابُ فَضْلِ إِذَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ - حديث رقم (٦٦٤٧ - ٦٦٤٨) رَ إِذَا كُنْتَ تَارِكاً لِأَقَلِّهِ(١) وَمَتَى تَفْعَلِ الْكَثِيرَ مِنَ الْخَيْـ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنٍ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرٍ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنَخِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُؤْذِبِهِمْ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذكرا قبله. وقوله: (وَاللهِ لأَنَخِّيَنَّ إلخ) من التنحية، وهي الإزالة؛ أي: لأُزيلنّ. وقوله: (لَا يُؤْذِيهِمْ)؛ أي: لئلا يؤذي المسلمين، فالجملة تعليليّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَّجَرَةٍ، قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، النحويّ، أبو معاوية (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٢/٢٢. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى ((نحوة)) بطنٍ من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ إلخ)؛ أي: يتنعّم في الجنّة بملاذّها بسبب قطعه الشجرة(١) . وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((يتقلّب في الجنّة))؛ أي: يتقلّب في نعيم الجنة، وملابسها، وقصورها، وسائر ما أَعدّ الله فيها(٢) . والحديث تقدّم البحث فيه مستوفَى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِهِ قَالَ: ((إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، فَجَّاءَ رَجُلٌ، فَقَطَعَهَا، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو رَافِع) نُفيع الصائغ، المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّمَ في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب(٣)، و((بهزّ)) هو: ابن أسد العميّ البصريّ، و((ثابتٌ)) هو: ابن أسلم البنانيّ البصريّ. والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٠] (٢٦١٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَمْعَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِعِ، حَدَّثَنِي أَبُو بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئاً أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: ((اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ))). (١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧١. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٠١. (٣) أي: في الباب الحادي والثلاثين، والثاني والثلاثين، فتنبّه. ١٠٧ (٣٦) - بَابُ فَضْلٍ إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ - حديث رقم (٦٦٥٠) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبَانُ بْنُ صَمْعَةً) - بمهملتين، مفتوحتين - الأنصاريّ البصريّ، قيل: إنه والد عتبة الغلام، ثقة(١)، إلا أنه تغيَّر آخراً [٧]. روى عن عكرمة، ومحمد بن سيرين، وأبي الوازع. وروى عنه خالد بن الحارث، ووكيع، ويحيى، وأبو عاصم، وغيرهم. قال ابن القطان: تغيَّر بآخره، وقال ابن مهديّ: أتيته، وقد اختلط البتة، قال ابن المدينيّ: قلت له: بكم؟ قال: بزمان، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: إنما عِيْب عليه الاختلاط لَمّا كَبِر، ولم يُنسب إلى الضَّعف؛ لأن مقدار ما يرويه مستقيم، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالحٌ، فقلت له: أليس قد تغيّر بآخره؟ قال: نعم، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ أُنكِر في آخر أيامه، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ في موضع آخر: ليس به بأس، إلا أنه كان اختلط، وقال العقيليّ، والحربيّ: اختلط بآخره. قال ابن منجويه: مات سنة (١٥٣)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأُرَّخ وفاته، ومنه نَقَل ابن منجويه. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (أَبُو الْوَازِع) جابر بن عمرو الرّاسِبِيّ، صدوق يَهِم [٣] (بخ م ت ق) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٤٧٤/٥٨. ٤ - (أَبُو بَرْزَةَ) نضلة بن عبيد الأسلميّ الصحابيّ الشهير ظ ◌ُه، تقدّم قريباً . و((زُهَيْرُ بْنُ حَرْب» ذُکر قبل حدیثین. (١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): صدوقٌ؛ فقد وثّقه الأئمة، اقرأ ترجمته بعدُ يظهر لك الحقّ. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوی شیخه، فبغداديّ، وأن أبا الوازع، وأبا برزة ممن اشتهر بكنيته. شرح الحديث: (عَنْ أَبَانَ بْنِ صَمْعَةً) الأنصاريّ البصري، قال النوويّ كَّتُهُ: أما أبان فقد سبق في مقدمة الكتاب أنه يجوز صرفه، وتركه، والصرف أجود، وهو قول الأكثرين، و((صمعة)) بصاد مهملة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم عين مهملة، قيل: إن أبانا هذا هو والد عتبة الغلام الزاهد المشهور. انتهى (١). قال: (حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِعِ) جابر بن عمرو الراسبيّ، قال: (حَدَّثَنِي أَبُو بَرْزَةَ) نضلة بن عُبيد الأسلميّ ◌َُّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئاً أَنْتَفِعُ بِهِ) وفي الرواية التالية: ((قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ، وَأَبْقَى بَعْدَكَ، فَزَوِّدْنِي شَيْئاً، يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ)). (قَالَ) ◌ِلّهِ: ((اعْزِلِ) بوصل الهمزة، من عَزَلْتُ الشيءَ عن غيره عَزْلاً، من باب ضرب: نَخَّيته عنه، ومنه: عَزَلْتُ النائبَ، كالوكيل: إذا أخرجته عما كان له من الحكم، ويقال في المطاوع: فَعَزَلَ، ولا يقال: فَانْعَزَلَ؛ لأنه ليس فيه عِلاجٌ، وانفعالٌ، نعم قالوا: انْعَزَلَ عن الناس: إذا تنحى عنهم جانباً، قاله الفيوميّ كَّتُهُ(٢). (الأَذَى) بفتحتين: القَذَر، يقال: أَذِيَ الشيءُ أَذِّى، من باب تَعِبَ: بمعنى قَذِرَ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: مستقذَرٌ، وأَذِيَ الرجلُ أَذَّى: وصل إليه المكروه، فهو أَذٍ، مثل عَم، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آذَيْتُهُ إِبْذَاءً، والأَّذِيَّةُ اسم منه، فَتَأَذَّى هو، قاله الفيوميّ كَظُّ(٣). (عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ))) متعلّق بـ((اعزل))؛ أي: أزل عن طريق المسلمين ما يؤذيهم، كشوك، وحجر، فإن تنحية ذلك من شُعَب الإيمان، كما في عِدّة أخبار صحاح وحسان، والأمر للندب، وقد يجب، ونبّه بذلك على طلب إزالة (١) (شرح النوويّ)) ١٧١/١٦. (٣) ((المصباح المنير)) ١٠/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٧/٢. ١٠٩ (٣٦) - بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ - حديث رقم (٦٦٥١) كلّ مؤذٍ، من إنسان، أو حيوان، وفيه تنبيه على فضل فعل ما ينفع المسلمين، أو يزيل ضررهم، وإن كان يسيراً حقيراً، ويظهر أن المراد الطريق المسلوك، لا المهجور، وإن مُرّ فیه علی ندور. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا، والذي يظهر لي أن الطريق عام يشمل المسلوك كثيراً، وغيره، فلا وجه لتقييده بالمسلوك فقط، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وخرج بطريق المسلمين طريق أهل الحرب، ونحوهم، فلا يندب عزل الأذى عنها، بل يندب وضعه فيها، ويظهر أنه يُلحق بهم طريق القُطّاعِ، وإن كانوا مسلمين، حيث اختصت بهم، وقد يشمل الأذى قطّاع الطريق، والَّلَمَة، لكن ذلك ليس إلا للإمام، والحكام، قاله المناويّ تَخْذَهُ(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ له هذا من أفراد المصنّف نَظَهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٥٠/٣٦ و٦٦٥١] (٢٦١٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)» (٢٢٨)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٦٨١)، و(أحمد) في «مسنده)) (٤٢٠/٤ و٤٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨/٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه) (٥٤١)، و(البزّار) في («مسنده)) (٩/ ٩٢٩٢ و٣٠٦)، و(أبو نعيم) في ((تاريخ أصبهان)) (٤٨/٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَبِي الْوَازِعِ الرَّاسِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ، وَأَبْقَى بَعْدَََ، فَزَوِّدْنِي شَيْئاً، يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((افْعَلْ كَذَا، افْعَلْ كَذَا - أَبُو بَكْرٍ نَسِيَهُ - وَأَمِزَّ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ))). (١) ((فيض القدير)) ٥٦٠/١. ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ) - بمهملتين مفتوحتين، بينهما موحّدة ساكنة، وفي آخره موحّدة - الأزديّ المِعْوليّ البصريّ، قيل: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن أبيه، والشعبيّ، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وأبي الوازع الراسيّ، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه صالح بن عبد الكبير بن شعيب، ویحیی بن یحیی النيسابوريّ، ومسلم بن إبراهيم، وقتيبة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عنه؟ فقال: لا أعلم إلا خيراً، هو شيخ، يُرْوَى عنه، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ في ((الكنى)): أنا سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأحمد: أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب؟ قال: أرجو أنه ليس به بأس، وسمّاه البخاريّ، ومسلم، والدُّولابيّ، وأبو أحمد، وغيرهم: عبد الله. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وله عند الترمذيّ حديث واحد غير هذا. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كلاحقه. وقوله: (الرَّاسِبِيِّ) بكسر السين المهملة، وبعدها باء موحّدة، وهي نسبة إلى بني راسب، قبيلة معروفة نزلت البصرة، قاله النوويّ تَخُّْ(١). وقوله: (الأَسْلَمِيِّ) بفتح الهمزة: نسبة إلى أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في ((اللباب))(٢). (١) ((شرح النوويّ)) ١٧١/١٦ - ١٧٢. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥٨/١. ١١١ (٣٧) - بَابُ تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ، وَنَحْوِهَا، مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي - حديث رقم (٦٦٥٢). وقوله: (لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ) كناية عن موته بَّهِ. وقوله: (أَبُو بَكْرِ نَسِيَهُ)؛ يعني: أن أبا بكر بن شعيب نسي الشيء الذي أمر به و ﴿ أبا برزة، وأتى بالكناية عنه، فقال: ((افعل كذا، افعل كذا)). وقوله: (وَأَمِرَّ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ))) ((أَمِرّ)) بفتح الهمزة، وكسر الميم، وتشديد الراء، أمْر من الإمرار؛ أي: أَزِل، قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في معظم النُّسخ، وكذا نقله القاضي عن عامّة الرواة بتشديد الراء، ومعناه: أزله، وفي بعضها: ((وأَمز)) بزاي مخفّفة، وهي بمعنى الأول. انتهى(١). وقال القرطبيّ ◌َخْتُهُ: قوله: ((وأَمِرّ الأذى)) هكذا روايتي، ورواية عامة الشيوخ بِراء مشدّدة، من المرور، بمعنى: نَحِّ، وعند الطبريّ: ((وأمِز)) - بزاي معجمة - من الْمَيْزِ؛ أي: أزِلْ من الطريق، وميّزه عنه، وعند ابن ماهان: ((أَخِّره))، وكلّها بمعنى واحد. وفيه ما يدلّ على الترغيب في إزالة الأذى، والضرر عن المسلمين، وعلى إرادة الخير لهم، وهذا مقتضى الدِّين، والنصيحة، والمحبّة. (٢) انتهى(٢). والحديث سبق البحث فيه مستوفَّى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة . (٣٧) - (بَابُ تَحْرِيم تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ، وَنَحْوِهَا، مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٢] (٢٢٤٢)(٣) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ - يَعْنِي: ابْنَ أَسْمَاءَ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٢/١٦. (٢) ((المفهم)) ٦٠٤/٦. (٣) تقدّم هذا الرقم، فهو مكرّر. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَسَقَتْهَا، إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشٍٍ الأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بن عبيد الضُّبَعِيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٠/٧٣. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطاب ﴿ه، أبو عبد الرحمن العدويّ، وُلِد بعد المبعث بيسير، واستُصغر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْثُهُ، كسابقه، وهو (٤٠٧) من رباعيّات الكتاب، وفيه عبد الله مهملاً، وهو ابن عمر، لِمَا أسلفناه غير مرّة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة، يُنظر في السند، فإن كان مدنيّاً، فهو ابن عمر، وإن كان مكيّاً، فهو ابن الزبير، وإن كان كوفيّاً، فهو ابن مسعود، وإن كان بصريّاً، فهو ابن عبّاس، وإن مصريّاً، أو شاميّاً، فهو ابن عمرو بن العاص ظ﴿ه، وإليه أشار السيوطيّ كَّتُهُ في ((ألفيّة الأثر))، حيث قال: طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ ((عَبْدُ اللَّهِ)) فِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ وفيه عبد الله بن عمر ظًّا، وهو أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، وكان من أشدّ الناس اتباعاً للأثر ١١٣ (٣٧) - بَابُ تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ، وَنَحْوِهَا، مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي - حديث رقم (٦٦٥٢) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف تَّثُ في ((كتاب قتل الحيّات)) برقم [٥٨٣٨/٤] (٢٢٤٢) واستوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فلا حاجة لإعادته، فراجعه، تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ كَذُ: لم أقف على اسمها، ووقع في رواية: ((أنها حِمْيريّة))، وفي أخرى: ((أنها من بني إسرائيل))، ولا تضادّ بينهما؛ لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية، فنُسبت إلى دِينها تارةً، وإلى قبيلتها أخرى، وقد وقع ما يدلّ على ذلك في ((كتاب البعث)) للبيهقيّ، وأبداه عياض احتمالاً، وأغرب النوويّ، فأنكره. انتهى(١). وقوله: (فِي هِرَّةٍ)؛ أي: بسبب هرّة، فـ((في)) سبيّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]. وقال المناويّ كَّلُ: قوله: ((في هرة))؛ أي: لأجلها، أو بسببها، ذكره الزمخشريّ، وقال ابن مالك: ((في)) هنا بمعنى التعليل، وهو مما خَفِي على أكثر النحاة، وتعقبه الطيبيّ بأنهم يقدِّرون المضاف؛ أي: في شأن هرّة، أو في أمرها. و ((الهرّة)): أنثى السُّنّور، جَمْعها هِرَرٌ، كقِرْبةٍ وقِرَب، والذَّكَرِ هِرّ، ويُجمع أيضاً على هِرَرَة، كقِرَدَةٌ(٢). وقوله: (سَجَنَتْهَا)؛ أي: حبستها عن الأكل والشرب. وقوله: (فَدَخَلَتْ فِيهَا)؛ أي: بسببها . وقوله: (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))) بفتح الخاء المعجمة، ويجوز ضمها، وكسرها، وبمعجمتين، بينهما ألِف، الأُولى خفيفة، والمراد: هوامّ الأرض، وحشراتها، من فأرة، ونحوها، وحَكَى النوويّ أنه رُوي بالحاء المهملة، والمراد: نبات الأرض، قال: وهو ضعيف، أو غلط، ذكره في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٥٩٦/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٣١٨). (٢) ((فيض القدير)) ٥٢٣/٣. (٣) ((الفتح)) ٥٩٦/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٣١٨). ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، جَمِيعاً عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ جُوَيْرِيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ) بن بَرْمَك الْبَرْمكيّ، أبو محمد، نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ثقةٌ [١١] (م د) تقدم في ((قتل الحيّات)) ٤/ ٥٨٤٠. ٣ - (مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦٣. والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ جُوَيْرِيَةَ)؛ يعني: حديث مالك عن نافع بمعنى حديث جويرية بن أسماء عنه السابق. [تنبيه]: رواية مالك عن نافع هذه، ساقها البخاريّ ◌َّثُ في ((صحيحه))، فقال : (٢٢٣٦) - حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر طًَّا؛ أن رسول الله ﴿ ﴿ه قال: ((عُذِّبت امرأة في هرّة حبستها، حتى ماتت جوعاً، فدخلت فيها النار، قال: فقال - والله أعلم -: لا أنتِ أطعمتِها، ولا سقيتِها، حين حبستِها، ولا أنتِ أرسلتِها، فأكلتْ من خشاش الأرض)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٤] (.) - (وَحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((عُذِّبَتِ (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٨٣٤. ١١٥ (٣٧) - بَابُ تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ، وَنَحْوِهَا، مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي - حديث رقم (٦٦٥٥ - ٦٦٥٦) امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَوْثَقَتْهَا(١)، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ المدنيّ، أبو عثمان، ثقةٌ ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٢٢٢/٢٨. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٥] (.) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ) هو: سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. والباقون تقدموا قبله. [تنبيه]: رواية سعيد المقبريّ عن أبي هريرة رضيبه هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٦] (٢٦١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (١) وفي نسخة: ((أوثقتها، أو ربطتها، فلم)). ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ إِلَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةُ النَّارَ، مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ مِرِّ ـ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا، تُرَمْرِمُ (١) مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ) بصيغة اسم الفاعل المشدّد؛ أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: ما يأتي من الحديث، (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ◌َّتُهُ: لم أقف على اسمها، فقيل: حِمْيريّة، وقيل: إسرائيلية، ولا تعارُض؛ لأن طائفة من حِمْيَر تهوّدت، فنُسبت إلى دِينها تارةً، وإلى قبيلتها أخرى. (النَّارَ، مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا)؛ أي: من أجل هرّة، قال النوويّ: يُمَدّ، ويُقصر، يقال: من جرائك، ومن جراك، وجريرك، وأجْلِك بمعنى. انتهى(٢). وقال المرتضى: وفَعَلتُهُ من جَرَاك ساكنة، مقصورة، وتُمَدّ؛ أي: من أجلك، كجَرّاك، بالتشديد، قال أبو النجم: فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاهَا (٣) (أَوْ هِرٍّ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال: ((هرّة))، أو قال: ((هرّ)) وهو الذَّكر، أو هو لغة في الهرّة، قال الفيّومِيّ ◌َّتُ: الهِرُّ: الذَّكَر، وجَمْعه هِرَرَةٌ، مثل قِرْدٍ وقِرَدَةٍ، والأنثى هِرَّةٌ، وجَمْعها هِرَرٌ، مثلُ سِدْرَة وسِدَر، قاله الأزهريّ، وقال ابن الأنباريّ: الهِرُّ يقع على الذَّكَر والأنثى، وقد يُدخلون الهاء في المؤنث، وتصغير الأنثى: هُرَيْرَةٌ، وبها كُنِي الصحابيّ المشهور ◌ُه. انتهى(٤). (رَبَطَنْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا) الفاء فيه تفصيل، وتفسير للربط، (وَلَّا هِيَ أَرْسَلَتْهَا، تُرَمْرِمُ)؛ أي: تأكل، وأصلها من رَمّت الشاةُ، وارتمّت من الأرض: (١) وفي نسخة: ((تُرَمِّمُ)). (٣) ((تاج العروس)) ١٤/ ١٤٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٣. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٣٧/٢. ١١٧ (٣٧) - بَابُ تَحْرِيمٍ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ، وَنَحْوِهَا، مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي - حديث رقم (٦٦٥٦) إذا أكلت، والمرمّة - من ذوات الظلف - بالكسر، والفتح، كالفم من الإنسان، قاله ابن الأثير(١). وقال النوويّ تَُّهُ: قوله: ((تُرَمْرِمُ)) هكذا هو في أكثر النُّسخ: ((تُرَمْرِمُ» بضمّ التاء، وكسر الراء الثانية، وفي بعضها: ((تُرَمِّم)) بضم التاء، وكسر الميم الأُولى، وراء واحدة، وفي بعضها: (تَرَمَّمُ)) بفتح التاء والميم؛ أي: تتناول ذلك بشفتيها. انتهى (٢) . وقال القاضي عياض تَخْذَثُ: قوله: (تَرَمَّمُ من خشاش الأرض)): كذا للعذريّ، والسجزيّ، ويقال: بفتح التاء والميم، وبضم التاء، وكسر الميم، ورواه السمر قنديّ: ((تُرَمْرِمُ))، وكلاهما بمعنى، وأصله: تأكل من الْمَرَمَّة، وهي الشفة، والرمرام: عُشْب الربيع؛ لأنه يُرَمَّم بالْمَرَمّة، بفتح الميم، وكسرها، وأصلها في ذوات الأظلاف. انتهى(٣). (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، وضمّها، حكاهنّ في ((المشارق))، والفتح أشهر، ورُوي بالحاء المهملة، والصواب المعجمة، وهي هوامّ الأرض، وحشراتها، كما وقع في الرواية الأخرى، وقيل: المراد به: نبات الأرض، وهو ضعيف، أو غلط، قاله النوويّ(٤). (حَتَى مَاتَتْ هَزْلاً))) بفتح الهاء، وضمّها؛ أي: ضَعفاً، قال المجد تَظّلهُ: الهُزالُ بالضم: نقيضُ السِّمَنِ، وهُزِلَ، كعُنِيَ هُزالاً، وهَزَلَ، كَنَصَرَ هَزْلاً، ويُضَمُّ، وهَزَلْتُه أهْزِلُه، وهَزَّلْتُه، وأهْزَلُوا: هُزِلَتْ أمْوالهُم، كهَزَلُوا، كضَرَبوا، وحَبَسوا أمْوالَهُم عن شِدَّةٍ، وضِيقٍ. انتهى(٥). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: هَزَلْتُ الدابةَ أَهْزِلُهَا، من باب ضرب هُزْلاً، مثلُ قُفْلٍ: أضعفتُها بإساءة القيام عليها، والاسم: الهُزَالُ، وهُزِلَتْ بالبناء للمفعول، فهي مَهْزُولَةٌ، فإن ضَعُفَت من غير فِعل المالك قيل: أَهْزَلَ الرجلُ بالألف؛ أي: وقع في ماله الهُزَالُ. انتهى (٦). (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦٣/٢. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٩١/١. (٥) ((القاموس المحيط)) ص١٣٨٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/١٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٣. (٦) ((المصباح المنير)) ٦٣٨/٢. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((من جَرّاء هِرّة))؛ أي: من أجل، وفيه لغتان: المدّ، والقصر، وظاهر هذا: أن الهرّ يُملك؛ لأنَّه أضاف الهرّ للمرأة باللام التي هي ظاهرة في المُلك، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك، وفيه ما يدلّ على أن الواجب على مالك الهرّ أحد الأمرين: إما أن يطعمه، أو يتركه يأكل مِمَّا يجده من الخشاش، وهي: حشرات الأرض، وأحناشها، وقد يقال على صغار الطير، وهو بالخاء المعجمة، ويقال: بفتح الخاء، وكسرها، وحَكَى أبو عليّ القالي فيها الضمّ، فأمَّا الخشاش بالكسر لا غير: فهو الذي يُدخَل في أنف البعير من خشب، والْخَزامة من شَعْر، فأمَّا الخشاش بالفتح: فهو الماضي من الرجال، قال الجوهريّ: وقد يضمّ. انتهى(١). وقال المناويّ كَّلُهُ: ((من خشاش الأرض)) بفتح الخاء المعجمة، أشهر مِن كسرها، وضمّها، كما في ((الديباج)) وغيره، وحَكَى النوويّ أنه رُوي بحاء مهملة، وغَلَّط قائله؛ أي: من حشراتها، وهوامّها، قال الزمخشريّ: الواحدة خشاشة، سُمّيت به؛ لاندساسها في التراب، من خَشَّ في الأرض: دخل فيها . وقال الطيبيّ: وذِكر الأرض للإحاطة والشمول، مثله في آية: ﴿وَمَا مِن [الأنعام: ٣٨]. دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ﴾ وظاهر الحديث: أنها عُذِّبت بالنار حقيقةً، أو بالحساب؛ لأن من نوقش عُذِّب، كذا ذكره بعضهم، وجزم القرطبيّ بالأول، وهذه المرأة هي التي رآها النبيّ وَّ في النار، وهي امرأة طويلة، من بني إسرائيل، أو حِمْير، ويَحْتَمِل كونها كافرة، كذا ذكره جَمْعٌ، وحكاه عنهم الحافظ ابن حجر، وقال النوويّ: الذي يظهر أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية، وتوبع على ذلك، وقال القرطبيّ: هل كانت كافرةً، أو مسلمة؟ كلٌّ مُحْتَمِلٌ، فإن كانت كافرة ففيه أن الكفار مخاطبون بالفروع، ومعاقَبون على تركها، وإلا فقد تلخص أن سبب تعذيبها حبس الهرة، ففيه أن الهرّ لا يُملك، وأنه لا يجب إطعامه إلا على مَنْ حَبَسه، وكأنهم لم يَرُؤُوا فيه شيئاً، وهو عجيبٌ، فقد ورد النصّ الصريح الصحيح بكفرها، قال علقمة: ((كنا جلوساً عند عائشة، فدخل أبو (١) ((المفهم)) ٦/ ٦٠٦. ١١٩ (٣٨) - بَابُ تَحْرِیمِ الْكِبْرِ هريرة، فقالت: أنت الذي تُحَدِّث أن امرأة عُذبت في هرة ربطتها إلخ؟ فقال: سمعت منه - يعني: النبيّ ◌َ﴿ - فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله رَك أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله (وَ*، فانظر كيف تحدث؟))، رواه أحمد، قال الحافظ الهيثميّ: رجاله رجال الصحيح. وفيه تفخيم الذَّنْب، ولو صغيراً، وأن تعذيب الحيوان حرام، وأنه يُسَلَّط يوم القيامة على ظالمه، وحِلُّ اتخاذ الهرّ ورباطها، بشرط إطعامها وسقيها، وأُلحق بها غيرها في معناها، وقول النوويّ: وإن نفقة الحيوان على مالكه نوزع فيه، بأنه ليس في الخبر ما يقتضيه. انتهى ما كتبه المناويّ تَخْذَهُ(١). والحديث من أفراد المصنّف تَّقُ وقد مضى تخريجه، وتمام البحث فيه في ((كتاب قتل الحيّات)) برقم [٥٨٤١/٤] (٢٢٤٣) فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْثُ وَمَا تَوْفِيقِيَّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (٣٨) - (بَابُ تَحْرِيم الْكِبْرِ) قال الغزاليّ تَخْشُهُ في ((الإحياء)): (اعلم): أن الكِبْر ينقسم إلى باطن وظاهر، فالباطن هو خُلُق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح، واسم الكبر بالخُلق الباطن أحقّ، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخُلق، وخُلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال: تكبّر، وإذا لم يظهر يقال: في نفسه كبر، فالأصل هو الخُلق الذي في النفس، وهو الاسترواح، والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبّر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبَّراً عليه، ومتكبَّراً به، وبه ينفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجَب، بل لو لم يُخلَق الإنسان إلا وحده تُصُوِّر أن يكون مُعْجَباً، ولا يتصور أن يكون متكبراً إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون (١) ((فيض القدير)) ٥٢٣/٣. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب متكبراً، فإنه قد يستعظم نفسه، ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه، أو مثل نفسه، فلا يتكبر عليه، ولا يكفي أن يستحقر غيره، فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر، ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر، بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خُلُق الكبر، لا أن هذه الرؤية تنفي الكبر، بل هذه الرؤية، وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اعتداد، وهِزّة، وفرح، وركون إلى ما اعتقده، وعِزّ في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة، والهزة، والركون إلى العقيدة هو خُلُق الكبر. وقد دلّ الكتاب والسُّنَّة، وإجماع العلماء أن الكبر من أرذل أخلاق الإنسان، وهو من الموبقات التيّ تجرّ إلى كثير من الخبائث. انتهى بتصرّف(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٥٧] (٢٦٢٠) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مُسْلِم الأَغَرِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بِحَمْدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله ثمانون سنةً (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٠. [تنبيه]: قوله: ((الأزديّ)) بفتح الهمزة: نسبة إلى أزد شنوءة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، قاله في ((اللباب))(٢). ٢ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) - بكسر المعجمة، وآخره مثلّثة - ابن طَلْق - بفتح الطاء، وسكون اللام - الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٥/٣٢. (١) «إحياء علوم الدين)) ١٣٤/٥. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٦/١.