النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٣٣) - بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقِّ - حديث رقم (٦٦٣٦)
رجل أفضل من أبيك، وقال هشام بن حسان، عن ابن سيرين: كان عمر مُعْجَباً
به، وكان من عَجَبه به كان يُسَمِّيه نَسِيج وحده، ويقال: إن عمر قال لأصحابه:
تَمَنَّوا، فتمنى كل رجل أمنية، فقال عمر: لكنني أتمنى أن يكون لي رجال مثل
عُمير أستعين بهم على أمور المسلمين، ويقال: إنه مات في خلافة عمر،
ويقال: في خلافة عثمان، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة، وقد تعقب ابن الأثير
قول من قال: إنه ابن أبي زيد القاريّ، بأن أنس بن مالك كان يقول في أبي
زيد: هو أحد عمومتي، وأنس من الخزرج، وعمير بن سعد هذا أوسيّ، فكيف
يكون ابنه؟ قال الحافظ: وهو تعقب جَيِّد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في قوله: ((تعقّب جيّد)) نظر، لماذا لا
يكون أنس تجوّز في قوله: ((أحد عمومتي))، أو أن عمومته كانت من جهة
الرضاعة، فليُتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عَلَى فِلَسْطِينَ) بكسر الفاء، وفتح اللام: هي بلاد بيت المقدس،
وما حولها، قاله النوويّ(٢).
وقال المرتضى تَُّ: فِلَسْطُونَ، وفِلَسْطِينُ، وقد تُفْتَحُ فاؤُهما: كُورَةٌ
بالشَّامِ، في ((نورِ النِّبْراس)»: هي: الرَّمْلَة، وغَزَّةُ، وبَيْتُ المَقْدِس، وما وَالَاها.
وفي (النِّهايَةِ)): هي مَا بَيْنَ الأُرْدُنِّ، ودِيارِ مِصْرَ، وأُمُّ بِلادِها بَيْتُ المَقْدِس.
وفِلَسْطِينُ: قرية، وقيلَ: مدينةٌ بالعِراقِ. وفي ((الشَّهذيب)): نُونُها زائِدَةٌ، وقالَ غيرُه:
بَلْ هي كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ، والعَرَبُ في إِعْرابِها عَلَى مَذْهَبَيْنٍ، منهم مَنْ يَجْعَلُها بمَنْزِلَةٍ
الجمع، ويجعَلُ إِعْرابَها في الحَرْفِ الَّذي قبلَ النُّونِ، تَقولُ في حالِ الرَّفْعِ بالواو:
هذه فِلُّسْطونَ، وفي حالِ النَّصْبِ والجَرِّ بالياءِ، رأَيتُ فِلَسْطِينَ، ومَرَرْتُ بِفَلَسْطينَ،
أَو تجعَلُها بمِنْزِلَةِ ما لا يَنْصَرِفُ، وتُلْزِمُها الياءَ في كلِّ حالٍ، فتَقُول: هذه فِلَسْطِينُ،
ورَأَيْتُ فِلَسْطِينَ، ومَرَرْتُ بفِلَسْطِينَ، ومنهم من يَجْعلها بمنزلة الجمع، ويجعل
إِعرابها في الحرف الَّذي قبل النُّون، فيقول: هذه فِلسطونَ، ورَأَيْتُ فِلَسْطِين،
ومررت بفِلَسْطِينَ، والنُّونُ في كلِّ ذلِكَ مَفْتوحَةٌ، قالَ عَدِيُّ بنُ الرِّقاع [من الخفيف]:
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٢٨/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٦.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
من فِلَسْطِينَ جَلْسُ خَمْرٍ عُقَارُ
فكأَنِّي من ذِكْرِهم خالَطَتْنِي
سَنَوَاتٍ وما سَبَتْها التِّجَارُ
عُثِّقَتْ في القِلَالِ من بَيْتِ رَأْسٍ
والنِّسبَةُ إِليها فِلَسْطِيُّ، قَالَ الأَعْشَى [الطويل]:
مَتَى تُسْقَ مِنْ أَنْيَابِهَا بَعْدَ هَجْعَةٍ مِن اللَّيْلِ شِرْباً حينَ مالَت طَلَاتُهَا
عَلَى رَبِذَاتِ النَّيِّ حُمْشٍ لِئَاتُها
تَخَلْهُ فِلَسْطِيّاً إِذا ذُقْتَ طَعْمَه
وقال ابنُ هَرْمَةً :
كَأُسٌ فِلَسْطِيَّةٌ مُعَثَّقَةٌ شُجَّتْ بماءٍ من مُزْنَةِ السَّبَلِ
انتھی(١).
وقوله: (فَدَخَلَ عَلَيْهِ إلخ)؛ أي: دخل هشام بن حكيم على عُمير بن سعد
أمير فلسطين آنذاك، فَحَدَّثَهُ؛ أي: أخبره بقول رسول الله وَّه: ((إن الله يعذّب
الذين يعذّبون الناس في الدنيا)). وقوله: (فَأَمَرَ بِهِمْ)؛ أي: أمر عُمير بن سعد
لمّا سمع الوعيد بإخلاء سبيلهم.
وقوله: (فَخُلُّوا) بضم الخاء المعجمة، واللام المشدّدة؛ أي: أُطلق
سَرَاحهم، فانطلقوا إلى بيوتهم.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فخلوا)) ضبطوه بالخاء المعجمة، والحاء
المهملة، والمعجمة أشهر، وأحسن. انتهى(٢).
والحديث من أفراد المصنّف تَخْلُ، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلاً، وَهُوَ عَلَى
حِمْصَ، يُشَمِّسُ نَاساً مِنَ النَّبَطِ، فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا))).
(١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ص٤٩٥٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٦.

٨٣
(٣٤) - بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا ... إلخ - حديث رقم (٦٦٣٨)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب الحافظ المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، تقدّم قبل
بابین.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُ وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل
حديثين، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٤) - (بَابُ أَمْرٍ مَنْ مَرَّ بِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ،
أَوْ غَيْرِهِمَا، مِنَ الْمَوَاضِعِ الْجَامِعَةِ لِّلنَّاسِ، أَنْ يُمْسِكَ بِنِصَالِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٨] (٢٦١٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ
جَابِراً يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ إِ: ((أَمْسِك
پِنِصَالِهَا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
٢ - (جَابِرُ) بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَظْلُهُ، كلاحقيه، وأنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى
شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني مروزيّ، وفيه جابر ظُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار؛ أنه (سَمِعَ جَابِراً) ◌َبه (يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ) لا
يُعرف، كما قال صاحب ((التنبيه))(١). (فِي الْمَسْجِدِ بِسِهَام) بالكسر: جَمْع
سَهْم، بفتح، فسكون، وهو واحد النَّبْل، وقيل: السهوم: نَّفس النصل، قاله
الفيّوميّ(٢)، وقال في ((الفتح)): النَّبْلُ بفتح النون، وسكون الموحّدة، وبعدها
لام: السهام العربيّة، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها. انتهى(٣). (فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَمْسِلْكَ بِنِصَالِهَا)))؛ أي: خذ بحديدتها، قال
المرتضى تَخْذَلُهُ: مَسَكَ بهِ، وأَمسَكَ به، وَتماسَكَ، وَتمَسَّكَ، واسْتَمْسَكَ،
ومَسَّكَ تَمْسِيكاً، كُلُّه بمَعْنى احْتَبَسَ، وفي (الصحاح)): اعْتَصَمَ به، وفي
((المُفْرَداتِ)): إِمْساكُ الشيء: التَّعَلُّقُ بهِ، وحِفْظُه، قالَ الله تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ
يِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَبُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ
تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلََّّ بِإِذْنِهُ﴾ [الحج: ٦٥]؛ أي: يَحْفَظُها، قالَ الله تَعالَى:
﴿وَلَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبٍ﴾ [الأعراف: ١٧٠]؛ أي: يَتَمَسَّكُونَ به، وقال خالِدُ بنُ
زُهَيرٍ [من الطويل]:
فَكُنْ مَعْقِلاً في قَوْمِكَ ابْنَ خُوَيْلِدٍ ومَسِّكْ بِأَسْبابِ أَضاعَ رُعاتُها (٤)
و((النصال)): بكسر النون: جمع نَصْل، بفتح، فسكون، وهو: حديدَةُ
السَّهم والرُّمحِ، وفي ((التَّهذيبِ)): النَّصْلُ: نَصْلُ السَّهْم، ونَصلُ السَّيف،
والسِّكِّينِ، ومثلُه في ((الصحاح))، وفي ((المُحكَم)): هو حَدَيدَةُ السّيفِ، ما لَم
يَكُنْ لهُ مَقْبِضٌ، فإذا كانَ لها مَقبِضٌ فهو سَيْفٌ، وقال أَبو زيادٍ: النَّصْلُ: كُلُّ
حديدَةٍ من حَدائدِ السِّهام، جَمْعه: أَنْصُلٌ، كأَفْلُسٍ، ونِصالٌ، بالكَسْرِ، ونُصولٌ،
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٣/٢.
(٣) ((الفتح)) ١٩٥/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٥١).
(٤) ((تاج العروس)) ١/ ٦٧٨٢.

٨٥
(٣٤) - بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ، أَوْ غَيْرِ هِمَا ... إلخ - حديث رقم (٦٦٣٨)
بالضَّمِّ، وقال ابنُ شُمَيْلٍ: النَّصْلُ: السَّهْمُ العريضُ الطّويلُ. انتهى مختصراً من
(التاج))(١) .
وفي حديث أبي موسى ظُه الآتية: ((إذا مرّ أحدكم في مجلس، أو
سوق،، وبيده نبلٌ، فليأخذ بنصالها ... )) الحديث.
قال الحافظ ابن رجب تَُّ: في الحديث ذَكَر علّة ذلك، وهو خشية أن
تصيب مسلماً من حيث لا يَشعر صاحبها، وسَوَّى في ذلك بين السوق
والمسجد؛ فإن الناس يجتمعون في الأسواق والمساجد، فليس للمسجد
خصوصية بذلك حينئذ، لكن قَدْ يقال: إن المسجد يختص بقدر زائد عَن
السوق، وَهُوَ أنه قَدْ رُوي النهي عن إشهار السلاح فيه، ونثر النبل.
خرّجه ابن ماجه، من رواية زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن
نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً: ((خصال لا ينبغين في المسجد: لا يُتخذ طريقاً،
ولا يُشهر فيه سلاحاً، ولا يُنبض فيه بقوس، ولا يُنثر فيه نبل، ولا يُمر فيه
بلحم نيئ، ولا يُضرب فيه حدّ، ولا يُقتص فيه من أحد، ولا يُتخذ سوقاً))،
ورفعه منكر، وزيد بن جبيرة ضعيف جدّاً، متفق على ضعفه. وخرَّج - أيضاً -:
النهي عن سلّ السيوف في المسجد، من حديث واثلة، مرفوعاً بإسناد ضعيف
جدّاً، وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: لا يُسلّ السيف في المسجد.
خرَّجه وكيع في كتابه. وقال أصحابنا(٢): لا يُشهر السلاح في المسجد.
انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٣٨/٣٤ و٦٦٣٩ و٦٦٤٠] (٢٦١٤)،
و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٥١) و((الفتن)) (٧٠٧٤)، و(أبو داود) في
(١) (تاج العروس)) ٧٥٥٣/١.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٤٩/٣.
(٢) يعني: الحنبليّة.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
((الجهاد)) (٢٥٨٦)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٤٩/٢)، و(ابن ماجه) في
((الأدب)) (٣٧٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٣٦/٢)، و(الحميديّ) في
(مسنده)) (١٢٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٨/٣ و٣٥٠)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (١٥٢/١ و٣٢٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٣١٦)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (١٦٤٧ و١٦٤٨)، و(أبو بعلى) في ((مسنده)) (٤٦٤/٣)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٨٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/
٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كريم خُلُقه وََّ، ورأفته بالمؤمنين، حيث يحذّر إلحاق
بعضهم الضرر على بعض، فهو مصداق قوله رَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٨َ)﴾ [التوبة].
٢ - (ومنها): بيان الأدب لمن دخل مسجداً، أو سوقاً، أو محل اجتماع
المسلمين بسهام، وهو أن يُمسك بنصالها كي لا يخدش أحداً من المسلمين.
٣ - (ومنها): تأكيد حرمة المسلمين؛ لأن المساجد مورودة بالخلق، لا
سيما في أوقات الصلاة.
٤ - (ومنها): بيان تعظيم قليل الدم، وكثيره.
٥ - (ومنها): أن المساجد يجوز إدخال السلاح فيها للحاجة.
٦ - (ومنها): استحباب التصدّق بالسهام، ونحوها من أداة الحرب؛ لما
في الرواية الآتية أن ذلك الرجل الذي مرّ بالسهام في المسجد كان يتصدّق
بها، وذلك لِمَا فيه من الإعانة على الجهاد في سبيل الله تعالى.
٧ - (ومنها): ما قيل: إن قوله في الرواية التالية: ((كي لا يَخدِش مسلماً))
يدلّ على صحّة القول بالقياس، وعلى صحة تعليل الأحكام، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ:
حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ،

٨٧
(٣٤) - بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ، أَوْ غَيْرِ هِمَا ... إلخ - حديث رقم (٦٦٤٠)
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَجُلاً مَرَّ بِأَسْهُم فِي الْمَسْجِدِ، قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ
أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا، كَيْ لَا يَخْدِشَ مُسْلِماً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود العتكيّ البغداديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَذَثُ، كسابقه، ولا حقه.
وقوله: (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف اسمه.
وقوله: (قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا)؛ أي: أظهر حديدتها، بحيث يُخشى أن
تصيب مسلماً .
وقوله: (فَأُمِرَ إلخ) بالبناء للمفعول، والآمر هو النبيّ وَّ، كما بُيّن في
الرواية السابقة.
وقوله: (كَيْ لَا يَخْدِشَ مُسْلِماً) يقال: خدشه خَدْشاً، من باب ضرب: إذا
جرحه في ظاهر الجِلد، سواء دَمِيَ الجلد، أو لا، قاله الفيّوميّ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ؛ أَنَّهُ أَمَرَ
رَجُلَّا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا، إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا،
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ يَصَّدَّقُ بِالنَّبْلِ).
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُوِ الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
و «جابر څبه)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ يَصَّدَّقُ بِالنَّبْلِ) أشار به إلى اختلاف شیخیه،
فقال قتيبة: ((يتصدّق))، بالتاء، وقال محمد بن رُمح: (يصّدّق)) بتشديد الصاد،
وأصله يتصدّق، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها، وهو لغة فصيحة، كما في
قوله رَك: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُضَيِّفَتِ﴾ الآية [الحديد: ١٨].
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤١] (٢٦١٥) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي
مَجْلِسٍ، أَوْ سُوقٍ، وَبِيَدِهِ نَبْلٌ، فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لْيَأْخُذْ
بِنِصَالِهَا)»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا، بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ
بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال: هُذْبة بن خالد بن الأسود الْقَيسيّ أبو خالد
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائي بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين
ومائتين (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عامر، وقيل: الحارث،
وقيل: اسمه كنيته، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس الصحابيّ الشهير، تقدّم
أيضاً قريباً .
والباقيان تقدّما قبل بابين.
رضوعيه

٨٩
(٣٤) - بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا ... إلخ - حديث رقم (٦٦٤١)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير أبي بردة،
فكوفيّ، وأبو موسى بصريّ كوفيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َظُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ
أَحَدُكُمْ) قال في ((الفتح)): هذا فيه أن الحكم عامّ في جميع المكلفين، بخلاف
حديث جابر، فإنه واقعة حال، لا تستلزم التعميم(١). (فِي مَجْلِسٍ) من مجالس
المسلمين (أَوْ سُوقٍ) ((أو)» هنا للتنويع، وقوله: (وَبِيَدِهِ نَبْلٌ)؛ أي: سهام،
(فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا) بكسر النون: جَمْعٍ نصل، ويُجمع أيضاً على نصول، كما
تقدّم، والنصل: حديدة السهم. (ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا))) كرّره
ثلاث مرّات تأكيداً للأمر، وقال القرطبيّ دَخَُّهُ: وتكراره: ((فليأخذ بنصالها))
ثلاث مرات على جهة التأكيد والمبالغة في سدّ الذريعة، وهو من جملة ما
استدلّ به مالك على أصله في سدّ الذرائع. انتهى(٢).
وفي الرواية التالية: ((فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ)) وليس المراد خصوص
ذلك، بل يَخْرِصِ على أن لا يُصيب مسلماً بوجه من الوجوه، كما دل عليه
التعليل بقوله: ((أَنْ يُصِيبَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ»(٣). (قَالَ) أبو بردة
(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ: (وَاللهِ مَا) نافية، (مْنَا) بضمّ الميم، من مات
يموت موتاً، من باب قال، وبكسرها من مات يمات موتاً، كخاف يخاف
خوفاً. (حَتَّى سَدَّدْنَاهَا) بالسين المهملة، من السَّدَاد، يقال: سدّد الرامي السهم
إلى الصيد بالتثقيل: وجّهه إليه، وسدّد رُمحه: وجّهه طولاً، خلاف عَرْضه،
واستدّ الأمر على افتعل: انتظم، واستقام، قاله الفيّوميّ(٤).
وقوله: (بَعْضُنَا) بالرفع بدل من الضمير الفاعل في ((متنا))، كما قال في
«الخلاصة» :
(١) ((الفتح)) ٤٦٩/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٧٥).
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٠١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٧١/١.
(٣) ((الفتح)) ١٦ /٤٦٩.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الّاهِرَ لَا تُبْدِلْهُ إِلَّ مَا إِحَاطَةً جَلَا
كَـ«أَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالًا»
أَوِ اقْتَضَى بَعْضاً أَوِ اشْتِمَالًا
وقوله: (فِي وُجُوهِ بَعْضٍ) متعلّق بـ((سدّدناها)).
والمعنى: لم نمت حتى سدّد بعضنا تلك النصال، ووَجّهها إلى وجوه
بعضنا، والمراد أننا بَدَلَ أن نقتل بها أعداءنا قَتَل بعضنا بعضاً، يريد بذلك:
القتال الذي جرى بين الصحابة ، في تلك الحروب الواقعة في الجمل
وصِفِّين.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: يعني أبو موسى: أنه ما مات معظم الصحابة
حتى وقعت بينهم الفتن والمِحَن، فَرَمَى بعضهم بعضاً بالسهام، وقاتل بعضهم
بعضاً، ذَكَر هذا في مَعْرِض التأسّف على تغيّر الأحوال، وحصول الخلاف
لمقاصد الشرع، من التعاطف، والتواصل، على قرب العهد، وكمال الجِدّ.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٤١/٣٤ و٦٦٤٢] (٢٦١٥)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٥٢) و((الفتن)) (٧٠٧٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٨٧)، و(ابن
ماجه) في ((الآداب)) (٣٨٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩١/٤ و٣٩٢ و٣٩٧
و٤٠٠ و٤١٣ و٤١٨)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٤٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكيد حرمة المسلم، وتحريم قتاله، وقتله، وتغليظ
الأمر فيه، وتعظيم قليل الدم، وكثيره.
٢ - (ومنها): تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى أذيّته بكل وجه.
٣ - (ومنها): أن فيه حجةً للقول بسدّ الذرائع.
(١) ((المفهم)) ١٣٣/٢١.

٩١
(٣٤) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحِ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ، أَوْ غَيْرِ هِمَا ... إلخ - حديث رقم (٦٦٤٢)
٤ - (ومنها): بيان جواز إدخال السلاح إلى المسجد، وفي ((الأوسط))
للطبرانيّ من حديث أبي سعيد قال: ((نَهَى رسول الله وَّر عن تقليب السلاح في
المسجد))، والمعنى فيه ما تقدم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ
- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ
نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ، أَنْ يُصِيبَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ))، أَوْ
قَالَ: ((لِيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا))).
رجال هذا الإسناد ستّة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَزَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي
بُرْدة بن أبي موسى، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في
((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ
يخطئ قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة.
وقوله: (أَنْ يُصِيبَ أَحَداً إلخ) بفتح ((أن))، والتقدير: كراهيةَ أن يصيب،
والرواية السابقة بلفظ: ((كي لا يخدش مسلماً))، تؤيّد هذا التقدير، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (أَوْ قَالَ: ((لِيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا) ((أو)) هنا للشّكّ من الراوي، وفي
بعض النسخ: ((أو قال: ليقبضنّ)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٣٥) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالسَّلَاحِ إِلَى مُسْلِم)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٣] (٢٦١٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ عَمْرٌو:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
أَبُو الْقَاسِمِ نَّهِ: ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ
أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّمِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ
المكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي
عَمْرة البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، عابدٌ، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣]
(ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨.
والباقون ذُكروا قبل بابين، و((عمرو الناقد)) هو: ابن محمد بن بكير
البغداديّ، نزيل الرّقّة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو
هريرة نصبه رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَن) محمد (بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ التابعيّ الشهير؛ أنه قال: (سَمِعْتُ أَبًا
هُرَيْرَةَ) رَهُ (يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وََّ:) كنية النبيّ وََّ، كُني بولده القاسم
الذي مات، وهو صغير. ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ)؛ أي: في الدِّين، (بِحَدِيدَةٍ)؛
أي: بسلاح، كسكين، وخنجر، وسيف، ورُمح، ونحو ذلك، من كل آلة
للجرح، (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ)؛ أي: تدعو عليه بالطرد، والبعد عن الجنة أولّ

٩٣
(٣٥) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالسَّلاَحِ إِلَى مُسْلِمٍ - حديث رقم (٦٦٤٣)
الأمر، وعن الرحمة الكاملة السابقة، زاد في رواية: ((حتى يدعه))؛ أي: لأنه
ترويع للمسلم، وتخويف له، وهو حرام. (حَتَّى وَإِنْ كَانَ) المشير (أَخَاهُ)؛ أي:
أخا المشار إليه، ويصحّ عكسه، (لأَبِيهِ وَأَمِِّ))؛ يعني: وإن كان هازلاً، ولم
يقصد ضربه، كأن كان شقيقه؛ لأن الشقيق لا يقصد قَتْل شقيقه غالباً، فهو
تعميم للنهي، ومبالغة في التحذير منه، مع كل أحد، وإن لم يُتّهَم، وقيّد بمطلق
الأُخُوّة، ثم قيّد بأُخُوّة الأب والأم؛ إيذاناً بأن اللعب المحض العاري عن
شَوْب قَصْد إذا كان حُكمه كذا، فما بالك بغيره؟ وإذا كان هذا يستحق اللعن
بالإشارة، فما الظن بالإصابة؟(١) .
وقال النوويّ تَخُّْهُ: قوله وَله: ((فإن الملائكة تلعنه حتى، وإن كان)) هكذا
في عامّة النسخ، وفيه محذوف، وتقديره: حتى يدعه، وكذا وقع في بعض
(٢)
النسخ. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((فإن الملائكة تلعنه حتى)) كذا صحّت الرواية
بالاقتصار على ((حتّى))، ولم يذكر المجرور بها استغناءً عنه لدلالة الكلام عليه،
تقديره: حتى يترك، أو يَدَعَ، وما أشبهه، ووقع عند بعض الرواة بعد ((حتى)):
((وإن كان أخاه لأبيه وأمه))، وعليه فيكون ما بعده ليس من كلام النبيّ وَّ،
وسقطت لبعضهم؛ يعني: فيكون ما بعده من قول النبيّ وَلّ بحكم أن مساق
الكلام واحدٌ، ولَعْن النبيّ ◌َِّ للمشير بالسلاح دليلٌ على تحريم ذلك مطلقاً،
جِدّاً كان أو هزلاً، ولا يخفى وجه لَعْن من تعمّد ذلك؛ لأنَّه يريد قتل المسلم،
أو جرحه، وكلاهما كبيرة، وأما إن كان هازلاً، فلأنه ترويع مسلم، ولا يحل
ترويعه، ولأنه ذريعة إلى القتل، والجرح المحرَّمين، وقد نصّ في الرواية
الأخرى على صحّة مراعاة الذريعة، حيث قال: ((فإنَّه لا يدري لعلّ الشيطان
ينزع في يده، فيقع في حُفر من النار)).
وقوله: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه))؛ يعني: أن ذلك محرّم، وإن وقع من
أشفق النّاس عليه، وأقربهم رحماً، وهو يُشعر بمنع الهزل بذلك. انتهى(٣)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((فيض القدير)) ٦/ ٦٣.
(٣) ((المفهم)) ٦٠٠/٦ - ٦٠١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٠.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٤٣/٣٥ و٦٦٤٤] (٢٦١٦)، و(الترمذيّ) في
(الفتن)) (٢١٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٦/٢ و٥٠٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٥٩٤٤ و٥٩٤٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٩٠/١ و٣٧٨/٦)
و((مسند الشاميين)) (٢٦٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣/٨) وفي ((الآداب))
(٥٩٩) و((شُعب الإيمان)) (٣٤٣/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكيد حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه
وتخويفه، والتعرض له بما قد يؤذيه.
٢ - (ومنها): أن في قوله وَّه: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) مبالغةً في
إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواءٌ من يُتَّهَم فيه، ومن لا يُتَّهم، وسواء كان
هذا هَزْلاً ولعباً، أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه
السلاح، كما صُرِّح به في الرواية الأخرى.
٣ - (ومنها): أن لعن الملائكة له يدلّ على أنه حرام(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٤] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ
متقنٌّ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٦ - ١٧٠.

٩٥
(٣٥) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالسُّلَاحِ إِلَى مُسْلِمٍ - حديث رقم (٦٦٤٥)
ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وفي الباب الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن عون عن محمد بن سيرين هذه ساقها البيهقيّ تَكَّتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٥٦٤٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب الحافظ إملاءً، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ ابن
عون، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الملائكة تلعن
أحدكم، إذا أشار إلى أخيه بحديدة، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)). انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٥] (٢٦١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ إِ لّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ،
فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّى الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي بَدِهِ، فَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُثْبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
و((أبو هريرة)) ظُه تقدم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّ، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى
الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَيِّهٍ)؛ أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: ما يأتي من الأحاديث، وهو

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُبُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَذَكَرَ) همّام
(أَحَادِيثَ)، وقوله (مِنْهَا) خبر مقدّم وقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّه:) مبتدأ مؤخّر؛
لِقَصْد لفظه، ((لَا يُثِيرُ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((لا يشير))
بالياء بعد الشين، وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَ
وَلِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقد قدّمنا مرّات أن هذا أبلغ من لفظ النهي. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لا يشير)) كذا فيه بإثبات الياء، وهو نفي بمعنى
النهي، ووقع لبعضهم: ((لا يُشِرْ)) بغير ياء، وهو بلفظ النهي، وكلاهما جائز.
انتھی .
وقال وليّ الدين كَّتُهُ: قوله: ((لا يشير)) من الإشارة، وهو المعروف،
ووقع أيضاً بإثبات الياء مرفوعاً، وهو نهي بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا
تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَلِّدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾،
وهو أبلغ وآكد من صيغة النهي. انتهى(٢).
(أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّى الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي
يَدِهِ) قال النوويّ كَخْلُ: ((ينزع)) ضبطناه بالعين المهملة، وكذا نقله القاضي عن
جميع روايات مسلم، وكذا هو في نُسخ بلادنا، ومعناه: يرمي في يده، ويُحَقِّق
ضربته، ورَمْيَته، ورُوي في غير مسلم بِالْغين المعجمة، وهو بمعنى الإغراء؛
أي: يَحْمِل على تحقيق الضرب به، ويزيّن ذلك. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وروي في غير مسلم)) هي رواية
البخاريّ، ولفظه: ((فإنه لا يدري لعلّ الشيطان ينزغ في يده)). قال في ((الفتح)):
قوله: ((ينزغ في يده)) بالغين المعجمة، قال الخليل في (العين)): نزغ الشيطان
بين القوم نَزْغاً: حَمَل بعضهم على بعض بالفساد، ومنه: ﴿مِنْ بَعْدٍ أَن نَّزَغَ
الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وفي رواية الكشميهني بالعين
المهملة، ومعناه قَلَعَ، ونَزَع بالسهم: رمى به، والمراد: أنه يُغري بينهم، حتى
يضرب أحدهما الآخر بسلاحه، فيحقّق الشيطان ضربته له، وقال ابن التين:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١٦.
(٢) ((طرح التثريب)) ٤٤٥/٧.

٩٧
(٣٥) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالسَّلاَحِ إِلَى مُسْلِمٍ - حديث رقم (٦٦٤٥)
معنى ينزعه: يقلعه من يده، فيصيب به الآخر، أو يشدّ يده، فيصيبه. انتهى (١).
وقال وليّ الدين تَخَُّهُ: قوله: ((ينزع في يده)) بكسر الزاي، وبالعين
المهملة، ومعناه: يرمي في يده، ويحقّق ضربته، كأنه يرفع يده، ويحقق
إشارته، والنزع: العمل باليد، كالاستقاء بالدلو، ونحوه، وأصله الجذب،
والقلع، قال في ((المشارق)): وأصل فَعَلَ إذا كان عينه أو لامه حرف حلق أن
يكون مستقبله كذلك مفتوحاً، ولم يأت في المستقبل مكسوراً إلا ينزع، ويهنئ،
قلت(٢): ومثله يَرْجِع، وما ذكرناه من ضَبْط هذه اللفظة هو الذي حكاه القاضي
عياض عن جميع روايات مسلم، ونقله النوويّ عن نُسخ بلادنا، وهو المشهور
في رواية البخاريّ، ورُوي فيه أيضاً: ((ينزغ)) بفتح الزاي، وبالغين المعجمة،
وهو كذلك في رواية أبي ذرّ الهرويّ، ومعناه: يَحْمِله على تحقيق ضَرْبه، ويزيّن
ذلك له، ونَزْغُ الشيطان: إغراؤه، وإغواؤه. انتهى(٣).
(فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ))) قال الحافظ وليّ الدين ◌َُّهُ: رَوَيناه في
((صحيح البخاريّ)) بالنصب، والرفع؛ لكونه في جواب الترجي، وقد قُرئ بهما
قوله تعالى: ﴿لَّعَلِىَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ﴿ أَشْبَبَ السَّمَنَتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]
قرأ حفص عن عاصم بالنصب، والباقون بالرفع. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فيقع في حفرة من النار)) هو كناية عن وقوعه
في المعصية التي تُفضي به إلى دخول النار، قال ابن بطال رَُّهُ: معناه: إن
أُنفذ علیه الوعيد.
وفي الحديث: النهي عما يفضي إلى المحذور، وإن لم يكن المحذور
محقّقاً، سواءٌ كان ذلك في جدّ، أو هزل.
وقد وقع في حديث أبي هريرة ظُه عند ابن أبي شيبة وغيره مرفوعاً، من
رواية ضمرة بن ربيعة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه: ((الملائكةُ
(١) ((الفتح)) ٤٦٧/١٣، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٧٢).
(٢) القائل صاحب ((طرح التثريب))، فتنبّه.
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤٤٥/٧.
(٤) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤٤٥/٧.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدة، وإن كان أخاه لأبيه وأمه))، وأخرجه
الترمذيّ من وجه آخر، عن أبي هريرة، موقوفاً من رواية أيوب، عن ابن
سيرين، عنه، وأخرج الترمذيّ أصله موقوفاً من رواية خالد الحذاء، عن ابن
سيرين، بلفظ: ((من أشار إلى أخيه بحديدة، لعنته الملائكة))، وقال: حسن
صحيح غريب، وكذا صححه أبو حاتم من هذا الوجه، وقال في طريق ضمرة:
منکر .
وأخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن جابر: ((نَهَى رسول الله بَِّ أن يُتَعَاطَى
السيفُ مسلولاً)).
ولأحمد، والبزار، من وجه آخر، عن جابر: ((أن النبيّ وَّهِ مَرّ بقوم في
مجلس يَسُلُّون سيفاً، يتعاطونه بينهم، غير مغمود، فقال: ألم أزجُر عن هذا؟
إذا سَلّ أحدكم السيف، فليغمده، ثم ليُعْطِه أخاه)».
ولأحمد، والطبرانيّ، بسند جيّد، عن أبي بكرة نحوه، وزاد: ((لعن الله
مَن فعل هذا، إذا سَلَّ أحدكم سيفه، فأراد أن يناوله أخاه، فليغمده، ثم يناوله
إياه)).
قال ابن العربيّ كَّتُهُ: إذا استحَقَّ الذي يشير بالحديدة اللعنَ، فكيف
الذي يصيب بها؟ وإنما يستحقّ اللعن إذا كانت إشارته تهديداً، سواء كان جادّاً
أم لاعباً، كما تقدم، وإنما أوخذ اللاعب؛ لِمَا أدخله على أخيه من الرَّوْعِ،
ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجادّ، وإنما نُهي عن تعاطي السيف
مسلولاً؛ لِمَا يخاف من الغفلة عند التناول، فيسقط، فيؤذي (١)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٤٥/٣٥] (٢٦١٧)، و(همام بن منبّه) في
(١) ((الفتح)) ٤٦٧/١٣، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٧٢).

٩٩
(٣٥) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالسَّلَاحِ إِلَى مُسْلِمٍ - حديث رقم (٦٦٤٥)
((صحيفته)) (ص١٠٠)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧٠٧٢)، و(عبد الرزّاق) في
(«مصنّفه)) (١٨٦٧٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٧/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٩٤٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣/٨) و((شُعَب الإيمان)) (٤/
٣٤٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه النهي عن الإشارة إلى المسلم بالسلاح، وهو نهي
تحريم، فإن في الرواية السابقة: ((من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة
تلعنه))، ولَعْن الملائكة لا يكون إلا بحقّ، ولا يستحق اللعن إلا فاعل المحرَّم،
ولا فرق في ذلك بين أن يكون على سبيل الجدّ أو الهزل، وقد دلّ على ذلك
قوله: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه))، فإن الإنسان لا يشير إلى شقيقه بالسلاح
على سبيل الجِدّ، وإنما يقع منه معه هزلاً، وبتقدير أن يكون ذلك على سبيل
الجدّ، فتحريم ذلك أغلظ من تحريم غيره، فلا يصح جعله غايةً، فدلّ على أن
المراد: الهزل، فإن تحريمه على طريق الجدّ واضح؛ لأنه يريد قَتْل مسلم أو
جَرْحه، وكلاهما كبيرة، وأما الهزل؛ فلأنه ترويع مسلم، وأذى له، وذلك
مُحَرَّم أيضاً، وقد جاء في الحديث: ((لا يحل لمسلم أن يُرَوِّع مسلماً))، قاله
العراقيّ(١).
٢ - (ومنها): أن المراد بالأخوّة أُخوّة الإسلام، ويلتحق به الذميّ أيضاً؛
لتحريم أذاه، وخَرَج الحديث مخرج الغالب، ودخل في السلاح ما عَظُم منه،
وصَغُر، وهل تدخل العصا في ذلك؟ فيه احتمال؛ لأن الترويع حاصل، وكذلك
احتمال سقوطها من يده عليه، وقد يقال: لا يراد بذلك إلا ما له نصل، بدليل
قوله في الرواية الأخرى: ((بحديدة))(٢).
٣ - (ومنها): فيه تأكد حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه،
وتخويفه، والتعرض له بما قد يؤذيه.
٤ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون الحديث على ظاهره في أن الشيطان
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤٤٦/٧.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤٤٦/٧.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
يتعاطى بيده جَرْح المسلم، أو يُغري المشير حتى يفعل ذلك على اختلاف
الروايتين، ويَحْتَمِل أنه مجاز على طريق نسبة الأشياء القبيحة المستنكرة إلى
الشيطان، والمراد: سَبْق السلاح بنفسه من غير قصد، قاله وليّ الدين كَذُّهُ(١)،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٦) - (بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٤٦] (١٩١٤)(٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَهـ
قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنُّ شَوْءٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ
لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٣ - (سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ،
ثقةٌ [٦] مات سنة ثلاثين ومائة مقتولاً بقديد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٨ / ٩١٨.
٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و((أبو هريرة رصُّته)) ذُكر قبله.
من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين سوی شیخه،
فنيسابوريّ، وفيه أبو هريرة رُّله، رأس المكثرين السبعة.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧/ ٤٤٦.
(٢) هذا رقم مكرر، فقد مضى.