النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣١ - ٦٥٣٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهـ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ، أبو زکریّا البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - بتقديم الزاي، مصغراً - العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت١٨٢َّ) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) الْخُرفة، بضم الخاء، وسكون الراء، وفتح الفاء، قال الهرويّ في ((غريبه)): الخرفة: ما يُختَرف من النخل حين يُدرك ثمره، وقال أبو بكر ابن الأنباريّ: شَبّه رسول الله وَ ﴿ ما يحوزه عائد المريض من الثواب، بما يحوز المخترف من الثمر، وحَكَى الهرويّ عن بعضهم أن المراد بذلك الطريق، فيكون معناه: أنه طريق يؤديه إلى الجنة، كذا في ((قوت المغتذي))(١) . والحديث من أفراد المصنّف كَّلُهُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ يَزِيدَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ - وَهُوَ أَبُو قِلَابَةَ - عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: ((جَنَاهَا))). (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٦/٤. ٤٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، فكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] مات بعد سنة أربعين ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. ٥ - (أَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ) شَرَاحيل بن آدةَ - بالمدّ، وتخفيف الدال - ويقال: آدةٌ جدّ أبيه، وهو ابن شُرَحبيل بن كُلَيب، ثقة [٢] شَهِد فتح دمشق (بخ م ٤) تقدم في ((البيوع)) ٤٠٥٤/٣٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (جَنَاهَا))) بفتح الجيم والنون، مقصوراً بوزن الحصى: ما يُجتنى من الثمر، قال الفيّوميّ كَُّهُ: جَنَيْتُ الثمرة أَجْنِيهَا، واجْتَنَيْتُها، بمعناه، والجَنَى، مثل الْحَصَى: ما يُجْنَى من الشجر، ما دام غَضّاً، والجَنِيُّ على فَعِيل مثله، وأَجْنَى النخلُ بالألف: حان له أن يُجْنَى، وأَجْنَتِ الأرضُ: كَثُرَ جَنَاهَا. انتهى(١). والحديث من أفراد المصنّف تَخْتُهُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرويّ الأصلِ، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقن ما ليس من (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢. ٤٢٣ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٤) حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثمّ دمشق، ثقة حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. و((عاصم الأحول)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية عن عاصم الأحول هذه لم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٤] (٢٥٦٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ رَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ، وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمِيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظُه، وقد مرّ القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللهَ رَىْ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ) أضاف المرض إليه، والمراد مرض العبد تشريفاً له وتقريباً، (فَلَمْ تَعُدْنِي)؛ أي: لم تزرني، بمعنى لم تزر عبدي المريض. (قَالَ) ابن آدم: (يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودَُ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟) حالٌ مقررٌ للإشكال الذي تضمّنه معنى ((كيف))؛ أي: أن العيادة إنما هي للمريض العاجز، وذلك على المالك الحقيقيّ محال، فكيف أعودك، وأنت القادر القاهر القويّ المتين؟ (قَالَ) الله تعالى: (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه؛ كـ((ألا))، (عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ)؛ أي: وجدت ثوابي وكرامتي في عيادته، ويدلّ على هذا قوله تعالى في تمام الحديث: ((لو أطعمته لوجدت ذلك عندي))، ((لو سقيته لوجدت ذلك عندي))؛ أي: ثوابه، قاله النوويّ(١). وقيل: هذا خرج مخرج التنبيه على شرف المؤمن، والتعريف بحظوته عند ربه، وحثٌّ للخلق على مواصلة العمل لذاته تعالى، والتحبب إليه، والإحسان لوجهه، فأخبر النبيّ وَّ عن ربه أن عيادة المؤمن لأخيه عيادة لله تعالى، من حيث إنها إنما فُعِلت لوجهه، والمجازُ والاستعارةُ في كلامهم باب واسع(٢) . وقال القرطبيّ كَُّ: هذا تنزّل في الخطاب، ولُطف في العِتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم فضل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال، ويستفاد منه أن الإحسان للعبيد، إحسان للسادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، (٣) . وأن يقوموا بحقه. انتھی (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٦. (٣) ((المفهم)) ٥٥١/٦. (٢) ((فيض القدير)) ٣١٣/٢. ٤٢٥ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٤) (يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ) ابن آدم: (يَا رَبِّ وَكَيْفَ ◌ُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟)؛ أي: كيف أطعمك؟ والإطعام إنما يَحتاج إليه الضعيف الذي يتقوّى به، فيقيم به صُلْبه، ويُصلح به عَجْزه، وأنت مربّي العالمين؟ (قَالَ) الله رَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) قيل: قال في العيادة: ((لوجدتني عنده))، وفي الإطعام، وكذا السقي: ((لوجدت ذلك عندي)) إشارةً إلى أن الزيارة، والعيادة أكثر ثواباً منهما، وقال السبكيّ كَُّهُ: سرّ ذلك أن المريض لا يروح إلى أحد، بل يأتي الناس إليه، فناسب قوله: (لوجدتني عنده)) بخلاف ذينك، فإنهما قد يأتيان لغيرهما من الناس(١). (يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ)؛ أي: طلبت منك أن تسقيني ماءً (فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيَكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟)؛ أي: كيف أسقيك، وإنما يظمأ ويحتاج للشرب العاجز المسكين المحتاج لتعديل أركانه، وطبيعته، وأنك غنيّ، منزهٌ، متعالٍ عن ذلك كله؟ (قَالَ) الله رَتِ: (اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ، وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)))؛ أي: وجدت ثوابه عندي. وقال الكَلاباذي تَّتُهُ: جعل الله أوصاف المؤمنين صفته، فقال: ((مرضت))، و((استسقيتك))، و((استطعمتك))؛ لأن الوصلة إذا استحكمت، والمودة إذا تأكدت، صار فعل كل واحد من المتواصلين فعل الآخر، وكل ما فعله الحبيب فهو يَسُرّ حبيبه، ألا ترى قيساً المجنون كان إذا أراد أن يَسْكن ما به ذُكِرت له ليلى، فينجلي ما هو فيه، ويتكلم بأحسن كلام، فيقال له: أتحب ليلى؟ فيقول: لا، فيقال: لم؟ فيقول: المحبة ذريعة الوصلة، وقد وقعت الوصلة، فسقطت الذريعة، فأنا ليلى، وليلى أنا، وقال [من الرمل]: أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا نَحْنُ رُوحَانٍ حَلَلْنَا بَدَنَا وَإِذَا أَبْصَرْتُهُ كُنْتُ أَنَا فَإِذَا أَبْصَرْتُنِي أَبْصَرْتُهُ [تتمة]: سئل بعضهم عن تنزلات الحقّ في إضافة الجوع والظمأ لنفسه، (١) ((فيض القدير)) ٣١٣/٢. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب هل الأَولى إبقاؤها على ما وردت، أو تأويلها كما أَوَّلها الحقّ لعبده، حين قال: كيف أطعمك ... إلخ؟. فقال: الواجب تأويلها للعوامّ؛ لئلا يقعوا في جانب الحقّ بارتكاب محظور، وانتهاك حرمة، وأما العارف فعليه الإيمان بها على حدّ ما يعلمه الله، لا على حدّ نِسبتها للخَلْق؛ لاستحالته، وحقيقتُهُ تعالى مخالفة لسائر الحقائق، فلا يجتمع قط مع خَلْقه في جنس، ولا نوع، ولا شخص، ولا تلحقه صفة تشبيه؛ لأنها لا تكون إلا لمن يجتمع مع خَلْقه في حال من الأحوال، ولذا أبقاها السلف على ظاهرها؛ لئلا يفوتهم كمال الإيمان؛ لأنه ما كلّفهم إلا بالإيمان به، لا بما أوَّلوه، فقد لا يكون مراداً للحقّ، فالأدب إضافتنا إليه كل ما أضافه لنفسه تعالى، كما قيل: إذا نزل الحق من عزّه إلى منزل الجوع، والمرحمة، فخذه على حدّ ما قاله، فإنّ به تحصل المكرمة، ولا تلقينّه على جاهل، فتحصل في موطن المذمّة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق الذي ذكره البعض تحقيق نفيسٌ جدّاً، غير قوله: الواجب تأويلها للعوامّ، فإنه مخالف لِمَا كان عليه النبيّ وَِّ، فإنه كان يلقي هذا الحديث، وأمثاله للعوامّ والخواص من غير فرق، اللَّهُمَّ إلا إن قلنا: إنه لمّا فسدت العقائد، واتّجه الناس اتجاهاً مخالفاً لهدي الكتاب والسُّنَّة، وكَثُر المشبّهون والمشكّكون للناس في عقائدهم كان عدم الإلقاء إلى من يُخاف عليهم أن يفهموا غير الصواب أولى، كما قال عليّ رَُّبه: ((حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذَّب الله، ورسوله؟))، رواه البخاريّ، فيمن حمل هذا القول على مثل هذا، وإلا فالأصل أن يُلقى الحديث على الخواصّ والعوامّ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) راجع: ((فيض القدير)) للمناويّ ٣١٣/٢. ٤٢٧ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٤) أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٣٤/١٣] (٢٥٦٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٥١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٦٩ و٩٤٤)، و(ابن راهويه) في («مسنده) (١١٥/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٥٣٤/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث قد يستشكله بعض الناس، وليس بمُشكِّل؛ لأنه حديث مفسَّر بنفسه، فقد فسّر الله رَك المرض، والجوع، والعطش تفسيراً واضحاً لا لَبْس فيه، ولا يُتوهّم معه إلى تشبيه، ولا تمثيل، وأنا أنقل قول المحقّقين في هذا الموضوع - إن شاء الله تعالى -: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظُّهُ كما في ((مجموع الفتاوى)): وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يَمْرَض ولم يَجُع، ولكن مَرِض عبده، وجاع عبده، فجعل جوعه جوعَه، ومرضَه مرضَه، مفسراً ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. (١) انتھی(١). وقال وليد الشعلان في ((القواعد المذاعة في مذهب أهل السُّنّة والجماعة)) في الرد على قولهم: إن هذا الحديث معارض للعقل من كل وجه: فإن العقل يوجب الله تعالى صفات الكمال، وهذا الحديث فيه وَصْف الله تعالى بالجوع، والظمأ، والمرض، فالواجب هو اطّراحه، كذا قالوا ولبئس ما قالوا، هذا هو دَأُب القوم يجعلون عقولهم الناقصة، وأهواءهم النتنة حاكمة على نصوص الكتاب والسُّنَّة، فأيّ نصّ يعارضها رَمَوا به عُرض الحائط غير آبهين به. والجواب عما ذكروه أن يقال: الدليل لنا لا لكم؛ فالسند مثل الشمس فقد رواه مسلم، وأما معناه الصحيح، فيفسِّره آخر الحديث، فإن في آخره أن النبيّ وَّه قال: ((أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلم تَعُدْه؟ أما إنك لو عدته لوجدتني عنده، أما علمت أن عبدي فلاناً، استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، أما علمت أن عبدي فلان استسقاك فلم تَسْقِه؟ أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي))، فهذا الكلام فيه تصريح لأهل العقول (١) ((مجموع الفتاوى)) ٤٤/٣. ٤٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب السليمة أن الله تعالى لم يَمْرَض ولم يَجُعْ، ولم يَظمأ، وإنما الذي جاع هو المخلوق، والذي عَطِش، واستطعم هو المخلوق، فهذا موافق للعقل السليم أتمّ الموافقة، والفروع على هذه القاعدة كثيرة، وإنما المقصود الإشارة، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف في ((تقريرات ابن تيمية في بيان ما يُشكل من الرسالة التدمرية)): أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبَّرت النصوص وجدتها قد بيّنت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: ((عبدي مرضت فلم تَعُدْني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض؟ فلو عُدْتَه لوجدتني عنده))، فَنَفْس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن .. ومثل هذا لا يُقال: ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قُرن به ما يبيّن معناه، كان ذلك هو ظاهره. انتهى (٢). وقال ابن تيميّة تَخْتُ في ((كتاب الاستغاثة)) بتلخيص ابن كثير له: وأما الخبر الذي استشهد به من قوله: ((استطعمتك)) فلفظه في الصحيح: (يقول الله تعالى: عبدي جُعْت، فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مَرِضت فلم تَعُدْني، فيقول: رب كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض؟ فلو عُذْته لوجدتني عنده))، وهذا الخبر ليس فيه فِعل للعبد، وإنما فيه جوعه، ومرضه، ولكن ظنّ أن لفظة استطعمتك، وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب، وأيضاً فالخبر مقيَّد لم يُطلق الخطاب إطلاقاً، وإنما بيَّن أن عبده هو الذي مرض، وهو الذي جاع، وقال: لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولم يقل: لَوَجَدْتَنِي أكلتُهُ، وقال: لو عُذْته لوجدتني عنده، ولم يقل لوجدتني إياه، والحديث خطاب مفسَّر مُبَيَّن أن الرب وَك ليس هو العبد، ولا صفته صفته، (١) ((القواعد المذاعة في مذهب أهل السُّنّة والجماعة)) ١٠/١. (٢) ((تقريرات ابن تيمية في بيان ما يُشكل من الرسالة التدمرية)) ٣٩/١. ٤٢٩ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٤) ولا فِعله فِعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيَّداً مبيّناً للمراد، فلم يُطلق الخطاب إطلاقاً . وأيضاً فقد عَلمَ المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع، ولا يمرض، فلم يكن فيه تلبيس، لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، بل المتكلم بَيّن فيه مراده، والمستمع له لم يشتبه عليه، بخلاف ما إذا أضيف لفعل العبد الذي يمكن منه الفعل، والفعل قد قام به، فإنه إذا جعل فِعله فِعل الرب لم يعقل هذا، إلا إذا أريد أنه خالقه، وإذا أُريد ذلك فالصواب أن يقال: فِعْل العبد مخلوق للرب تعالى، ومفعول له لا يُطلق أنه فِعله لِمَا فيه من التلبيس، ولِمَا فيه من نفي فِعل الرب، ولِمَا فيه من نفي كون العبد فاعلاً. انتهى(١). وقال ابن تيميّة رَغْلُهُ أيضاً في ((درء تعارض العقل والنقل)): (فإنه لا يجوز العاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولسمع، إلا من يظن أنه قد دلّ على جواز المرض والجوع على الخالق - ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، - ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث، أو مدلوله، أو مفهومه، فقد كذب، فإن الحديث قد فسَّره المتكلِّم به، وبيَّن مراده بياناً زالت به كل شبهة، وبيَّن فيه أن العبد هو الذي جاع، وأكل، ومرض، وعاده العُوَّاد، وأن الله سبحانه لم يأكل، ولم يُعَدْ)(٢). وفي موضع آخر من ((درء تعارض العقل والنقل)): (فهذا الحديث قد قَرَن به الرسول وَ﴿ بيانه، وفَسَّر معناه، فلم يَبْقَ في ظاهره ما يدلّ على باطل، ولا يحتاج إلى معارضة بعقل، ولا تأويل، يُصرف فيه ظاهره إلى باطنه بغير دليل شرعيّ، فأما أن يقال: إن في كلام الله تعالى ورسوله بَّهِ ما ظاهره كُفْر وإلحاد من غير بيان من الله ورسوله و﴿ لِمَا يزيل الفساد، ويبيّن المراد، فهذا هو الذي يقوله أعداء الرسل الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبداً)(٣). (١) كتاب ((الاستغاثة)). انظر: ((تلخيص ابن كثير)) له ٣٤٤/١. (٢) (درء تعارض العقل والنقل)) ١٥٠/١. (٣) ((درء تعارض العقل والنقل)) ٢٣٣/٥. ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقال أيضاً في ((درء تعارض العقل والنقل)): (أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيّنت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: ((عبدي مرضت فلم تَعُدْني، فيقول: كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض؟ فلو عُدْتَه لوجدتني عنده))، فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن، ومثل هذا لا يقال: ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قُرن به ما يُبيِّن معناه كان ذلك هو ظاهره؛ كاللفظ العامّ، إذا قُرن به استثناء، أو غاية، أو صفة؛ كقوله: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفاً كاملة، ولا شهرين سواءٌ كانا متفرقين، أو متتابعين)(١). ولمّا احتَجَّ بعض الاتحادية بهذا الحديث ردّ عليهم شيخ الإسلام تَّتُهُ في رسالة ((الرد الأقوم على ما في كتاب فصوص الحكم))، فقال: فقوله: ((جعت ومرضت)) لفظ اتحاد يثبت الحقّ. وقوله: ((لوجدتني عنده ووجدت ذلك عندي)) نفي للاتحاد العيني بنفي الباطل وإثبات لتمييز الرب عن العبد. وقوله: ((لوجدتني عنده)) لفظ ظرف؛ وبكل يثبت المعنى الحقّ من الحلول الحقّ؛ الذي هو بالإيمان لا بالذات، ويفسّر قوله: ((مرضت فلم تَعُدْني)) فلو كان الرب عين المريض والجائع لکان إذا عاده وإذا أطعمه یکون قد وجده إياه وقد وجده قد أكله، وفي قوله في المريض: ((وجدتني عنده)) وفي الجائع: ((لوجدت ذلك عندي)) فرقان حسن؛ فإن المريض الذي تُستحب عيادته ويجد الله عنده: هو المؤمن بربه الموافق لإلهه الذي هو وليّه؛ وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يُستحب إطعامه، فإن الله يقول: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ، لَهُ، أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة: فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده. وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبيّ وَلو أنه قال: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا (١) ((درء تعارض العقل والنقل)) ٢٣٥/٥، ٢٣٦. ٤٣١ (١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٤) الطيب - فإن الله يأخذها بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيم))، وقال: ((إن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقع بيد السائل))، لكن الأشبه: أن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض، وهو العبد الولي الذي فيه نوع اتحاد، وإن كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمي. ونظير القرض: النصر في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ونحو ذلك لكن النصر فيه معنى؛ لكن لا يقال في مثله: جِعت، فقد ذكر الله في القرآن القرض والنصر وجعله له هذا في الرزق وهذا في النصر، وجاء في الحديث: العيادة، وهذه الثلاثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقوله: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وإنما في الحديث أمْر البأساء والضراء فقط؛ لأن ذلك ينفرد به الواحد المخاطَب بقوله: ((عبدي مرضت وَجِعت)) فلذلك عاتبه. وأما النصر: فيحتاج في العادة إلى عدد؛ فلا يعتب فيه على أحد معيّن غالباً، أو المقصود بالحديث التنبيه، وفي القرآن النصر والرزق وليس فيه العيادة؛ لأن النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص. وأما العيادة: فإنما تكون لمن يجد الحق عنده. [فصل] فهذان المعنيان صحيحان ثابتان بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان. أما الأول - وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة -: فهذا فرض على كل أحد ولا بد لكل مؤمن منه؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن ترکه کله فهو كافر بربه. وأما الثاني - وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه ويرضاه ويسخطه - فهذا على الإطلاق إنما هو للسابِقِين المقرَّبين: الذين تقربوا إلى الله بالنوافل - التي يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها. ولهذا كان هؤلاء لمَّا أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأحمال: أحبهم الله تعالى. فقال: ((ولا يزال ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل مناسب له مناسبة المعلول لعلته، ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله؛ فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة؛ والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: ((قوة المؤمن في قلبه، وضَعْفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه)) ولهذا قال ◌َله : ((المرء مع من أحب))، ((وقال: إن بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر))، وقال: ((فهما في الأجر سواء)) في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذي قال: ((لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل)) فإنهما لمّا استويا في عمل القلب، وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء، كما قال النبيّ وَل: ((إذا مرض العبد، أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم)))(١). وفي رسالة شيخ الإسلام إلى نصر الدين بن المنجى(٢) قال: (ففسَّرّ ما تكلم به في هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله: ((لوجدت ذلك عندي))، ولم يقل: لوجدتني قد أكلته، ولقوله: ((لوجدتني عنده)) ولم يقل: لوجدتني إياه، وذلك لأن المحب يتّفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى عما ينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يرضى الحقّ لرضاهم، ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد نَّله. ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]). انتهى الغرض من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة: في بحثه المتعلّق بحديث: ((عبدي جُعتُ، فلم تُطعمني ... إلخ)). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من تحقيق شيخ الإسلام تَظْلُهُ، (١) ((درء تعارض العقل والنقل)) ٢٣٥/٥، ٢٣٦. (٢) (٥/١). ٤٣٣ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزٍْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٥) في تحقيق معنى هذا الحديث - فلقد أعطاه حقّه، ووفّاه مستحقّه، فجزاه الله تعالى خيراً على ما قام به من خدمة الكتاب والسُّنَّة -. تبيّن أن الحديث ليس من المتشابه، بل هو واضح المعنى، ظاهر الدلالة، ومبيّنٌّ، ومفسّر، وموضّح بنفسه، فلا حاجة إلى التكلّف بالتأويل المتعسّف. وخلاصة القول: أن المريض، والجائع، والعطشان في هذا الحديث هو العبد، لا الله ◌ُعَل، وإنما المعنى: أن العبد لمّا كان محبوباً لله ما كان إطعامه، وسَقْيه، وعيادته كأنما حصلت لله ريك، فلا إشكال، ولا التباس، إلا على من لا يتدبّر النصوص على وجهها الصحيح، فتأمل بالإمعان، والإنصاف، والله تعالى أعلم. إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٤) - (بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٥] (٢٥٧٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عُثْمَانَ مَكَانَ الْوَجَعِ: وَجَعاً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهام [١٠] (ت٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٥ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦. ٦ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُّنَا، تقدّمت قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير عائشة ثنا، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، الأعمش، وأبو وائل، ومسروق، ورواية الأخيرين من رواية الأقران، فإنهما مخضرمان، وفيه عائشة غيّا، وقد مضى القول فيها غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿َا: (مَا) نافية، (رَأَيْتُ رَجُلاً) ولفظ البخاريّ: ((أحداً))، (أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ) المراد بالوجع: المرض، والعرب تسمّي كلَّ وجع مرضاً (١)، (مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّه) قال الطيبيّ تَُّهُ: قوله: ((عليه الوجع)) مبتدأ، وخبره ((أشدُّ ... إلخ))، والجملة هي المفعول الثاني لـ((رأيتُ))؛ لأنها من نواسخ المبتدأ والخبر. انتهى بتصرّف(٢). قد خَصّ الله تعالى أنبياءه لقوله بشدة الأوجاع، والأوصاب؛ لِمَا خَصّهم به من قوة اليقين، وشدة الصبر، والاحتساب؛ لِيَكْمُل لهم الثواب، ويعمّ لهم الخير(٣). وقال القاري: شدّة الموت ليست من المنذرات بسوء العاقبة، بل لرفع الدرجات العالية. انتهى (٤). (١) ((الفتح)) ١٨/١٣. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٣٩/٤. (٣) ((عمدة القاري)) ٢١١/٢١. (٤) ((شرح سنن ابن ماجه)) ١/ ١١٧. ٤٣٥ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُّهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٥) وقال القاضي عياض كَّهُ(١): قولها: ((ما رأيت رجلاً أشدّ عليه الوجه من رسول الله (وَيٌ)) تريد: المرض، والعرب تسمّي كلّ مرض وجعاً، وهذا يفسّره قوله في الحديث الآخر: ((ذلك بأن لك أجرين؟ قال: أجل))، متّفقٌ عليه، وقوله في حديث سعد بن أبي وقّاص رَ﴿به: قال: قلت: يا رسول الله؛ أيّ: الناس أشدّ بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى العبدُ على حَسَب دينه، فإن كان دينه صَلْباً اشتدّ بلاءه، وإن كان في دينه رِقّة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما به خطيئةٌ))، رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحیح، وصححه ابن حبّان. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن أبي سعيد الخدريّ ﴿ه؛ أنه دخل على رسول الله وَله، وهو مَوْعُوك، عليه قطيفة، فوضع يده عليه، فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشدّ حُمّاك يا رسول الله؟ قال: ((إنا كذلك يشتدّ علينا البلاء، ويضاعَف لنا الأجر))، فقال: يا رسول الله أيّ الناس أشدّ بلاءَ؟ قال: ((الأنبياء، ثم الصالحون، وقد كان أحدهم يُبتَلَى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها، فيلبسها، ويبتلى بالقمل، حتى يقتله، ولَأحدهم كان أشدّ فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء)) (٢). وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ عُثْمَانَ)؛ أي: ابن أبي شيبة شيخ الأول، (مَكَانَ الْوَجَعِ: وَجَعاً) بيّن به اختلاف شيخيه، فقال عثمان: ((وجعاً)) بالتنكير بدل قول إسحاق: ((الوجع)) بالتعريف. وقال في ((المشارق)): قوله: ((وفي رواية عثمان مكان الوجع: وجعاً)) فيه نقصٌ، وتمامه مكان ((عليه الوجع)): وجعاً، فتأتي رواية عثمان: ما رأيت أحداً أشدّ وجعاً من رسول الله *، وكذلك يستقيم الكلام، وعلى لفظ الكتاب يكون أشدّ عليه وجعاً، وليس هو وجه الكلام. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((إكمال المعلم)) ٤٠/٧. (٢) حديث صحيح، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) ١٧٩/١. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٤٠٣/٢. ٤٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٣٥/١٤ و٦٥٣٦] (٢٥٧٠)، و(البخاريّ) في (المرضى)) (٥٦٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٩٩)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٦٢٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨١/٦)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٠٧/٢)، وفوائد الحديث تأتي في شرح حديث ابن مسعود الآتي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ ، مِثْلَ حَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغرِب [١٠] (٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، منَّ صغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فَاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤٣٧ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا بُصِبِبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٦) ٥ - (مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَام) الْخَثْعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٩] (ت٢٠٣) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. والباقون تقدّموا قريباً، و(محمد بن جعفر)) هو غندر، و((عبد الرحمن) هو ابن مهديّ، و((سفيان)) هو الثوريّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: معاذ بن معاذ، وابن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر غُندر رووا هذا الحديث عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة پتا. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ) ضمير التثنية لعبد الرحمن بن مهديّ، ومصعب بن المقدام، فكلاهما رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة پا. [تنبيه]: رواية شعبة، عن الأعمش ساقها البخاريّ تَُّ فقال: (٥٣٢٢) - حدّثني بِشْر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّا قالت: ما رأيت أحداً أشدّ عليه الوجع من رسول الله وَ ه. انتهى (١). ورواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ ساقها الإمام أحمد تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٢٥٥٢٠) - حدّثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما رأيت إنساناً قطّ أشدّ عليه الوجع من رسول الله وَ﴾. انتهى(٢). ورواية مصعب بن المقدام، عن سفيان ساقها ابن ماجه تَخُّْ بسند المصنّف، فقال: (١٦٢٢) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، ثنا مُصعب بن الْمِقدام، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، قال: قالت عائشة: ما رأيت (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٣٨/٥. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/ ١٨١. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أحداً أشدّ عليه الوجع من رسول الله وَله. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٧] (٢٥٧١) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ يُوعَلُكَ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ إِنََّ لَتُوعَكَ وَعْكاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَلُكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ))، قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَجَلْ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذِّى، مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَّهَا))، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ: فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَريك أبو أسماء الكوفيّ، العابد، ثقةٌ، إلا أنه يرسل، ويدلّس [٥] (ت٩٢) وله أربعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨. ٢ - (الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٢] مات بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الأشربة)) ٦/ ٥١٦١. ٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُه سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. والباقون ذكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم في كيّفيّة التحكّم والأداء، كما أوضحته غير مرّة، وأنه (١) ((سنن ابن ماجه)) ٥١٨/١. ٤٣٩ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٧) مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه: زهير، فبغداديّ، وإسحاق، فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه عبد الله مهملاً، وقد قدّمنا أن القاعدة أن السند إذا كوفيّاً، فهو ابن مسعود ظه، وقد ذكر تلك القاعدة السيوطيّ تَخُْ في ((ألفيّة الأثر))، فقال: طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ وفيه ابن مسعود تظ له أحد السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة ، ذو مناقب جمّة، وأمَّره عمر ط﴾ على الكوفة. شرح الحديث: (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التيميّ الكوفيّ، وقد قدّمت في ((الأشربة)) ٦/ ٥١٦١ أن له في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود هُه؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ يُوعَك) وفي رواية للبخاريّ: ((أتيت النبيّ وَّ﴿ في مرضه))، والوَعْك - بفتح الواو، وسكون العين المهملة، وقد تُفتح -: الْحُمَّى، وقيل: ألَمُ الْحُمّى، وقيل: تَعَبها، وقيل: إرعادُها الموعوكَ، وتحريكها إياه، وعن الأصمعيّ: الوعك: الحرّ، فإن كان محفوظاً، فلعل الْحُمَّى سُمِّيت وَعْكاً؛ لحرارتها، قاله في (الفتح)) (١). وقال في ((العمدة)): قوله: ((وهو يوعك)) جملة حالية، بفتح العين، يقال: وُعِك الرجلُ يوعَك، فهو موعوك، والوَعْك بسكون العين، وفتحها: الْحُمَّى، وقيل: أَلَّمُها وتَعَبها، وقال صاحب ((المطالع)): الوعك قيل: هو إرعاد الحمَّى، وتحريكها إياه، وقال الأصمعيّ: الوعك شدّة الحرّ، فكأنه أراد حرّ الحمى، وشدّتها، وفي ((المحكم)): الوعك: الألم يجده الإنسان من شدّة التعب. انتهى (٢). وقال القرطبيّ: الوعك: تمريغ الحمّى، وهو ساكن العين، يقال: وعكته (١) ((الفتح)) ١٩/١٣، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٤٨). (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٢١. ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الحمّى تَعِكه وعكاً، فهو موعوك، وأوعكتِ الكلابُ الصيدَ، فهو مُوعَكٌ: إذا مرّغته في التراب، والوعكة: السقطة الشديدة في الجري، والوعكة أيضاً: معركة الأبطال في الحروب. انتهى(١). (فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي) بكسر السين الأولى، وفَتْحها، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسّاً، من باب قَتَلَ: أفضيت إليه بيدي، من غير حائل، هكذا قيَّدوه، والاسم: المَسِيسُ، مثل كَرِيم، ومَاسَّهَا مُمَاسَّةً كذلك، ومَسَّتِ الحاجةُ إلى كذا: ألجأت إليه، ومَاسَّهُ مُمَاسَّةً، ومِسَاساً، من باب قاتل: بمعنى مَسَّهُ، وتَمَاسًا: مسّ كلُّ واحد الآخرَ، ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسّاً: أصابه، ويتعدى إلى ثانٍ بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماء، وأَمْسَسْتُ الجسدَ ماءً. انتهى(٢). (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ لَتُوعَكَ وَعْكاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَجَلْ) كَنَعَم وزناً ومعنَى، (إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ))، قَالَ) عبد الله: (فَقُلْتُ: ذَلِكَ) إشارة إلى تضاعف الْحُمَّى، (أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنٍ؟) بفتح همزة ((أنّ)) بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأن لك أجرين، ويَحْتَمِل أن يكون بكسرها على أن الجملة تعليليّة، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((أَجَلْ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((مَا مِنْ مُسْلِم) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)): وَزِّيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ«كَمَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرْ)) وقوله: (يُصِيبُهُ أَذَّى) جملة في محلّ رفع صفة لـ((مسلم))، قال ابن العربيّ: وذِكر الأذى عبارة عما يظهر على البدن، من آثار الآلام الباطنة، من نحو تغيير لون، أو يصيبه من الأعراض الخارجة، من نحو جرح(٣)، وقوله: (مِنْ مَرَضٍ) بيان لـ((أذى))، (فَمَا سِوَاهُ)؛ أي: غير المرض، من الهمّ، والحزن، وغير ذلك، ففي حديث أبي سعيد، وأبي هريرة الآتي: ((مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَم، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ)). (إِلَّا حَطَّ)؛ أي: أزالَ (الله) وَ (بِهِ)؛ أي: بسبب ما أصابه مما ذُكر، (١) ((المفهم)) ٥٤٤/٦. (٣) ((فيض القدير)) ٥١٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٢.