النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(١٢) - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللهِ - حديث رقم (٦٥٢٧)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ) بن حزم الأنصاريّ، أبو طُوالة
- بضم الطاء المهملة - المدنيّ، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ [٥]
(١٣٤) ويقال: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٩٣/١٣.
٢ - (أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غیر شیخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة رضيته أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه، قال ابن عبد البرّ كَُّهُ: هذا الحديث في
((الموطأ)) بهذا الإسناد عند جماعة رواته فيما علمت، وقد كان عند مالك فيه
إسناد آخر، رواه إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن سعيد المقبريّ، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله مك يوم القيامة: أين
المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي))، ذكره أبو
داود، وقال: كان عنده أيضاً عن مالك حديث أبي طوالة، عن أبي الحباب.
(١)
انتھی
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ) قال
القرطبيّ كَّلُهُ: هذا نداء تنويه، وإكرام، ويجوز أن يخرج هذا الكلام مخرج
الأمر لمن يُحضرهم مكرمين، مُنَوَّهاً بهم. انتهى (٢).
(بِجَلَالِي)؛ أي: بعظمتي، وطاعتي، لا للدنيا، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: (الجلالي)) رُوي باللام، وبالباء، ومعناهما
متقاربٌ؛ لأن المقصود بهما هنا السببيّة؛ أي: لعظيم حقي، وحرمة طاعتي، لا
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٤٢٨/١٧.
(٢) ((المفهم)» ٥٤١/٦.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الغرض من أغراض الدنيا. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ تَخْتُ: معنى قوله فيه - والله أعلم -: أين المتحابون
الجلالي؟: أين المتحابون إجلالاً لي، ومحبةً فيّ، فمن إجلال الله من إجلال
أولياء الله، ومحبتهم، كما جاء في الأثر: ((من إجلال الله رَك إجلال ذي
الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه))، وإذا كان
ذِكرهم، وذِكر فضائلهم عمل بِرّ، فما ظنك بحبهم، وإخلاص الودّ لهم؟.
انتھی(٢).
(الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)))؛ أي: أنه لا يكون مَن له
ظل مجازاً، كما في الدنيا، وجاء في غير مسلم: ((ظل عرشي)). قال القاضي:
ظاهره أنه في ظله من الحرّ، والشمس، ووَهَج الموقف، وأنفاس الخلق، قال:
وهذا قول الأكثرين، وقال عيسى بن دينار: معناه: كَفّه من المكاره، وإكرامه،
وجعله في كُنَفه، وسِتره، ومنه قولهم: السلطان ظلّ الله في الأرض، وقيل:
يَحْتَمِل أن الظل هنا عبارة عن الراحة، والنعيم، يقال: هو في عيش ظليل؛
أي: طيّب، ذكره النوويّ(٣).
وقال ابن عبد البرّ: أراد - والله أعلم - في ظل عرشه، وقد يكون الظل
وَفَوَاكِهَ
كناية عن الرحمة، كما قال رَك: ﴿إِنَّ اُلْمُنَّفِينَ فِ ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
[المرسلات: ٤١، ٤٢]؛ يعني بذلك: ما هم فيه من الرحمة والنعيم، وقال:
﴿أُكُلُهَا دَآَبٌِّ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقد يكون كناية عن العذاب، كما
[الواقعة: ٤٣، ٤٤]، ومن
قال رَّ: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَجْهُمِ جَ لَّا بَارِدٍ وَلَا كِمٍ
كان في ظل الله يوم الحساب وُقِي شرّ ذلك اليوم، جعلنا الله برحمته من
المتحابين فيه، ولوجهه، المستقرين تحت ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فإن ذلك
من أفضل الأعمال، وأكرم الخلال. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ تَخْشُهُ: قوله: ((اليوم أظلّهم في ظلّ يوم لا ظل إلا ظلّ))
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٤٢٩/١٧.
(١) ((المفهم)) ٥٤١/٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٦.
(٤) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٤٣١/١٧ - ٤٣٢.

٤٠٣
(١٢) - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللهِ - حديث رقم (٦٥٢٧)
قيل: هذه الإضافة إضافة تشريف، وإكرام؛ إذ الظلال كلها مُلكه تعالى،
وخَلْقه.
قال القرطبيّ: وأولى من هذا التأويل أنه يعني به ظل العرش، كما قد
جاء في رواية أخرى، فيعني - والله تعالى أعلم -: أن في القيامة ظلالاً بحسب
الأعمال الصالحة، تقي صاحبها من وَهَج الشمس، ولَفْح النار، وأنفاس
الخَلْقِ، كما قال ◌َّ: ((كلّ امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس))(١)،
ولكن ظل العرش أعظم الظلال، وأشرفها، فيخصّ الله به من يشاء من صَالِح
عباده، ومن جملتهم المتحابون لجلال الله.
[فإنْ قيل]: كيف يقال: في القيامة ظلالٌ بحسب الأعمال، وقد قال ◌َله:
((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه))، وهو ظلّ العرش المذكور في
الحديث؟.
[قلنا]: يمكن أن يقال: كل ظل في القيامة إنما هو له؛ لأنَّه بخلقه،
واختراعه، بحسب ما يريده تعالى، من إكرام من يخصّه به، فعلى هذا يكون
كل واحد من هؤلاء السبعة في ظل يخصه، وكلّها ظل الله، لا ظل غيره؛ إذ
ليس لغيره هنالك ظل، ولا يقدر له على سَبَب.
ويَحْتَمِل أن يقال: إنَّه ليس هنالك إلا ظل واحد، وبه يستظلّ المؤمنون،
لكن لمّا كان الاستظلال بذلك الظلّ لا يُنال إلا بالأعمال الصالحات، نُسِب
لكل عمل ظلّ؛ لأنه به وَصَل إليه، والله تعالى أعلم.
وهذا كلّه بناءٌ على أن الظلال حقيقةٌ، لا مجازٌ، وهو قول جمهور العلماء.
وقال عيسى بن دينار: إن معناه: يُكِنهم من المكاره، ويجعلهم في گَنَفه،
وسِتره، كما يقول: أنا في ظلّك؛ أي: في ذُراك، وسِترك. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما قاله الجمهور من أن الظلال على
ظاهرها، فإن النصوص الكثير واضحة في ذلك، فلا داعي لدعوى المجاز
فيها، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(١) حديث صحيح، رواه أحمد، وابن حبّان، وابن خزيمة، وغيرهم.
(٢) ((المفهم)) ٥٤٢/٦ - ٥٤٣.

٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٧/١٢] (٢٥٦٦)، و(مالك) في ((الموظّأ))
(٩٥٢/٢)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٢٣٧ و٣٣٨ و٣٧٠ و٥٣٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٣٣٥)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (٣١٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٣٢/١٠) وفي («شُعب الإيمان)) (٤٨٣/٦)، و(الربيع) في ((مسنده))
(٤٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التحابّ في الله رَ؛ لأن الله ◌ُعَلَ يناديهم،
فيكرمهم بإظلاله في ظلّه الكريم يوم لا ظلّ إلا ظلّه.
٢ - (ومنها): إثبات ظلّ لله تعالى يوم القيامة يُكْرِم به من يشاء من عباده
الصالحين.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلهُ: فيه دليل لجواز قول الإنسان: الله
يقول، وهو الصواب الذي عليه العلماء كافّةً، إلا ما قدّمناه في ((كتاب الإيمان))
عن بعض السلف من كراهة ذلك، وأنه لا يقال: يقول الله، بل يقال: قال الله،
وقدَّمنا أنه جاء بجوازه القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب:
٤]، وأحاديث صحيحة كثيرة. انتهى (١).
٤ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ تَخْلَتُهُ: من أوثق عُرى الإسلام
البغض في الله، والحبّ في الله، ثم أخرج بسنده عن البراء بن عازب
قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وتُبغض
في الله))، قال أبو عمر: فمن الحب في الله حب أولياء الله، وهم الأنقياء
العلماء الفضلاء، ومن البغض في الله بغض من حادّ الله، وجاهر بمعاصيه، أو
ألحد في صفاته، وكفر به، وكذّب رسله، أو نحو هذا كله. انتهى(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٦.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٤٣٠/١٧.

٤٠٥
(١٢) - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبُّ فِي اللهِ - حديث رقم (٦٥٢٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٨] (٢٥٦٧) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((أَنَّ رَجُلاًّ زَارَ
أَخَاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَّ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ:
أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخاًّ لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟
قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَيْتُهُ فِي الّهِ رَتْ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ
أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَيْتَهُ فِیهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ،
المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقة (١)، من كبار
[١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس
في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ - بضم الموحّدة، ونونين - أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ست وثمانون سنةً
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (أَبُو رَافِع) نُفيع الصائغ، المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور
بكنيته [٢] (ع) تقدّمَ في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٦٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبّهَ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير الصحابيّ،
فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُه.
(١) هذا هو الأولى من قوله في ((التقريب)): لا بأس به، راجع ترجمته في: ((تهذيب
التهذیب».

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيع الصائغ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبهِ، (عَنِ النَّبِّ ◌َّ: «أَنَّ
رَجُلاً) لا يُعرف هوَّ، ولا المَزُور (١). (زَارَ أَخاً لَهُ)؛ أي: أراد أن يزوره، وهو
أعمّ من كونه أخاً حقيقةً أو مجازاً، قاله المناويّ ◌َّثُمُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه مجازاً هو الظاهر؛ لقوله في آخر
الحديث: ((غَيْرَ أَنِّي أَحْبَيْتُهُ فِي اللهِ وَتَ))؛ فإنه لو كان أخاه مِن نَسَبه لقال: إنه
أخي في النسب، وأحبه، والله تعالى أعلم.
(فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى)؛ أي: غير قرية الزائر، (فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ)؛ أي: وَكّل
بحفظه، يقال: أرصده لكذا: إذا وكّله بحفظه، وقال النوويّ تَّتُهُ: معنى
أرصده: أقعده يَرْقُبه، و((المدرجة)) بفتح الميم، والراء: هي الطريق، سُمّيت
بذلك؛ لأن الناس يَدرُجون عليها؛ أي: يمضون، ويمشون. انتهى (٣).
(عَلَى مَدْرَجَتِهِ)؛ أي: على قارعة طريقه، (مَلَكاً)؛ أي: هيأ على طريقه
ملكاً، وأقعده يرقُبه.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فأرصد الله على مدرجته))؛ أي: جعل الله
ملكاً على طريقه يرصُده؛ أي: يرتقبه، وينتظره ليبشّره، والْمَرْصَد: موضع
الرّصَد، و((المدرجة)) بفتح الميم: موضع الدرْجِ، وهو المشي. انتهى(٤).
(فَلَمَّا أَتَى) الرجل (عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الملك الْمُرْصَد، (قَالَ) له
الملك: (أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ) الرجل: (أُرِيدُ أَخاً لِي)؛ أي: أقصد أن أزور أخاً لي
(فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ) قال المناويّ: فإن قيل: السؤال عن القصد، والجواب غير
مطابق له، قلنا: في الحديث بيان لِمَقْصِدِه، ومقصوده. انتهى(٥).
(قَالَ) الملَك للرجل: (هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَة)؛ أي: هل لك من حقّ
واجب عليه من النعم الدنيوية (تَرُبُّهَا) - بفتح المثناة الفوقية، وضمّ الراء،
وتشديد الموحّدة -؛ أي: تملكها، وتستوفيها، أو معناه: تقوم بها، وتسعى في
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٤٢٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/١٦.
(٥) ((فيض القدير)) ٦١/٤.
(٢) ((فيض القدير)) ٦١/٤.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٥٤٣.

٤٠٧
(١٢) - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبُّ فِي اللهِ - حديث رقم (٦٥٢٨)
صلاحها، وتَحْفظها، وتراعيها، كما يُرَبِّي الرجل ولده، قاله المناويّ تَخْذُ(١).
وقال القرطبيّ: ((تربّها))؛ أي: تقوم بها، وتُصلحها، فتتعاهده بسببها.
انتھی.
(قَالَ) الرجل: (لَا)؛ أي: ليست لي عليه نعمة أَرُبّها، (غَيْرَ أَنِّي أَحْيَبْتُهُ
فِي اللهِ رين)؛ أي: ليس لي داعية إلى زيارته إلا محبتي إياه ابتغاء مرضاة الله
تعالى.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((فقال: لا، غير أني أحببته في الله))؛ أي: لم
أزره لغرض من أغراض الدنيا، ثمَّ أخبر بأنه إنما زاره من أجل أنه أحبه في الله
تعالى، فبشّره الملَك بأن الله تعالى قد أحبّه بسبب ذلك(٢).
(قَالَ) الملَك: (فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ)؛ أي: مرسلٌ منه تعالى (إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ
قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَيْتَهُ فِيهِ) قال النوويّ: قال العلماء: محبة الله عبده هي رحمته
له، ورضاه عنه، وإرادته له الخير، وأن يفعل به فعل المحب من الخير، وأصل
المحبة في حقّ العباد ميل القلب، والله تعالى منزَّه عن ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: قال العلماء ... إلخ يريد به
علماء المتكلّمين، لا علماء السلف، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة بهذا
التأويل، بل يثبتونها كما أثبتها الكتاب والسُّنَّة الصحيحة في هذا الحديث،
وغيره، وأما هذا الذي ذكر من معنى للمحبّة فإنه من ثمراتها، ولوازمها، فالحقّ
أن المحبّة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ثم إذا ثبتت، فمن لوازمها أن
يرحم من يحبّه، ويرضى عنه، ويريد له الخير.
والحاصل أن الحقّ إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، أو أثبته له رسوله وَلآت
في أحاديثه الصحيحة من المحبّة، والرضا، والغضب، والسخط، والتعجّب،
والاستواء، والنزول، والمجيء، وغير ذلك، على ظاهرها، وتنزيهه عن مشابهة
خَلْقه، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله تُعَلَ، والله
تعالى أعلم.
[فائدة]: قال الغزاليّ كَثَّلهُ: زيارة الإخوان في الله من جواهر عبادة الله
(١) ((فيض القدير)) ٦١/٤.
(٢) ((المفهم)» ٥٤٣/٦.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
تعالى، وفيها الزلفى الكريمة إلى الله تعالى، مع ما فيها من ضروب الفوائد،
وصلاح القلب، لكن بشرطين:
أحدهما: أن لا يخرج إلى الإكثار والافراط، كما أفاده الخبر الآخر(١).
الثاني: أن يحفظ حقّ ذلك بالتجنب عن الرياء، والتزين، وقول اللغو،
والغِيبة، ونحو ذلك. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رعُله هذا من أفراد المصنّف ◌َّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٨/١٢] (٢٥٢٨)، و(ابن المبارك) في
((مسنده)) (٥/١) وفي ((الزهد)) (٢٤٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٢/٢
و٤٠٨ و٤٦٢ و٤٨٢ و٥٠٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٣٥٠)، و(ابن
راهويه) في («مسنده)) (١١٤/١)، و(أبو يعلى) في ((معجمه)) (٢١١/١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٢ و٥٧٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٦/
٤٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٦٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ
دمشق)) (٣٦/ ٢٧١) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المحبة في الله تعالى، وأنها سبب لحب الله تعالى
العبد .
٢ - (ومنها): بيان فضيلة زيارة الصالحين، والأصحاب.
٣ - (ومنها): بيان أن الآدميين قد يرون الملائكة، إذا تشكّلوا بغير
صورتهم الأصلية.
٤ - (ومنها): بيان أن الحبّ في الله تعالى، والتزاور فيه من أفضل
الأعمال، وأعظم القُرَب إلى الله تعالى، إذا تجرَّد ذلك عن أغراض الدنيا،
(١) يعني: حديث (زُرْ غِبّاً تزدد حبّا))، وقد صححه الألبانيّ تَُّ لغيره، في ((صحيح
الترغيب والترهيب)).
(٢) ((فيض القدير)) ٦١/٤.

٤٠٩
(١٢) - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللهِ - حديث رقم (٦٥٢٨)
وأهواء النفوس، وقد قال ◌َله: ((من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله،
ومنع لله، فقد استكمل الإيمان))(١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهْ
الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
هذا من زيادات الراوي عن أبي أحمد الْجُلُوديّ، وليس لمسلم، وذلك
أنه وجد طريقاً عالياً على طريق مسلم، فأورده بياناً لعلوّه، وذلك لأنه وصل
إلى عبد الأعلى بن حمّاد بواسطة واحدة؛ أي: أبي بكر محمد بن زنجویه،
بينما هو وصل إليه عن طريق مسلم بواسطتين: أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن
سفيان تلميذ مسلم، ومسلم صاحب الكتاب.
والحاصل أن أن أبا أحمد علا في هذا الحديث على طريق مسلم
بدرجة، وقد مرّ له نظير هذا، فتفطّن.
و((أبو أحمد)» هو محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الجلوديّ
المتوفّى سنة (٣٦٨هـ)، تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٦٣.
وأما ابن زنجويه، فهو محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغداديّ، أبو
بكر الغزّال جار أحمد، ثقة [١١] (ت٢٥٨) (٤).
رَوَى عن جعفر بن محمد بن حمزة بن عون، وزيد بن الحباب، ويزيد بن
هارون، وعبد الرزاق، وحسین بن محمد، وغيرهم.
وروى عنه الأربعة، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا، وموسى بن
هارون، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وآخرون.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وهو صدوق،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مسلمة: ثقةٌ كثير الخطأ.
قال ابن مخلد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين ومائتين.
أخرج له الأربعة، وليس له في مسلم رواية، وإنما روى عنه أبو أحمد
الجلوديّ طلباً للعلوّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود في ((سننه)) ٢٢٠/٤.

٤١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون أبي أحمد تلميذَ أبي إسحاق
النيسابوريّ، تلميذٍ مسلم هو الصواب، فما وقع في شرح الشيخ الهرريّ من أن
أبا أحمد تلميذٌ لمسلم، فخطأ، ولذلك لم يعدّ هذا من عوالي أبي أحمد، بل
قال: إنما أتى به لبيان المتابعة، ودونك نصّه: وهذه الرواية ليست من إخراج
مسلم، وإنما ذكرها تلميذه الشيخ أبو أحمد الجلودي للمتابعة، فإنه سمعها من
محمد بن زنجويه بمثل ما سمعها من الإمام مسلم، ولذلك لم يُعتَبر محمد بن
زنجويه من رجال مسلم، ورَمَز إليه في ((التهذيب)) بالأربعة فقط. انتهى كلامه.
وهذا الكلام فيه صواب، وفيه خطأ أيضاً، فقوله: ((وهذه الرواية ليست
من إخراج مسلم)) صواب، وقوله: ((وإنما ذكرها تلميذه ... إلخ))، وكذا قوله:
((فإنه سمعها من مسلم ... إلخ)) خطأ، والصواب أنه تلميذ لتلميذ مسلم، أبي
إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ، وأنه سمعها من التلميذ
المذكور، لا من مسلم، فهو بالنسبة للجلوديّ نازل بدرجة، فلذا أتى برواية ابن
زنجويه؛ لعلوّها، وبيانُ هذا قد تقدّم في ((مقدّمة شرح المقدّمة))، فراجعه تُزَل
عنك الغشاوة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ)
((العيادة)) بالكسر مصدرٌ، يقال: عُدتُ المريضَ أعوده عيادةً: إذا زُرته،
فالرجل عائدٌ، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدة، وجمعها عُوّدٌ بغير ألف، قال
الأزهريّ: هكذا كلام العرب، أفاده الفيّوميّ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى الجَمْعين المذكورين أشار ابن مالك في
«الخلاصة)) حيث قال:
وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَه
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرًا
(١) ((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢ - ٤٣٧.

٤١١
(١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٢٩)
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: العيادة: مصدر عاد يعود عَوْداً، وعِيَادً، وعِياداً،
غير أنه قد خُصّت العيادة بالرجوع إلى المرضَى، والتكرار إليهم. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٩] (٢٥٦٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - يَعْنِيَانِ ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ،
عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة،
ثقة، مصنّف، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧)
وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود العَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة،
لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م دس) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣ /١٩٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقة، ثبت، فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة،
ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقة
فاضل كثير الإرسال، قال العجليّ: فيه نَصْبٌ يسير [٣] مات بالشام هارباً من
القضاء (١٠٤) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْئد الرَّحَبيّ الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله،
ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٠.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٧ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ ◌َّ، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده
الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة التحمّل والأداء لهما، حيث سمعا عن حمّاد بن زيد مع جماعة، فلذا
قالا: حدّثنا حمّاد، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالشاميين،
وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب عن أبي قلابة، عن أبي
أسماء.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) رَبُّهَ (قَالَ أَبُو الرَّبِيع)؛ يعني: الزهرانيّ، شيخه الثاني، (رَفَعَهُ
إِلَى النَّبِيِّ وَ ﴿)؛ أي: رفع حمّاد الحديث إليه وََّ، وهذه من صيغ الرفع، وإنما
يقولها من ثبت لديه رفع الحديث، ولكن نسي صيغة الرفع، هل هي ((قال
رسول الله)) كرواية سعيد، أو ((سمعت))، أو ((حدّثنا))، أو ((عن رسول الله وَلات)،
أو نحو ذلك، فأتَى بصيغة تشمل كلّ هذا، فقال: ((رفعه ... إلخ)).
(وَفِي حَدِيثٍ سَعِيدٍ)؛ يعني: ابن منصور شيخه الثاني، (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ))) وفي الرواية
الثانية: ((خُرْفة الجنة - بضم الخاء - قيل: يا رسول الله ما خرفة الجنة؟ قال:
جَناها))؛ أي: يَؤُوْل به ذلك إلى الجنة، واجتناء ثمارها، واتّفق العلماء على
فضل عيادة المريض، وسبق شرح ذلك واضحاً في بابه، قاله النوويّ كَظّهُ(١).
وقال القاضي عياض كَخْتُ في ((المشارق)): وقوله في عائد المريض: ((في
مخرفة الجنة)) رَوَيناه بفتح الميم والراء، وفي الحديث الآخر: ((في خُرْفة الجنة))
فسّره النبيّ وَ﴿ في الحديث أنه ((جناها))، وقال الأصمعيّ: المخارف واحدها
مَخْرَفٌ، وهو جنى النخل، سُمّي بذلك؛ لأنه يُختَرف؛ أي: يُجنَى، وقال
غيره: المخرفة سِكّة بين صفين من نخيل، يَخترف من أيها شاء، يريد: يَجني،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٢٤.

٤١٣
(١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٢٩)
وقيل: المخرفة: الطريق؛ أي: على طريق يؤديه إلى الجنة، وعلى ما تقدم
يكون معناه: في بساتين الجنة، وهو كله راجع إلى قوله وَليقول: ((جناها))، وقوله
أصحّ، وأثبت. انتهى(١).
وقال المناويّ عند قوله: ((عائد المريض يمشي في مَخرفة الجنة، حتى
يرجع من العيادة)): أي: يمشي في التقاط فواكه الجنة، والْخُرفة بالضم: ما
يُجتَنَى من الثمار، وقد يُتجوز بها للبستان، من حيث إنه محلها، وهو المراد
هنا على تقدير مضاف؛ أي: في محل خرفتها. ذكره البيضاويّ، وقال
الزمخشريّ: معناه أن العائد فيما يحوزه من الثواب؛ كأنه على نخل الجنة،
يخترق ثمارها، من حیث إن فعله يوجب ذلك. انتهى.
وقال ابن العربيّ: ممشاه إلى المريض لمّا كان له من الثواب على كل
خطوة درجة، وكانت الخطا سبباً لنيل الدرجات في المقيم، عَبَّر بها عنها؛ لأنه
سببها مُجازاً له إذا مشى على الخرفة، وهي بساتين الجنة، أن يخترف منها؛
أي: يقتطع، ويتنعم بالأكل(٢).
وقال ابن عبد البرّ كَُّ: قال ابن وهب: المَخْرَف: هي الجنينة الصغيرة،
وقال غيره: هو ما يُخرف، ويخترف؛ أي: يحفظ، ويجتنَى، وهو الحائط الذي
فيه ثمر قد طاب، وبدا صلاحه، قالوا: والحائط يقال له بالحجاز: الخارف،
والخارف بلغة أهل اليمن: الذي يجتني لهم الرُّطَب.
وقال أبو عبيد: يقال للنخل بعينه: مَحْرف، قال: ومنه قول أبي طلحة:
إن لي مَخرفاً .
قال: وقال الأصمعي في حديث النبيّ وَّ: ((عائد المريض في مخارف
الجنة)): قال: واحدها مخرف، وهو جنَى النخل، وإنما سُمّي مَخرفاً؛ لأنه
يُخرَف منه؛ أي: يُجتَنَى منه.
وقال الأخفش: الْمِخرَف بكسر الميم: القطعة من النخل التي يُختَرف
منها الثمر، والْمَخرَف بفتح الميم: النخل أيضاً. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٣٣/١.
(٣) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٥٩/٢٣.
(٢) ((فيض القدير)) ٢٩٧/٤.

٤١٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان ظُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
[تنبيه]: كتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ◌َّثُ هنا ما نصّه: ذكر مسلم
حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، ومن حديث هشيم، ويزيد بن
زريع، كلاهما عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان،
عن النبيّ وَّل قال: ((من عاد مريضاً لم يزل في خُرْفة الجنّة حتى يرجع)).
قال أبو عليّ: ويُروى إسناد هذا الحديث أيضاً عن أبي قلابة، عن أبي
الأشعث، عن أبي أسماء، ذَكَره مسلم أيضاً من حديث يزيد بن هارون، عن
عاصم الأحول، عن ثوبان، عن النبيّ وَلجر قال: ((من عاد مريضاً لم يزل في
خُرفة الجنّة))، قيل: يا رسول الله وما خُرفة الجنّة؟ قال: ((جَنَاهَا)).
قال أبو عيسى الترمذيّ: سألت البخاريّ عن إسناد هذا الحديث، فقال:
رواه أبو غِفَار، وعاصم، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء
الرَّحَبِيّ، عن ثوبان، عن النبيّ وَّ، قال: وأحاديث أبي قلابة عن أبي أسماء
الرَّحَبِيّ، عن ثوبان، ليس فيها أبو الأشعث إلا هذا الحديث الواحد.
وذكر أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه قال: أبو قلابة وقع إلى
الشام، وهو يروي عن أبي الأشعث، وأبي أسماء، وأراه قد سمع منهما،
ورَوَى أيضاً عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء. انتهى كلام الجيّانيّ كَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذكره الجيّاني أن سَنَدَيْ أبي قلابة
المذكورَين في هذا الباب صحيحان، فلا يضرّ الاختلاف المذكور؛ لإمكان
الجمع بأن أبا قلابة رواه عن أبي أسماء بواسطة أبي الأشعث، ثم لقي أبا
أسماء، فرواه عنه مباشرةً، أو سمعه من أبي أسماء نفسه، ثم ثبّته أبو
الأشعث، ونظائر هذا كثيرة في أحاديث الثقات، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٩/١٣ و٦٥٣٠ و٦٥٣١ و٦٥٣٢ و٦٥٣٣]
(٢٥٦٨)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٦٧ و٩٦٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٢٢/٣ - ٩٢٣.

٤١٥
(١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٢٩)
المفرد)) (٥٢١)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٣٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٧٦/٥ و٢٧٧ و٢٧٩ و٢٨٣ و٢٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣٣/٣
- ٢٣٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٤٥/٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٩٥٧)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٣٨٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٨٠/٣) و((شُعَب الإيمان)) (٥٣٠/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(١٤٠٨ و١٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عيادة المريض، قال القرطبيّ تَظْلُهُ: عيادة
المريض من أعمال الطاعات الكثيرة الثواب، العظيمة الأجر، كما دلت عليه
هذه الأحاديث، وغيرها، وهي من فروض الكفايات، إذا مَنَع المرضُ من
التصرف؛ لأنَّ المريض لو لم يُعَدْ جملةً لضاع، وهلك، ولا سيما إن كان
غريباً، أو ضعيفاً، وأما من كان له أهل، فيجب تمريضه على من تجب عليه
نفقته، فأمَّا من لا يجب ذلك عليه، فمن قام به منهم سقط عن الباقين.
(١)
انتھی(١).
٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ نَظّلُهُ: وفي هذا الحديث فضل عيادة
المريض، وهذا على عمومه في الصالح وغيره، وفي المسلم وغيره، وقد عاد
رسول الله ◌َّ كافراً، وقد كَرِه بعض أهل العلم عيادة الكافر؛ لِمَا في العيادة
من الكرامة، وقد أُمرنا أن لا نبدأهم بالسلام، فالعيادة أولى أن لا تكون، فإن
أتونا فلا بأس بحُسن تلقّيهم؛ لقول الله وَمَ: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]
دخل فيه الكافر والمؤمن، ولقوله ويل قي: ((إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه))(٢).
وقد أكثر الناس في هذين المعنيين، وقد كان طاوس يسلم على كل من
لَقِي، من مسلم، وذميّ، ويقول: هي للمسلم تحية، وللكافر ذمة. انتهى(٣).
٣ - (ومنها): أنه يستفاد من هذا الحديث أنه لا بأس بالعيادة في كل
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٠.
(٢) حديث حسن، رواه ابن ماجه ٢/ ١٢٢٣.
(٣) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٤/ ٢٧٧.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقت، وقد كرهها طائفة من العلماء في أوقات، قال الأثرم: سمعت أبا
عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - وقال له شيخ، كان يخدمه: تجيء إلى فلان
- مريض سمّاه يعوده -، وذلك عند ارتفاع النهار في الصيف، فقال: ليس هذا
وقت عيادة.
قال ابن عبد البرّ: لقد أحسن ابن حذار في نحو هذا، حيث يقول [من
البسيط]:
وَاجْلِسْ قَلِيلاً كَلَحْظِ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ
إِنَّ الْعِيَادَةَ يَوْمٌ بَيْنَ يَوْمَيْنِ
يَكْفِيكَ مِنْ ذَاكَ إِنْ تَسْأَلْ بِحَرْفَيْنِ
لَا تُبْرِمَنَّ مَرِيضاً فِي مُسَاءَلَةٍ
ذَكَر الحسن بن عليّ الحلوانيّ قال: حدّثنا أبو سعيد الجعفيّ قال: حدّثنا
ضمرة، قال: حدّثني الأوزاعيّ قال: خرجت إلى البصرة أريد محمد بن
سيرين، فوجدته مريضاً به البطن، فكنا ندخل عليه، نعوده قياماً.
ثم أخرج عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أفضلُ العيادة أخفّها .
وقال ابن وضاح في تفسير الحديث، أفضل العيادة أخفّها، قال: هو أن
لا يُطَوِّل الرجل في القعود إذا عاد المريض. انتهى(١).
[تنبيه]: لا يتوقف مشروعيّة عيادة المريض على علمه بعائده، بل تندب
عيادته، ولو مُغْمَى عليه؛ لأن وراء ذلك جَبْر خاطر أهله، وما يُرجى من بركة
دعاء العائد، ووضع يده على بدنه، والنفث عليه عند التعويذ، وغير ذلك،
ذكَره في ((الفتح)) وغيره(٢) .
٤ - (ومنها): ما قاله في (الفتح)): قوله ويلقول: ((عودوا المريض))(٣) يدلّ
على مشروعية العيادة لكل مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد؛ لكون عائده قد
يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجيّ قد يأتي مثله في بقية الأمراض؛
كالْمُغْمَى عليه، وقد عقّبه البخاريّ به.
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٤/ ٢٧٧.
(٢) ((فيض القدير)) ٤/ ٢٩٧.
(٣) أي: فيما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي موسى نظراته قال: قال
رسول الله وَّه: ((فُكُّوا العاني - يعني: الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا
المريض)).

٤١٧
(١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٢٩)
وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: عادني
رسول الله 18 من وجع كان بعيني، أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وهو
عند البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وسياقه أتمّ.
وأما ما أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ مرفوعاً: ((ثلاثة ليس لهم عيادة:
العين، والدُّمّل، والضِّرْس))، فصحح البيهقيّ أنه موقوف على يحيى بن أبي
کثیر.
ويؤخذ من إطلاقه أيضاً عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه، وهو
قول الجمهور، وجزم الغزالي في ((الأحياء)) بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند
إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: ((كان النبيّ وَّو لا يعود مريضاً إلا بعد
ثلاث))، وهذا حديث ضعيف جدّاً، تفرّد به مسلمة بن عليّ، وهو متروك، وقد
سئل عنه أبو حاتم، فقال: هو حديث باطل.
قال الحافظ: ووجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة، عند الطبرانيّ في
((الأوسط))، وفيه راو متروك أيضاً.
قال الجامع عفا الله عنه: لا ينقضي عجبي من صنيع الحافظ الذي يعتمد
عليه جلّ من جاء بعده؟ كيف ساغ له أن يذكر لحديث فيه راو متروك، شاهداً
فيه راو متروك أيضاً؟ إن هذا لهو العجب العجاب.
بل الحقّ والصواب أن انفراد متروكَيْن بحديث مما يوهن أمره، لا مما
يقويه، بل الظنّ أن ذلك الحديث مما عملته يداهما، فتبصّر، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: ويَلتحق بعيادة المريض تعهّده، وتفقّد أحواله، والتلطف به، وربما
كان ذلك في العادة سبباً لوجود نشاطه، وانتعاش قوته.
قال: وفي إطلاق الحديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن
جرت العادة بها في طَرَفَي النهار، وترجم البخاريّ في ((الأدب المفرد)):
((العيادةُ في الليل))، وساق عن خالد بن الربيع قال: لمّا نَقُل حُذيفة أتوه في
جوف الليل، أو عند الصبح، فقال: أيُّ ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ بالله
من صباح إلى النار ... الحديث.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ونقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف: تعود
فلاناً؟ قال: ليس هذا وقت عيادة.
ونقل ابن الصلاح عن الفُراويّ أن العيادة تستحب في الشتاء ليلاً، وفي
الصيف نهاراً، وهو غريب.
ومن آدابها: أن لا يُطيل الجلوس حتى يُضجر المريض، أو يشق على
أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس، كما في حديث جابر بعض فيه(١).
قال: وقد ورد في فضل العيادة أحاديث كثيرة جياد، منها عند مسلم،
والترمذيّ، من حديث ثوبان ◌ُ: ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في
خُرفة الجنة))، وخُرْفة بضم المعجمة، وسكون الراء، بعدها فاء، ثم هاء: هي
الثمرة، إذا نَضِجت، شَبَّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي
يجتني الثمر، وقيل: المراد بها هنا: الطريق، والمعنى: أن العائد يمشي في
طريق تؤديه إلى الجنة، والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخاريّ في ((الأدب
المفرد)) من هذا الوجه، وفيه: قلت لأبي قلابة: ما خُرفة الجنة؟ قال: جَناها،
وهو عند مسلم من جملة المرفوع.
وأخرج البخاريّ أيضاً (٢) من طريق عُمر بن الحكم، عن جابر رفعه: ((من
عاد مريضاً خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقرّ فيها))، وأخرجه أحمد،
والبزار، وصححه ابن حبان، والحاكم من هذا الوجه، وألفاظهم فيه مختلفة،
ولأحمد نحوه، من حديث كعب بن مالك، بسند حسن. انتهى ما في
(الفتح))(٣)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ عن ابن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله يقول:
((مَرِضتُ مرضاً، فأتاني النبيّ ◌َ ﴿ يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أُغمي
عليّ، فتوضأ النبيّ وَّر، ثم صبّ وضوءه عليّ، فأفقت، فإذا النبيّ ◌َّ، فقلت: يا
رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى
نزلت آية الميراث)). انتهى.
(٢) أي: في ((الأدب المفرد)) فتنبّه.
(٣) ((الفتح)) ٢١/١٣ - ٢٢، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٤٩).

٤١٩
(١٣) - بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٦٥٣٠)
[تنبيه]: قال الإمام البخاريّ كَُّ في (صحيحه)): ((باب وجوب عيادة
المريض))، قال في ((الفتح)): كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة،
وتقدّم حديث أبي هريرة في ((الجنائز)): ((حقّ المسلم على المسلم خمس ... ))،
فذكر منها عيادة المريض، ووقع في رواية مسلم: ((خمس تجب للمسلم على
المسلم ... ))، فذكرها منها .
قال ابن بطال: يَحْتَمِل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية؛
كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويَحْتَمِل أن يكون للندب؛ للحثّ على
التواصل، والألفة، وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرض يَحْمِله بعض
الناس عن بعض.
وقال الجمهور: هي في الأصل نَذْب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ
بعض دون بعض، وعن الطبريّ تتأكد في حقّ من ترجى بركته، وتسنّ فيمن
يراعَى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف، قال: ونقل النوويّ
الإجماع على عدم الوجوب؛ يعني: على الأعيان. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن القول بوجوب عيادة المريض هو
الحقّ، كما هو مذهب البخاريّ تَخْثُ؛ لظواهر النصوص، لا سيّما وقد صرّح
في مسلم بقوله: ((خمس تجب للمسلم على المسلم))، وكذا قوله: ((حقّ
المسلم ... إلخ))، وقوله: ((عودوا المريض)) بلفظ الأمر، والأمر للوجوب،
ولكن الظاهر من الوجوب هو الوجوب الكفائيّ، فإذا قام به البعض سقط عن
الباقين، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ
خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَ))).
(١) ((الفتح)) ٢١/١٣ - ٢٢، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٤٩).

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (هُشَيْمُ) - بالتصغير - ابن بَشِير - بوزن عَظِيم - ابن القاسم بن دينار
السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير
التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْران أبو الْمُنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر
الزاي - البصريّ الحذّاء(١) وهو ثقة، يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أنّ حِفظه
تغير لَمّا قَدِم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان [٥] (ع)
تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ كَُّ: هو بضم الخاء
المعجمة، وسكون الراء، وقد فسّرها النبيّ وَّي بما هو المعروف في اللغة، فقال:
((جناها))؛ أي: ما يجتنى منها، وفي ((الصحاح)): الخرفة - بالضم -: ما يُجتنى من
الفواكه، ويقال: التمر خُرفة الصائم، وأما رواية من رواها ((مخرفة)) بفتح الميم،
وسكون الخاء، وفتح الراء: فهو البستان، والْمَخْرَفة، والْمَخْرَف: الطريق، أما
الْمِخْرَف، والْمِخْرَفة - بكسر الميم -: فهو الوعاء الذي يُجتَنَى فيه التمر.
ومعنى هذا الحديث: أن عائد المريض بما يناله من أجر العيادة، وثوابها
الموصل إلى الجنة؛ كأنه يجتني ثمرات الجنة، أو كأنه في مَخْرَف الجنة؛ أي:
في طريقها الموصل إلى الاختراف، وسُمّي الخريف بذلك؛ لأنَّه فَضْلٌ تُخْتَرَف
فيه الثمار. انتهى (٢).
والحديث من أفراد المصنّف نَُّهُ، وقد مضى تمام البحث فيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة، قيل له ذلك؛ لأنه كان يجلس
عندهم، وقيل: لأنه كان يقول: احذُ على هذا النحو.
(٢) ((المفهم)) ٥٤٩/٦ - ٥٥٠.