النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٩) - بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٦٥١٥) حاكياً عن يعقوب،عَلَّا: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٨٧]، وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسّة، إحدى الحواسّ الخمس، وبالجيم من الجسّ، بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواسّ، فتكون التي بالحاء أعمّ، وقال إبراهيم الحربيّ: هما بمعنى واحد، وقال ابن الأنباريّ: ذُكِر الثاني للتأكيد، كقولهم: بُعْداً، وسحقاً، وقيل: بالجيم البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماع حديث القوم، وهذا رواه الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، أحد صغار التابعين، وقيل: بالجيم البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، وبالحاء البحث عما يُدرك بحاسة العين والأذن، ورجح هذا القرطبيّ، وقيل: بالجيم تتبّع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبّعه لنفسه، وهذا اختیار ثعلب. ويُستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعيَّن طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلاً، كأن يخبر ثقةٌ بأن فلاناً خلا بشخص ليقتله ظلماً، أو بامرأة ليزني بها، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك؛ حَذَراً من فوات استدراكه، نَقَله النوويّ عن ((الأحكام السلطانية)) للماورديّ، واستجاده، وأن كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرّمات، ولو غلب على الظنّ استسرار أهلَها بها، إلا هذه الصورة. انتهى (١). (وَلَا تَنَافَسُوا)؛ أي: لا تتبارَوْا في الحرص على الدنيا، وأسبابها، وأما التنافس في الخير فمأمور به، كما قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُثَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ أي: في الجنة وثوابها، وكأنّ المنافسة هي الغبطة، وقد أبعد من فسّرها بالحسد، لا سيما في هذا الحديث، فإنه قد قَرَن بينها وبين الحسد في مساق واحد، فدلّ على أنهما أمران متغايران. انتهى (٢). وقال النوويّ: المنافسة، والتنافس معناهما الرغبة في الشيء، وفي الانفراد به، ونافسته منافسةً: إذا رَغْبتَ فيما رَغِب فيه، قيل: معنى الحديث: التباري في الرغبة في الدنيا، وأسبابها، وحظوظها. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ٦٢٥/١٣ - ٦٢٦. (٣) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٦. (٢) ((المفهم)» ٥٣٥/٦. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (وَلَا تَحَاسَدُوا) قد تقدّم أن الحسد تمنّي زوال النعمة عن مستحقّ لها إلى آخِر ما سبق. (وَلَا تَبَاغَضُوا)؛ أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، (وَلَا تَدَابَرُوا)؛ أي: لا تفعلوا فِعل المتباغضَين اللذين يُدبر كلّ واحد منهما عن الآخر؛ أي: يولّيه دُبُرُه فِعْل المُعْرِض، (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانً)) أي: كونوا كإخوان النَّسب في الشفقة والرحمة، والمودّة، والمواساة، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥١٥/٩ و٦٥١٦ و٦٥١٧ و٦٥١٨ و٦٥١٩] (٢٥٦٣)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٤٣) و ((الأدب)) (٦٠٦٤ و٦٠٦٦) و((الفرائض)) (٦٧٢٤) وفي ((الأدب المفرد)) (١٤٨/١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩١٧)، و(الترمذيّ) في ((الجامع)) (٣٥٦/٤)، و(مالك) في (الموطأ)) (٩٠٧/٢ - ٩٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥/٢ و٢٧٧ و٢٨٧ و٢٨٨ و٣٦٠ و٣٨٩ و٣٩٣ و٣٩٤ و٤٤٦ و٤٦٥ و٤٦٩ و٤٨٠ و٥٠١ و٥١٢)، و(همام بن منبه) في (صحيفته)) (٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢٢٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٦٥/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٣٠/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٨٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٥/٦ و٧/ ١٨٠ و٣٣٣/٨ و٢٣١/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٥٠٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٣٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: (لَا تَهَجَّرُوا(١)، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً))). (١) وفي نسخة: ((لا تهاجروا)). ٣٦٣ (٩) - بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالنَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ، وَالنَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٦٥١٦) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي مرّ قبل حديث. وقوله: (لَا تَهَجَّرُوا) كذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: ((لا تهاجروا)»، وهما بمعنى واحد، وكلاهما بفتح التاء، حُذف منهما إحدى التاءين، كما تقدّم البحث فيه، والمراد: النهي عن الهِجْرة، ومقاطعة الكلام، وقيل: يجوز أن يكون: لا تَهْجُروا: أي: لا تتكلموا بالْهُجْر، بضم الهاء، وهو الكلام القبيح. وقوله: (وَلَا يَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ : قد تكاثر النهي عن ذلك، ففي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رضيبه عن النبيّ وَل قال: ((لا يبيع المؤمن على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه))، وفي رواية لمسلم: ((لا يَسُم المسلم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته))، وخرّجاه من حديث ابن عمر ﴿يا، عن النبيّ نَّ قال: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له))، ولفظه لمسلم، وخرّج مسلم من حديث عقبة بن عامر، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يَذَرَ)). قال: وهذا دليل على أن هذا حقّ المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خِطبته، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حقّ الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عامّ في حقّ المسلم والكافر، واختلفوا هل النهي للتحريم، أو التنزيه؟ فمن أصحابنا - يعني: الحنبليّة - من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه للتحريم، واختلفوا هل يصح البيع على بيع أخيه، والنكاح على خطبته، فقال أبو حنيفة؟ والشافعيّ، وأكثر أصحابنا: يصحّ، وقال مالك في النكاح: إنه إن لم يدخل بها فُرُّق بينهما، وإن دخل بها لا يفرّق، وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح: إنه باطل على كل حال، وحكاه عن أحمد. ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئاً، فيبذل للمشتري سلعته؛ ليشتريها، ويفسخ بيع الأول، وهل يختصّ ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، بحيث يمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عامّ في مدة الخيار ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبعدها؟، فيه اختلاف بين العلماء، وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنه عامّ في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من خصه بما إذا كان في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوص الشافعيّ، والأول أظهر؛ لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار، فإنه إذا رَغِب في ردّ السلعة الأولى على بائعها، فإنه يتسبب في ردّها عليه بأنواع من الطرق المستفيضة لضرره، ولو بإلحاح عليه في المسألة، وما أدَّى إلى ضرر المسلم كان محرّماً، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت البحث في هذه المسألة في ((كتاب البيوع))، مستوفَّى بأدلّته، وترجيح الراجح بأدلّته، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَّجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانً)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَة ◌َظُبه) ذُكر قبله. وقوله: (وَلَا تَنَاجَشُوا) قال القرطبيّ: قيل فيه: إنه من باب النجش في البيع الذي تقدَّم ذِكره في ((البيوع))، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ صيغة تفاعَل أصلها لا تكون إلا من اثنين، فالتناجش لا يكون من واحد، والنجش يكون من واحد، فافترقا، وإن كان أصلهما واحداً؛ لأنَّ أصل النجش: الاستخراج، والإثارة، (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٧٠/٢ - ٢٧١. ٣٦٥ (٩) - بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالنَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٦٥١٨ -٦٥١٩) تقول: نجشتُ الصيد، أنجشه، نجشاً: إذا استثرته من مكانه، وقيل: ((لا تناجشوا)): لا يُنافر بعضكم بعضاً، أي لا يعامله من القول بما يُنَفِّرِه، كما ينفّر الصيد، بل يسكّنه، ويؤنّسه، كما قال: ((سَكِّنوا، ولا تنفّروا)) متّفقٌ عليه، وهذا أحسن من الأوّل، وأولى بمساق الحديث. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفی قبل حديث. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: ((لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَاناً كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ»). قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد تقدّموا(٢)، بعضهم في الباب، وبعضهم قبل باب، وتقدّم الكلام على عليّ بن نصر هذا قبل باب، فلا تغفل. [تنبيه]: رواية شعبة عن الأعمش هذه ساقها البيهقيّ كَُّ في ((الكبرى))، فقال : (٢٠٨٤٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وسلم: ((لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم الله رَات)). انتهى(٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ِ قَالَ: (لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانً))). (١) ((المفهم)) ٥٣٥/٦ - ٥٣٦. (٢) وحسن الحلوانيّ تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (٣) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٣٢/١٠. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السرخسيّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٣ - (وُهَيْبُ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلاً بأخرة [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان المدنيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيم دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٢٠] (٢٥٦٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ بْنِ كُرَيْزٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَخْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا)) - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ(١) - ((بِحَسْبٍ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْفِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمٍ عَلَى الْمُسْلِم حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))). (١) وفي نسخة: ((ثلاث مرار)). ٣٦٧ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ ظَلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ-حديث رقم (٦٥٢٠) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في ((الموطأ)) أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧ / ٦١٧. ٢ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٤/٤٢. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ بْنِ كُرَيْزٍ) هو: أبو سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز الخزاعيّ، ثقة(١) [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، والحسن البصريّ، وعنه صفوان بن سُليم، ومحمد بن عجلان، والعلاء بن عبد الرحمن، وأسامة بن زيد الليثيّ، وداود بن قيس الفرّاء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الذهبيّ في ((الكاشف))(٢): ثقةٌ . أخرج له المصنّف، وأبو داود، في ((المراسيل))، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُبه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهو (٤٩٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َ﴿به؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا تَحَاسَدُوا) الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها، وقد مضى شرحه مستوفّی. (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، والذهبيّ، كما في ((الكاشف)) (٢/ ٤٣٠). وأخرج له مسلم هنا في ((الصحيح))، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهو ثقة بلا شكّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق. (٢) ٤٣٠/٢. ٣٦٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (وَلَا تَنَاجَشُوا) قال الحافظ ابن رجب دَخْتُ: فَسَّره كثير من العلماء بالنجش في البيع، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لِنَفْع البائع لزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي ((الصحيحين)) عن ابن عمره، عن النبيّ وَ ◌ّ أنه نَهَى عن النجش، وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل رباً خائنٌ، ذَكَره البخاريّ، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن فاعله عاصٍ لله تعالى، إذا كان بالنهي عالِماً، واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائعَ، أو مَن واطأه البائع على النجش، فقد فسد؛ لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن كذلك لم يفسد؛ لأنه يعود إلى أجنبيّ، وكذا حُكي عن الشافعي أنه عَلَّل صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقاً، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، إلا أن مالكاً وأحمد أثبتا للمشتري الخيار، إذا لم يعلم بالحال، وغُبِن غبناً فاحشاً يخرج عن العادة، وقد رواه مالك، وبعض أصحاب أحمد بثلث الثَّمَن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك، وإن أراد الإمساك، فإنه يحطّ ما غُبن به من الثمن، ذكره أصحابنا . ويَحْتَمِل أن يُفَسَّر التناجش المنهيّ عنه في هذا الحديث بما هو أعمّ من ذلك، فإن أصل النجش في اللغة إثارة الشيء بالمكر، والحيلة، والمخادعة، ومنه سُمِّي الناجش في البيع ناجشاً، ويُسَمَّى الصائد في اللغة ناجشاً؛ لأنه يصيد الصيد بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تَتَخَادَعُوا، ولا يعامل بعضكم بعضاً بالمكر، والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم، إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيْقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وفي حديث ابن مسعود بظلاله عن النبيّ ◌َّ: ((من غشنا فليس منا، والمكر، والخداع في النار))(١). وفي حديث أبي بكر الصديق. ته se (١) رواه الطبرانيّ، وأبو نعيم، وصححه ابن حبّان. ٣٦٩ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ ظَلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ -حديث رقم (٦٥٢٠) المرفوع: ((ملعون من ضارّ مسلماً، أو مَكَر به)) خرّجه الترمذيّ (١)، فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهيّ عنه: جميع أنواع المعاملات بالغش، ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغَشّ المبيع الجيد بالرديء، وغَبْن المسترسل الذي لا يَعرف المماكسة، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء، وأتباعهم، وما أحسن قول أبي العتاهية [من الخفيف]: سَ الدِّينُ إلَّا مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ لَيْسَ دُنْيَا إِلَّا بِدِينٍ وَلَيْـ رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النّفَاقِ إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار، والمحاربون، كما قال النبيّ وَّهِ: ((الحرب خذْعَةٌ))، متّفقٌ عليه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت ما يتعلّق بالنجش في ((كتاب البيوع))، فارجع إليه تجد علوماً جمّة، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا تَبَاغَضُوا) نهي عن التباغض بينهم، وذلك فيما ليس لأمر شرعيّ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى. (وَلَا تَدَابَرُوا) معنى التدابر: المعاداة، يقال: دابرته: أي: عاديته، وحَكَى عياض أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأول أَولى. (وَلَا يَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) تقدّم أن معناه أن يكون قد باع منه شيئاً، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها، ويفسخ بيع الأول، وتقدّم البحث في ذلك أيضاً مستوفى. (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً) هذا ذكره النبيّ وََّ كالتعليل لِمَا تقدّم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا الحسد، وما ذُكر معه كانوا إخواناً . (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم)؛ أي: فليتعامل المسلمون فيما بينهم، ولْيتعاشروا معاملة الإخوّة، ومعاشرتهم في الموّدة، والرفق، والشفقة، والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك، مع صفاء القلوب، والنصيحة بكل حال(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((المسلم أخو المسلم)) هذه أخوّة الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يُطلَق بينهما اسم الأخوة، ويشترك في ذلك الحرّ والعبد، (١) ضعيف، في سنده أبو سلمة الكنديّ مجهول، وفرقد السبخيّ متكلّم فيه. (٣) ((تحفة الأحوذي)) ٤٦/٦. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٣٢٨/١. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والبالغ والمميز. انتهى(١). (لَا يَظْلِمُهُ)؛ أي: لا ينقصه حقّه، أو يمنعه إياه، وهو خبر بمعنى الأمر، فإنّ ظُلْم المسلم للمسلم حرام، زاد في حديث ابن عمر: ((ولا يُسلمه)): أي: لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره، ويدفع عنه، وهذا أخصّ مِنْ تَرْك الظلم، وقد يكون ذلك واجباً، وقد يكون مندوباً، بحسب اختلاف الأحوال، وزاد الطبرانيّ: (ولا يُسلمه في مصيبة، نزلت به)). (وَلَا يَخْذُلُهُ) - بضم الذال المعجمة، من باب نصر، والاسم: الْخِذلان -، وهو ترك النصرة، والإعانة (٢)، وقال في ((المشارق)): ((لا يخذله، ولا يظلمه)): أي: لا يترك نصره في الحقّ، ومعونته، كما قال: ((انصُر أخاك))(٣). وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: ((لا يخذله)): أي: لا يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره، وقد قال ◌َله: ((انصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً))(٤)، فقال: كيف أنصره ظالما؟ قال: ((تكفّه عن الظلم، فذلك نصره))(٥) . (وَلَا يَحْقِرُهُ) قال القاضي عياض تَخْتُ: كذا رواه السمرقنديّ، والسجزيّ بالحاء المهملة، والقاف، من الحقر: أي: لا يستصغره، ويذلّه، ويتكبر عليه، ورواه العذريّ: ((ولا يُخفِره)) بالخاء المعجمة، والفاء، وضم الياء أوّله: أي: لا يغدره، ويخونه، يقال: خَفَرت الرجل: إذا أَجَرْته، وأمّنته، وأخفرته: إذا لم تَفٍ له بذمّته، وغَدَرْته، وكذلك الخلاف في آخر الحديث: ((بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه)) على ما تقدم للرواة، والصواب أن يكون بالقاف، من الاحتقار هنا، وهو المرويّ في غير مسلم. انتهى (٦). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: و((لا يحقره)): أي: لا ينظره بعين الاستصغار، والقّة، وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكِبْر والجهل، وذلك أنه (١) ((الفتح)) ١٠ / ٤٨٢. (٢) ((تحفة الأحوذي)) ٤٦/٦، و((المصباح المنير)) ١٦٥/١. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٣١/١. (٥) ((المفهم)) ٥٣٦/٦. (٤) رواه البخاريّ. (٦) ((مشارق الأنوار)) ٢١١/١، و((إكمال المعلم)) ٣١/٨. ٣٧١ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ - حديث رقم (٦٥٢٠) لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين أنه أكبر منه، وأعظم، وذلك جَهْل بنفسه، وبحال المحتقَر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر. انتهى(١). وقال النوويّ تَخُّْ: أمّا كون المسلم أخا المسلم فسَبَق شرحه قريباً، وأمّا ((لا يخذله))، فقال العلماء: الْخَذْلُ ترك الإعانة، والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دَفْع ظالم ونحوه لزمه إعانته، إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعيّ، ((ولا يحقره)) هو بالقاف، والحاء المهملة: أي: لا يحتقره، فلا يتكبر عليه، ولا يستصغره، ويستقلّه، قال القاضي: ورواه بعضهم: ((لا يُخفره)) بضم الياء، والخاء المعجمة، والفاء: أي: لا يغدر بعهده، ولا ينقض أمانه، قال: والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير (٢) خلاف. انتهى(٢). وقوله: (التَّقْوَى) قال في ((العمدة)): حقيقة التقوى أن يَقِي العبد نفسه تعاطي ما تستحق به العقوبة، من فعل، أو ترك، وتأتي في القرآن على معان: الإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]؛ أي: التوحيد، والتوبة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٦]: أي: تابوا، والطاعة، نحو: ﴿أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]، وتَرْك المعصية، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَتُوَأْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩]: أي: ولا تعصوه، والإخلاص، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: أي: من إخلاص القلوب. [فإن قلت]: ما أصله؟. [قلت]: أصله من الوقاية، وهو فَرْط الصيانة، ومنه ((المتقي)) اسم فاعل مِن وقاه الله، فاتقى، والتقوى، والتُّقَى واحد، والواو مُبْدَلة من الياء، والتاء مبدلة من الواو؛ إذ أصله وَقْيَا، قُلبت الياء واواً، فصار وَقْوَى، ثم أبدلت من الواو تاء، فصار تقوى، وإنما أبدلت من الياء واوُ في نحو ((تقوى))، ولم تبدل في نحو ((رَيّا))؛ لأن ((ريا)) صفة، وإنما يُبدلون الياء في فَعْلَى إذا كان اسماً، (١) ((المفهم)) ٦/ ٥٣٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٦ - ١٢١. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والياء موضع اللام، كشَروَى، من شريت، وتقوى؛ لأنها من التقية، وإن كانت صفة تركوها على أصلها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذُكرت أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: يَاءٍ كَتَقْوَى غَالِباً جَا ذَا الْبَدَلْ مِنْ لَام فَعْلَى اسْماً أَتَى الْوَاوُ بَدَلْ وَكَوْنُ قُصْوَى نَادِراً لَا يَخْفَى بِالْعَكْسِ جَاءَ لَامُ فُعْلَى وَصْفَا وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قد تقدَّم أن التقوى مصدر (٢) اتَّقَى تُقَاةُ، وتَقْوى، وأن التاء فيه بدلٌ من الواو؛ لأنَّه من الوقاية، والمتّقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتّقى الطعنة بدَرَقَته، وبِتُرْسه، ومنه قوله وَله: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، ((ولو بكلمة طيبة))، متّفق عليه؛ أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا فالمتّقي شرعاً: هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزاً عن مخالفته، فإذاً أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما يَنشأ عن المعرفة بجلال الله تعالى، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه، والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محلّه الصدر، فلذلك أشار الآل إلى صدره، وقال: ((التقوى ها هنا))، والله تعالى أعلم. والتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة، وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة. والكلام في التقوى، وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلاً، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطوّلة(٣). (هَا هُنَا)))؛ أي: في هذا المكان؛ فـ((ههنا)) اسم إشارة للمكان القريب، ويشار للبعيد مع الكاف، كما قال في ((الخلاصة)): دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صَلَا وَبِهُنَا أَوْ هَا هُنَا أَشِرْ إلَى فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَا أَوْ بِهُنَالِكَ انْطِقَنْ أَوْ هِنَّا (١) ((عمدة القاري)) ١١٦/١. (٣) ((المفهم)) ٥٣٦/٦ - ٥٣٧. (٢) أي: اسم مصدر، كما لا يخفى. ٣٧٣ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ - حديث رقم (٦٥٢٠) والمعنى: أن مجرّد الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما يحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى، ومحبّته، وخشيته، ومراقبته ثَلاً. (وَيُشِيرُ) النبيّ ◌َّ عند قوله: ((ها هنا)) (إِلَى صَدْرِهِ) الشريفِ وَِّ، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي بعض النسخ: ((ثلاث مرار))، وكلاهما جمعان لمرّة، يقال: فعلت ذلك مرّةً: أي: تارةً(١) . وقوله: ((بِحَسْبِ امْرِئٍ) الباء زائدة، و((حسب)) خبر مقدّم لقوله: ((أن يحقر))، أو بالعكس، والأولَ أَولى؛ لأن ما سُبك من ((أن)) والفعل بمنزلة الضمير. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: (مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) الباء في ((بحسب)) زائدة، وهو بإسكان السين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدّمٌ، والمبتدأ: ((أن يحقر))، تقديره: حسبُ امرئ من الشرّ احتقاره أخاه؛ أي: كافيه من الشرّ ذلك، فإنَّه النصيب الأكبر، والحظّ الأوفى، ويفيد أن احتقار المسلم حرام. انتهى (٢). وقال المناويّ تَخّْلُهُ: ((بحسب امرئ من الشر)»: أي: يكفيه منه في أخلاقه، ومعاشه، ومعاده، ((أن يحقر أخاه المسلم)): أي: يُذِلّه، ويُهينه، ويَزدريه، ولا يعبأ به؛ لأن الله تعالى أحسن تقويمه، وسَخَّر ما في السموات والأرض لأجله، ومشاركةُ غيره له إنما هي بطريق التَّبَع، وسمّاه مسلماً، ومؤمناً، وعبداً، وجَعَل الأنبياء الذين هم أعظم الخلق من جنسه، فاحتقاره احتقار لِمَا عَظّمه الله تعالى، وشرّفه، ومنه أن لا يبدأه بالسلام، ولا يَرُدّه عليه؛ احتقاراً. انتهى(٣). (كُلُّ الْمُسْلِمِ) مبتدأ خبره ((حرامٌ))، وقوله: (عَلَى الْمُسْلِمِ) متعلّق بـ(حَرَامٌ)، وقوله: (دَمُّهُ) وماَ عُطف عليه بدل، أو عطف بيان لـ((كلُّ))، (وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))) بكسر العين المهملة، وسكون الراء: النفس، والحسب، يقال: نقيّ العِرْض: أي: بريء من العيب (٤). (١) ((المصباح المنير)) ٥٦٨/٢. (٢) ((المفهم)» ٦/ ٥٣٧. (٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٠٤/٢. (٣) ((فيض القدير)) ١١/٥. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقال ابن الأثير تَخْذَتُهُ: العِرْضُ: موضع المدح والذمّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه، أو في سلفه، أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه، وحَسَبه، ويحامي عنه أن يُنتقَص، ويُثْلَب، وقال ابن قتيبة: عِرْضُ الرجل نفسه، وبدنه، لا غير. انتهى (١). وقال ابن منظور كَّلُهُ بعد ذِكر ما ذكره ابن الأثير ما نصّه: وقال أبو العباس: إذا ذُكر عِرض فلان، فمعناه أموره التي يرتفع، أو يَسقط بذكرها من جهتها، بحمد، أو بذمّ، فيجوز أن تكون أموراً يوصف هو بها دون أسلافه، ويجوز أن تُذكر أسلافه؛ لتلحقه النقيصة بعيبهم، لا خلاف بين أهل اللغة فيه، إلا ما ذكره ابن قتيبة من إنكاره أن يكون العِرض الأسلاف، والآباء، واحتجّ أيضاً بقول أبي الدرداء: أَقْرِض من عِرْضك ليوم فقرك، قال: معناه: أقْرِضْ من نفسك؛ أي: مَنْ عابك، وذمّك فلا تجازِهِ، واجعله قرضاً في ذمته؛ لتستوفيه منه يوم حاجتك في القيامة، وقول الشاعر: وَأُدْرِكُ مَيْسُورَ الْغِنَى وَمَعِي عِرْضِي أي: أفعالي الجميلة، وقال النابغة: وَلَيْسَ جَاهِلُ أَمْرٍ مِثْلُ مَنْ عَلِمَا يُنْبِئْكِ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وَعَالِمُهُمْ ذو عرضهم: أشرافهم، وقيل ذو عرضهم: حَسَبهم، والدليل على أن العرض ليس بالنفس، ولا البدن، قوله: ((دمه، وعرضه))، فلو كان العرض هو النفس لكان ((دمه)) كافياً عن قوله: ((عرضه))؛ لأن الدم يراد به ذهاب النفس، ويدل على هذا قول عمر للحطيئة: فاندفعت تُغَنِّي بأعراض المسلمين، معناه: بأفعالهم، وأفعال أسلافهم. انتهى (٢). وقال المناويّ تَخْتُهُ: قوله: (كلّ المسلم)) مبتدأ، وفيه ردّ لزعم من زعم أن ((كلّ)) لا تضاف إلا إلى نكرة، وقوله: ((على المسلم حرامٌ)) خبره، وقوله: ((ماله)): أي: أخذ ماله، بنحو غَصْب، وقوله: ((وعرضه)): أي: هَتْك عرضه بلا استحقاق، وقوله: ((ودمه)): أي: إراقة دمه بلا حقّ، وأدلة تحريم هذه الثلاثة مشهورة، معروفة من الدِّين بالضرورة، وجَعَلَها كلَّ المسلم، وحقيقَتَهُ؛ لشدّة (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٠٩/٣. (٢) ((لسان العرب)) ١٧١/٧ - ١٧٢. ٣٧٥ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ ظَلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِفَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ- حديث رقم (٦٥٢٠) اضطراره إليها، فالدم فيه حياته، ومادته المال، فهو ماء الحياة الدنيا، والعِرض به قيام صورته المعنوية، واقتصر عليها؛ لأن ما سواها فَرْع عنها، وراجع إليها؛ لأنه إذا قامت الصورة البدنية والمعنوية، فلا حاجة لغيرهما، وقيامها إنما هو بتلك الثلاثة، ولكون حرمتها هي الأصل والغالب، لم يحتج لتقييدها بغير حقّ، فقوله في رواية: ((إلا بحقها))؛ إيضاحٌ وبيانٌ، وهذا حديثٌ عظيم الفوائد، كثير العوائد، مشير إلى المبادئ، والمقاصد. انتهى (١) كلام المناويّ تَخْلُ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنّف تَخْذَلهُ. (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٠/١٠ و٦٥٢١ و٦٥٢٢] (٢٥٦٤)، و(أبو داود) في («سننه)) (٢٧٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (١٢٩٨/٢)، و(أحمد) في (مسنده)) (٢٧٧/٢ و٣٦٠)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٤٢٠/١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣٠٩/٣)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٣٦/١ و١٣٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٢/٦ و٢٤٩/٨) و((شُعب الإيمان)) (٢٨١/٥ و٥٠٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، والبيع على بيع الآخر؛ لأن هذه الأشياء تورث التقاطع، والتنافر، وتقطع الصلة بين الإخوة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب أن يكون عباد الله تعالى متآخين، متحابيّن في جلال الله ثُمَاللَ . ٣ - (ومنها): بيان أن المسلم أخ لأخيه المسلم، فلا ينبغي له أن يظلمه، ولا يخذله بترك نَصْره على من ظلمه، ولا يحتقره. (١) ((فيض القدير)) ١١/٥. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٤ - (ومنها): بيان أن التقوى محلّه القلب، فينبغي العناية والاهتمام بإصلاح القلب. ٥ - (ومنها): بيان أنه لو لم يكن للمسلم شرّ سوى احتقاره لأخيه المسلم لكفاه ذلك شرّاً . ٦ - (ومنها): بيان تحريم كلّ المسلم على المسلم، دماً، ومالاً، وعرضاً، فلا يجوز التعرّض له في شيء منها بسوء. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تكثّثهُ: يستفاد من هذا الحديث صرف الهمّة إلى الاعتناء بأحوال القلب، وصفاته، بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده، وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، واتصافه بمحمودها، فإنَّه لمّا كان القلب هو محل نَظَر الله تعالى، فحقّ العالِم بقَدْر اطّلاع الله تعالى على قلبه أن يُفَتِّش عن صفات قلبه، وأحوالها؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله تعالى بسببه. ٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ نَّتُهُ أيضاً: إن الاعتناء بإصلاح القلب، وبصفاته مقدّم على الأعمال بالجوارح؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدّماً على الأعمال، وإنَّما كان كذلك؛ لأن أعمال القلوب هي المصحّحة للأعمال؛ إذ لا يصحّ عمل شرعيّ إلا من مؤمن، عالم بمن كلّفه، مُخلِصٍ له فيما يعمله، ثمَّ لا يَكمُل ذلك إلا بمراقبة الحقّ فيه، وهو الذي عَبّر عنه وَّه بالإحسان، حيث قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه))، متفق عليه، وقد تقدَّم قوله وَّ: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))، متّفقٌ عليه. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضاً: إنه لمّا كانت القلوب هي المصحّحة للأعمال الظاهرة، وأعمال القلب غيبٌ عنّا، فلا يُقطع بمغيَّب أحد لِمَا يُرَى عليه من صور أعمال الطاعة، أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله تعالى من قلبه وصفاً مذموماً، لا تصحّ معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطاً، أو معصيةً يعلم الله من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية، ويترتّب عليها عدم الغلوّ في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحةً، وعدم الاحتقار لمسلم، رأينا عليه أفعالاً ٣٧٧ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ - حديث رقم (٦٥٢٠) سيّئَةً، بل تُحْتَقَر وتُدمّ تلك الحالة السيّئة، لا تلك الذات المسيئة، فتدبّر هذا، فإنَّه نظرٌ دقيق. انتهى كلام القرطبيّ تَظْلُ وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد كتب الحافظ ابن رجب كَُّ على هذا الحديث تحقيقات مفيدة، أحببت إيرادها في مسائل تكميلاً للفوائد، ونشراً للعوائد، فقالت: (المسألة الرابعة): قال كَّلُ: قوله وَل: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يَكْذِبه، ولا يحقره)) هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصَلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذا كان المؤمنون إخوةً أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب، واجتماعها، ونُهُوا عما يوجب تنافر القلوب، واختلافها، وهذا من ذلك، وأيضاً فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفعَ، ويكفّ عنه الضرر، وهذا من أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم، وهذا لا يختص بالمسلم، بل هو محرّم في حق كل أحد. وسيأتي الكلام على الظلم مستوفّى عند ذكر حديث أبي ذر ◌ُه الإلهيّ: (يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تَظالموا ... )). ومن ذلك خِذلان المسلم لأخيه، فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه، كما قال النبيّ وَل﴾: ((انصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً))، قال: يا رسول الله أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه))، خرّجه البخاريّ بمعناه، من حديث أنس، وخرّجه مسلم بمعناه من حديث جابر، وخرّجه أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاريّ، وجابر بن عبد الله، عن النبيّ وَّم قال: ((ما من امرئ مسلم يَخذُل امرءاً مسلماً في موضع تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقص فيه من عِرضه، إلا خذله الله في موضع يحب فيه نُصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع يُنتقص فيه من عرضه، وتُنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نُصرته))(١). (١) في إسناده إسماعيل بن بشير: مجهول، كما في ((التقريب))، وحسَّنه بعضهم لشواهده، راجع: ما كُتب في هامش ((جامع العلوم)) ٢٧٤/٢. ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه نَظُه، عن النبيّ وَّ ل قال: ((من أُذلّ عنده مؤمن، فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره، أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة))(١). وخرّج البزار من حديث عمران بن حصين ◌ًّا عن النبيّ وَّ قال: ((من نصر أخاه بالغيب، وهو يستطيع، نصره الله في الدنيا والآخرة)) (٢). ومن ذلك كَذِب المسلم لأخيه، فلا يحلّ له أن يحدّثه، ويَكْذِبه، بل لا يحدّثه إلا صدقاً. عن النبيّ وفي «مسند الإمام أحمد)) عن النواس بن سمعان وَسـ قال: ((كَبُرت خيانةً أن تحدّث أخاك حديثاً، هو لك مصدِّق، وأنت به كاذب)»(٣) . ومن ذلك احتقار المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قال النبيّ وَّهُ: ((الكِبْر بَطَر الحقّ، وغَمْط الناس))، خرّجه مسلم، من حديث ابن مسعود ظه، وخرّجه الإمام أحمد، وفي رواية له: ((الكِبْر سَفَهُ الحقّ، وازدراء الناس))، وفي رواية زيادة: ((فلا يراهم شيئاً)). وغَمْط الناس: الطعن عليهم، وازدراؤهم، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنٌّ﴾ [الحجرات: ١١]، فالمتكبِّر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص، فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلاً لأن يقوم بحقوقهم، ولا أن يقبل من أحدهم الحقّ إذا أورده عليه. انتهى ما كتبه ابن رجب نَظّهُ(٤)، وهو بحثٌ مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال ابن رجب تَخْذُ أيضاً: قوله وَله: ((التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات)) فيه إشارة إلى أن كَرَم الخَلْق عند الله بالتقوى، فرُبّ من يحقره الناس؛ لِضَعفه، وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدراً (١) في سنده ابن لهيعة. (٣) في سنده عمر بن هارون، وهو متروك. (٤) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٧٣/٢ - ٢٧٥. (٢) صحيح. ٣٧٩ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ-حديث رقم (٦٥٢٠) عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإنما الناسٍ يتفاوتون بحسب التقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وسئل النبيّ ◌َّ: من أكرم الناس؟ قال: ((أتقاهم لله تعالى))(١)، وفي حديث آخر: ((الكرم التقوى))(٢). والتقوى أصلها في القلب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ اٌلْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يَطَّلع أحد على حقيقتها إلا الله تعالى، كما قال ◌َله: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم)) (٣). وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءاً من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعاً، كما في ((الصحيحين)) عن حارثة بن وهب، عن النبيّ و 18 قال: ((ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف، مستضعف، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النار، كل عُثُلّ جَوَّاظ (٤)، مستكبر))(٥). وفي ((المسند)) عن أنس، عن النبيّ وَّ قال: ((أما أهل الجنة، فكل ضعيف، مستضعف، أشعث، ذو ◌ِمْرين، لو أقسم على الله لأبره، وأما أهل النار، فكل جَعْظَرِيّ، جَوّاظ، جَمّاعٍ، منّاع، ذي تَبَع))(٦). وفي (الصحيحين)) عن أبي هريرة ظلله، عن النبيّ وَلّ قال: ((تحاججت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين، والمتجبرين، وقالت الجنة: لا (١) متفقٌ عليه. (٢) رواه الترمذيّ، وحسّنه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وصححه الألباني. (٣) رواه مسلم. (٤) ((المستضعَف)) بفتح العين، وكسرها، والفتح أشهر؛ أي: يستضعفه الناس لضعف حاله في الدنيا، و((العتُلّ)): الجافي الشديد الخصومة في الباطل، و((الجوّاظ)): هو الجَمُوعِ المَنُوعِ. (٥) متفقٌ عليه. (٦) في سنده ابن لهيعة، لكن يتقوّى بحديث حارثة المتقدّم. ٣٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب يدخلني إلا ضعفاء الناس، وسَقَطهم، فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي)). وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد، عن النبيّ وَّ و قال: ((افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة، والمتكبرون، والملوك، والأشراف، وقالت الجنة: يا رب يدخلني الضعفاء، والفقراء، والمساكين ... ))، وذكر الحديث. وفي ((صحيح البخاريّ)) عن سهل بن سعد، قال: مَرّ رجل على رسول الله وَلقر، فقال لرجل عنده جالسٍٍ: ((ما رأيك في هذا؟))، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حَرِيّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شَفَع أن يُشَفَّع، وإن قال أن يُسمَع لقوله، قال: فسكت النبيّ وَّهِ، ثم مرّ رجل آخر، فقال رسول الله وَلجر: ((ما رأيك في هذا؟)) قال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيّ إن خطب أن لا يُنكَح، وإن شَفَع أن لا يُشَفَّع، وإن قال أن لا يُسْمَع لقوله، فقال رسول وَّ: «هذا خير من مَلْء الأرض مثلُ هذا)). وقال محمد بن كعب القرظيّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( لَيْسَ خَافِضَةٌ رَافِعَةُ ( لِوَقْعِهَا كَاذِبَةُ ﴾ [الواقعة: ١ - ٣] قال: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين. انتهى كلام ابن رجب تَظُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قال ابن رجب ◌َّتُهُ أيضاً: قوله وَلقه: (بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم))؛ يعني: يكفيه من الشرّ احتقارُه أخاه المسلم، فإنه إنما يحقر أخاه المسلم لتكبّره عليه، والكِبْر من أعظم خصال الشرّ، وفي (صحيح مسلم)) عن النبيّ وَّر قال: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر))، وفيه أيضاً عنه وَّ ه: ((قال تعالى: العز إزاري، والكبرياء ردائي(٢)، فمن نازعني عذبته)). (١) ((جامع العلوم والحكم ٢٧٥/٢ - ٢٧٨. (٢) قال الجامع عفا الله عنه: كون العزّ رداءه والكبرياء إزاره مما يجب الإيمان به، =