النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
ما يريبك ... ))، وشرح حديث: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت))، شيء يتعلق
بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا .
وقد ذكر طوائف من الفقهاء من الشافعية، والحنفية، المتكلمين في
أصول الفقه مسألة الإلهام هل هو حجّة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافاً بينهم، وذكر
طائفة من أصحابنا - يعني: الحنبليّة - أن الكشف ليس بطريق إلى الأحكام،
وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذمّ المتكلمين في الوساوس،
والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك، وقد ذكرنا نصّاً عن أحمد
ههنا بالرجوع إلى حَوّاز القلوب، وإنما ذَمّ أحمد وغيره المتكلمين على
الوساوس، والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى
دليل شرعيّ، بل إلى مجرد رأي، وذوق، كما كان يُنكر الكلام في مسائل
الحلال والحرام بمجرد الرأي، من غير دليل شرعيّ، فأما الرجوع إلى الأمور
المشتبهة إلى حَوّاز القلوب، فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوي الصحابة،
فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما، وقد نَصّ على الرجوع إليه
موافقة لهم، وقد سبق الحديث: ((إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة))(١)،
فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن الكذب،
وإنكاره، كما قال الربيع بن خُثيم: إن للحديث نوراً كنور النهار، تعرفه،
وظلمةً كظلمة الليل، تُنْكره.
وخرّج الإمام أحمد من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن
سويد، عن أبي حميد، وأبي أسيد بأن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إذا سمعتم
الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم
قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني، تُنْكره قلوبكم، وتنفر عنه
أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه))، وإسناده قد
قيل: على شرط مسلم؛ لأنه خرّج بهذا الإسناد بعينه حديثاً، لكن هذا الحديث
معلول، فإنه رواه بكير بن الأشجّ عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن
سهل، عن أُبَيّ بن كعب من قوله، قال البخاريّ: هو أصح من يحيى بن آدم،
(١) حديث صحيح.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّلـ
قال: ((إذا حُدّثتم عني حديثاً تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدقوه، فإني أقول ما
يُعْرَف، ولا يُنكَر، وإذا حُدّثتم عني بحديث تنكرونه، ولا تعرفونه، فلا تصدّقوا
به، فإني لا أقول ما يُنْكَر، ولا يُعرَف))، وهذا الحديث معلول أيضاً، وقد
اختلفوا في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه، عن سعيد مرسلاً،
والمرسل أصحّ عند الأئمة الحفاظ، منهم: ابن معين، والبخاريّ، وأبو حاتم
الرازيّ، وابن خزيمة، وقال: ما رأيت أحداً من علماء الحديث يُثْبت وَصْله.
وإنما تُحمل مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل
الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبيّ ◌َّ، ولكلام غيره؛
الحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم، وكذبهم، وضبطهم،
وحفظهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاصّ في الحديث، مختصون بمعرفته، كما
يختص الصيرفيّ الحاذق بمعرفة النقود، جيِّدها، ورديئها، وخالصها، ومَشُوبها،
والجوهريّ الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكل من هؤلاء لا يمكن
أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلاً لغيره، وآية ذلك أنه يُعْرَض
الحديث الواحد على جماعة، ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون على الجواب فيه،
من غير مواطأة، وقد امتُحِن هذا منهم غير مرّة، في زمن أبي زرعة، وأبي
حاتم، فؤُجِد الأمر على ذلك، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام.
قال الأعمش: كان إبراهيم النخعيّ صيرفيّاً في الحديث، كنت أسمع من
الرجال، فَأَغْرِض عليه ما سمعته.
وقال عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفيّ
الذي ينقُد الدرهم الزائف، والبهرج، وكذا الحديث.
وقال الأوزاعيّ: كنا نسمع الحديث، فنَعْرِضه على أصحابنا، كما نَعرِض
الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا .
وقيل لعبد الرحمن بن مهديّ: إنك تقول للشيء: هذا يصحّ، وهذا لم
يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد، فأريته دراهمك، فقال:
هذا جيّد، وهذا بَهْرَج، أكنت تسأله عن ذلك، أو تُسَلّم الأمر إليه؟ قال: لا، بل
كنت أسلم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك؛ لطول المجالسة، والمناظرة، والخبرة.

٢٨٣
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
وقد رُوي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضاً، وأنه قيل له: يا أبا
عبد الله تقول: هذا الحديث منكر، فكيف علمت، ولم تكتب الحديث كله؟،
قال: مَثَلُنا كمَثَل ناقد العين، لم تقع بيده العين كلّها، فإذا وقع بيده الدينار
يعلم بأنه جيّد، أو أنه رديء.
وقال ابن مهديّ: معرفة الحديث إلهام، وقال: إنكارنا الحديث عند
الجهال كهانة.
وقال أبو حاتم الرازيّ: مَثَل معرفة الحديث، كمَثَل فَصّ ثمنه مائة دينار،
وآخر مِثْله على لونه، ثمنه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يُخبِر
بسبب نقده، فكذلك نحن رُزقنا علماً، لا يتهيأ لنا أن نُخبِر كيف عَلِمنا بأن هذا
حديث كذب، وأن هذا حديث منكر، إلا بما نعرفه، قال: ويُعْرَف جودة
الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلّف عنه في الحمرة والصفاء عُلم أنه
مغشوش، ويُعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في المائية،
والصلابة، عُلم أنه زُجاج، ويُعْلَم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون
كلاماً يصلح مثلُهُ أن يكون كلام النبوة، ويُعرف سَقَمه وإنكاره بتفرد من لم
تصحّ عدالته بروايته، والله أعلم.
وبكل حال فالجهابذة النقّاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليلٌ من أهل
الحديث جدّاً، وأول من اشتَهَر بالكلام في نقد الحديث ابن سيرين، ثم خلفه
أيوب السختيانيّ، وأخذ ذلك عنه شعبة، وأخذ عن شعبة يحيى القطان، وابن
مهديّ، وأخذ عنهما أحمد، وعليّ ابن المدينيّ، وابن معين، وأخذ عنهم مثل
البخاريّ، وأبي داود، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وكان أبو زرعة في زمانه
يقول: قَلّ من يفهم هذا، وما أعزّه، إذا دفعت هذا عن واحد واثنين، فما أقلّ
من تجد من يُخْسن هذا، ولما مات أبو زرعة قال أبو حاتم: ذهب الذي كان
يُحسن هذا - يعني: أبا زرعة - ما بقي بمصر، ولا بالعراق واحد يُحْسِن هذا،
وقيل له بعد موت أبي زرعة: تعرف اليوم أحداً يعرف هذا؟ قال: لا .
وجاء بعد هؤلاء جماعة، منهم: النسائيّ، والعُقيليّ، وابن عديّ،
والدارقطنيّ، وقلَّ من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك، حتى قال أبو
الفرج ابن الجوزيّ في أول كتابه ((الموضوعات)): قَلّ من يفهم هذا، بل عُدم،

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والله أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب ◌َُّ بطوله(١)، وهو بحث نفيسٌ،
وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي: ابْنَ صَالِحٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُغَيْرٍ،
ءِ
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَّمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا
يَمْتَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّ الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ
شَيْءٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالِثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ،
وَالِثْمُ مَا حَكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَِّعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر التميميّ، نزيل مصر، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا
الْمَسْأَلَةُ ... إلخ) قال القاضي وغيره: معناه: أنه أقام بالمدينة كالزائر، من غير
نقله إليها من وطنه لاستيطانها، وما مَنَعه من الهجرة، وهي الانتقال من
الوطن، واستيطان المدينة، إلا الرغبة في سؤال رسول الله وَ ل عن أمور الدين،
فإنه كان سَمَح بذلك الطارئين، دون المهاجرين، وكان المهاجرون يفرحون
بسؤال الغرباء الطارئين، من الأعراب، وغيرهم؛ لأنهم يُحتَمَلون في السؤال،
ويُعذرون، ويَستفيد المهاجرون الجواب، كما قال أنس رضيُه في الحديث الذي
ذكره مسلم في ((كتاب الإيمان)): ((فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل العاقل، من
أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع))، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً ...
إلخ))؛ يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي
(١) ((جامع العلوم والحكم)) للحافظ ابن رجب تخلفه ٩٥/٢ - ١٠٨.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١١/١٦.

٢٨٥
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
جاء منه، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكناً بها
مع رسول الله وَلّ، وهذا يدلّ على أن الهجرة ما كانت واجبة على كلّ من
أسلم، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، وقد بيّن عذره في كونه لم يلتزم سكنى
المدينة، وهو قوله: ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة؛ أي: الأسئلة التي كان
يسأل رسول الله وس عنها، وإنما كان ذلك؛ لأن المهاجرين، والقاطنين
بالمدينة، كانوا يكلفونه المسائل؛ لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله وَله عن
شيء، ولذلك قال: كان أحدُنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله وَلقر عن شيء،
وقد تمّم هذا المعنى أنس بن مالك ربه حيث قال: نُهينا أن نسأل
رسول الله ﴿ في القرآن عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من
أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع، وقد تقدَّم القول في ذلك. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّ(١).
والحديث من أفراد المصنّف نَّثُ وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذِتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٧] (٢٥٥٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِیفِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ
مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِم - حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا
فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا
تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاَ لَكِ))،
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٢٢.

٢٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْضَرَهُمْ
٢٢
اُلْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ
أَفَلاَ
٢٣
[محمد: ٢٢ - ٢٤]))).
(٢٤)
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) أبو رجاء
الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، أصله
من الكوفة، صحيح الكتاب، صدُوق يَهِم [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) - بضم الميم، وفتح الزاي، وتثقيل الراء
المكسورة - عبد الرحمن بن يسار، مَوْلَى بَنِي هَاشِم المدنيّ، ليس به بأس [٦]
(خ م س) تقدم في (الزكاة)) ٢٣٣٦/١٧.
٥ - (عَمُّهُ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الحباب - بضم الحاء المهملة، وموحّدتين -
المدنيّ، اختُلف في ولائه لمن هو؟ وقيل: سعيد بن مرجانة، ولا يصحّ، ثقةٌ متقنٌ
[٣] (ت١١٧) وقيل: قبلها بسنة (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦١٤/٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَّهَ ذُكر قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف دخلتُ، وهو مسلسلٌ بالمدنیین، سوی شیخیه،
فالأول بغلانيّ، والثاني مكيّ، ثم بغداديّ، وفيه أبو هريرة ظُه أحفظ من
روی الحدیث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ
الْخَلْقَ) قال القرطبيّ دَخْذُهُ: ((خَلَقَ)) هنا: بمعنى اخترع، وأصله: التقدير، كما
تقدَّم، والخَلْق هنا: بمعنى المخلوق، وأصله مصدرٌ، يقال: خَلَق يَخْلُق خَلْقاً:
إذا قَدَّر، وإذا اخترع، قال زهير [من الكامل]:

٢٨٧
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
وَلَأَنْتَ تَقْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـِضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَقْرِي
أي: تقطع ما قَدّرتَ. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]؛
أي: مخلوقه(١).
(حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ)؛ أي: قضى خَلْقهم، وأتمّه، وقال القرطبيّ: معنى
((فَرَغْ منهم)): أي: كَمّل خلقهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فَرَغْ مِن شُغْله بهم؛ إذ
ليس فعله بمباشرة، ولا بمناولة، ولا خَلْقه بآلة، ولا محاولة، تعالى عما
يتوهّمه المتوهِّمون، وسبحانه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ
فَيَكُونُ
[يس: ٨٢]. انتهى(٢).
(قَامَتِ الرَّحِمُ) - بفتح الراء، وكسر الحاء المهملة -: أي: القرابة، مشتقة
من الرحمة، وهي عَرَضٌ جعلها الله تعالى تقوم، وتتكلّم، والله ◌َلَ على كلّ
شيء قدير، فقيامها قيامٌ على الحقيقة، لا على المجاز، كما ادُّعي؛ إذ لا مانع
أن تقوم الأعراض، وتتكلّم حقيقةً، والله ◌ََّ قادر على كلّ شيء.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قامت الرحم)) يَحْتَمِل أن يكون على الحقيقة،
والأعراضُ يجوز أن تتجسد، وتتكلم بإذن الله تعالى، ويجوز أن يكون على حذف:
أي: قام مَلَك، فتكلم على لسانها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على طريق ضَرْب المَثَل،
والاستعارة، والمراد: تعظيم شأنها، وفَضْلُ واصلها، وإثم قاطعها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذه الاحتمالات سوى الأول؛
فإن ظاهر النصّ بعيد عنها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: قوله: ((قامت الرحم، فقالت ... إلخ)) هذا الكلام من
المجاز المستعمل، والاتّساع المشهور؛ إذ الرّحِم عبارة عن قرابات الرجل من
جهة طَرَفَيْ آبائه، وإن عَلَوا، وأبنائه، وإن نزلُوا، وما يتصل بالطرفين، من
الأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، والإخوة، والأخوات، ومن يتصل
بهم من أولادهم برحم جامعة، والقرابة إذاً نِسبة من النِّسَب، كالأبوّة،
والأخوّة، والعمومة، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام، والكلام، فيُحمل
هذا الكلام على التوسّع، ويمكن حَمْله على أحد وجهين، ثم ذَكَر وجهين
(١) ((المفهم)) ٥٢٤/٦.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٤/٦.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
سخيفين، لا ينبغي أن أشتغل بذكرهما، بل أقول: الحديث ظاهر المعنى، لا
يحتاج إلى هذه التكلّفات، فمن الذي أحال كلام الرحم؟ فالذي أنطق الجسم
العاقل قادر على جعل المعاني أجساماً تتكلّم، بل ثبت لدينا بالنصوص
الصحيحة كلام الجمادات، كحنين الجِذْع، وتسبيح الحصى، وتسبيح الطعام،
وهو يؤكل، فالله ◌َُّلَ على كلّ شيء قدير، فدعوى الاستحالة باطلة، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ هنا قوله: ((فأخذت، فقال له: مه(١)))،
قال في ((الفتح)): قوله: ((فأخذت)) كذا للأكثر بحذف مفعول ((أخذت))، وفي
رواية ابن السكن: ((فأخذت بحقو الرحمن))، وفي رواية الطبريّ: بحقوي
الرحمن بالتثنية، قال القابسي: أبى أبو زيد المروزيّ أن يقرأ لنا هذا الحرف؛
الإشكاله، ومشى بعض الشراح على الحذف، فقال: أخذت بقائمة من قوائم
العرش، وقال عياض: الحَقْو مَعْقِد الإزار، وهو الموضع الذي يُستجار به،
ويحتزم به على عادة العرب؛ لأنه مِن أحقّ ما يُحامَى عنه، ويُدفَع، كما قالوا:
نمنعه مما نمنع منه أُزُرنا، فاستعير ذلك مجازاً للرحم في استعاذتها بالله من
القطيعة. انتهى.
وقد يُطلق الحقو على الإزار نفسه، كما في حديث أم عطية ضدثا:
((فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه))؛ يعني: إزاره، وهو المراد هنا، وهو
الذي جَرَت العادة بالتمسك به عند الإلحاح في الاستجارة، والطلب، والمعنى
على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة.
قال الطيبيّ: هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية، كأنه شبَّه حالة
الرحم، وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة، والذب عنها بحالٍ مستجير،
(١) قوله: ((فقال له: مه)) هو اسم فعل معناه الزجر: أي اكفُفْ، وقال ابن مالك: هي
هنا ((ما)) الاستفهامية، حُذفت أَلِفِها، ووقف عليها بهاء السكت، والشائع أن لا
يُفْعَل ذلك إلا وهي مجرورة، لكن قد سُمع مثل ذلك، فجاء عن أبي ذؤيب الْهُذَليّ
قال: قَدِمت المدينة، ولأهلها ضجيج بالبكاء؛ كضجيج الحجيج، فقلت: مه،
فقالوا: قُبِض رسول الله وَّر. انتهى. ((الفتح)) ١٠/ ٥٩٥.

٢٨٩
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم
للمشبَّه به، من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رُشِّحت
الاستعارة بالقول، والأخذ، ويلفظ الحقو، فهو استعارة أخرى، والتثنية فيه
للتأكيد؛ لأن الأخذ باليدين آكَد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي عياض، والطيبيّ من أن
الكلام من باب المجاز، لا من الحقيقة غير مقبول؛ بل الجواب أن نؤمن بما
جاء عن رسول الله وَله، ونُثْبته على مراد الله تعالى.
وقد كتب بعض المحقّقين(١) على هامش ((الفتح)) في هذا المكان كلاماً
حسناً، فقال: ومن خير ما يقال في هذا المقام قول الشافعيّ تَّتُهُ: آمنت
بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن
رسول الله على مراد رسول الله وَ﴿، وقول شيخ الإسلام كَّتُهُ في ((نقض
التأسيس)) (١٢٧/٣): ((هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي
نصّ الأئمّة على أنه يُمرّ كما جاء، ورَدّوا على من نفى موجبه)). انتهى.
وخلاصة القول: أن الواجب على العاقل تجاه آيات الصفات، وأحاديثه
أن يُمِرّها، كما جاءت، ويُثبتها على ظواهرها، وينزّه الله رَ عن التشبيه، إثباتاً
بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تحريف، ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ثم رأيت لابن أبي جمرة كَّتُهُ كلاماً أعجبني، قال رَّتُهُ: قوله: ((قامت
الرحم، فقالت)): يَحْتَمِل أن يكون بلسان الحال، ويَحْتَمِل أن يكون بلسان
القال، قولان مشهوران، والثاني أرجح، وعلى الثاني فهل تتكلم كما هي، أو
يخلق الله لها عند كلامها حياةً، وعقلاً؟ قولان أيضاً مشهوران، والأول
أرجح؛ لصلاحية القدرة العامّة لذلك، ولِمَا في الأَوَّلَين من تخصيص عموم
لفظ القرآن والحديث بغير دليل، ولِمَا يلزم منه من حصر قدرة القادر التي لا
(١) هو: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
يحصرها شيء. انتهى كلام ابن أبي جمرة كَظُّهُ(١)، وهو كلام نفيسٌ ينبغي أن
يُكتب بماء الذهب، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَت) الرحم: (هَذَا مَقَامُ)؛ أي: مكان (الْعَائِذِ) بالذال المعجمة: أي:
المستجير، والمعتصم بك(٢)، (مِنَ الْقَطِيعَةِ)؛ أي: أن يُقطع.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) هذه الإشارة
إلى المقام؛ أي: قيامي في هذا مقام العائذ بك، ووقع في رواية الطبريّ: ((هذا
مقام عائذٍ من القطيعة))، والعائذ: المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء، المستجير
(٣)
به. انتھی
(قَالَ) الله رَى: (نَعَمْ)؛ أي: هذا مقام العائذ بي، فـ((نعم)) حرف إيجاب
مقرّرٌ لِمَا سَبَق، استفهاماً كان، أو خبراً. (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم:
أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ ((ألا))، والهمزة للاستفهام، على سبيل التقرير لِمَا
بعد ((لا)) النافية(٤). (تَرْضَيْنَ) خطاب للرحم، (أَنْ) مصدريّة، (أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ)
بأن أعْطِف عليه، وأحسن إليه، فهو كناية عن عظيم إحسانه، (وَأَقْطَعَ مَنْ
قَطَعَكِ؟) فلا أعْطِفُ عليه، فهو كناية عن حرمان إنعامه، وامتنانه(٥) .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل: إنه كناية، والظاهر أن هذا من باب
تأويل صفة الوصل، وفيه نَظَر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) الرحم: (بَلَى)؛ أي: رضيت به، (قَالَ) الله رَتْ، وقوله: (فَذَاكَ
لَكِ))) بكسر الكاف فيهما، وهو إشارةٌ إلى قوله: ((ألا ترضين أن أصل من
وصلك، وأقطع من قطعك؟))؛ أي: ذاك حصل لك.
وصلةُ الرحم بالمال ونحو عَوْن على حاجة، ودَفْع ضرر، وطلاقة وجه،
ودعاء، والمعنى الجامع لها: إيصال الممكن من خير، ودَفْع الممكن من شرّ،
وهذا إنما يطّرد إن استقام أهل الرحم، فإن كفروا، وفَخَروا، فقطيعتهم في الله
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤١٧.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٩/ ١٧٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٩٥/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٣٠).
(٤) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٣٤/٢.
(٥) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٣٤/٢.

٢٩١
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَّةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
صِلَتُهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ومن ثَمَّ قَتَل أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن
الجرّاح أباه يوم بدر كافراً؛ غضباً لله، ونصرة لدينه(١).
وخلاصة القول: أن مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكّد صلة الرحم، فإنها
قد استجارت بالله ، فأجارها، وأدخلها في ذمته، وخفارته، وإذا كان
كذلك، فجار الله تعالى غير مخذول، وعهده غير منقوض، ولذلك قال مخاطباً
لها: ((أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟)) وهذا كما قال له:
((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنّكم الله من ذمته بشيء، فإنَّه من
يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبّه على وجهه في نار جهنّم))(٢)، رواه مسلم،
والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:) هكذا في رواية حاتم بن إسماعيل عند الشيخين
مرفوعاً، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ بلفظ: ((قال أبو هريرة:
اقرؤوا إن شئتم))، موقوفاً، ووافق حاتماً على رَفْعه ابنُ المبارك عند
.(٣)
البخاري
.
((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ) مصداق هذا الحديث، (﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾) مفعول
(اقرؤوا)) محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، وقرأه نافع بكسر السين، والباقون بالفتح، وقد
حَكَى عبد الله بن المغفَّل أنه سمع رسول الله وَل يقرؤها بكسر السين(٤)،
وإلى هذين الضبطين مع اختيار الفتح أشار ابن مالك تَخْثُ في ((الخلاصة))
حیث قال:
وَالْفَتْحَ وَالْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ نَحْوِ ((عَسِيتُ)) وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ
وقال القرطبيّ تَخُّْ: ((عسى)): من أفعال المقاربة، ويكون رجاء،
وتحقيقاً، قال الجوهريّ: ((عسى)) من الله واجبة في جميع القرآن، إلا قوله
تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وإذا اتصل
بعسى ضمير فاعل، كان فيها لغتان: فتح السين، وكسرها، وقُرئ بهما.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٣٤/٢.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٥٢٥.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١٩.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٤٩٦/١٠.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(﴿إِن تَلَيْتُمْ﴾) قال في ((الفتح)): اختلف في تأويله، فالأكثر على أنها من
الولاية، والمعنى: إن وُلُّيتم الحكمَ، وقيل: بمعنى الإعراض، والمعنى: لعلكم
إن أعرضتم عن قبول الحقّ أن يقع منكم ما ذُكِر، والأول أشهر، ويَشهد له ما
أخرجه الطبري في ((تهذيبه)) من حديث عبد الله بن مغفّل، قال: سمعت
النبيّ ◌َّ﴿ يقول: ((﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [ محمد: ٢٢]
قال: هم هذا الحيّ من قريش، أخذ الله عليهم إن وُلُّوا الناسَ أن لا يفسدوا
في الأرض، ولا يقطّعوا أرحامهم)) (١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَخْتُ: اختلف في معنى ((إن توليتم))،
فقيل: هو من الولاية، قال أبو العالية: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الحكمَ،
فجُعِلتم حُكّاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا؟ وقال الكلبيّ: أي: فهل
عسيتم إن توليتم أمر الأمّة أن تفسدوا في الأرض بالظلم؟ وقال ابن جريج:
المعنى: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي،
وقَطْع الأرحام؟ وقال كعب: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يَقتُل
بعضكم بعضاً؟
وقيل: من الإعراض عن الشيء، قال قتادة: أي: فهل عسيتم إن توليتم
عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم؟
وقيل: ((فهل عسيتم))؛ أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم
أحكامه، أن تفسدوا في الأرض، فتعودوا إلى جاهليتكم؟
وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحرورية، والخوارج، وفيه بُعد،
والأظهر أنه إنما عُني بها المنافقون، وقال ابن حيان: قريش، ونحوه قال
المسيب بن شريك، والفراء، قالا: نزلت في بني أمية، وبني هاشم، ودليل
هذا التأويل ما رَوَى عبد الله بن مغفّل، قال: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((﴿فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ [محمد: ٢٢]، ثم قال: هم هذا الحيّ من
قريش، أخذ الله عليهم إن وُلَّوا الناس ألا يفسدوا في الأرض، ولا يقطّعوا
أرحامهم».
(١) ((الفتح)) ٥٩٦/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٣٠).

٢٩٣
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِیمِ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
وقرأ عليّ بن أبي طالب: ((إن تُؤُلِّتم أن تفسدوا في الأرض)) بضم التاء
والواو، وكسر اللام، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رُوَيس عن يعقوب،
يقول: إن وليتكم ولاةً جائرةً خرجتم معهم في الفتنة، وحاربتموهم. انتهى(١).
(﴿أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾) بالبغي، والظلم، والقتل، وقرأ
يعقوب، وسلام، وعيسى، وأبو حاتم: ((وتَقْطعوا)) بفتح التاء، وتخفيف القاف،
من القطع، اعتباراً بقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِةٍ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة:
٢٧]، وروى هذه القراءة هارون، عن أبي عمرو، وقرأ الحسن: ((وتَقَطَّعوا))
مفتوحة الحروف مشدّدة، اعتباراً بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾
[الأنبياء: ٩٣]، والباقون: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾ بضم التاء، مشدّدة الطاء، من التقطيع على
التكثير، وهو اختيار أبي عبيد(٢).
(﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ﴾)؛ أي: طردهم، وأبعدهم من رحمته،
(﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾) عن الحقّ (﴿وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾)؛ أي: قلوبهم عن الخير، فأتْبَع
الإخبار بأن من فعل ذلك حقّت عليه لَعْنته، وسَلَبه الانتفاع بسمعه، وبصره،
حتى لا ينقاد للحقّ، وإن سَمِعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل، وقال: ﴿فَهَلْ
عَسَيْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ﴾، فرجع من الخطاب إلى الغَيْبة على
عادة العرب في ذلك(٣).
(﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾)؛ أي: يتفهمونه، فيَعْلَمون ما أَعَدَّ اللهُ للذين لم
يتولوا عن الإسلام، (﴿أَمْ عَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآَ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]»)؛ أي: بل على
قلوب أقفال، أقفلها الله ◌َك عليهم، فهم لا يعقلون، وهذا يَرُدّ على القدرية،
والإمامية مذهبهم، وفي حديث مرفوع أن النبيّ وَّ قال: ((إن عليها أقفالاً
كأقفال الحديد، حتى يكون الله يفتحها))، وأصل القفل: الْيُبْس والصلابة،
ويقال لما يَبِس من الشجر: القَفْل، والقَفِيل مثله، والقفيل أيضاً نَبْت، والقفيل:
الصوت، فالأقفال ههنا إشارة إلى ارتتاج القلب، وخلوّه عن الإيمان؛ أي:
لا يدخل قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله تعالى طَبَع على
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٤٥/١٦ - ٢٤٦.
(٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٤٦/١٦.
(٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٤٦/١٦.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
قلوبهم، وقال: ﴿عَلَى قُلُوبٍ﴾؛ لأنه لو قال: على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم
في هذه الجملة، والمراد: أم على قلوب هؤلاء، وقلوب من كانوا بهذه الصفة
أقفالها(١) .
وقال أبو السعود تَخْذَلُهُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ...
إلخ بطريق الالتفات لتأكيد التوبيخ، وتشديد التقريع؛ أي: هل يُتوقع منكم ﴿إِن
تَوَيْتُمْ﴾ أمورَ الناس، وتأمّرتم عليهم ﴿أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾
تناحُراً على المُلْك، وتهالكاً على الدنيا، فإن مَن شاهد أحوالكم الدالة على
الضَّعف في الدين، والحرص على الدنيا، حين أُمرتم بالجهاد الذي هو عبارة
عن إحراز كلّ خير وصلاح، ودَفْع كل شرّ وفساد، وأنتم مأمورون شأنكم
الطاعة، والقول المعروف، يَتوقَّع منكم إذا أُطلقت أَعِنتكم، وصرتم آمرين، ما
ذُكِر من الإفساد، وقَطْع الأرحام.
وقيل: إن أعرضتم عن الإسلام، أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في
الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور، والتناهب، وقطع الأرحام بمقاتلة
بعض الأقارب بعضاً، ووأد البنات، وفيه أن الواقع في حَيِّز الشرط في مِثْل
هذا المقام لا بدّ أن تكون محذوريته باعتبار ما يستتبعه من المفاسد، لا باعتبار
ذاته، ولا ريب في أن الإعراض عن الإسلام رأس كل شرّ وفساد، فحقه أن
يُجعل عمدة في التوبيخ، لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد.
وقرئ: ((وُلِّيتم)) على البناء للمفعول؛ أي: جُعلتم وُلاةً، وقرئ:
(تُؤُلِّيتم)؛ أي: تولاكم ولاة جَوْر خرجتم معهم، وساعدتموهم في الإفساد،
وقطيعة الرحم، وقرئ: ((وتَقَطّعوا)) من التقطع، بحذف إحدى التاءين، فانتصاب
﴿أَرْحَامَكُمْ﴾ حينئذ على نزع الجارّ؛ أي: في أرحامكم، وقرئ: ((وتَقْطَعوا)) من
القطع .
وإلحاق الضمير بـ(عسى)) لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون:
عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا .
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٤٦/١٦ - ٢٤٧.

٢٩٥
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارة إلى المخاطَبين بطريق الالتفات إيذاناً بأنّ ذِكر هَنّاتهم
أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم اللفظية لغيرهم، وهو
مبتدأ خبره: ﴿الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿فَأَصَّمَّهُمْ﴾ عن
استماع الحقّ؛ لتصامّهم عنه بسوء اختيارهم، ﴿وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ﴾ لتعاميهم عما
يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس، والآفاق. ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ﴾؛
أي: ألا يلاحظونه، ولا يتصفحونه، وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا
يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فلا يكاد يَصِل إليها
ذِكر أصلاً، و((أم)) منقطعة، وما فيها من معنى ((بل)) للانتقال من التوبيخ بعدم
التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة
للتقرير، وتنكير القلوب؛ إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإيهام أمرها في
القساوة، والجهالة، كأنه قيل: على قلوب مُنكَرة، لا يُعرف حالها، ولا يقادر
قَدْرها في القساوة، وإما لأن المراد بها قلوب بعضٍ منهم، وهم المنافقون،
وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها، غير
مجانسة لسائر الأقفال المعهودة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
، هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٩٧/٦] (٢٥٥٤)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٨٣١ و٤٨٣٢) و((الأدب)) (٥٩٨٧) و((التوحيد)) (٧٥٠٢) وفي ((الأدب المفرد)»
(٥٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٦١/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٠/٢)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٤١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٧٨/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٧) و(«شُعَب الإيمان)) (٢١٤/٦)، و(البغويّ) في
(شرح السُّنَّة)) (٣٤٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((تفسير أبي السعود)» ٩٨/٨ - ٩٩.

٢٩٦
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
١ - (منها): بيان وجوب صلة الرحم، وتحريم قَطْعها.
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ المفسّر تََّثُهُ: ظاهر الآية أنها خطاب
لجميع الكفار، وقال قتادة وغيره: معنى الآية: فلعلكم، أو يُخاف عليكم، إن
أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء، قال
قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى؟ ألم يسفكوا الدماء
الحرام، ويقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟
فالرَّحِم على هذا رَحِم دين الإسلام والإيمان، التي قد سمّاها الله إخوة
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وعلى قول الفراء: إن الآية نزلت في بني هاشم، وبني أمية، والمراد من
أضمر منهم نفاقاً، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبيّ وَّ من
القرابة بتكذيبهم النبيّ وَطّة، وذلك يوجب القتال.
وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رَحِم الدين،
ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله، ونُصرتهم، والنصيحة،
وترك مضارّتهم، والعدل بينهم، والنَّصَفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم
الواجبة؛ كتمريض المرضى، وحقوق الموتى، مِن غَسْلهم، والصلاة عليهم،
ودَفْنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم.
وأما الرَّحِمُ الخاصة، وهي رَحِمُ القرابة من طَرَفَي الرجل: أبيه، وأمه،
فتجب لهم الحقوق الخاصة، وزيادة، كالنفقة، وتفقّد أحوالهم، وترْك التغافل
عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة،
حتى إذا تزاحمت الحقوق بُدئ بالأقرب فالأقرب.
وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صِلَتها هي كل رحم مَحْرم،
وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم
ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرماً كان أو غير
محرم، فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يُتوارث بها لا تجب صلتهم، ولا
يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله، ويعمّه الرحم
تجب صلته على كل حال: قرابة، ودينية، على ما ذكرناه أولاً، والله أعلم.
وقد روى أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) قال: حدّثنا شعبة، قال:

٢٩٧
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٧)
أخبرني محمد بن عبد الجبار، قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظيّ يحدث عن
أبي هريرة ، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن للرحم لساناً يوم
القيامة، تحت العرش، يقول: يا رب قُطعت، يا رب ظُلمت، يا رب أُسيء
إليّ، فيجيبها ربها: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك)).
وفي ((صحيح مسلم)) عن جبير بن مُظْعِم عن النبيّ وَّ قال: ((لا يدخل
الجنة قاطع))، قال سفيان: يعني: قاطع رحم. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض كَُّهُ: لا خلاف أن صلة الرحم
واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة، قال: والأحاديث في الباب تشهد
لهذا، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجَرة،
وَصِلَتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة، والحاجة،
فمنها واجب، ومنها مستحبّ، لو وصل بعض الصلة، ولم يَصِلْ غايتها، لا
يسمى قاطعاً، ولو قَصّر عما يقدر عليه، وينبغي له، لا يسمى واصلاً.
(٢)
انتھی
.
٤ - (ومنها): ما قاله عياض أيضاً: اختلفوا في حدّ الرحم التي تجب
صلتها، فقيل: هو كل رحم محرم، بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى
حَرُمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام، ولا أولاد الأخوال،
واحتَجّ هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها في النكاح
ونحوه، وجواز ذلك في بنات الأعمام، والأخوال، وقيل: هو عامّ في كل
رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي المحرم وغيره، ويدل عليه
قوله وَ﴾: ((ثم أدناك، أدناك)).
قال النوويّ - بعد نقل كلام عياض هذا -: وهذا القول الثاني هو
الصواب، ومما يدل عليه الحديث السابق في أهل مصر: ((فإن لهم ذمّةً،
ورَحِماً))، وحديث: ((إن أبرّ البرّ أن يصل أهل وُدّ أبيه))، مع أنه لا محرمية.
(٣)
انتهى١٢".
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٤٧/١٦ - ٢٤٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٦.
(٢) (شرح النوويّ)) ١١٣/١٦.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من تصويب القول الثاني
هو الحقّ، لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٨] (٢٥٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
- وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ
بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) - بضمّ الراء - المدنيّ، أبو رَوح، مولى آل الزبير،
ثقةٌ [٥] (ت١٣٠) وروايته عن أبي هريرة مرسلة (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٩٤٨/٥٧.
٣ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من معاوية بن
أبي مزرّد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه
عائشة ينا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌ُؤْتَّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((الرَّحِمُ)
بفتح الراء، وكسر الحاء المهملة، قال الفيّوميّ تَخْثُهُ: ((الرَّحِمُ)): موضع تكوين
الولد، ويخفف بسكون الحاء، مع فتح الراء، ومع كسرها أيضاً، في لغة بني

٢٩٩
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٤٩٨)
كلاب، وفي لغة لهم تُكْسَر الحاء؛ إتباعاً لكسرة الراء، ثم سُمِّيت القرابة،
والوُصْلة من جهة الولاء رَحِماً، فَالرَّحِمُ: خلاف الأجنبيّ، والرَّحِمُ: أنثى في
المعنَبَيْن، وقيل: مذكّر، وهو الأكثر في القرابة. انتهى(١).
(مُعَلَّقَةٌ) اسم مفعول من التعليق، (بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي) بالإحسان إليّ
(وَصَلَهُ اللهُ) بِصِلته العظيمة التي لا يقدر قدرها، ولا منتهى لغايتها، (وَمَنْ قَطَعَنِي)
بالإساءة إليّ (قَطَعَهُ اللهُ) جزاء عمله جزاءً وفاقاً؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
وقال ابن أبي جمرة: الوصل من الله: كناية عن عظيم إحسانه، وإنما
خاطب الناس بما يفهمون، ولمّا كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال،
وهو القرب منه، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه، وكانت حقيقة
ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عُرِف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده،
قال: وكذا القول في القطع، هو كناية عن حرمان الإحسان. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره ابن أبي جمرة مخالف
لِمَا سبق له من التحقيق، وقد تعقّبه بعض المحقّقين فيما قاله هنا، فقال: قوله:
الوصل كناية عن عظيم إحسانه ... إلخ هذا كلام متناقض، فقد أثبت أن
الوصل كناية عن الإحسان، ونفى أن يكون منه قُرْب الله من عبده، وإسعافه بما
يريد، ومساعدته على ما يُرضيه، وزعم أن ذلك مستحيل في حقّ الله تعالى،
وهذه الأنواع من أعظم أنواع الإحسان التي يُكْرِمِ الله بها أولياءه، كما في
حديث الوليّ، يقول الله تعالى: ((ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى
أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي
يَبْطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني
لأعيذنّه ... )) الحديث، رواه البخاريّ.
وقال أيضاً: الوصل من الله رَك لمن يصل رحمه يدلّ على أن الجزاء من
جنس العمل، وهذه سنّة الله ◌َ في جزائه ثواباً وعقاباً، والوصل من الله تعالى
يكون بما شاء - مما يدخل في معنى الوصل اللائق به -، وكلّها تدخل في
الإحسان، وهو ◌َّ يُحسن إلى المحسنين بمحبّته، وتقريبه، وبأنواع المنافع،
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١.
(٢) (بهجة النفوس)) ١٤٦/٤.

٣٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والمحبوبات، قال تعالى: ﴿وَأَحِْنُوْاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال
في الحديث القدسيّ: ((وإن تقرّب إليّ شبراً، تقربت إليه ذراعاً))، وقال تعالى:
[الرحمن: ٦٠]، وقَصْر معنى الوصل من الله
٦٠
﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَانُ
تعالى على بعض أنواعه تقييد، وتخصيص بغير حجة. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة خِّنا هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٩٨/٦] (٢٥٥٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب))
(٥٩٨٩)، ولفظه: ((عن النبيّ ◌َّ قال: الرحم شِجنة، فمن وصلها وصلته،
ومن قطعها قطعته))، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٦/٨)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (١٥٨/٤ - ١٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٧)، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث بلفظ: ((الرحم شِجنة، فمن
وصلها وصلته ... )) الحديث.
وقوله: ((شُجْنة)) بضم الشين، وكسرها، وحُكي فيه الفتح أيضاً، ومعناه:
قرابةٌ مُشتبِكةٌ، كاشتباك العُروق والأغصان، وأصل ذلك: الشجر الْمُلْتَفّ عروقه
وأغصانه، ومنه قولهم: الحديث شُجُون: أي: يتداخل، ويُمسك بعضه بعضاً،
ويجرّ بعضه إلى بعض، قاله في ((المشارق))(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َلْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٩] (٢٥٥٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ))، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُّفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ).
(١) راجع: ما كتبه الشيخ البرّاك على هامش ((الفتح)) ٥٢٠/١٣ رقم (٥٩٨٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٤٥/٢ - ٢٤٦.