النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٤) - بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمّ، وَنَحْوِهِمَا - حديث رقم (٦٤٩٢)
وقال ابن أبي حاتم تَّلُهُ: الوليد بن أبي الوليد، مولى عبد الله بن عمر،
أبو عثمان المدنيّ، ويقال: مولى لآل عثمان بن عفان، روى عن ابن عمر،
وعثمان بن عبد الله بن سُراقة، وعبد الله بن دينار، وعقبة بن مسلم، روى عنه
بكير بن الأشجّ، وابن الهاد، والليث بن سعد، وحيوة بن شُريح، سمعت أبي
يقول ذلك. نا عبد الرحمن، قال: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: ثقة، قال أبو
محمد: جعله البخاريّ اسمين، فسمعت أبي يقول: هو واحد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن الوليد بن أبي الوليد المترجم
هنا ثقة، فقد وثّقه أبو زرعة، وابن معين(٢)، والعجليّ(٣)، ويعقوب بن
سفيان(٤)، وروى عنه جماعة، وأخرج له مسلم، ووثقه أيضاً الذهبيّ في
((الكاشف))، ونصّه: الوليد بن أبي الوليد عثمان، عن ابن عمر، وجابر، وعنه
يحيى بن أيوب، والليث، ثقةٌ مصريّ (م ٤). انتهى(٥) .
وأيضاً لم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عليه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن
الهادي عن عبد الله بن دينار، كما في الرواية التالية.
فاتّضح بهذا أن قوله في ((التقريب)): ليّن الحديث، ليس مما يلتفت إليه،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى
ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٠.
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٩/٩.
(٢) قال عبّاس الدُّوريّ عن يحيى بن معين: الوليد بن أبي الوليد ثقة، يروي عنه أهل
مصر. انتهى. ((تاريخ ابن معين)) ٦٣٤/٢.
(٣) قال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، نقله د. بشار عن ((ثقات العجليّ)) في هامش
(تهذيب الكمال)) ١٠٨/٣١.
(٤) قال يعقوب بن سفيان: حدّثنا ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن الوليد بن
أبي الوليد، مصريّ ثقة. انتهى. ((المعرفة)) ٤٥٨/٢.
(٥) ((الكاشف)) ٣٥٦/٢.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿ّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من
رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الرابعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بِّهَا؛ (أَنَّ رَجُلاً) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه،
ولا أباه الوادّ لعمر رَُّهُ(١). (مِنَ الأَعْرَابِ) قال الفيّومِيّ تَقْتُ: الأَعْرَابُ
بالفتح: أهل البدو من العرب، الواحد أَعْرَابِيٍّ بالفتح أيضاً، وهو الذي يكون
صاحب نُجْعَة وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواءٌ كان من العرب، أو
من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَن بِظَعْنهم فهم أَغْرَابٌ،
ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدن والقرى العربية، وغيرها، ممن ينتمي
إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمّوا عَرباً؛ لأن
البلاد التي سكنوها تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ هم الذين تكلموا
بلسان يعرب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ هم الذين
تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - وهي لغات
الحجاز، وما والاها. انتهى(٢).
(لَقِيَهُ) بكسر القاف؛ أي: لقي ابن عمر (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ)؛ أي:
على الرجل (عَبْدُ اللهِ) مرفوع على الفاعليّة، (وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ) ابن
عمر، وفي الرواية التالية: ((كان إذا خرج إلى مكّة كان له حمار يتروّح عليه إذا
ملّ ركوب الراحلة)). (وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ) عبد الله (بْنُ
دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ) وفي الرواية التالية: ((فقال له بعض أصحابه:
غفر الله لك))، (إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ) وفي الرواية التالية:
((أعطيت هذا الأعرابيّ حماراً كنت تروّح عليه، وعمامة تشُدّ بها رأسك))، (فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﴿ه: (إِنَّ أَبَا هَذَا)؛ أي: إنما فعلت هذا؛ لأن أبا هذا
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٤٢٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٠/٢.

٢٦٣
(٤) - بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمّ، وَنَحْوِهِمَا - حديث رقم (٦٤٩٢)
الأعرابيّ (كَانَ وُدّاً) قال القاضي عياض: رويناه بضمّ الواو، وكسرها: أي:
صديقاً من أهل مودّته، وهي محبّته (١). (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رَبِهِ (وَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ) هو بتقدير ((من))؛ أي: مِن أبرّ البرّ، كما
صرّح بها في الرواية التالية، (صِلَّةُ) بكسر الصاد المهملة: أي: وَصْل (الْوَلَدِ
أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ))) الوُدّ هنا مضموم الواو، قال المناويّ كَّتُهُ: البرّ هو الإحسان،
وأبرّ البرّ: أحسنه، وأفضله، وأبر البرّ من قبيل جَلّ جلالُهُ، وجَدّ جدُّهُ، جُعِل
الجلالُ جليلاً، وأُسند الفعل إليه، وجُعل الجدّ جادّاً، وأُسند الفعل إليه، وجُعل
البرّ بارّاً، ويبنى منه أفعل التفضيل، وكذا كلُّ ما هو من هذا القبيل، نحو أفضل
الفضل، وأفجر الفجور، وكون ذلك من البرّ؛ لأن الولد إذا وَصَل وُدّ أبيه
اقتضى ذلك الترحم عليه، والثناء الجميل، فتصل إلى روحه راحة بعد زوال
المشاهدة المستوجبة للحياء، وذلك أشدّ من كونه بارّاً في حياته. انتهى(٢).
وقال المناويّ أيضاً في موضع آخر: قوله: ((إن أبرّ البرّ))، وفي رواية:
((من أبرّ البرّ)): أي: الإحسان، جعل البرّ بارّاً ببناء أفعل التفضيل منه، وإضافته
إليه مجازاً، والمراد منه: أفضل البرّ، فأفعل التفضيل للزيادة المطلقة، قال
الأكمل: أبر البرّ من قبيل جَلّ جلالُهُ، وجدّ جدُّه، بجعل الجدّ جادّاً وإسناد
الفعل إليه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ظه
المصنّف تَخْذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٩٢/٤ و٦٤٩٣ و٦٤٩٤] (٢٥٥٢)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٤٣)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٠٣)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩١/٢ و٩٧
و١١١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨٣/٧)، و(عبد بن حُميد) في
(١) (شرح النوويّ)) ١٠٩/١٦.
(٢) ((فيض القدير)) ٦/٦.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
((مسنده)) (٢٥٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٣٠ و٤٣٣١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٨٠/٤) و((شُعَب الإيمان)) (٢٠٠/٦)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٤٤٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٥٩/٣١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم،
وهو متضمّن لبرّ الأب، وإكرامه؛ لكونه بسببه، قال النوويّ رَّتُهُ: ويلتحق به
أصدقاء الأم، والأجداد، والمشايخ، والزوج، والزوجة، وقد سبقت الأحاديث
في إكرامه ◌َّ خلائل خديجة رضيها(١).
٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ كَّثُ: إنما جعله أبرّ البرّ، أو من
أبرّه؛ لأن الوفاء بحقوق الوالدين والأصحاب بعد موتهم أبلغ؛ لأن الحيّ
يُجَامَلُ، والميت لا يُستحْيَى منه، ولا يجامَل، إلا بحسن العهد.
ويَحْتَمِل أن أصدقاء الأب كانوا مكفيين في حياته بإحسانه، وانقطع
بموته، فأمر بنيه أن يقوموا مقامه فيه، وإنما كان هذا أبرّ البرّ؛ لاقتضائه
الترحم، والثناء على أبيه، فيَصِل لروحه راحة بعد زوال المشاهدة المستوجبة
للحياة، وذلك أشدّ من برّه له في حياته، وكذا بعد غيبته، فإنه إذا لم يظهر له
شيء يوجب ترك المودّة، فكأنه حاضر، فيبقى ودّه كما كان، وكذا بعد المعاداة
رجاء عود المودّة، وزوال الوحشة، وإطلاق التولية على جميع هذه الأشياء إما
حقيقةٌ، فيكون من عموم المشترك، أو من التواطؤ، أو بعضها، فيكون من
الجمع بين الحقيقة والمجاز، ونبّه بالأب على بقية الأصول، وقياس تقديم
الشارع الأمّ في البرّ كون وصل أهل ودّها أقدم، وأهمّ.
ومن البيّن أن الكلام في أصلٍ مسلم، أما غيره فيظهر أنه أجنبيّ من هذا
المقام، نعم إن كان حيّاً ورجا ببر أصدقائهَ تألّفه للإسلام، تأكَّد وَصْله.
وفي معنى الأصول: الزوجة، فقد كان النبيّ ◌َ * يَصِل صويحبات
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١٦ - ١١٠.

٢٦٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ صِلَةٍ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمّ، وَنَحْوِهِمَا - حديث رقم (٦٤٩٣ - ٦٤٩٤)
خديجة ◌ّا بعد موتها، قائلاً: ((إنّ حُسن العهد من الإيمان))، وألحق بعضهم
بالأب الشيخ، ونحوه. انتهى(١).
٣ - (ومنها): بيان أن برّ الوالدين لا ينقطع بموتهما.
٤ - (ومنها): بيان فضل عبد الله بن عمر ﴿يا حيث كان مراعياً لهذا
السُّنَّة بعد موت أبيه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح) هو: حَيْوة - بفتح أوله، وسكون التحتانية، وفتح
الواو - ابن شُريح بن صفوَّان التُّجِيبِيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ
[٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٢ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث من أفراد المصنّف رَُّهُ، وقد مضى
شرحه وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعاً عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى
مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ،
فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ
فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٤٠٥/٢.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَاراً كُنْتَ
تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُؤَلِّيَ))، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ
صَدِيقاً لِعُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلال، أبو عليّ، نزيل مكة، تقدّم
قريباً .
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ تُكُلّم فيه بلا قادح [٨]
(ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٤ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام الفقيه الشهير المصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّها؛ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ،
كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ) قال النوويّ تَظُّْهُ: معناه: كان
يستصحب حماراً؛ ليستريح عليه إذا ضَجِر من ركوب البعير، (وَعِمَامَةٌ) قال
المجد نَّتُهُ: العمامة بالكسر: الْمِغْفر، والبيضة، وما يُلفّ على الرأس. انتهى.
قال المرتضى: قوله: العمامة بالكسر، وضَبَطه بعض شراح ((الشمايل))
بالفتح أيضاً، وهو غلطٌ، وقوله: المغفر، والبيضة: أي: يُكنى بها عنهما،
والأصل فيها: ما يُلَفّ على الرأس، والجمع: عمائم - أي: بالفتح - وعِمام
(١) .
بالكسر. انتهى
(١) ((تاج العروس)) ٧٨٣٠/١.

٢٦٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمُّ، وَنَحْوِهِمَا - حديث رقم (٦٤٩٤)
(يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا) قال ابن منظور نقلاً عن ابن برّيّ(١): أَصلُ ((بَيْنا))
(بَيْنَ))، فأُشبِعت الفتحة، فصارت أَلِفاً، ويقال: بَيْنا، وبَيْنما، وهما ظرفا زمانٍ،
بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعلٍ وفاعلٍ، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان
إلى جواب، يَتِمُّ به المعنى، قال: والأَفصَحَ في جوابهما أَن لا يكون فيه ((إِذْ))،
و((إذا))، وقد جاءا في الجواب كثيراً، تقول: بَينا زيدٌ جالسٌ دخَل عليه عمرٌو،
وإذ دخَل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الحُرَقة بنت النُّعمان [من الطويل]:
فَبَيْنا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمرُ أَمْرُنا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فقوله هنا: ((فبينا)) مضاف إلى قوله: (هُوَ) مبتدأ خبره: ((على ذلك
الحمار))، وقوله: (يَوْماً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بما تعلّق به قوله: (عَلَى
ذَلِكَ الْحِمَارِ)؛ أي: راكب عليه، (إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرف الأعرابيّ، ولا
أبوه، ولا جدّه، (فَقَالَ) ابن عمر ◌ُِّهَا: (أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلانٍ؟، قَالَ)
الأعرابيّ: (بَلَى)؛ أي: أنا ابنه، قال الفيّوميّ كَُّ: (بَلَى)) حرف إيجاب، فإذا
قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بَلَى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل:
أليس كان كذا؟ وقلت: بَلَى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد
نفي، إما في أول الكلام، كما تقدم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ
آلْإِنسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ, ٣ ◌َ﴾ الآية [القيامة: ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد
يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبداً يرفع حكم النفي،
ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى(٢).
(فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ)؛ أي: أعطى ابن عمر ﴿ه الأعرابيّ ذلك الحمار الذي
كان يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، (وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ)؛ أي:
وأعطاه العمامة التي كان يشدّ بها رأسه. (قَالَ) ابن عمر للأعرابيّ: (اشْدُدْ بِهَا
رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ) لم يُعرف من هو؟ (غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا
الأَعْرَابِيَّ حِمَاراً كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ) قال له ذلك
توبيخاً، ولوماً على إكثاره العطاء، فإن الأعراب يكفيهم قليل من العطاء.
(فَقَالَ) ابن عمر ها ردّاً على هذا التوبيخ: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في
(١) ((لسان العرب)) ٦٢/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٢/١.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ابتداء الكلام (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ)؛ أي: أفضله،
وأحسنه، (صِلَّةَ الرَّجُلِ) بنصب ((صِلةَ)) اسماً لـ((إنّ) مؤخّراً، وخبرها الجارّ
والمجرور قبله، والصلة بكسر الصاد المهملة، مصدرٌ، يقال: وصلته وصلاً،
وصِلَةً: ضدّ هَجَرته(١). (أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) بنصب ((أهل)) على أنه مفعول به
لـ((صِلَة))؛ لأنه مصدر يعمل عَمَل فِعله، كما قال في ((الخلاصة)):
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ مُضَافاً اوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ ((أَلْ))
مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ ((أَنْ)) أَوْ ((مَا)) يَحُلَّ
وقوله: ((أهل وُدّ أبيه)): بضم الواو، بمعنى المودّة؛ أي: أصحاب
مودّته، ومحبته، (بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيّ))) بتشديد اللام المكسورة: أي: بعد موت
الأب، فيندب صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم بعد موته، كما
هو مندوب قبله، قاله العزيزيّ(٢).
وقال المناويّ: قوله: ((أهل وُدّ أبيه)) بضم الواو، بمعنى المودّة، وقوله:
((بعد أن يولّي الأب)): بكسر اللام المشدّدة: أي: يُدبر بموت، أو سفر، قال
التوربشتيّ: وهذه الكلمة مما تخبّط الناس فيها، والذي أعرفه أن الفعل مسند
إلى أبيه؛ أي: بعد أن يموت، أو يغيب أبوه، مِنْ وَلَّى يُوَلِّي.
وقال الطيبيّ: وفي ((جامع الأصول))، و((المشارق)): ((يُؤَلِّي)) بضم الياء،
وفتح الواو، وكسر اللام المشدّدة، والمعنى: أن من جملة المبرّات الفُضْلَى مَبَرّة
الرجل أحباء أبيه، فإن مودة الآباء قرابة الأبناء؛ أي: إذا غاب أبوه، أو مات
يحفظ أهل ودّه، ويُحسن إليهم، فإنه من تمام الإحسان إلى الأب. انتهى(٣).
(وَإِنَّ أَبَاهُ)؛ أي: أبا هذا الأعرابيّ (كَانَ صَدِيقاً لِعُمَرَ) بن الخطّاب؛ أي:
فأحببت وَصْله بما أعطيته؛ عملاً بهذا الحديث.
والحديث من أفراد المصنّف ◌َاتُ، وقد مضی بیان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١) ((المصباح المنير)) ٦٦٢/٢.
(٣) ((فيض القدير)) ٤٠٥/٢.
(٢) ((عون المعبود)) ٣٦/١٤.

٢٦٩
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْم - حديث رقم (٦٤٩٥)
(٥) - (بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْم)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٥] (٢٥٥٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ
مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
التَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ الْبِرِّ وَالِإِثْمِ،
فَقَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَالَكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ
النَّاسُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرحمن بن مهديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدَير - بالمهملة، مصغراً - الحضرميّ، أبو
عمرو، وأبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ، له أوهام [v]
(ت١٥٨) وقيل: بعد السبعين (زم ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) هو: عبد الرحمن بن جبير - بجيم،
وموحّدة، مصغراً - ابن نُفير - بِنون، وفاء، مصغراً - الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ
[٤] (ت١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥.
٥ - (أَبُوهُ) جُبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ
جليلٌ مخضرم [٢] ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين، وقيل: بعدها (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة» ٥٥٩/٦.
٦ - (النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيُّ) هو: النوّاس - بتشديد الواو، ثم سين
مهملة - ابن سمعان بن خالد الكلابيّ، أو الأنصاريّ، الصحابي المشهور،
سكن الشام (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٧٦/٤٣.
[تنبيه]: قوله: ((الأنصاريّ)) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ كَّتُهُ: هكذا
نُسب في هذا الإسناد: ((الأنصاريّ))، والمشهور فيه: النوّاس الكلابيّ، من بني

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أبي بكر بن كلاب، إلا أن يكون حليفاً للأنصار، وهو النوّاس بن سِمْعان بن
خالد بن عمرو بن قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، هكذا نسبه
المفضّل بن غسّان الْغَلابيّ عن يحيى بن معين. انتهى (١).
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالشاميين من معاوية بن
صالح، وشيخه بغداديّ، وابن مهديّ بصريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه،
وتابعيّ عن تابعيّ: عبد الرحمن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ) بفتح السين المهملة، وكسرها، وقوله:
(الأَنْصَارِيِّ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا وقع في نسخ ((صحيح مسلم)):
(الأنصاريّ))، قال أبو عليّ الجيّانيّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه ((الكلابي))، فإن
النّاس كلابيّ مشهور، قال المازريّ، والقاضي عياض: المشهور أنه كلابيّ،
ولعله حليف للأنصار، قالا: وهو النوّاس بن سِمعان بن خالد بن عمرو بن
قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، كذا نسبه العلائيّ، عن يحيى بن
معين. انتهى(٢). وتقدّم ما قاله الجيّانيّ فيه قريباً.
(قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهَِ عَنِ الْبِرِّ وَالِثْم) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: أي:
عما يَبرّ فاعله، فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون لله تعالى، وعما يأثم فاعله،
فيلحق بالآثمين، فأجابه النبيّ وَله بجواب جُمليّ أغناه به عن التفصيل، فقال
له: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ)؛ يعني: أن حُسن الخُلق أعظم خصال البرّ، كما قال:
((الحج عرفة))(٣)؛ ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرّفق في
المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان. انتهى (٤).
(١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٢٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٦ - ٠١١١
(٣) حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٥٢٢.

٢٧١
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْم - حديث رقم (٦٤٩٥)
وقال النوويّ تَخْلُ: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى
اللطف، والمبرّة، وحسن الصحبة، والعِشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي
مجامع حسن الخلق.
(وَالإِثْمُ مَا حَكَ فِي صَدْرِلَكَ)؛ أي: ما شككت فيه، أنه حلال، أو حرام
(وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))) فالاحتياط أن تتركه، وقال النوويّ: معنى
((حاك في صدرك)): أي: تحرّك فيه، وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في
القلب منه الشكّ، وخَوْف كونه ذنباً(١).
وقال ابن منظور: قوله: ((ما حّ في نفسك)): أي: إذا لم تكن منشرح
الصدر به، وكان في قلبك منه شيء من الشكّ، والرَّيب، وأوهمك أنه ذنب
وخطيئة، ومنه الحديث الآخر: ((ما حكّ في صدرك، وإن أفتاك المفتون))، قال
الأزهريّ: ومنه حديث عبد الله بن مسعود : ((الإثم حَوّاز القلوب))(٢)؛
يعني: ما حَزّ في نفسك، وحَكّ فاجتنبه، فإنه الإثم، وإن أفتاك فيه الناس
(٣)
بغيره(٣).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((والإثم ما حاك في نفسك ... إلخ))؛ أي:
الشيء الذي يؤثر نفرةً، وحَزَازة في القلب، يقال: حاك الشيء في قلبي: إذا
رَسَخ فيه، وثَبَت، ولا يحيك هذا في قلبي؛ أي: لا يثبت فيه، ولا يستقر، قال
شَمِر: الكلام الحانك: هو الراسخ في القلب، وإنما أحاله النبيّ وَّر على هذا
الإدراك القلبيّ؛ لِمَا عَلِم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه
يُدرك ذلك من نفسه، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((الإثم حَزَّاز
القلوب))؛ يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، المنوّرة بالعلم الذي قال فيه
مالك: العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ
الطبع، قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك مَن قَلَّ فهمه، فصّلت له الأوامر،
والنواهي الشرعيّة، وقد قالت عائشة ﴿يتا: ((أمرنا رسول الله وَل﴿ أن نُنَزّل
(١) ((شرح النوويّ)) ١١١/١٦.
(٣) راجع: ((لسان العرب)) ٤١٤/١٠.
(٢) صحيح موقوف.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الناس منازلهم)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النّوّاس بن سِمْعان به هذا من أفراد
المصنّف نَخْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٩٥/٥ و٦٤٩٦] (٢٥٥٣)، و(الترمذيّ) في
((الزهد)) (٢٣٨٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٢٩٥ و٣٠٢)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١٨٢/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٢/٢)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢١٢/٥)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٩٦/٢)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٣٩٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٧/٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٩٢/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٤٥٧/٥)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٤٩٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): وردت أحاديث في حُسن الخُلُق، فمنها: حديث
النّاس بن سِمعان رَظُه المذكور في الباب، وحديث: ((إن خياركم أحاسنكم
أخلاقاً))، رواه البخاريّ، وأخرج أبو يعلى من حديث أنس رفعه: ((أكمل
المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً))، وللترمذيّ، وحَسّنه، والحاكم، وصححه، من
حديث أبي هريرة، رَفَعه: ((إن من أكمل المؤمنين أحسنهم خُلُقاً))، ولأحمد
بسند رجاله ثقات، من حديث جابر بن سمرة نحوه، بلفظ: ((أحسن الناس
إسلاماً))، وللترمذيّ من حديث جابر، رَفَعه: ((إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني
مجلساً يوم القيامة، أحسنكم أخلاقاً))، وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد))
من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولأحمد، والطبرانيّ،
وصححه ابن حبان، من حديث أبي ثعلبة نحوه، وقال: ((أحاسنكم أخلاقاً))،
وسياقه أتمّ. وللبخاريّ في ((الأدب المفرد))، وابن حبان، والحاكم،
(١) تقدّم في ((شرح مقدّمة مسلم)) أنه حديث مختلف فيه، والصحيح أنه ضعيف
للانقطاع، فارجع إليه هناك، وبالله تعالى التوفيق.

٢٧٣
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
والطبرانيّ، من حديث أسامة بن شَرِيك: ((قالوا: يا رسول الله من أحبّ عباد الله
إلى الله؟ قال: أحسنهم خُلُقاً))، وفي رواية عنه: ((ما خَيْر ما أُعطي الإنسان؟
قال: خُلُق حسن)).
وحديثُ أبي الدرداء رفعه: ((ما شيء أثقل في الميزان من حُسْن الخلق))،
أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن
حبان، وزاد الترمذيّ فيه، وهو عند البزار: ((وأن صاحب حُسْن الخلق ليبلغ
درجة صاحب الصوم والصلاة))، وأخرج أبو داود، وابن حبان أيضاً،
والحاكم، من حديث عائشة ﴿ها نحوه، وأخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))،
والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أنس نحوه،
وأخرج أحمد، والطبرانيّ، من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرج الترمذيّ،
وابن حبان، وصححاه، وهو عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من حديث أبي
هريرة: ((سئل النبيّ وَلهو عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله،
وحسن الخلق))، وللبزار بسند حسن، من حديث أبي هريرة، رفعه: ((إنكم لن
تَسَعُوا الناس بأموالكم، ولكن يَسَعُهُم منكم بَسْط الوجه، وحُسْن الخُلُق)).
قال الحافظ: والأحاديث في ذلك كثيرة، وحَكَى ابن بطال تبعاً للطبريّ
خلافاً، هل حسن الخلق غريزة، أو مكتسب؟ وتمسّك من قال: إنه غريزة
بحديث ابن مسعود: ((إن الله قَسَم أخلاقكم، كما قَسَم أرزاقكم ... )) الحديث،
وهو عند البخاري في ((الأدب المفرد)).
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): الخُلُق جِبِلّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك
متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها، إن كان محموداً، وإلا فهو مأمور
بالمجاهدة فيه، حتى يصير محموداً، وكذا إن كان ضعيفاً، فيرتاض صاحبه
حتی یقوی. انتھی.
وقد وقع في حديث الأشجّ الْعَصَريّ عند أحمد، والنسائيّ، والبخاريّ في
((الأدب المفرد))، وصححه ابن حبان: ((أن النبيّ بَّه قال: إن فيك لخصلتين،
يحبهما الله: الحِلْم، والأناة، قال: يا رسول الله! قدِيماً كانا فيّ، أو حديثاً؟
قال: قديماً، قال: الحمد لله الذي جبلني على خُلُقين يحبهما))، فترديده

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
السؤال، وتقريره عليه، يُشعر بأن في الخُلُق ما هو جِبِليّ، وما هو مكتسب.
ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(١).
وقال الحافظ ابن رجب تَّثُ : - عند شرح حديث النّاس ◌َظُلُه المذكور
هنا -: وقد رُوي هذا الحديث عن النبيّ وَل من وجوه متعدّدة، وبعض طرقه
جيّدة :
فخرّجه الإمام أحمد، وابن حبان في ((صحيحه)) من طريق يحيى بن أبي
كثير، عن زيد بن سلام، عن جدّه ممطور، عن أبي أمامة: ((قال: قال رجل:
يا رسول الله، ما الإثم؟ قال: إذا حاك في صدرك شيء فَدَعْه))، وهذا إسناد
جيّد على شرط مسلم، فإنه خرّج حدیث یحیی بن کثیر، عن زيد بن سلام،
وأثبت أحمد سماعه منه، وإن أنكره ابن معين.
وخرَّج الإمام أحمد، من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت
مسلم بن مشكم، قال: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَنِيّ يقول: قلت: يا رسول الله
أخبرني ما يَحِلّ لي، وما يحرم عليّ، قال: ((البرّ ما سكنت إليه النفس،
واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب،
وإن أفتاك المفتون))، وهذا أيضاً إسناد جيّد، وعبد الله بن علاء بن زبر ثقةٌ
مشهورٌ، وخرّج له البخاريّ، ومسلم بن مشكم ثقةٌ مشهورٌ أيضاً.
وخرّج الطبرانيّ وغيره بإسناد ضعيف، من حديث واثلة بن الأسقع
((قال: قلت للنبيّ وَلجر: أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحداً بعدك، قال: استفت
نفسك، قلت: كيف لي بذلك؟ قال: تَدَعُ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، وإن
أفتاك المفتون، قلت: كيف بذلك؟ قال: تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد
لَيَسْكُن للحلال، ولا يسكن للحرام)»، ويُروَى نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد
ضعيف أيضاً.
ورَوَى ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أن سُويد بن قيس أخبره، عن
عبد الرحمن بن معاوية: أن رجلاً سأل النبيّ وَّر، فقال: يا رسول الله ما يحلّ
لي، وما يحرم عليّ؟ وردّد عليه ثلاث مرّات، كلَّ ذلك يسكت النبيّ يَّر، ثم
(١) ((الفتح)) ٤٥٩/١٠.

٢٧٥
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
قال: ((أين السائل؟)) فقال له: أنا يا رسول الله، فقال بأصبعه: ((ما أنكر قلبك
فدعه))، خرّجه أبو القاسم البغويّ في ((معجمه))، وقال: لا أدري عبد الرحمن بن
معاوية، سمع من النبيّ وَّ أم لا؟ ولا أعلم له غير هذا الحديث.
قال ابن رجب: هو عبد الرحمن بن معاوية بن خَدِيج، جاء منسوباً في
(كتاب الزهد)) لابن المبارك، وعبد الرحمن هو تابعيّ مشهور، فحديثه مرسل،
وقد صحّ عن ابن مسعود ظُه أنه قال: ((الإثم حوّاز القلوب))، واحتجّ به
الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن
أبيه، قال: قال عبد الله: إياكم وحزّاز القلوب، وما حَزّ في قلبك فَدَعْه، قال
أبو الدرداء: الخير في طمأنينة، والشرّ في ريبة.
ورَوَى ابن مسعود من وجه منقطع، أنه قيل له: أرأيت شيئاً يحيك في
صدورنا، لا ندري حلال هو، أم حرام؟ فقال: وإياكم والحكّاكات، فإنهن
الإثم. والحكّ، والحزّ متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثّر في القلب ضِيقاً،
وحَرَجاً، ونفُوراً، وكراهة. انتهى(١).
(المسألة الرابعة): ذكر الحافظ ابن رجب تَظْلِتُ بحثاً نفيساً يتعلّق بهذه
الأحاديث، فقال بعد أن أوردها :
وهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البرّ والإثم، وبعضها في تفسير
الحلال، والحرام، فحديث النّاس بن سِمعان فسّر به النبيّ وَّ البرّ بحُسن
الخُلُق، وفسّره في حديث وابصة(٢) وغيره بما اطمأنت إليه النفس والقلب، كما
(١) ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب ٩٥/٢ - ٩٧.
(٢) حديث وابصة له: هو ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٨/٤) عن وابصة بن
معبد نظرته، قال: أتيت رسول الله وَ له، وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البرّ والإثم
إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين، يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا:
((إليك يا وابصة عن رسول الله (وَ ل98)، فقلت: دعوني، فأدنوَ منه، فإنه أحب الناس
إليّ أن أدنو منه، قال: ((دعوا وابصة، اذْنُ يا وابصة)) مرتين، أو ثلاثاً، قال:
فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، فقال: ((يا وابصة أُخبرك، أو تسألني؟» قلت:
لا، بل أخبرني، فقال: ((جئت تسألني عن البرّ والإثم))، فقال: نعم، فجَمَع
أنامله، فجعل ينكت بهنّ في صدري، ويقول: ((يا وابصة استفت قلبك، =

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فسَّر الحلال والحرام بذلك في حديث أبي ثعلبة، وإنما اختُلِف في تفسير البرّ؛
لأن البرّ يُطلق باعتبارين معيَّنين:
أحدهما: باعتبار معاملة الخَلْق بالإحسان إليهم، وربما خُصّ بالإحسان
إلى الوالدين، فيقال: برّ الوالدين، ويُطلق كثيراً على الإحسان إلى الخَلْق
عموماً، وقد صنّف ابن المبارك كتاباً سمّاه ((كتاب البرّ والصلة))، وكذلك في
((صحيح البخاريّ))، و((جامع الترمذيّ))، و((كتاب البرّ والصلة))، ويتضمن هذا
الكتاب الإحسان إلى الخَلْق عموماً، ويقدَّم فيه برّ الوالدين على غيرهما.
وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، أنه قال: يا رسول الله
من أَبَرّ؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أباك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم
الأقرب، فالأقرب)) (١)، ومن هذا المعنى قول النبيّ وَّر: ((الحج المبرور ليس
له جزاء إلا الجنة)).
وفي ((المسند)) أنه وَّ سئل عن بِرّ الحج، فقال: ((إطعام الطعام، وإفشاء
السلام))، وفي رواية أخرى: ((قال: وطِيْب الكلام))، وكان ابن عمر ظ﴿ه يقول:
البرّ شيءٍ هَيِّن: وجهٌ طَلْقٌ، وكلامٌ ليّن.
وإذا قُرن البرّ بالتقوى، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَّ﴾
[المائدة: ٢] فقد يكون المراد بالبرّ: معاملة الخلق بالإحسان، وبالتقوى: معاملة
الحقّ بفعل طاعته، واجتناب محرماته، وقد يكون أريدَ بالبرّ فِعْل الواجبات،
وبالتقوى اجتناب المحرمات، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾
واستفت نفسك - ثلاث مرات - البرّ ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في
=
النفس، وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناس، وأفتوك)). انتهى. قال النوويّ كَُّ
في ((الأربعين)): حديث حسنٌ، وكذا حسّنه الألبانيّ كَُّ لغيره، وضعّفه ابن رجب؛
لضعف بعض رجاله، ولانقطاعه، راجع: ((جامع العلوم والحكم)) ٩٣/٢ - ٩٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن تحسينه لشواهده هو الحقّ، فإن
أحاديث الباب التي أوردناها في الشرح تشهد له، فتأملها بالإمعان، وبالله تعالى
التوفيق.
(١) حديث صحيح، رواه أحمد، والبخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود،
والترمذيّ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

٢٧٧
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
[المائدة: ٢] قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظُلْم الخَلْق، وقد يراد
بالإثم: ما هو محرّم في نفسه، كالزنا، والسرقة، وشُرْب الخمر، وبالعدوان:
تجاوز ما أُذن فيه إلى ما نُهي عنه مما جنسه مأذون فيه، كقَتْل ما أبيح قَتْله
بقصاص، ومن لا يباح فيه، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة
·ونحوها، ومجاوزة الجَلْد الذي أُمر به في الحدود ونحو ذلك.
والمعنى الثاني من معنى البرّ: أن يراد به فِعْل جميع الطاعات الظاهرة
والباطنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِدٍ وَلَكِنَّ الْبِرَّ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ وَءَى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ، ذَوِى
الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِ اٌلِقَّادِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَانَى
الزَّكَوَةَ وَالْمُولُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِّ أُوْلَكَ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (َّ
[البقرة: ١٧٧]، وقد رُوي عن النبيّ وَلِّ أنه
سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية، فالبرّ بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات
الباطنة، كالإيمان بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورسله، والطاعات الظاهرة، كإنفاق
الأموال فيما يحبه الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر
على الأقدار، كالمرض، والفقر، وعلى الطاعات؛ كالصبر على لقاء العدوّ.
وقد يكون جواب النبيّ ◌َ* في حديث النّوّاس شاملاً لهذه الخصال
كلِّها؛ لأن حُسْن الخُلُق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله
تعالى التي أدّب بها عباده في كتابه، كما قال لرسوله وَّهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
: [القلم: ٤]، وقالت عائشة رضيُّ: كان خُلُقه وَ ﴿ القرآن، تعني أنه
عَظِيمٍ
يتأدّب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار العمل بالقرآن له خُلُقاً،
كالجبلّة، والطبيعة، لا يفارقه، وهذا من أحسن الأخلاق، وأشرفها، وأجملها،
وقد قيل: إن الدين كلّه خُلُقٌ.
وأما في حديث وابصة، فقال: ((البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه
النفس))، وفي رواية: ((ما انشرح إليه الصدر))، وفسّر الحلال بنحو ذلك، كما
في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدلّ على أن الله فَطَر عباده على معرفة
الحقّ، والسكون إليه، وقَبوله، ورَكّز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ضدّه،
وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حِمَار: ((إني خَلَقت عبادي

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
حنفاء، مسلمين، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما
أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشركوا بي ما لم أُنَزِّل به سلطاناً))، وقولِهِ: ((كلُّ
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجّسانه، كما
تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟))، قال أبو
هريرة ربه: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٠]، ولهذا سَمَّى الله تعالى ما أمره به معروفاً، وما
نهى عنه منكراً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيَتَآٍَ ذِى
الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيِّ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وقال تعالى
في صفة الرسول وَله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ الآية
[الأعراف: ١٥٧]، وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئنّ بذكره، فالقلب الذي دخله
نور الإيمان، وانشرح به، وانفسح سكن للحقّ، واطمأنٌ به، ويقبله، ويَنْفُر
عن الباطل، ويكرهه، ولا يقبله.
وقال معاذ بن جبل ظه: أُحَذِّركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول
كلمة الضلال على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ، فقيل لمعاذ:
ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة
الحقّ؟ قال: اجتَنِب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا
يَثِنِينّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إن سمعته، فإن على الحقّ
نوراً. خرّجه أبو داود، وفي رواية له: قال: بل ما تشابه عليك من قول
الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟.
فهذا يدلّ على أن الحقّ والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير،
بل يَعْرِف الحقّ بالنور عليه، فيقبله قلبه، وينفر عن الباطل، فينكره، ولا يعرفه.
ومن هذا المعنى قول النبيّ وَّ: ((سيكون في آخر الزمان قوم يُحدّثونكم
بما لا تسمعون أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم))؛ يعني: أنهم يأتون بما
تستنكره قلوب المؤمنين، ولا تعرفه، وفي قوله: ((أنتم ولا آباؤكم)) إشارة إلى
أن ما استقرّت معرفته عند المؤمنين، مع تقادم العهد، وتطاول الزمان، فهو
الحقّ، وأن ما أُحدث بعد ذلك، فما يُستنكَر فلا خير فيه.
فدلّ حديث وابصة رضّته، وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند

٢٧٩
(٥) - بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ - حديث رقم (٦٤٩٥)
الاشتباه، فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البرّ، والحلال، وما
كان خلاف ذلك، فهو الإثم، والحرام.
وقوله في حديث النّاس بن سِمعان ظُه: ((الإثم ما حاك في الصدر،
وكَرِهت أن يطّلع عليه الناس)) إشارة إلى أن الإثم ما أَثّر في الصدر حرجاً،
وضِيقاً، وقَلَقاً، واضطراباً، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس
مستنكر، بحيث ينكرونه عند اطّلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند
الاشتباه، وهو ما استنكر الناس فاعله، وغير فاعله.
ومن هذا المعنى قول ابن مسعود ظه: ما رآه المؤمنون حسناً، فهو
عند الله حسنٌ، وما رآه المومنون قبيحاً فهو عند الله قبيح(١).
وقوله في حديث وابصة، وأبي ثعلبة: ((وإن أفتاك المفتون))؛ يعني: أن ما
حاك في صدر الإنسان، فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة
ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكراً عند فاعله، دون غيره، وقد جعله أيضاً
إِثْماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرِح صدره للإيمان، وكان المفتي
يفتي له بمجرد ظنّ، أو ميل إلى هوى، من غير دليل شرعيّ، فأما ما كان مع
المفتي به دليل شرعيّ، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له
صدره، وهذا كالرخصة الشرعية، مثل الفِطْر في السفر، والمرض، وقَصْر
الصلاة في السفر، ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا
لا عبرة به، وقد كان النبيّ وَل# أحياناً يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور
بعضهم، فيمتنعون من قوله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى
(١) نصّ الحديث: عن عبد الله بن مسعود به، قال: ((إن الله بك نظر في قلوب
العباد، فوجد قلب محمد * خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه
برسالاته، ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد،
فجعلهم وزراء نبيه * يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله
حسن، وما رآه المسلمون سيئاً، فهو عند الله سيئ))، رواه أحمد، والبزار،
والطبرانيّ، في ((الكبير))، قال الحافظ الهيثميّ: ورجاله موثقون. انتهى. ((مجمع
الزوائد» (١٧٧/١)، وصححه الحاكم (٧٨/٣ - ٧٩) ووافقه الذهبيّ، وقال الشيخ
الألبانيّ كتفه: حسن موقوف. ((تخريج الطحاويّة)) ٥٣٠.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هَذْيهم، والتحلل من عمرة
الحديبية، فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامه، وعلى أن
من أتاه منهم يردّه إليهم.
وفي الجملة، فما ورد النصّ به، فليس للمؤمن إلا طاعة الله تعالى
ورسوله وَّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّاً
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]، وينبغي أن يُتَلَقَّى ذلك
بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله تعالى ورسوله ول# يجب الإيمان،
والرضا به، والتسليم له، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
﴾ [النساء: ٦٥]. وأما ما ليس فيه نصّ من الله، ولا رسوله وَليل، ولا
تسلِيمًا
عمن يُقتدَى بقوله من الصحابة، وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن
المطمئنّ قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين، منه شيءٌ، وحَكّ
في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يُخْبر عن
رأيه، وهو ممن لا يوثَق بعلمه، وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا
يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون.
وقد نَصّ الإمام أحمد على مثل هذا أيضاً، قال المروزيّ في ((كتاب
الورع)): قلت لأبي عبد الله: إن القُطَيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع
في قلبي من أمرها شيء، فقال: أمْرها أمر قذر، متلوث، قلت: فتكره العمل
فيها؟ قال: دع عنك هذا، إن كان لا يقع في قلبك شيء، قلت: قد وقع في
قلبي منها، فقال: قال ابن مسعود: الإثم حَوّاز القلب، قلت: إنما هذا على
المشاورة، قال: أي شيء يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطرب على قلبي، قال:
الإثم هو حوّاز القلوب.
قال ابن رجب تَّثُهُ: وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير
((الحلال بَيّن، والحرام بين)(١)، وفي شرح حديث الحسين بن عليّ حدًّا: (دع
(١) تقدّم في ((البحر المحيط)) برقم [٤٠٨٧/٤١] (١٥٩٩) فراجعه تجد علماً جمّاً،
وبالله تعالى التوفيق.