النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
قال الحافظ كَّلُهُ: وكل ذلك محمول على أنه قاله في نفسه، لا أنه نطق
به، ويَحْتَمِل أن يكون نطق به على ظاهره؛ لأن الكلام كان مباحاً عندهم،
وكذلك كان في صدر الإسلام، وقد قدمتُ(١) في أواخر الصلاة ذِكر حديث
يزيد بن حوشب عن أبيه، رفعه: «لو كان جريج عالِماً لَعَلِم أن إجابة أمه أَولى
من صلاته)). انتھی(٢).
(فَانْصَرَفَتْ)؛ أي: رجعت إلى بيتها بعد أن أيست من إجابة ولدها
نداءها، (فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ) الظاهر أن «كان» تامّة، واسمها («الغد»، و((من)»
زائدة، على رأي من يرى من النحاة زيادتها في الإثبات؛ أي: فلما جاء الغد
(أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي، وَصَلَاِي، فَأَقْبَلَ عَلَى
صَلَائِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَثَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ:
أي رَبِّ أُمِّي، وَصَلَاتِ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَت: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى
وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ) وفي رواية أبي رافع الماضية: ((حتى تريه المومسات))، وفي
رواية للبخاريّ من هذا الوجه: ((فقالت: اللَّهُمَّ لا تُمِتْه حتى تریه وجوه
المومسات))، وفي رواية الأعرج: ((حتى ينظر في وجوه المياميس))، ومثله في
رواية أبي سلمة، وفي حديث عمران بن حصين: ((فَغَضِبت، فقالت: اللَّهُمَّ لا
يموتنّ جريج حتى ينظر في وجوه المومسات))، والمومسات: جمع مومسة
- بضم الميم، وسكون الواو، وكسر الميم، بعدها سين مهملة - وهي الزانية،
وتُجمع على مواميس، بالواو، وأنكر ابن الخشاب جَمْعه بالمياميس بالتحتانية،
ووجّهه غيره، وجوّز صاحب ((المطالع)) فيه الهمزة بدل الياء، بل أثبتها روايةً،
ووقع في رواية الأعرج: ((فقالت: أبيتَ أن تُطْلع إليّ وجهك، لا أماتك الله
حتى تنظر في وجهك زواني المدينة)).
(فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجاً، وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ)؛ أي: زانية،
يقال: بغت المرأة تبغي بِغاءً بالكسر والمدّ: فجَرَتْ، فهي بغيّ، والجمع بغايا،
(١) هذا من كلام الحافظ تَّتُهُ.
(٢) ((الفتح)) ٦٨/٨ - ٦٩، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦).

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهو وصفٌ مختصّ بالمرأة، ولا يقال للرجل: بغيّ، قاله الأزهريّ(١). (يُتَمَّثَّلُ
بِحُسْنِهَا)؛ أي: يُضرب بجمالها المَثَل؛ لانفرادها به عن نساء قومها.
قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذه المرأة، لكن في حديث عمران بن
حصين أنها كانت بنت ملك القرية، وفي رواية الأعرج: ((وكانت تأوي إلى
صومعته راعية ترعى الغنم))، ونحوه في رواية أبي رافع عند أحمد، وفي رواية
أبي سلمة: ((وكان عند صومعته راعي ضأن، وراعية معزى)).
ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها خرجت من دار أبيها بغير علم
أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد إلى أن ادعت أنها تستطيع أن تفتن جريجاً،
فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية لِيُمْكِنها أن تأوي إلى ظل صومعته؛
لتتوصل بذلك إلى فتنته.
(فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ) زاد في رواية أحمد: ((قالوا: قد شئنا»،
(قَالَ) وَّهِ: (فَتَعَرَّضَتْ لَهُ)؛ أي: طلبت منه أن يواقعها، (فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا،
فَأَتَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ،
فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ)؛ أي: فلما سألها: ممن هذا الولد؟ قالت: (هُوَ مِنْ جُرَيْج)
وفي رواية أبي رافع الماضية: ((فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: هو من صاحب هذا
الدَّير))، وزاد في رواية أحمد: ((فأُخذت، وكان مَن زنى منهم قُتل، فقيل لها:
ممن هذا؟ قالت: هو من صاحب الصومعة))، زاد الأعرج: ((نزل إليّ من
صومعته))، وفي رواية الأعرج: ((فقيل لها: من صاحبك؟ قالت: جريج
الراهب، نزل إليّ، فأصابني))، زاد أبو سلمة في روايته: ((فذهبوا إلى الملك،
فأخبروه، قال: أدركوه، فأتوني به))، وفي رواية أبي رافع عنده: ((فقالوا: أي
جريجُ انزل، فأبى يقبل على صلاته، فأخذوا في هدم صومعته، فلما رأى ذلك
نزل، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلاً، وجعلوا يطوفون بهما في الناس))، وفي
رواية أبي سلمة: ((فقال له الملك: ويحك يا جريج كنا نراك خير الناس،
فأحبلت هذه، اذهبوا به، فاصلُبوه))، وفي حديث عمران: ((فجعلوا يضربونه،
ويقولون: مراءٍ، تخادع الناس بعملك))، وفي رواية الأعرج: «فلما مروا به نحو
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٧.

٢٤٣
(٢) - بَابُ تَقْدِيمِ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
بيت الزواني خرجن ينظرن، فتبسم، فقالوا: لم يضحك حتى مرَّ بالزواني)).
(فَأَتَوْهُ)؛ أي: أتاه أهل القرية (فَاسْتَنْزَلُوهُ)؛ أي: طلبوا نزوله إليهم، (وَهَدَمُوا
صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ) وفي حديث عمران: ((فما شعر حتى سمع بالفؤوس
في أصل صومعته، فجعل يسألهم: ويلكم ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك
أخذ الحبل، فتدلى))، (فَقَالَ: مَا شَأْتُكُمْ؟، قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ
مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي)؛ أي: اتركوني (حَتَّى
أُصَلِّيَ، فَصَلَّى)؛ أي: بعد أن توضّأ، ففي رواية البخاريّ: ((فتوضأ، وصلى))،
وفي رواية وهب بن جرير: ((فقام، وصلى، ودعا))، وفي حديث عمران: ((قال:
فَتَوَلّوا عني، فتولَّوا عنه، فصلى ركعتين)).
(فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَّى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوَكَ؟ قَالَ:
قُلَانٌ الرَّاعِي) وفي رواية أبي رافع الماضية: ((ثم مسح رأس الصبيّ، فقال: من
أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن))، وفي روايته عند أحمد: ((فوضع أصبعه على
بطنها))، وفي رواية البخاريّ: ((«ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟
فقال: الراعي))، زاد في رواية وهب بن جرير: ((فطعنه بإصبعه، فقال: بالله يا
غلام من أبوك؟ فقال: أنا ابن الراعي))، وفي مرسل الحسن عند ابن المبارك
في ((البرّ والصلة)): ((أنه سألهم أن يُنظروه، فأنْظَروه، فرأى في المنام من أمره
أن يطعن في بطن المرأة، فيقول: أيتها السخلة من أبوك؟ ففعل، فقال: راعي
الغنم))، وفي رواية أبي سلمة: ((فأُتي بالمرأة والصبي، وفمه في ثديها، فقال له
جريج: يا غلام من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثدي، وقال: أبي راعي
الضأن))، وفي رواية الأعرج: ((فلما أُدخل على ملكهم، قال جريج: أين الصبيّ
الذي ولدته؟ فأُتي به، فقال: من أبوك؟ قال: فلان، سمى أباه)).
قال الحافظ تَّثُ: ولم أقف على اسم الراعي، ويقال: إن اسمه
صهيب، وأما الابن فجاء بلفظ: ((فقال: يا بابوس))، وليس اسمه كما زعم
الداوديّ، وإنما المراد به الصغير، وفي حديث عمران: ((ثم انتهى إلى شجرة،
فأخذ منها غصناً، ثم أتى الغلام، وهو في مهده، فضربه بذلك الغصن، فقال:
من أبوك؟))، ووقع في ((التنبيه)) لأبي الليث السمرقنديّ بغير إسناد: ((أنه قال
للمرأة: أين أصبتك؟ قالت: تحت شجرة، فأتى تلك الشجرة، فقال: يا شجرة

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة؟ فقال كل غصن منها: راعي الغنم)).
ويُجمع بين هذا الاختلاف بوقوع جميع ما ذُكر، بأنه مسح رأس الصبيّ،
ووضع إصبعه على بطن أمه، وطعنه بإصبعه، وضربه بطرف العصا التي كانت
معه، وأبعدَ من جَمَع بينها بتعدد القصة، وأنه استنطقه وهو في بطنها مرةً قبل
أن تلد، ثم استنطقه بعد أن وُلد.
زاد في رواية وهب بن جرير: ((فوثبوا إلى جريج، فجعلوا يقبّلونه))، وزاد
الأعرج في روايته: ((فأبرأ الله جريجاً، وأعظم الناس أمر جريج))، وفي رواية
أبي سلمة: ((فسبّح الناس، وعجبوا)).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي)) قد
يقال: إن الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين: أحدهما: لعله كان في
شرعهم يَلحقه، والثاني: أن المراد: مِن ماء مَن أنت؟ وسمّاه أباً مجازاً.
انتھی(١).
(قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجِ يُقَبِّلُونَهُ، وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) تبرّكاً، (وَقَالُوا: نَبْنِي
لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟، قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا) وفي
رواية وهب بن جرير: ((ابنوها من طين كما كانت))، وفي رواية أبي رافع:
(«فقالوا: نبني ما هدمنا من دَيرك بالذهب والفضة؟، قال: لا، ولكن أعيدوه
كما كان، ففعلوا))، وفي نَفْل أبي الليث: ((فقال له الملِك: نبنيها من ذهب؟،
قال: لا، قال: من فضة؟ قال: لا، إلا من طين))، زاد في رواية أبي سلمة:
((فردّوها، فرجع في صومعته، فقالوا له: بالله مم ضحكت؟ فقال: ما ضحكت
إلا من دعوة دعتها عليّ أمي)).
(وَبَيْنَا) هي (بين)) الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، كما
تقدّم البحث فيها غير مرّة. (صَبِيٌّ يَرْضَعُ) بفتح الضاد وكَسْرها، قال
الفيّوميّ كَثْتُهُ: رَضِعَ الصبيّ رَضَعاً، من باب تَعِب في لغة نجد، ورَضَعَ رَضْعاً،
من باب ضرب: لغةٌ لأهل تهامة، وأهلُ مكة يتكلمون بها، وبعضهم يقول:
أصل المصدر من هذه اللغة كسر الضاد، وإنما السكون تخفيف، مثل الْحَلِف،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٠٧.

٢٤٥
(٢) - بَابُ تَقْدِيمِ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
والْحَلْف، ورَضَعَ يَرْضَعُ بفتحتين لغة ثالثةٌ، وَرَضَاعاً، ورَضَاعَةً بفتح الراء،
وأَرْضَعَتْهُ أمه، فَارْتَضَعَ، فهي مُرْضِعٌ، ومُرْضِعَةٌ أيضاً، وقال الفراء، وجماعة:
إن قُصِد حقيقة الوصف بِالإِرْضَاعِ، فَمُرْضِعٌ، بغير هاء، وإن قُصد مجاز
الوصف، بمعنى أنها محلّ الإِرْضَاعَ فيما كان، أو سيكون، فبالهاء، وعليه قوله
تعالى: ﴿َذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ونساء مَرَاضِعُ،
ومَرَاضِيعُ، ورَاضَعْتُهُ مُرَاضَعَةً، ورِضَاعاً، ورِضَاعَةً بالكسر. انتهى(١).
وقوله: (مِنْ أُمِّهِ) قال الحافظ تَخَذُهُ: ولم أقف على اسمها، ولا على اسم
ابنها، ولا على اسم أحد ممن ذُكِر في القصّة المذكورة(٢). (فَمَرَّ رَجُلٌ) في رواية
أحمد: ((فارسٌ متكبّر))، (رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ) بالفاء: هي النشيطة الحادّة الفريّة،
وقد فَرُه بضمّ الراء فَرَاهةً، وفراهيةً(٣). (وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ) الشارة: الهيئة واللباس،
قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): ذو شارة بالشين المعجمة: أي: صاحب
حُسْن، وقيل: صاحب هيئة، ومنظر، وملبس حَسَن، يُتعجب منه، ويشار إليه.
وقال القرطبيّ تَظُّ: الدابّة الفارهة: الحسنة النجيبة، والشارة: الهيئة
المزيّنة التي يشار إليها من حسنها، و((حَلْقَى)) - غير مصروف -؛ لأنَّ ألفه
للتأنيث، كسكرى، وهي كلمة جرت في كلامهم مجرى المَثَل، وأصلها فيمن
أصيب حَلْقها بوجع، وقد تقدَّم أن عقرى وحلقى من الكلمات التي جرت على
ألسنتهم في معرض الدعاء، غير المقصود، وأم هذا الصبيّ الرضيع نظرت إلى
الصورة الظاهرة، فاستحسنت صورة الرجل، وهَيْأته، فدعت لابنها بمثل هذا،
واستقبحت صورة الأَمَّة وحالتها، فدَعَتْ ألا يُجعل ابنها في مثل حالتها،
فأراد الله تعالى بلطفه تنبيهها بأن أنطق لها ابنها الرضيع بما تجب مراعاته من
الأحوال الباطنة، والصفات القلبيّة، وهذا كما قال النبيّ وَّه: ((إن الله لا ينظر
إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم))، رواه مسلم،
وكما قال بعض حكماء الشعراء (من مجزوّ الكامل]:
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٩/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٤/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/١٦.

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فَاعْلَمْ وَإِنْ رُدِّيتَ بُرْدًا
لَيْسَ الْجَمَالُ بِمِثْذَرٍ
وَمَنَاقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْدَا
إِنَّ الْجَمَالَ مَعَادِنٌ
وهذا الصبيّ ظاهره أن الله تعالى خلق فيه عقلاً وإدراكاً كما يخلقه في
الكبار عادةً، ففَهِم كما يفهمون، ويكون خرق العادة في کونه خلق له ذلك قبل
أوانه، ويَحْتَمِل أن يكون أجرى الله ذلك الكلام على لسانه، وهو لا يعقله،
كما خلق في الذراع والحصى كلاماً له معنى صحيح، مع مشاهدة تلك الأمور
باقية على جمادتها، كل ذلك ممكن، والقدرة صالحة، والله تعالى أعلم بالواقع
منهما .
فأمَّا عيسى علَّاهُ فخلق الله له في مهده ما خلق للعقلاء والأنبياء، في حال
كمالهم من العقل الكامل، والفهم الثاقب، كما شهد له بذلك القرآن.
(١)
.
انتھی
(فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرََكَ) الصبيّ (الثَّدْيَ)؛ أي:
ارتضاع الثدي، (وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الرجل الراكب (فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْبِهِ، فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ))، قَالَ) أبو هريرة ◌َظُله:
(فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي
فَمِهِ) بَ﴿، وفيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل، (فَجَعَلَ يَمُصُهَا) بضمّ
الميم، وفتحها، من باب قتل، وتَعِبَ، ومنهم من يقتصر على الثاني، وامتصّه
بمعناه، قاله الفيّوميّ، وقال في ((التاج)): مَصِصْتُه بالكَسْرِ، أَمَصُّه، بالفَتْح، زاد
الأَزْهَرِيّ: مَصَصْتُه بالفَتْحِ، أَمُصُّهُ، بالضَّمِّ، كخَصَصْتُه أَخُصُّه مَصّاً،َ قال:
والفَصِيحُ الجَيِّدُ. مَصِصْتُه بالكَسْرِ أَمَصُّ: أي: شَرِبْتُهُ شُرْباً رَفِيقاً. انتهى(٢).
(قَالَ) وَّهِ: ((وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ) وفي رواية البخاريّ: ((ثُمّ بأمة))، وقوله: ((ثم مُرّ
بأمة)) بضم الميم، على البناء للمجهول، زاد أحمد عن وهب بن جرير:
((تُضرَب)). (وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا) وفي رواية الأعرج، عن أبي هريرة: ((تُجَرّر،
ويُلعب بها))، وهي بجيم مفتوحة، بعدها راء ثقيلة، ثم راء أخرى، (وَيَقُولُونَ:
زَنَيْتٍ، سَرَقْتٍ) بكسر التاء فيهما على المخاطبة، وبسكونها على الخبر، (وَهِيَ
(١) ((المفهم)) ٥١٥/٦ - ٥١٦.
(٢) (تاج العروس)) ٤٥٣٥/١.

٢٤٧
(٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى النَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) وفي رواية أحمد: ((يقولون: سرقت، ولم
تسرق، زنيت، ولم تَزْن، وهي تقول: حسبي الله))، وفي رواية الأعرج:
((يقولون لها: تزني، وتقول: حسبي الله، ويقولون لها: تسرق، وتقول:
حسبي الله))، ووقع في رواية خلاس: ((أنها كانت حبشية، أو زنجية، وأنها
ماتت، فجرّوها، حتى ألقوها))، وهذا معنى قوله في رواية الأعرج: ((تُجَرَّر)).
(فَقَالَتْ أُّهُ)؛ أي: أم الصبيّ، (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ
إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِ مِثْلَهَا، فَهُنَالَ)؛ أي: في ذلك المكان؛ أو: في ذلك
الوقت (تَرَاجَعَا) الأم والصبيّ، (الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ) الأم: (حَلْقَى) وفي بعض
النسخ: ((فقالت: يا بُنيّ حَلْقَى))، قال النوويّ تَخُّْ: معنى تراجعا الحديث:
أقبلت على الرضيع تحدثه، وكانت أوّلاً لا تراه أهلاً للكلام، فلما تكرر منه
الكلام عَلِمت أنه أهل له، فسألته، وراجعته. انتهى.
وقولها: ((حَلْقَى)) مقصور، غير منوَّن، مثل سكرى، ومن المحدثين من
ينوّن، وهو الذي صوّبه أبو عبيد، قال: معناه: أصابه الله تعالى بوجع في
حلقه، فهو دعاء على الولد، وقال ابن الأنباريّ: ظاهره الدعاء على نفسها،
وليس بدعاء، وقال غير أبي عبيد: ((حلقى)) مثل غضبَى: أي: جعلها الله
كذلك، والألف ألف التأنيث، وقال الأصمعيّ: هي كلمة تقال للأمر يُتعجّب
منه: عقرى، وحلقى، وخَمْشَى: أي: يعقر منه النساء خدودهنّ بالخدش،
ويحلقن رؤوسهن للتسلَّب على أزواجهنّ لمصائبهن، ومن التعجب في حديث
الطفل الذي تكلم في المهد، فقالت له أمه: ((حلقى))، أفاده في ((المشارق)(١).
(مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا
تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ، وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتٍ، سَرَقْتِ،
فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا) قال
النوويّ تَُّ: أي: اللَّهُمَّ اجعلني سالِماً من المعاصي، كما هي سالمة، وليس
المراد مثلها في النسبة إلى باطل تكون منه بريئة(٢). (قَالَ) الصبيّ مبيّناً سبب
(١) ((مشارق الأنوار)) ١/ ١٩٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٦.

٢٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
كلامه هذا: (إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً) وفي رواية أحمد: ((فقال: يا أمتاه، أما
الراكب ذو الشارة فجبار من الجبابرة))، وفي رواية الأعرج: ((فإنه كافر))،
(فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتٍ، وَلَمْ تَزْنٍ، وَسَرَقْتِ،
وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا))) وفي الحديث أن نفوس أهل
الدنيا تقف مع الخيال الظاهر، فتخاف سوء الحال، بخلاف أهل التحقيق،
فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة، فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة، كما قال
تعالى حكاية عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم: ﴿ ... يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوِ
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَبُ اٌللَّهِ خَيْرٌ﴾.
٧٩
قَدْرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
الآية [القصص: ٧٩، ٨٠]، وفيه أن البشر طُبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس
بالخير لطلب المرأة الخير لابنها، ودَفْع الشر عنه، ولم تذكر نفسها، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٨٧/٤٨ و٦٤٨٨] (٢٥٥٠)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٨٢) و((الأنبياء)) (٣٤٣٦ و٣٤٦٦)، وعلّقه في ((الصلاة))
(١٢٠٦)، وفي ((الأدب المفرد)) (٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٧/٢ - ٣٠٨
و٣٩٥ و٤٣٣ و٤٣٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٤٨٨ و٦٤٨٩)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (١٧٨/١١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٨٧/٤
و٢٨٨)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (١٩٤/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عِظَم برّ الوالدين، وتأكد حقّ الأمّ، وإجابة دعائهما،
ولو كان الولد معذوراً، لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد.
٢ - (ومنها): أن الأمرين إذا تعارضا بُدئ بأهمهما.
٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): فيه إيثارُ إجابة الأم على صلاة
التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة، وإجابة الأم وبرّها واجب، قال النوويّ

٢٤٩
(٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
وغيره: إنما دعت عليه، فأجيبت؛ لأنه كان يمكنه أن يخفف، ويجيبها، لكن
لعله خَشِي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا، وتعلّقاتها. قال
الحافظ: كذا قال النوويّ، وفيه نظرٌ؛ لِمَا تقدّم من أنها كانت تأتيه، فيكلمها،
والظاهر أنها كانت تشتاق إليه، فتزوره، وتقتنع برؤيته، وتكليمه، وكأنه إنما لم
يخفف، ثم يجيبها؛ لأنه خشي أن ينقطع خشوعه، وفي حديث يزيد بن
حوشب، عن أبيه: ((أن النبيّ وٍَّ قال: لو كان جريج فقيهاً لعلم أن إجابة أمه
أولى من عبادة ربه»، أخرجه الحسن بن سفيان، وهذا إذا حُمِل على إطلاقه
استفيد منه جواز قطع الصلاة مطلقاً لإجابة نداء الأم نفلاً كانت، أو فرضاً،
وهو وجه في مذهب الشافعيّ، حكاه الرويانيّ، وقال النوويّ تبعاً لغيره: هذا
محمول على أنه كان مباحاً في شرعهم، وفيه نَظَر، والأصح عند الشافعية أن
الصلاة إن كانت نفلاً، وعَلِم تأذي الوالد بالترك، وَجَبت الإجابة، وإلا فلا،
وإن كانت فرضاً، وضاق الوقت لم تَجِب الإجابة، وإن لم يَضِق وَجَب عند
إمام الحرمين، وخالفه غيره؛ لأنها تلزم بالشروع، وعند المالكية أن إجابة
الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها، وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك
يختص بالأم دون الأب، وعند ابن أبي شيبة من مرسل محمد بن المنكدر ما
يشهد له، وقال به مكحول، وقيل: إنه لم يقل به من السلف غيره. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أن الله تعالى يجعل لأوليائه مخارج عند ابتلائهم بالشدائد
غالباً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرًَا﴾ [الطلاق: ٢]، وقد يُجري
عليهم الشدائد في بعض الأوقات زيادةً في أحوالهم، وتهذيباً لهم، فيكون
لطفاً .
٥ - (ومنها): استحباب الوضوء، والصلاة عند الدعاء بالمهمات.
٦ - (ومنها): أن الوضوء كان معروفاً في شَرْع من قبلنا، فقد ثبت في
هذا الحديث في ((صحيح البخاريّ)): ((فتوضأ، وصلى)) وقد حكى القاضي
عياض عن بعضهم أنه زعم اختصاصه بهذه الأمة، قاله النوويّ كَّتُهُ .
وقال في ((الفتح): وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة، خلافاً لمن
(١) ((الفتح)) ٧٢/٨ - ٧٣، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦).

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
زعم ذلك، وإنما الذي يختص بها الغُرّة والتحجيل في الآخرة، وقد تقدم في
قصة إبراهيم عليّلها أيضاً مثل ذلك في خبر سارة مع الجبار، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنّة والجماعة؛
خلافاً للمعتزلة.
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وفي هذا الحديث ما يدلّ على صحة وقوع كرامات
الأولياء، وهذا قول جمهور أهل السُّنَّة والعلماء، وقد نُسب لبعض العلماء
إنكارها، والظن بهم أنهم ما أنكروا أصلها، لتجويز العقل لها، ولِمَا وقع في
الكتاب، والسُّنَّة، وأخبار صالحي هذه الأمة، مما يدلّ على وقوعها، وإنَّما
محل الإنكار ادّعاء وقوعها ممن ليس موصوفاً بشروطها، ولا هو أهل لها،
وادّعاء كثرة وقوع ذلك دائماً متكرراً حتى يلزم عليه أن يرجع خرق العادة
عادة، وذلك إبطال لسُنَّة الله تعالى، وحسمُ السبل الموصلة إلى معرفة نبوة
أنبياء الله تعالى. انتهى(١).
٨ - (ومنها): بيان أن كرامات الأولياء قد تقع باختيارهم، وطَلبَهم، قال
النوويّ: وهذا هو الصحيح عند أصحابنا المتكلمين، ومنهم من قال: لا تقع
باختيارهم وطلبهم.
وقال ابن بطال: يَحْتَمِل أن يكون جريج كان نبيّاً، فتكون معجزة، قال
الحافظ: كذا قال، وهذا الاحتمال لا يتأتى في حق المرأة التي كلمها ولدها
المرضع، كما في بقية الحديث.
٩ - (ومنها): بيان أن الكرامات قد تكون بخوارق العادات على جميع
أنواعها، ومَنَعه بعضهم، وادَّعَى أنها تختص بمثل إجابة دعاء، ونحوه، قال
النوويّ: وهذا غلط من قائله، وإنكار للحسّ، بل الصواب جريانها بقلب
الأعيان، وإحضار الشيء من العدم ونحوه. انتهى (٢).
١٠ - (ومنها): الرفق بالتابع إذا جرى منه ما يقتضي التأديب؛ لأن أم
جريج مع غضبها منه لم تَدْعُ عليه إلا بما دَعَت به خاصّة، ولولا طلبها الرفق به
لَدَعَتْ عليه بوقوع الفاحشة، أو القتل.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥١٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٦.

٢٥١
(٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى النَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨)
١١ - (ومنها): بيان أن صاحب الصدق مع الله تعالى لا تضره الفتن.
١٢ - (ومنها): بيان قوّة يقين جريج المذكور، وصحة رجائه؛ لأنه
استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق، ولولا صحة رجائه بنطقه ما
استنطقه .
١٣ - (ومنها): أن فيه جواز الأخذ بالأشدّ في العبادة لمن عَلِم من نفسه
قوّة على ذلك.
١٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على أن بني إسرائيل كان من شَرْعهم
أن المرأة تُصَدَّق فيما تدعيه على الرجال من الوطء، ويُلحق به الولد، وأنه لا
ينفعه جَحْد ذلك، إلا بحجة تدفع قولها .
١٥ - (ومنها): أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة.
١٦ - (ومنها): بيان أن الْمَفْزَع في الأمور المهمة إلى الله تعالى يكون
بالتوجه إليه في الصلاة.
١٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ بعض المالكية بقول جريج: ((من أبوك يا
غلام؟)) بأن من زنى بامرأة، فولدت بنتاً لا يحل له التزوج بتلك البنت؛ خلافاً
الشافعية، ولابن الماجشون من المالكية، ووجه الدلالة أن جريجاً نَسَب ابن
الزنا للزاني، وصدّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نُطق المولود بشهادته
له بذلك، وقوله: ((أبي فلان الراعي))، فكانت تلك النسبة صحيحة، فيلزم أن
يجري بينهما أحكام الأبوّة والبنوّة، وخرج التوارث، والولاء بدليل، فبقي ما
عدا ذلك علی حکمه.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي))
يَتمسك به من قال: إن الزنى يُحَرِّم كما يُحَرِّم الوطء الحلال، فلا تحل أم
المزني بها، ولا بناتها للزاني، ولا تحل المزني بها لآباء الزاني، ولا لأولاده،
وهي رواية ابن القاسم عن مالك في ((المدونة))، وفي ((الموطأ)): إن الزنى لا
يحرم حلالاً، ويُستدلّ به أيضاً: أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني
بأمها، وهو المشهور، وقد قال عبد الملك ابن الماجشون: إنها تحلّ، ووجه
التمسّك على تينك المسألتين: أن النبيّ وَ ﴿ قد حَكَى عن جريج أنه نسب ابن
الزنى للزاني، وصدّق الله تسميته بما خرق له من العادة في نطق الصبيّ

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بالشهادة له بذلك، فقد صدّق الله جريجاً في تلك النسبة، وأخبر بها النبيّ وَل
عن جريج في معرض المدح لجريج، وإظهار كرامته، فكانت تلك النسبة
صحيحة بتصديق الله تعالى، وبإخبار النبيّ وَ لّر عن ذلك، فثبتت الْبُنُوّة،
وأحكامها .
لا يقال: فيلزم على هذا أن تجري بسببهما أحكام النبوة والأبوة من
التوارث، والولايات، وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث
بينهما، فلم تصح تلك النسبة؛ لأنَّا نجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرناه،
وقد ظهر ذلك في الأم من الزنى، فإنَّ أحكام النبوّة والأمومة جارية عليهما،
فما انعقد الإجماع عليه من الأحكام أنه لا يجري بينهما استثناء، وبقي الباقي
على أصل ذلك الدليل. وفيها مباحث تستوفى في غير هذا الموضع - إن شاء الله
تعالى - انتهى كلام القرطبيّ تَذَتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول من قال: لا يتعلّق بالزنا تحريم؛
إذ الحرام لا يحرّم الحلال، فيجوز للزاني أن يتزوج بأم المزنيّ بها، أو بأختها
هو الأرجح، وهو الذي يقتضيه ظاهر صنيع البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه))، حيث
نقل القول بالجواز عن ابن عبّاس ﴿ها، فإنه قال: إذا زنى بأخت امرأته لم
تحرم عليه امرأته، وقال أيضاً: إذا زنى بها لا تحرم عليه امرأته، وضعّف ما
نُقل عنه من التحريم، وعزا هذا القول في ((الفتح)) إلى الجمهور(٢)، والله تعالى
أعلم.
١٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْذّثُ: قوله: ((نبني صومعتك من
ذهب ... إلخ)) يدلّ على أن من تعدَّى على جدار أو دار وجب عليه أن يعيده
على حالته، إذا انضبطت صفته، وتمكّنت مماثلته، ولا تلزم قيمة ما تعدّى
عليه، وقد بوّب البخاريّ على حديث جريج هذا: ((من هدم حائطاً بنى مثله))،
وهو تصريح بما ذكرناه، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فإن تعذرت المماثلة، فالمرجع إلى القيمة،
وهو مذهب الكوفيين، والشافعيّ، وأبي ثور في الحائط، وفي ((العتبية)) عن
(١) ((المفهم)) ٥١٤/٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٩/١١.

٢٥٣
(٣) - بَابٌ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبُوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ - حديث رقم (٦٤٨٩)
مالك مثله، ومذهب أهل الظاهر في كل مُتْلَف هذا، ومشهور مذهب مالك
وأصحابه، وجماعة من العلماء أن فيه وفي سائر المتلفات المضمونات القيمة،
إلا ما يرجع إلى الكيل والوزن، بناءً منهم على أنه لا تتحقق المماثلة إلا
فيهما. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(٣) - (بَابٌ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ،
فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٨٩] (٢٥٥١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ،
ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ))، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ،
أَحَدَهُمَا، أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذكرا قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّثُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو
هريرة ظافيه رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ُه؛ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ)؛ أنه (قَالَ: ((رَغِمَ أَنَّفُ) بترك
(١) ((المفهم)) ٥١٤/٦ _ ٥١٥.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
التنوين؛ لإضافته إلى ((من أدرك ... إلخ)) مقدّراً، وفي الرواية التالية: ((رغم
أنفه ... إلخ)).
قال أهل اللغة: معناه ذَلّ، وقيل: كَرِهَ، وخَزِي، وهو بفتح الغين
المعجمة، وكسرها، وهو الرُّغم، بضم الراء، وفتحها، وكسرها، وأصله: لَصِقَ
أنفه بالرُّغام، وهو ترابٌ مختلط برَمْل، وقيل: الرَّغْم: كلُّ ما أصاب الأنف
مما يؤذيه، وفيه الحثّ على برّ الوالدين، وعِظَم ثوابه، ومعناه: أن برّهما عند
كِبَرهما، وضَعْفهما، بالخدمة، أو النفقة، أو غير ذلك سبب لدخول الجنة،
فمن قَصّر في ذلك فاته دخول الجنة، وأرغم الله تعالى أنفه، قاله
النوويّ تَذَتْهُ(١) .
وقال المناويّ نَّثُهُ: قوله: ((رغم أنف رجل)): أي: إنه مدعوّ عليه، أو
مُخْبَر عنه بلزوم ذلّ وصغار لا يطاق. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: الرَّغَامُ بالفتح: التراب، ورَغَمَ أنفه رَغْماً، من باب
قَتَل، ورَغِمَ، من باب تَعِبَ لغةٌ، كناية عن الذلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغَامِ هواناً،
ويتعدى بالألف، فيقال: أَرْغَمَ الله أنفه، وفعلتُهُ عَلَى رُغْم أنفه بالفتح،
والضم (٣): أي: على كُرْهٍ منه، ورَاغَمْتُهُ: غاضبته، وهذا تَّرْغِيمٌ له: أي:
إذلالٌ، وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يريدون
أعيانها، بل وضعوها لِمعانٍ غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظّ لظاهر
الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدميَّ، وحاجته خلف
ظهري، يريدون الإهمال، وعدم الاحتفال. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((رغم أنفه ... إلخ)) يقال: بكسر الغين،
وفتحها، لغتان، والرغم: بفتح الراء، وكسرها، وضمّها، ومعناه: لَصِق
بالرَّغام - بفتح الراء -: وهو التراب، وأرغم الله أنفه؛ أي: ألصقه به، وهذا
من النبيّ وَّ﴿ دعاءٌ مؤكّد على من قصّر في برّ أبويه، ويَحْتَمِل وجهين:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٦ - ١٠٩.
(٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٤/٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١ - ٢٣٢.
(٣) ذكر في ((القاموس)) أنه يُثلّث، فليُتنبّه.

٢٥٥
(٣) - بَابٌ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبُوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ - حديث رقم (٦٤٨٩)
أحدهما: أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه، فأهلكه، وهذا إنما يكون في
حقّ من لم يقم بما يجب عليه من بِرّهما.
وثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله تعالى؛ لأنَّ من أُلْصِق أنفه الذي هو
أشرف أعضاء الوجه بالتراب الذى هو موطئ الأقدام وأخسّ الأشياء، فقد
انتهى من الذّلّ إلى الغاية القصوى، وهذا يَصلُح أن يُدْعَى به على من فَرّط في
متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فَرّط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه
عند الكِبَر بالذِّكر، وإن كان برّهما واجباً على كل حال، إنما كان ذلك؛ لشدّة
حاجتهما إليه، ولضَعْفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، ولِيبادر الولدُ اغتنام
فرصة برّهما؛ لئلا تفوته بموتهما، فيندم على ذلك. انتهى(١).
(ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ))) كرّره ثلاث مرّات؛ إشارة إلى تأكيد هذا
الأمر، وتعظيمه، (قِيلَ: مَنْ) الذي رغم أنفه (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) وَلِ: ((مَنْ
أَدْرَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَر)؛ أي: وقت كِبَر السنّ، وقوله: (أَحَدَهُمَا، أَوْ كِلَيْهِمَا)
منصوب على البدليّة من أبويه، و((أو)) هنا للتقسيم، لا للشكّ.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((أحدهما، أو كليهما)) كذا الروايات الصحيحة
بنصب ((أحدهما، أو كليهما))؛ لأنَّه بدلٌ من والديه المنصوب بـ((أدرك))، وقد
وقع في بعض النُّسخ: ((أحدُهما، أَو كلاهما)) مرفوعين على الابتداء، ويُتكلّف
لهما إضمار الخبر، والأول أَولى. انتهى(٢).
وإنما قيّد بقوله: ((عند الكبر)) مع أن خدمة الأبوين ينبغي المحافظة عليها.
في كل زمن؛ لشدة احتياجهما إلى البرّ والخدمة في تلك الحالة، قاله
المناويّ كَذَتُهُ(٣).
(فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ))) لعقوقه لهما، وتقصيره في حقهما، وهو إسناد
مجازيّ؛ يعني: ذلّ، وخسر من أدرك أبويه، أو أحدهما في كبر السنّ، ولم
يَسْعَ في تحصيل مآربهما، والقيام بخدمتهما، فيستوجبَ الجنة، جعل دخول
الجنة بما يلابس الأبوين، وما هو بسببهما بمنزلة ما هو بفعلهما، ومسبَّب
(١) ((المفهم)) ٥١٨/٦.
(٣) ((فيض القدير)) ٣٤/٤.
(٢) («المفهم» ٥١٩/٦.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عنهما، وتعظيمهما مستلزم لتعظيم الله تعالى، ولذلك قَرَن تعالى الإحسان
إليهما، وبرّهما بتوحيده، وعبادته، فمن لم يغتنم الإحسان إليهما، سيما حال
كبرهما، فجدير بأن يهان، ويحقّر شأنه(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ثم لم يدخل الجنة)) معناه: دخل النار؛
لانحصار منزلَتَي الناس في الآخرة بين جنة ونار، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِ
اٌلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، فمن قيل فيه: لم يدخل النار منهم:
إنه في الجنة، وبالعكس، و((أو)) المذكورة هنا للتقسيم، ومعناه: أن المبالغة
في برّ أحد الأبوين عند عدم الآخر يُدخل الولد الجنة، كالمبالغة في برّهما
معاً؛ ويعني بهذه المبالغة: المبرّة التي تتعيّن لهما في حياتهما، وقد يتعيّن
لهما أنواعٌ من البرّ بعد موتهما، كما قد فَعَل عبد الله بن عمر رضيًّا مع
الأعرابيّ الذي وَصَله بالعمامة والحمار، ثم ذكر ما سمعه من النبيّ وَّ في
ذلك، وكما رَوَى أبو داود عن أبي أُسَيد، قال: بينا نحن عند رسول الله وَيه
إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله هل بقي من بِرّ أبويّ
شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ قال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما،
وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وَصِلة الرّحم التي لا توصَل إلا بهما، وإكرام
صديقهما))(٢) .
ولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرّم، وكبيرة من الكبائر، وقد دلّ
على هذا الكتابُ في غير موضع، وصحيح السُّنَّة، كما روى النسائيّ، والبزار،
من حديث ابن عمر ◌ًا عن النبيّ وَّ﴿ قال: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة: العاق لوالديه، والديّوثُ، والمرأة المتَرَجِّلة، تشبّه بالرجال، وثلاثة لا
يدخلون الجنّة: العاقّ لوالديه، والمنّان عطاءه، ومدمن الخمر))(٣).
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٤/٤.
(٢) حديث ضعيف، رواه أحمد (٤٩٧/٣ - ٤٩٨)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه
(٣٦٦٤)، وفي سنده علي بن عبيد وهو وإن وثّقه ابن حبّان، وأخرج حديثه في
((صحيحه))، إلا أنه مجهول، لم يرو عنه غير ابنه، فتنبّه.
(٣) حديث صحيح.

٢٥٧
(٣) - بَابٌ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ - حديث رقم (٦٤٨٩)
وعقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن
برّهما: موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا، أو
أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصيةً،
وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من
قبيل المندوبات، وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيّره في
حقّ الولد مندوباً إليه، وأمْرهما بالمندوب يزيده تأكيداً في ندبيّته، والصحيح
الأول؛ لأن الله تعالى قد قَرَن طاعتهما، والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده،
فقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ الآية [الإسراء:
٢٣]، وقال: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٨] في غير ما
موضع، وكذلك جاءت في السُّنَّة أحاديث كثيرة تقتضي لزوم طاعتهما فيما
أمرا به، فمنها ما رواه الترمذيّ عن ابن عمر ◌ًا قال: كان تحتي امرأة
أحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلّقها، فأبيت، فذكرت ذلك
لرسول الله وَ﴾، فقال: ((يا عبد الله بن عمر طلّق امرأتك))، قال أبو عيسى:
هذا حديث حسن صحيح.
فإن قيل: فكيف يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارئ؟.
فالجواب: أنه لم يرتفع حكم الله بحكم غیره، بل بحكمه، وذلك أنه لما
أوجب علينا طاعتهما، والإحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما، وجب
ذلك الامتثال؛ لأنَّه لا يحصل ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال، ولأنهما إن
خولفا في أمرهما حصل العقوق الذي حرّمه الله تعالى، فوجب أمرهما على كل
حال بإيجاب الله تعالى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظْلَفه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٨٩/٣ و٦٤٩٠ و٦٤٩١] (٢٥٥١)،
(١) ((المفهم)) ٥٢٠/٦ - ٥٢١.

٢٥٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٢١ و٦٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات))
(٣٥٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٤/٢ و٣٤٦)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٨٨٨)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (١٩٥/٦)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكّد حقوق الوالدين، ولا سيّما بعد كبرهما، وقد
قرنه الله تعالى بعبادته، فقال : ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].
٢ - (ومنها): بيان تحريم عقوقهما، وأنه من كبائر الذنوب.
٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ وَلّر بتعليم أمته، فكان يبدؤهم ببيان
الأحكام، وإن لم يسألوه.
٤ - (ومنها): بيان أن من لم يَقُم بحقوق والديه يُحرم من دخول الجنّة،
فهما سببان له في دخولها، أو حرمانها، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنَّفُّهُ، ثُمَّ
رَغِمَ أَنْفُهُ))، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا،
أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
وقوله: (أَوْ كِلَيْهِمَا) بالنصب، ووقع في بعض النسخ: ((أو كلاهما))،
وتقدّم توجيهه قبله.
والحديث من أفراد المصنّف ◌َظُّ، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

٢٥٩
(٤) - بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمُّ، وَنَحْوِهِمَا - حديث رقم (٦٤٩٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنٍ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ))، ثَلَاثاً ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قبل باب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الهيثم البجليّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال عن سُهيل هذه ساقها البخاريّ نَظُّ في
((الأدب المفرد))، فقال:
(٢١) - حدّثنا خالد بن مخلد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال:
حدّثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((رَغِم أنفه، رغم
أنفه، رغم أنفه))، قالوا: يا رسول الله من؟ قال: ((من أدرك والديه عنده الكبرُ،
أو أحدهما، فدخل النار)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ فَضْلِ صِلَةٍ أَصْدِقَاءِ الأَبِ وَالأُمِّ، وَنَحْوِهِمَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٩٢] (٢٥٥٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ،
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي
الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ
(١) ((الأدب المفرد)) ٢١/١.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً
كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ
يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدّاً لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الْخُزاعيّ مولاهم المصريّ، أبو يحيى بن
مِقْلاص ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) وقيل غير ذلك، وكان مولده سنة مائة (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ) عثمان القرشيّ، مولى عثمان، أو ابن عمر،
وقيل: الوليد بن الوليد، وهو وَهَمٌ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة(١) [٤].
روي عن جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيِّب، وعقبة بن مسلم
التجيبيّ، والعلاء بن أبي حكيم، وابن المنكدر، وعمران بن أبي يونس،
وعبد الله بن دينار، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن الهاد، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما خالف على قلة روايته، قال
الحافظ: وفَرْق بين أبي الوليد مولى ابن عمر، روى عنه، وعنه حيوة، والليث،
ولم يقل فيه شيئاً، وبين الوليد بن أبي الوليد مولى عثمان المدنيّ، روى عن
عبد الله بن دينار، وعنه حيوة بن شُريح، وقال فيه الكلام المحكيّ عنه هنا .
انتھی .
(١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): ليّن الحديث؛ لأنه قد روى عنه أربعة، ذكرهم
ابن أبي حاتم، ووثقه أبو زرعة الرازي، كما ذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل» (١٩/٩ - ٢٠) فتنبه.