النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسِ الْقَرَنِيِّ
الجريريّ، عن أبي نضرة العبديّ، عن أسير بن جابر، قال: قال صاحب لي،
وأنا بالكوفة: هل لك في رجل تنظر إليه؟ فذكر قصة أويس، وفيها: فتنحى إلى
سارية، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: ما لكم ولي تطؤون
عقبي، وأنا إنسان ضعيف، تكون لي الحاجة، فلا أقدر عليها معكم؟ لا تفعلوا
رحمكم الله، من كانت له إليّ حاجة فليلقني بعشاء، ثم قال: إن هذا المجلس
يغشاه ثلاثة نفر: مؤمن فقيه، ومؤمن لا يفقه، ومنافق، وذلك في الدنيا مثل
الغيث يصيب الشجرة المُونِعة المثمرة، فتزداد حسناً، وإيناعاً، وطِيباً، ويصيب
الشجرة غير المثمرة، فيزداد ورقها حسناً، ويكون لها ثمرة، ويصيب الهشيم من
الشجرة، فيحطمه، ثم قرأ: ﴿وَنُقَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَّ وَلَا
[الإسراء: ٨٢]، اللَّهُمَّ ارزقني شهادة توجب لي
٨٢
يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا
الحياة والرزق، قال أسير: فلم يلبث إلا يسيراً ضُرِب على الناس بعثٌ عليّ،
فخرج صاحب القطيفة أويس، وخرجنا معه حتى نزلنا بحضرة العدوّ، قال ابن
المبارك: فحدّثني حماد بن سلمة، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أسير،
قال: فنادى منادي عليّ: يا خيل الله اركبي، وأبشري، فصفّ الناس لهم،
فانتضى أويس سيفه حتى كَسَر جفنه، فألقاه ثم جعل يقول: يا أيها الناس تِمُوا
تِمُوا لِيَتِمّنّ وجوهٌ، ثم لا تنصرفُ حتى ترى الجنة، فجعل يقول ذلك، ويمشي
إذ جاءته رَمْية فأصابت فؤاده، فتردَّى مكانه، كأنما مات منذ دهر. صحيح
السند. انتهى من ((الإصابة)) باختصار(١).
وقال النوويّ كَُّ: هو أويس بن عامر، كذا رواه مسلم هنا، وهو
المشهور، قال ابن ماكولا: ويقال: أويس بن عمرو، قالوا: وكنيته أبو عمرو،
قُتل بصفين، وهو القَرَنيّ من بني قَرَن - بفتح القاف والراء - وهي بطن من
مُراد، وهو قرن بنِ رَدْمان بن ناجبة بن مراد، وقال الكلبيّ: ومراد اسمه
جابر بن مالك بن أُدَد بن صحب(٢) بن يعرب بن زيد بن كهلان بن سباد، هذا
الذي ذكرناه من كونه من بطنٍ من مراد، وإليه نُسب وهو الصواب، ولا خلاف
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢١٩/١ - ٢٢٢.
(٢) هكذا النسخة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فيه، وفي ((صحاح الجوهريّ)): أنه منسوب إلى قَرْن المنازل: الجبل المعروف
ميقات الإحرام لأهل نجد، وهذا غلط فاحش، وسبق هناك التنبيه عليه؛ لئلا
يُغترّ به. انتهى(١).
وقال القرطبيّ نَّتُهُ: اختلف في نسبه، فقيل: أويس بن عامر بن جَزْء بن
مالك، وهو الصحيح. وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص
المرادي، ثم القَرَني - بفتح الراء - منسوب إلى قرن، قبيلة معروفة. كان تَُّ من
أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله وَ لو أخبر عنه، ووَصَفه
بوصفه، ونَعْته، وعلامته لَمَا عرفه أحد، وكان موجوداً في حياة رسول الله وَّ،
وآمن به، وصدَّقه، ولم يلقه، ولا كاتَبه، فلم يُعَدّ في الصحابة. وقد أخبر النبيّ وَّ
أنه من التابعين، حيث قال: ((إنَّه خير التابعين)). وقد اختلف في زمن موته، فرُوي
عن عبد الله بن سلمة قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ﴿به، ومعنا
أويس القرني، فلما رجعنا مَرِض علينا، فحملناه، فلم يستمسك فمات، فنزلنا،
فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفّناه، وصلّينا عليه،
فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم
صفين: أفيكم أويس القرني؟ فقلنا: نعم، قال: إني سمعت رسول الله وَلايه
يقول: ((أويس القرني خير التابعين بإحسان))، وعَطَف دابته، فدخل مع أصحاب
علي. قال عبد الرحمن: فوُجد في قتلى أصحاب علي بنظُه.
وله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج ابن
الجوزيّ في كتابيهما. وأويس تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سمّي
الرجل، وقيل: إنه سُمّي بأوس الذي هو مصدر أُست الرجل أوساً: إذا
أعطيته، فالأوس: العطيّة. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٦٩] (٢٥٤٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ
(١) (شرح النوويّ)) ٩٤/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٤٩٥/٦ - ٤٩٦.

١٦٣
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسِ الْقَرَنِيَّ ◌َلُه - حديث رقم (٦٤٦٩)
جَابِرٍ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ،
فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلِ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ
بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمَّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ، فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلَّ مَوْضِعَ الدِّينَارِ، أَوِ
الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ، أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم - سعيد بن إياس الجريريّ، أبو
مسعود البصريّ، ثقةٌ اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الكوفيّ، تقدّم قبل باب.
٦ - (أُسَيْرُ بْنُ جَابِرٍ) - بالتصغير - ويقال: يُسير بن عمرو، أو ابن جابر
الكوفيّ، مختلف في نسبته، قيل: كِنْديّ، وقيل غير ذلك، وله رؤية، ثقةٌ [٢]
مات سنة خمس وثمانين (خ م قد س) تقدم في ((الزكاة)» ٢٤٧٠/٤٧.
٧ - (عُمَرُ) بن الخطاب الخليفة الراشد ظُه، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف ◌َُّهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن
صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنّة
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَيْرٍ) بضمّ الهمزة، وفتح السين المهملة، ويقال: يُسر - بضم الياء
المثناة، تحتُ - (ابْنِ جَابِرٍ) الْكِنديّ الكوفيّ، ويقال: أسير بن عمرو؛ (أَنَّ أَهْلَ

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الْكُوفَةِ) بالضمّ: البلدة المعروفة، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الكوفة: مدينة مشهورة
بالعراق، قيل: سُمّيت كوفة؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القومُ: إذا
اجتمعوا، واستداروا. انتهى(١). (وَفَدُوا)؛ أي: قَدِموا، قال في ((التاج)): وَفَدَ
إِليه، وعَلَيْهِ، يَفِدُ وَفْداً، بفتح، فسكون، ووُفُوداً بالضَّمّ ووِفَادَةً بالكسر، وإِفَادَةً
على البَدَلِ: قَدِمَ فهو وافِدٌ، قال سِيبويه: وقال الأَصْمَعِيُّ: وَفَدَ فُلَانٌ يَفِدُ
وِفَادَةً: إِذا خَرَج إِلى مَلِكِ، أَو أَميرٍ، وفي ((الصّحاح))، و((الأَّساس)): وَفَدَ فُلانٌ
علَى الأَمِيرٍ: أَي: وَرَدَ رَسُولاً، فهو وَافِدٌ. انتهى(٢). (إِلَى عُمَرَ) بن
الخطّاب ﴿ه، وقوله: (وَفِيهِمْ رَجُلٌ) جملة حاليّة، ولم يُعرف اسم الرجل
(مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأَوَيْسٍ)؛ أي: يحتقره، ويستهزئ، يقال: سَخِرت منه، وبه:
من باب تَعِب: هَزِئْتُ، والسِّخْريّ بالكسر: اسم منه، والسُّخْريّ بالضمّ لغة(٣).
قال النوويّ: وهذا دليل على أنه يُخفي حاله، ويكتم السر الذي بينه
وبين الله رَّك، ولا يَظهر منه شيء يدلّ لذلك، وهذا طريق العارفين، وخواصّ
الأولياء . انتهى.
(هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟)؛ أي: ممن يُنسب
(فَقَالَ عُمَرُ) .
إليهم، (فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) الذي كان يسخر من أويس، (فَقَالَ عُمَرُ) ◌َبه: (إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ)؛
أي: لا يترك (بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمّ لَهُ) وفي الرواية الآتية: ((هو بارّ بها))، (قَدْ كَانَ بِهِ
بَيَاضٌ) وفي الرواية الآتية: ((كان به برص))، قال في ((القاموس))، و((شرحه)):
البَرَصُ مُحَرَّكَةً: داءٌ مَعْرُوفٌ - أَعاذَنَا اللهُ منه، ومن كُلِّ داءٍ - وهو بَيَاضٌ يَظْهَرُ
في الجَسَدِ؛ لِفَسَادِ مِزَاجٍ، وقد بَرِصَ الرَّجُلُ، كَفَرِحَ، فهُوَ أَبْرَصُ، وهِيَ بَرْصاءُ،
وأَبْرَصَهُ اللهُ تَعَالَى. انتهَى(٤).
(فَدَعَا اللهَ) وَ أن يشفيه منه (فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ، أَوِ الدِّرْهَم)
((أو)) للشكّ من الراوي، وهذا المقدار دعا الله تعالى أن يُبقيه له ليتذكّر به نعم الله
عليه، (فَمَنْ لَقِيَهُ) بكسر القاف، (مِنْكُمْ)؛ أي: من الصحابة (فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ))) فيه
(١) ((المصباح المنير)) ٥٤٤/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٦٩/١.
(٢) (تاج العروس)) ٢٣٤٦/١.
(٤) ((تاج العروس)) ١/ ٤٤٠٢.

١٦٥
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسِ الْقَرَنِيُّ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٦٩)
الترغيب في طلب الاستغفار من أهل الخير والصلاح، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ظه هذا من أفراد
المصنّف نَظَلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٦٩/٥٦ و٦٤٧٠ و٦٤٧١] (٢٥٤٢)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٩/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨/١)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٤٥٦/٣)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١٩/١) و((الزهد)) (٦٠/١)،
و(البزّار) في («مسنده)) (٤٧٩/١ و٤٨٠)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٦٤/٦)،
و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٣٢٠/٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٨٠/٢)،
و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٤١٦/٩ و٤١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزات ظاهرة لرسول الله ﴾ حيث أخبر بصفة أويس
الْقَرَنِيّ تَخْلُهُ، فوُجد طِبقاً لِمَا أَخبر به.
قال القرطبيّ تَخّلُ: حديث أويس هذا دليل من أدلة صحَّة صدق
رسول الله وَ ل﴿؛ فإنَّه أخبر عنه باسمه، ونَسَبه، وصفته، وعلامته، وأنه يجتمع
بعمر ظه، وذلك كله من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من
غیر ریب. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان فضل هذا التابعيّ الجليل، وأنه خير التابعين بنص
الحديث، قال النوويّ تَخّْثهُ: هذا صريح في أنه خير التابعين، وقد يقال: قد
قال أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيِّب، والجواب: أن
مرادهم أن سعيداً أفضل في العلوم الشرعية، كالتفسير، والحديث، والفقه،
ونحوها، لا في الخير عند الله تعالى. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): فضلُ بِرِّ الوالدين، وفضل العزلة، وإخفاء الأحوال.
(١) «المفهم)) ٤٩٨/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٥/١٦.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٤ - (ومنها): استحباب طلب الاستغفار والدعاء من أهل الصلاح، وإن
كان الطالب أفضل منهم.
٥ - (ومنها): بيان أحوال الصالحين المخلصين، فإنهم يحبّون الخمول
وعدم الظهور؛ لأنه أعون على صلاح القلب، وعدم الغرور، والإعجاب
بالنفس.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: في قوله وَلّ: ((إن استطعت أن
يستغفر لك فافعل)): هذا لا يُفهم منه أن أويساً أفضل من عمرهظلبه، ولا أن
عمر غير مغفور له؛ للإجماع على أن عمر ظه أفضل منه؛ ولأنَّه تابعيّ،
والصحابي أفضل من التابعيّ، على ما بيّناه غير مرَّة، إنَّما مضمون ذلك:
الإخبار بأن أويساً ممن يُستجاب دعاءه، وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير،
واغتنام دعوة من تُرتجى إجابته، وهذا نحو مما أمَرَنا النبيّ وَّ به من الدعاء
له، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبيّ وَلّ أفضل ولد آدم،
ويروى أن رسول الله وَ ◌ّ قال لعمر ظَه لَمّا خرج لِيَعْتمر: ((يا أُخيّ أشركنا في
دعائك، ولا تنسنا))، رواه أحمد، والترمذيّ(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّفِ دَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٠] (.) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَقَّنُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ
رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم) بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيُّ: كان إذا شكَّ في حرف من الحديث تركه، وربما
وَهِم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير،
من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤.
(١) حديث ضعيف؛ لأن في سنده عاصم بن عبيد الله، ضعيف.

١٦٧
به - حديث رقم (٦٤٧٠)
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسِ الْقَرَنِيَّ
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (وَلَهُ وَالِدَةٌ) لم يُعرف اسمها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية حماد بن سلمة عن سعيد الجريريّ هذه ساقها الحاكم تَخَذْتُهُ
في ((المستدرك)) مطوّلةً، فقال:
(٥٧٢٠) - حدّثنا عليّ بن حمّاد العدل، ثنا الحسين بن الفضل البجليّ،
ومحمد بن غالب الضبيّ قالا: ثنا عفّان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، عن
سعيد الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أُسير بن جابر، قال: لَمّا أقبل أهل اليمن
جعل عمر ظله يستقري الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قَرَن؟ حتى أتى عليه
قَرَن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قرن، فرفع عمر بزمام، أو زمام أويس، فناوله
عمر، فعرفه بالنعت، فقال له عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس، قال: هل كان
لك والدة؟ قال: نعم، قال: هل بك من البياض؟ قال: نعم، دعوتُ الله
تعالى، فأذهبه عني إلا موضع الدرهم من سُرّتي لأَذكر به ربي، فقال له عمر:
استغفر لي، قال: أنت أحقّ أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله وَله، فقال
عمر: إني سمعت رسول الله وقليل يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس
القَرَنيّ، وله والدة، وكان به بياض، فدعا ربه، فأذهبه عنه، إلا موضع الدرهم
في سرّته))، قال: فاستغفر له، قال: ثم دخل في أغمار الناس، فلم يُدْرَ أين
وقع؟ قال: ثم قَدِم الكوفة، فكنا نجتمع في حلقة، فنذكر الله، وكان يجلس
معنا، فكان إذ ذكّرهم وقع حديثه من قلوبنا موقعاً لا يقع حديث غيره، ففقدته
يوماً، فقلت لجليس لنا: ما فعل الرجل الذي كان يقعد إلينا؟، لعله اشتكى،
فقال رجل: من هو؟ فقلت: من هو؟(١) قال: ذاك أويس القرني، فدُللت على
منزله، فأتيته، فقلت: يرحمك الله أين كنت؟ ولِمَ تركتنا؟ فقال: لم يكن لي
رداء، فهو الذي منعني من إتيانكم، قال: فألقيت إليه ردائي، فقذفه إليّ، قال:
فتخاليته ساعة، ثم قال: لو أني أخذت رداءك هذا فلبسته، فرآه عليّ قومي،
قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، لم يزل في الرجل حتى خدعه، وأخذ رداءه،
(١) كذا نسخة ((المستدرك))، والعبارة فيها ركاكة، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فلم أزل به حتى أخذه، فقلت: انطلق حتى أسمع ما يقولون، فلبسه، فخرجنا،
فمرّ بمجلس قومه، فقالوا: انظروا إلى هذا المرائي، لم يزل بالرجل حتى
خدعه، وأخذ رداءه، فأقبلت عليهم، فقلت: ألا تستحيون، لِمَ تؤذونه؟ والله
لقد عرضته عليه، فأبى أن يقبله، قال: فوفدت وفود من قبائل العرب إلى
عمر، فوفد فيهم سيد قومه، فقال لهم عمر بن الخطاب: أفيكم أحد من قَرَن؟
فقال له سيدهم: نعم أنا، فقال له: هل تعرف رجلاً من أهل قرن، يقال له:
أويس، من أمره كذا، ومن أمره كذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما تذكر من شأن
ذاك، ومَن ذاك؟ فقال له عمر: ثكلتك أمك أَدْرِكه، مرتين، أو ثلاثاً، ثم قال:
إن رسول الله ◌َ﴿ قال لنا: ((إن رجلاً يقال له: أويس من قَرَن، مِنْ أمره كذا،
ومِن أمره كذا))، فلما قَدِم الرجل لم يبدأ بأحد قبله، فدخل عليه، فقال:
استغفر لي، فقال: ما بدا لك؟، قال: إن عمر قال لي كذا وكذا، قال: ما أنا
بمستغفر لك حتى تجعل لي ثلاثاً، قال: وما هنّ؟ قال: لا تؤذيني فيما بقي،
ولا تخبر بما قال لك عمر أحداً من الناس، ونسي الثالثة. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - وَاللَّفْظُ
لاِبْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى،
عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَّ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ
سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَّى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ
عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ؟ ثُمَّ مِنْ قَرٍَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ
بَرَصٌ؟، فَبَرَأْتَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَم؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (أَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، مَعَ أَمْدَادٍ أَهْلِ
الْيَمَنِ (٢)، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرٍَ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَم، لَهُ
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) ٤٥٦/٣.
(٢) وفي نسخة: ((مع أمداد من أهل اليمن)).

١٦٩
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسِ الْقَرَنِيّ ◌َ﴿به - حديث رقم (٦٤٧١)
وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرٍّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ،
فَاقْعَلْ))، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ:
أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا
كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسِ،
قَالَ: تَرَكْتُهُ رَكَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((يَأْتِّي
عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرٍَ، كَانَ بِهِ
بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَم، لَهُ وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرٍّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ،
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ))، فَأَتَى أُوَيْساً، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ
أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ
عَهْدً بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطْنَ
لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَّقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ
قَالَ: مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟»
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
شرح الحديث:
◌ُ (إِذَا أَتَى
(عَنْ أُسَيْرِ بْنٍ جَابِرٍ)؛ أنه (قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ) بفتح الهمزة، جمع مَدَد بفتحتين، وهو: الجيش، وقال
النوويّ: هم الجماعة الْغُزاة الذين يُمدّون جيوش الإسلام في الغزو، واحدهم
مَدَدٌ. انتهى(١). (سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ)؛ أي:
وصل إليه، وأدركه (فَقَالَ: أَنْتَ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنت
(أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ) أويس: (نَعَمْ) أنا هو، (قَالَ) عمر ◌َظُهُ: (مِنْ مُرَادٍ؟)
بضمّ الميم: القبيلة المعروفة، (ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟) هو بفتحتين: بَطْن من مراد، كما
تقدّم أول الباب. (قَالَ) أويس: (نَعَمْ، قَالَ) عمر ◌َظُه: (فَكَانَ) بتقدير الاستفهام
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٥/١٦.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أيضاً؛ أي: أفكان (بِكَ بَرَصٌ؟) بفتحتين: داء معروف، (فَبَرَأْتَ مِنْهُ) بفتح
الراء، وكسرها، وتُضمّ، يقال: برأ من المرض يبرأ، من بابي نفع، وتَعِبَ،
وبَرُؤْ بُرْءاً، من باب قَرُب لغة؛ أي: صحّ منه، أفاده الفيّوميّ(١). (إِلَّا مَوْضِعَ
دِرْهَم؟) تقدّم أنها في سُرّته، بقيت ليتذكّر بها نعمة الله تعالى عليه. (قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ؛ لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) عمر ◌َله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ:
(يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ) وفي بعض النسخ: (مع
أمداد من أهل اليمن))، قال القرطبيّ ◌َثَّثُهُ: مع جماعاتهم، جَمْع مدد، وذلك
أنهم يُمَدّ بهم القوم الذين يَقْدَمون عليهم. انتهى(٢).
(مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَم، لَهُ
وَالِدَّةٌ، هُوَ بِهَا بَرِّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء؛ أي: محسنٌ إليها، ومَّطيع
لها، (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)؛ أي: لو حلف على وقوع شيء، أوقعه الله
إكراماً له بإجابة سؤاله، وصيانته من الحِنْث في يمينه، وهذا لعِظَم منزلته عند الله
تعالى، وإن كان حقيراً عند الناس، وقيل: معنى القَسَم هنا: الدعاء، وإيراره
إجابته، قاله النوويّ ◌َّهُ(٣) .
وقال القاضي عياض تَُّ في ((المشارق)): قوله: ((لو أقسم على الله
لأبرّه)): أي: أمضى يمينه على البرّ وصَدّقها، وقَضَى بما خرجت عليه يمينه،
وقد سبق ذلك في علمه، كإجابة ما دعا به، يقال: أبررت القسم: إذا لم
تخالفها، وأمضيتها على البَرّ، وقيل: معناه: لو دعا الله لأجابه، ويقال في هذا
أيضاً: بررت القسم، وكذلك: أبرّ الله حجه، وبرّه، وبررت في كلامك وبررت
(٤)
معاً . انتهى (٤).
وقال المناويّ تَّلهُ: «لو أقسم على الله لأبره)) أي: لو حلف يميناً على
أن الله يفعل كذا، أو لا يفعله، جاء الأمر فيه على ما يوافق يمينه؛ أي:
صَدَق، وصَدَق يمينه، يقال: أبر الله قَسَمك إذ لم يكن حانثاً، وقيل: معنى
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٧/١ بزيادة يسيرة.
(٢) («المفهم)» ٤٩٧/٦.
(٤) ((مشارق الأنوار)) ١/ ٨٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٦.

١٧١
(٥٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيّ ◌َلُبه - حديث رقم (٦٤٧١)
أقسم على الله أن يقول: اللَّهُمَّ إني أُقسم عليك بجلالك أن تفعل كذا، وهو
غير مستقيم هنا؛ لأنه قال: لأبرّه؛ أي: صدّقه، ولا دَخْل للصدق والكذب في
هذا اليمين، فيدخلها الإبرار. انتهى(١).
(فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ))) قال عمر ◌َظُه لأويس: (فَاسْتَغْفِرْ
لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ) أويس (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) ◌َبه: (أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ) أويس:
(الْكُوفَةَ)؛ أي: أريد الكوفة، (قَالَ) عمر: (أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟)؛ أي:
أميرها، (قَالَ) أويس: (أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ) - بفتح الغين المعجمة، وبإسكان
الموحّدة، وبالمدّ ـ أي: ضعافهم، وصعاليكهم، وأخلاطهم الذين لا يؤبه
لهم، وهذا من إيثار الخمول، وگتْم حاله(٢).
وقال القرطبيّ تَكَّثهُ: قوله: ((أكون في غبراء الناس))؛ الرواية الجيدة
فيه: بفتح الغين المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وهمزة ممدودة؛ ويعني
به: فقراء الناس، وضعفاءهم، والغبراء: الأرض، ويقال للفقراء: بنو غبراء،
كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها، كما قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةٌٍ
[البلد: ١٦]؛ أي: ذا حاجة ألصقته بالتراب، ومن هذا سَمَّوا الفقر: أبا
متربة، وقد روي ذلك اللفظ: ((في غُبَّر الناس)) - بضم الغين، وتشديد الباء -
جمع غابر، نحو: شاهد وشُهَّد، ويعني به: بقايا الناس، ومتأخريهم، وهم
ضعفاء الناس؛ لأنَّ وجوه الناس، ورؤساءهم يتقدمون للأمور، وينهضون
بها، وبتفاوضون فيها، ويبقى الضعفاء لا يُلتفت إليهم، ولا يؤبه بهم، فأراد
أويس أن يكون خاملاً بحيث يبقى لا يُلتفت إليه، طالباً السلامة، وظافراً
بالغنيمة. انتهى (٣).
(أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ) أسير بن جابر: (فَلَمَّا كَانَ) ((كان)» هنا تامّة، وفاعلها
قوله: (مِنَ الْعَامِ) ((ومن)) زائدة، على قول من يرى زيادتها في الإثبات، أو هي
اسم بمعنى ((بعض))، وهي الفاعل؛ أي: لمّا جاء العام، أو بعض العام،
وقوله: (الْمُقْبِلِ) بكسر الباء صفة لـ(العام))، وقوله: (حَجَّ رَجُلٌ) جواب ((لَمّا))،
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) ١٠٠/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦ / ٩٥ - ٩٦.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ولم يُعرف اسم الرجل. (مِنْ أَشْرَافِهِمْ)؛ أي: من أشراف قبيلة القَرَن،
(فَوَافَقَ)؛ أي: صادف ذلك الرجل (عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َُّه (فَسَأَلَهُ)؛ أي:
سأل عمرُ ذلك الرجل (عَنْ أُوَيْسٍ)؛ أي: عن شأنه وحاله. (قَالَ) الرجل:
(تَرَكْتُهُ) حال كونه (رَثَّ الْبَيْتِ) بفتح الراء، وتشديد المثلّثة: الشيء البالي،
والسّقَط من متاع البيت، فيكون قوله: (قَلِيلَ الْمَتَاعِ) تفسيراً له، وقال
النوويّ كَّلُهُ: هو بمعنى الرواية الأخرى: ((قليل المتاع))، والرَّثاثة، والْبَذَاذة:
بمعنَّى، وهو حَقَارة المتاع، وضيق العيش. انتهى(١).
(قَالَ) عمر رَظُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ
عَامِرٍ، مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرٍَ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا
مَوْضِعَ دِرْهَم، لَهُ وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرِّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ
يَسْتَغْفِرَ لَكَّ فَافْعَلْ))، فَأَتَى) ذلك الرجل بعدما سمع قول عمر ◌َظُته (أُوَيْساً،
فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ) أويس: (أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرِ صَالِح) بنصب ((عهداً))
على التمييز، ومعناه: الوقت، قال في ((التاج)): والعَهْدُ: الَّزَّمَانُ، كالعِهْدَان
بالكسر، وفي ((الأساس)): وهذا حِينُ ذلك، وعِهْدَانُهُ؛ أي: وَقتُهُ. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((أحدث عهداً))؛ أي: أقرب، وعهداً:
منصوب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَئًا وَرِهْيًا﴾ [مريم: ٧٤].
(فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالِحٍ،
فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ) أويس: (لَقِيتَ) بفتح التاء للخطاب، وهو بتقدير همزة
الاستفهام؛ أي: أَلَقِيْت (عُمَرَ) بن الخطاب؟ (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ)
أويس (لَهُ)؛ أي: لهذا الرجل، (فَفَطْنَ لَهُ النَّاسُ) مثلّث الطاء؛ أي: تفطّنوا له،
وعرفوا منزلته عند الناس، قال في ((التاج)): الفطنة بالكسر: الْحِذْق، وضدّه
الغَبَاوة، وقيل: الفطنة: الفهم، والذكاء، سرعته: وقيل: الفهم بطريق الفيض،
وبدون اكتساب، فَطِن به، وإليه، وله، كفَرِح، ونَصَر، وكَرُم، وقد ورد أيضاً
متعدياً بنفسه، قالوا: فَطِنَهُ؛ لتضمّنه معنى فَهِمَ، فَظْناً مثلثة الفاء، وبالتحريك،
وبضمتين، وفُطونةً، وفطانة، وفطانية، مفتوحتين، فهو فاطن له، وقيل: الفطانة
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٦/١٦.
(٢) ((تاج العروس)) ٢١٥٥/١.

١٧٣
(٥٧) - بَابُ وَصِيَّةِ النَِّيِّ ◌َلِ بِأَهْلِ مِصْرَ - حديث رقم (٦٤٧٢)
جودة استعداد الذهن لإدراك ما يَرِد عليه من الغير، ورجل فَطين، وفَطُون،
وفَطِنٌ، ككَتِفٍ، وفَظُنُ كنَدُسٍ، وفَظْنٌ، كعَدْل، والجمع: فُظْنٌ، بالضم،
وبضمتين. انتهى(١).
(فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ)؛ أي: ذهب حيث أراد من الأرض. (قَالَ أُسَيْرٌ)
راوي القصّة عن عمر به: (وَكَسَوْتُهُ)؛ أي: ألبسته (بُرْدَةً) بضمّ الموحّدة،
والراء: كساءٌ يُلتَحف بها، قال المرتضى: والبُرْدُ بالضّمّ: ثَوبٌ مُخطّط، وخَصَّ
بعضُهُم به الوَشْيَ، قاله ابن سيده، جَمْعه: أَبْرَادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ، وبُرَدٌّ،
كصُرَد، وبِرَادٌ، كُبُرْمَة وبِرَام، أَو كَقُرْطِ وقِرَاطِ، قال: والبُرْدُ: أَكْسِيَةٌ يُلتَحَفُ بها
الواحدة بِهاءٍ، وقِيل: إِذا جُعِلَ الصُّوفُ شُقَّةً، وله هُذْبٌ، فهي بُرْدَة، قال شَمِرٌ:
رأيت أَعرابِيّاً، وعليه شِبْهُ مِنديل، من صُوف، قد اتّزَرَ به، فقلت: ما تُسمِّيه؟
فقال: بُرْدَة، وقال اللَّيث: البُرْدُ معروف من بُرُودِ العَصْبِ، والوَشْىٍ، قال:
وأَمَا الْبُرْدَة: فكساءٌ مربَّع أَسْودُ، فيه صِغَرٌ، تَلْبَسه الأَعرابُ. انتهى(٢).
(فَكَانَ) أويس (كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ) ذلك الإنسان: (مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسِ هَذِهِ
الْبُرْدَةُ؟)؛ أي: من أي جهة أتته، وأيّ شخص أهداها له؟ وهذا استبعاد لَتفطّن
الناس له؛ لأنه كان خاملاً لا يُلتفت إليه، ولكن لمّا سمع الناس حديث
عمر نظريته تفطّنوا له، واحتفوا به، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد مضى تمام البحث به في شرح
حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٧) - (بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ بِأَهْلِ مِصْرَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٢] (٢٥٤٣) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
حَرْمَلَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ
(١) (تاج العروس)) ٢١٥٥/١.
(٢) (تاج العروس)) ١٨٨/١ - ١٨٩.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
- وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا ذَرِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً، يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ،
فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْراً، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً، وَرَحِماً، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي
مَوْضِعٍ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا))، قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ
حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعٍ لَبِنَّةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن سرح المصريّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانية - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله ثلاث وثمانون
سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم الحافظ المصريّ، تقدّم
قريباً .
٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ) هو: حرملة بن عمران بن قُرَاد التُّجِيبيّ
- بضم المثناة، وكسر الجيم، بعدها ياء ساكنة، ثم موحدة - أبو حفص
المصريّ، يُعرف بالحاجب، ثقةٌ [٧] (ت١٦٠) وله ثمانون سنةً (بخ م د س ق)
تقدم في ((الإمارة)) ٤٧١٤/٥.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ) - بفتح الميم، وسكون الهاء -
هو: عبد الرحمن بن شِماسة - بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الميم، بعدها
سين مهملة - المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠١) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٣٢٨/٥٧.
٦ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة، وقيل غيره، الصحابيّ الشهير، تقدّم
قريباً.
رضوعيه
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّلُهُ، وله فيه إسنادن، فصل بينهما
بالتحويل، وهو مسلسلٌ بالمصريين إلا الصحابيّ نَظُه، فإنه رَبَذيّ.

١٧٥
(٥٧) - بَابُ وَصِيَّةِ النَِّّ ◌َِهَ بِأَهْلِ مِصْرَ - حديث رقم (٦٤٧٢)
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةً) بكسر الشين المعجمة، كما في ((التقريب))،
وضَبَطه في ((القاموس)) كثُمامة، قال: ويُفتح(١)، وكذلك ضَبَطه النوويّ(٢).
(الْمَهْرِيِّ) بفتح الميم، وسكون الهاء: نسبة إلى مَهْرة بن حَيْدان بن عمر بن
إلحاف بن قُضاعة، قبيلة كبيرة، قاله في ((اللباب))(٣). (قَالَ) عبد الرحمن:
(سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) ◌َه، هذا تصريح من عبد الرحمن بن شماسة بأنه سمع من
أبي ذرّ ◌ُه، وقد اعترض الدارقطنيّ على مسلم بأنه أخرج بعد هذا عن
عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي بصرة، عن أبي ذرّ، فأدخل أبا بصرة بين
عبد الرحمن وبين أبي ذرّ، لكنه لم يُفصح بتخطئة مسلم، والذي يظهر أن هذا
لا يضرّ، وإنما غايته أن عبد الرحمن سمعه أولاً من أبي بصرة، ثم لقي أبا
ذرّ رَظ ◌ُه، فسمعه منه، أو سمعه منه، ثم ثبّته أبو بصرة، وهذا كثير في روايات
الثقات، وقد صرّح فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً، يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ)
وفي الرواية التالية: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ))،
و((القيراط)) بكسر القاف، وتخفيف الراء، آخره طاء مهملة، يقال: أصله قِرَّاطٌ،
لكنه أُبدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف، كما في دينار ونحوه، ولهذا يُرَدّ
في الجمع إلى أصله، فيقال: قَرَارِيطُ، قال بعض الحساب: القِيرَاطُ في لغة
اليونان حبة خُرْنُوب، وهو نصف دانِق، والدرهم عندهم اثنتا عشرة حبة،
والْحُسّاب يقسمون الأشياء أربعة وعشرين قيراطاً؛ لأنه أول عدد له ثُمن،
وربع، ونصف، وثلث صحيحات، من غير كسر(٤)، قاله الفيّومي تَّهُ
(٥)
انتھی(٥).
(١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٧٠٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩٦/١٦.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٥/٣.
(٤) قدّر المعاصرون القيراط بالمعايير المعاصرة فقالوا: (٢٠٤١) غراماً، راجع:
((الإيضاحات العصريّة)) ص٢١٧.
(٥) ((المصباح المنير)) ٤٩٨/٢.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشْره
في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين، والياء فيه بدل
من الراء، فإن أصله: قِرّاط، وقد تكرر في الحديث، وأراد بالأرض
المستفتحة: مصر، وخصّها بالذِّكر، وإن كان القيراط مذكوراً في غيرها؛ لأنه
كان يغلب على أهلها أن يقولوا: أعطيت فلاناً قراريط، إذا أسمعه ما يكرهه،
واذهب لا أعطيك قراريطك: أي: سَبَّك وإسماعك المكروه، ولا يوجد ذلك
في كلام غيرهم. انتهى(١).
وقال النوويّ: قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم،
وغيرهما، وكان أهل مصر يُكثرون من استعماله، والتكلم به. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا منه وَّ إخبار بأمر غيب، وقع على نحو ما
أخبر به، فكان دليلاً من أدلة نبوته وَ له، ومعنى يُسَمَّى فيها القيراط: يعني به:
أنه يدور على ألسنتهم كثيراً، وكذلك هو؛ إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر
عن ذِكره غالباً؛ لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمِّونها: قراريط، وقِطَع
الدراهم يسمّونها: قراريط، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم، فإنَّهم يسمُّون
ذلك بأسماء أخر، فأهل العراق يسمُّون ذلك: طسُوجاً ورزة، وأهل الشام:
قرطيس، ونحو ذلك. انتهى(٣).
وقال في ((المعتصر)): ليس المراد قيراط الدرهم والمثقال المعروف في
كلام الناس، ولا الذي ورد في الحديث في أجر المصلي على الجنازة المشيِّع
لها، وفي وِزْر مقتني الكلاب، وإنما المراد به السبّ، من قولهم: أعطيت فلاناً
قرار يطه، إذا سمع منه ما يُكره، وأجابه بما يكرهه، ويحذِّر بعضهم بعضاً،
فيقول: اذهب عني لا أعطيك قرار يطك؛ يعني: سبابك، وإسماعك المكروه،
ولا يَعرف هذا أهلُ مدينة سوى أهل مصر، فكان الإخبار بهذا عَلَماً من أعلام
النبوة .
والمراد بأهلها: القبط، يوضّحه ما روي أن رسول الله وَ لفي قال: ((إن
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤/ ٤٢.
(٣) ((المفهم)) ٤٩٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦ / ٩٧.

١٧٧
(٥٧) - بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ◌َهُ بِأَهْلِ مِصْرَ - حديث رقم (٦٤٧٢)
فتحتم مصر، فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمةً، ورحماً))(١)؛ لأن هاجر أم
إسماعيل كانت منهم، فهذه الرحم، وأما الذمة مع أنهم كانوا أهل حرب،
وليس لهم ذمة، فإن المراد بذلك الحقّ الذي لهم برحمهم، فكان ذلك ذِماماً
لهم، يجب رعايته، كقوله تعالى: ﴿إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾ [التوبة: ٨]، فإنها هي التذمم.
انتھی(٢).
(فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْراً) قال البيضاويّ: الاستئصاء: قبول الوصية،
والمعنى: أوصيكم بهم خيراً، فاقبلوا وصيتي فيهم، فإن لهم ذمّةً، وقال
الطيبيّ: الأظهر أن السين: للطلب مبالغةً؛ أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في
حقهم بخير، وقيل: السين للمبالغة كالسين في استعجبت، ويجوز أن يكون من
الخطاب العامّ: أي: يستوصي بعضكم من بعض في حقهم، أفاده في
((العمدة))(٣).
وقال في ((المبارق)): ولعل المناسبة بين تسمية القيراط وبين الوصيّة بهم
أن القوم لهم دناءة وفُحش في لسانهم، فإذا استوليتم عليهم، فأحسنوا إليهم
بالعفو، ولا يحملنكم سوء أقوالهم على الإساءة إليهم. انتهى (٤).
(فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً، وَرَحِماً) قال النوويّ كَثْتُ: الذمة هي الحرمة، والحقّ،
وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما
الصهر فلكون مارية أم ابراهيم منهم.
وقال ابن الأثير: معنى قوله: ((فإن لهم ذمةً ورحِماً)): أي: أن هاجر أم
إسماعيل لنظلّلا كانت قبطية من أهل مصر. انتهى(٥).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: الذمة: الحرمة، والذمام: الاحترام، وقد يكون ذلك
لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام، وهذا هو المراد
بالذمة هنا، والله تعالى أعلم؛ إذ لم يكن لأهل مصر من النبيّ وَّ عهد سابق،
(١) صححه الشيخ الألبانيّ كثُّهُ. راجع: ((الصحيحة)) ٣٦٢/٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٦٦/٢٠.
(٢) ((معتصر المختصر)) ٢١٨/١.
(٤) نُقل أيضاً من هامش النسخة التركيّة لـ((صحيح مسلم)) ٧/ ١٩٠.
(٥) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤/ ٤٢.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وإنما أراد: أن لهم حقّاً لِرَحمهم، أو صهرهم، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنهم
يكون لهم عهد بما ينقد لهم من ذلك حين الفتح. وهذا التأويل على بُعده
يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى عفرة: أن رسول الله وَالله قال:
(الله! الله في أهل المدرة السَّوداء السُّحم، الجعاد؛ فإنَّ لهم نسباً وصهراً))(١)،
قال عمر: فنَسبَهم: أن أم إسماعيل منهم، وصهرهم: أن رسول الله وَل تسرى
منهم، قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر من أم العرب: قرية كانت أمام
الفَرَما، وأم إبراهيم مارية سرية النبيّ بَّ التي أهداها له المقوقس من حَقْن من
كورة أَنْصِنا. والمدرة: واحدة المدر، والعرب تسمي القرية: المدرة، وأهل
المدر: أهل القرى. والسُّحْم: السُّود، جَمْع أسحم، وهو الشديد الأدمة،
وفوقه: الصُّخْمة - بالصاد -. والجعاد: المتكسرو الشعور، وهذه أوصاف أهل
صعید مصر غالباً، وقد تقدَّم ذِکر هاجر.
والفَرَما: قرية من عمل صعيد مصر، سمّيت بِاسْم بانيها، وهو الفرما بن
قليقس، ويقال: ابن قليس، ومعناه: محب الغرس، وهو أخو الإسكندر بن قليس
اليوناني، ذكره الطبريّ، وذكر أن الإسكندر حين بنى الإسكندرية، قال: أبني مدينة
فقيرة إلى الله غنية عن الناس، وقال الفرما: أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى
الناس، فسلَّط الله تعالى عليها الخراب سريعاً، فذهب رَسْمها، وبقيت
الإسكندرية، وسمِّيت مصر بمصر بن النبيط ولد كوش بن كنعان، وقال أبو
العباس: اشتقاق مصر من المصر، وهو القطع، كأنها قُطعت من الخراب، ومنه:
المصر: الحاجز، ومصوّر الدار: حدودها. وحفن: قرية مارية سُرِّية النبيّ وَله
بالصعيد معروفة، وهي التي كلَّم الحسن بن علي معاوية أن يضع الخراج عن أهلها
لوصية رسول الله وَّيقر بهم، ففعل معاوية ذلك، ذكره أبو عبيد في ((الأموال)).
وأنصنا: مدينة السَّحَرة، وحَفن من عملها، والمقوقس: هو ملك مصر
بعث له رسول الله ◌َّ﴿ حاطب بن أبي بلتعة، وجبراً مولى أبي رُهم بكتاب، فلم
يبعد عن الإسلام، وأهدى له مارية، ويقال: وأختها سيرين، وبغلة تسمَّى:
(١) ذكره ابن هشام في ((السيرة النبويّة)) ١/ ٦، ويحتاج إلى النظر في إسناده، فأين هو؟
والله تعالى أعلم.

١٧٩
(٥٧) - بَابُ وَصِيَّةِ النَِّّ لَهُ بِأَهْلِ مِصْرَ - حديث رقم (٦٤٧٢)
الدَّلدل، والدلدل: القنفذ العظيم. والمقوقس: المطوِّل للبناء. يقال في المَثَل:
أنا في القوس، وأنت بالقوقوس(١) فمتى نجتمع؟! انتهى (٢).
(فَإِذَا وَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانٍ)؛ أي: يختصمان، كما في الرواية التالية، (في
مَوْضِعٍ لَبِنَةٍ)؛ أي: في شيء قليل من الأرض، يكون مساحته قَدْر لبنة، وهو
الطوب، قال الفيّوميّ تَّقُ: اللَِّنُ، بكسر الباء: ما يُعْمَل من الطين، ویبنی به،
الواحدة: لَبِنَةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثل حِمْلٍ. انتهى(٣).
(فَاخْرُجْ) الخطاب لأبي ذرّ ◌َُّه، ولكن المراد به العموم. (مِنْهَا)))؛ أي:
من تلك الأرض، وهي مصر. (قَالَ: فَمَرَّ) الظاهر أن فاعل ((قال)) ضمير
حرمة بن عمران، والمار هو عبد الرحمن بن شماسة، والله تعالى أعلم.
(بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ) أما عبد الرحمن بن شُرَحبيل بن
حسنة، فقال في ((الإصابة)): ذَكّره محمد بن الربيع الْجِيزيّ فيمن دخل مصر من
الصحابة ﴿ه، وشَهِد فتحها، وكان قد أدرك النبيّ وَّ، ولا يُعرف له عنه
حديث هو وأخوه ربيعة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يروي عن
أبيه، وله صحبة، روى عنه أهل مصر، قال الحافظ: والضمير في قوله: ((وله
صحبة)) لأبيه. انتهى (٤).
وأما أخوه ربيعة بن شُرحبيل بن حسنة، فقال في ((الإصابة)) أيضاً: ذَكَره
محمد بن الربيع بن سليمان الْجِيزيّ فيمن دخل مصر من الصحابة ﴿، فقال:
وممن شَهِد فَتْحها، وقد أدرك النبيّ بَّ، وهو غلام، وأخوه عبد الرحمن بن
شرحبيل. انتهى(٥) .
وقوله: (يَتَنَازَعَانِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنهما يتخاصمان (فِي مَوْضِعِ
لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا)؛ أي: من أرض مصر؛ عملاً بوصيّة رسول الله وَّه، والله
تعالى أعلم.
(١) هكذا النسخة، ولعله بالمقوقس، فليُحرّر.
(٢) ((المفهم)) ٤٩٩/٦ - ٥٠٠.
(٤) (الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٨/٥.
(٥) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٠٤/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٤٨/٢.

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ رُّه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٢/٥٧ و٦٤٧٣] (٢٥٤٣)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٧٣/٥ - ١٧٤)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٢٣/٣ - ١٢٤)،
و(ابن عبد الحكم) في ((فتوح مصر)) (ص٢ - ٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦٦٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٠٣/٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٠٦/٩) و((دلائل النبوّة)) (٣٢١/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل أهل مصر؛ لأن النبيّ وَل﴿ أوصى بهم، فقال:
((استوصوا بأهلها خيراً))، وقال أيضاً: ((فأحسنوا إلى أهلها)).
٢ - (ومنها): أن فيه معجزات ظاهرة لرسول الله صل﴾ منها: إخباره بأن
الأمة تكون لهم قوّة وشوكة بعده ◌َّ، بحيث يقهرون العجم، والجبابرة،
ومنها: أنهم يفتحون مصر، ومنها: تنازُع الرجلين في موضع اللَِّنة، ووقع كل
ذلك، ولله الحمد(١) .
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَخَّلهُ: قوله: ((يختصمان فيها في موضع
لبنة))؛ يعني بذلك: كثرة أهلها، ومشاحنتهم في أرضها، واشتغالهم بالزراعة
والغرس عن الجهاد، وإظهار الدِّين، ولذلك أمَره بالخروج منها إلى مواضع
الجهاد، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الناس إذا ازدحموا على الأرض،
وتنافسوا في ذلك كَثُرَت خصومتهم، وشرورهم، وفشا فيهم البخل، والشر،
فيتعيّن الفرار من محلٌّ يكون كذلك، إن وجد محلّاً آخر خليّاً عن ذلك،
وهيهات كان هذا في الصدر الأول، وأما اليوم، فوجود ذلك في غاية البُعد؛
إذ في کل واد بنو سعد.
واللبنة: الطوبة، وتُجْمَع على لَبِن، وفيه من الفقه: الأمر بالرفق بأهل
أرياف مصر، وصعيدها، والإحسان إليهم، وخصوصاً أهل تينك القريتين، لِمَا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦ / ٩٧.