النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٦)
٣ - (ومنها): بيان كون النجوم أماناً للسماء، فحيث وُجدت كانت السماء
آمنة من الانشقاق والانفطار.
٤ - (ومنها): أن فيه معجزة للنبيّ وَله، حيث وُجدت هذه الأمور حسبما
أخبر، فما وقع التفرق والاختلاف إلا بعد موته وَلي، وكذا ما فشا الاختلاف
العقديّ، وانتشر في الأرض، وما كثر الابتداع والمحدثات إلا بعد موت
الصحابة ﴿ه، فوقع كلّ ذلك كما أخبر وَله.
قال الإمام ابن حبّان رَُّه في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث:
قال أبو حاتم تَّلُ: يشبه أن يكون معنى هذا الخبر: أن الله جل وعلا
جعل النجوم علامة لبقاء السماء، وأمنةً لها عن الفناء، فإذا غارت، واضمحلت
أتى السماء الفناء الذي كُتب عليها، وجعل الله جل وعلا المصطفى أمنة
أصحابه من وقوع الفتن، فلما قبضه الله جل وعلا إلى جنته أتى أصحابه الفتن
التي أُوعدوا، وجعل الله أصحابه أمنة أمته من ظهور الجور فيها، فإذا مضى
أصحابه أتاهم ما يوعدون، من ظهور غير الحقّ، من الجور، والأباطيل.
انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾.
﴿ِّ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،
(٥٣) - (بَابُ فَضْل الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٦] (٢٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ
الضَّبُِّّ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرُو جَابِراً
يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َ، قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو
فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيَكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ وََّ؟، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ،
فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢٣٥/١٦.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رَسُولَ اللهِنَّهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ
فِيَكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِنََّ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، ذُكر قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) هو: أحمد بن عبدة بن موسى الضبيّ، أبو
عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان))
١٠٣/١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﴿يَا، تقدّم قريباً.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عبيد الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، استُصْغِر بأُحُد، ثم شَهِد ما بعدها، ومات
بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وهو
من رواية الأقران، وكلاهما من المكثرين السبعة، روى الأول (١٥٤٠) حديثاً،
والثاني (١١٧٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبِهِ، (عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ)؛ أنه (قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو)؛ أي: يريد، ويطلب العدوّ، يقال: غزاه غَزْواً: أراده،
وطلبه، وقَصَده، كاغتزاه، وغزا العدوّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْواً،

٨٣
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٦)
وغَزَوَاناً، قاله المجد تَظْذُ(١). (فِئَاٌ) بكسر الفاء، وفتح الهمزة، ويقال: فيام،
بياء مخففة، وفيه لغة أخرى، وهي فتح الفاء، ذكره ابن عديس، وفي
((التهذيب)): العامة تقول: فيام، وهي الجماعة من الناس، قال صاحب
((العين)): ولا واحد له من لفظه(٢). وقوله: (مِنَ النَّاسِ) بيان لـ «فئام))، (فَيُقَالُ
لَهُمْ)؛ أي: للفئام الغزاة؛ أي: يقول بعضهم لبعض: (فِيكُمْ) بتقدير همزة
الاستفهام؛ أي: أفيكم (مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ وَليه؟) وفي لفظ: ((هل فيكم من
صحب رسول الله وَ﴾؟)) بَدَل ((من رأى))، وقوله: ((من رأى ... إلخ)) ردّ لقول
جماعة من المتصوفة القائلين: إن رسول الله ويقي لم يره أحد في صورته، ذَگره
(٣)
السمعانيّ(٣).
وقال ابن بطال كثّثُ: هو كقوله وَّر في الحديث الآخر: ((خيركم قرني،
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))؛ لأنه يُفتح للصحابة ﴿ه؛ لِفَضْلهم، ثم
للتابعين لفضلهم، ثم لتابعيهم لفضلهم، قال: ولذلك كان الصلاح، والفضل،
والنصر للطبقة الرابعة أقلّ، فكيف بمن بَعْدَهم؟ والله المستعان. انتهى (٤).
وفيه معجزة لرسول الله وَله، وفضيلة لأصحابه، وتابعيهم
(فَيَقُولُونَ)؛ أي: يجيب المسؤولون بقولهم: (نَعَمْ)؛ أي: معنا من رأى
رسول الله وَه، (فَيُفْتَحُ لَهُمْ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يفتح الله تعالى لهم بلد
العدوّ، ويهزمهم، فتُغنم أموالهم، وتسبى ذراريّهم بسبب ذلك الصحابيّ، وبركة
رؤيته للنبيّ وَّهِ. (ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ)؛ أي: جماعة أُخَر (مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ:
فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ) بسبب
بركة ذلك التابعيّ الرائي للصحابيّ، ودعائه بالنصر والفتح. (ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ
النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ وَلِ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ))) بسبب بركة ذلك تابعي التابعيّ، ودعائه بالنصر
والفتح، ثم إنه ذكر في هذا الحديث ثلاث طبقات: طبقة الصحابة، ثم طبقة
(١) ((القاموس المحيط)) ص٩٤٧.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٤/ ١٨٠.
(٤) (شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٩١/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٩/١٤ - ١٨٠.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين، وسيأتي في رواية أبي الزبير التالية زيادة طبقة
رابعة، وهي زيادة شاذّة، سيأتي الكلام عليها هناك - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤٦/٥٣ و٦٤٤٧] (٢٥٣٢)، و(البخاريّ) في
(الجهاد)) (٢٨٩٧) و((الأنبياء)) (٣٥٩٤) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٤٩)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٧/٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٢٨/٢)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٧٦٨ و٦٦٦٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٦٤)، و(ابن
عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٧٥/٢٠ و٣٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بركة النبيّ وَل، وبركة أصحابه ببركة صحبته.
٢ - (ومنها): بيان بركة التابعين، وتابعيهم بسبب مصاحبتهم لأصحاب
النبيّ ◌َّ، وصحبة من صاحبهم.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ: فيه دليل واضح على صحّة نبوّة نبيّنا
محمد وَّل؛ إذ مضمونه خبر عن غَيْب وقع على نحو ما أخبر به وَلِ﴾(١).
٤ - (ومنها): بيان الصالحين والضعفاء، ولذلك أورد البخاريّ هذا
الحديث في ((كتاب الجهاد)) في ((باب من استعان بالضعفاء والصالحين في
الحرب))، ثم أورد حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َظُه؛ أنه رأى أن له فضلاً على
مَن دونه، فقال النبيّ وَلَّ: ((هل تُنصرون، وتُرزقون إلا بضعفائكم؟))، وأخرجه
أبو نعيم في ((الحلية)) بلفظ: ((يُنصَر المسلمون بدعاء المستضعفين))، وأخرجه
النسائيّ بلفظ: ((إنما نَصَر الله هذه الأمة بضَعَفَتهم، بدعواتهم، وصلاتهم،
وإخلاصهم))، ورواه أحمد، والنسائيّ بلفظ: ((إنما تُنصرون، وتُرزقون
بضعفائکم».
(١) ((المفهم)) ٤٨٨/٦ - ٤٨٩.

٨٥
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٧)
قال ابن بطال تَخْتُ: تأويل الحديث أن الضعفاء أشدّ إخلاصاً في
الدعاء، وأكثر خشوعاً في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا(١).
٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): إنه يستفاد من هذا الحديث بطلان قول
من ادَّعَى في هذه الأعصار المتأخرة الصحبة؛ لأن الخبر يتضمن استمرار
الجهاد، والبعوث إلى بلاد الكفار، وأنهم يسألون: هل فيكم أحدٌ من أصحابه؟
فيقولون: لا، وكذلك في التابعين، وفي أتباع التابعين، وقد وقع كلُّ ذلك فيما
مضى، وانقطعت البعوث عن بلاد الكفار في هذه الأعصار، بل انعكس الحال
في ذلك، على ما هو معلوم مشاهَد من مدة متطاولة، ولا سيما في بلاد
الأندلس، وضَبَط أهل الحديث آخر من مات من الصحابة، وهو على الإطلاق
أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثيّ، كما جزم به مسلم في ((صحيحه))، وكان موته
سنة مائة، وقيل: سنة سبع ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة، وهو مطابق لقوله دوله
قبل وفاته بشهر: ((على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها
اليوم أحد)). انتهى (٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، حَدَّثْنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ:
انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ
بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌َِه،
فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى
مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَّه؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ
فِيهِمْ أَحَداً، رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدَأَ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ نَّهِ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ
لَهُمْ بِ»).
(١) راجع: ((الفتح)) ١٧٣/٧ - ١٧٤، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٩٦).
(٢) ((الفتح)) ٥/٧.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن سعيد بن
أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ، ربما أخطأ [١٠]
(ت٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو
أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوقٌ يُغْرِب، من كبار [٩]
(ت١٩٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ المكيّ،
تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقيان ذُكرا قبله .
وقوله: (يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ) بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة، آخره
ثاء مثلّثة: الجيش، تسمية بالمصدر، والجمع بُعُوثٌ، يقال: بَعَثْتُ رسولاً بَعْثاً:
أرسلته، وابْتَعَثْتُهُ كذلك، وفي المطاوع: فَانْبَعَثَ، مثل كسرته فانكسر، وكلُّ
شيء يَنْبَعِثُ بنفسه، فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بَعَثْتُهُ، وكلّ شيء لا
ينبعث بنفسه؛ كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بَعَثْتُ
بِهِ، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَّهُ: أي: أهبّه، وبَعَثَ بِهِ: وجّهه. انتهى(١).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وشرح الحديث، ومسائله
تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: وقع في رواية أبي الزبير عن جابر هذه زيادة طبقة رابعة، قال
الحافظ تَخّلُهُ: وهذه الرواية شاذّة، وأكثر الروايات مقتصر على الثلاثة، كما
سأوضح ذلك في الحديث الذي بعده - يعني: حديث عمران بن حصين
الآتي - قال: ومثله حديث واثلة نظرته، رفعه: ((لا تزالون بخير ما دام فيكم من
رآني، وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني،
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٢.

٨٧
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٨)
وصاحَبَ من صاحبني))(١)، أخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٨] (٢٥٣٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ
شَهَادَتَهُ))، لَمْ يَذْكُرْ هَنَّدٌ الْقَرْنَ فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ((ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميميّ، أبو
السّريّ الكوفيُّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٣ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عَّاب - بمثناة ثقيلة،
ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلّس [٦] (ت ذ ٣٢) (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران
الكوفيّ، الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) وهو ابن خمسين، أو
نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ) بسكون اللام، ويقال: بفتحها، هو: عَبيدة بن
عمرو المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ مخضرٌ، فقيهٌ ثبتٌ، كان شريح
إذا أشكل عليه شيء يسأله، مات سنة اثنتين وسبعين، أو بعدها، والصحيح أنه
مات قبل سنة سبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٨/٨٩.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٠٥/٦.
(٢) ((الفتح)) ٣١٥/٨ - ٣١٦، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٤٩).

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن، مات
سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى
آخره، سوى قتيبة فبغلانيّ بلدة من بَلْخَ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم
عن بعض على قول من يرى أن منصوراً من صغار التابعين، وفيه أن صحابيَّه
من مشاهير الصحابة ، مناقبه جمة، فهو من السابقين الأولين، ومن كبار
العلماء من الصحابة ﴿ه، وأَمّره عمر ◌ُبه على الكوفة، وفيه عبد الله مهملاً،
فهو ابن مسعود؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة يُنظر إلى
السند، فإن كان كوفيّاً، فهو ابن مسعود، أو مكيّاً، فهو ابن الزبير، أو مدنيّاً،
فهو ابن عمر، أو بصريّاً، فهو ابن عبّاس، أو مصريّاً، وشاميّاً، فهو ابن
عمرو بن العاص
ـ٤، وإليه أشار السيوطيّ كَّهُ في ((ألفيّة الحديث))، حيث
قال :
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ ((عَبْدُ اللَّهِ)) فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرٍ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
شرح الحديث:
(عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، مكبّراً، (السَّلْمَانِيَّ) بفتح السين
المهملة، وسكون اللام، وحكي فتحها: نسبة إلى بني سلمان بن يشكر بن
ناجية بن مراد، وهو حيّ من مراد، قال ابن الأثير: وأصحاب الحديث يفتحون
اللام - أي: والمشهور إسكانها - انتهى(١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ) وفي الرواية
التالية: ((قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟))، ((خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ)؛ أي:
، فهو بمعنى الرواية
أهل القرن (الَّذِينَ يَلُونِي)؛ أي: قرن الصحابة
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢/ ١٢٧.

٨٩
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٨)
الأخرى: ((خير الناس قرنيّ))، قال القرطبيّ تَخْتُ: القرن - بسكون الراء - من
الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا ذَهَبَ القَرنُ الذي أنتَ فِيهِمُ وخُلُفْتَ في قَرْنٍ فأَنتَ غَرِيبُ
وقيل: مقدار زمانه: ثمانون سنة، وقيل: ستون، ويعني: أن هذه القرون
الثلاثة: أفضل مِمَّا بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة،
فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، هذا ظاهر الحديث، فأما
أفضلية الصحابة، وهم القرن الأول على من بَعْدَهم، فلا تخفى، وقد بيّنًا
إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضلُ منهم، أو مساوٍ لهم في
((كتاب الطهارة))، وأما أفضلية مَن بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قُرْبهم
من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونَشْر
العلم، وفَتْح الأمصار، وإخماد كلمة الكفر، ولا خفاء: أن الذي كان من ذلك
في قرن التابعين كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين
بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلَّ على صحة هذا
قوله في حديث أبي سعيد: ((يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب
رسول الله وَليه؟ فيقال: نعم، فيُفتح لهم ... )) الحديث متّفقٌ عليه. انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في معنى القرن في المسألة
الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: القرن الذي بعدهم، وهم التابعون، (ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ)؛ أي: وهم أتباع التابعين.
قال النوويّ كَّلُهُ: اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه بَله، والمراد
أصحابه، وقد قدمنا أن الصحيح الذي عليه الجمهور أن كل مسلم رأى
النبيّ ◌َ﴿، ولو ساعة فهو من أصحابه، ورواية: ((خير الناس)) على عمومها،
والمراد منه: جملة القرن، ولا يلزم منه تفضيل الصحابيّ على الأنبياء
- صلوات الله وسلامه عليهم - ولا أفراد النساء على مريم، وآسية، وغيرهما،
بل المراد: جملة القرن بالنسبة إلى كل قرن بجُملته.
(١) ((المفهم)) ٤٨٥/٦ - ٤٨٦.

٩٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال القاضي عياض: واختلفوا في المراد بالقرن هنا، فقال المغيرة: قرنه
أصحابه، والذين يلونهم أبناؤهم، والثالث أبناء أبنائهم، وقال شهر: قرنه ما
بقيت عين رأته، والثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثم كذلك، وقال غير
واحد: القرن كل طبقة مقترنين في وقت، وقيل: هو لأهل مدة بُعث فيها نبيّ
طالت مدته أم قصرت، وذكر الحربيّ الاختلاف في قَدْره بالسنين، من عشر
سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال: وليس منه شيء واضح، ورأى أن القرن كل
أمة هلكت، فلم يبق منها أحد، وقال الحسن وغيره: القرن عشر سنين،
وقتادة: سبعون، والنخعيّ: أربعون، وزرارة بن أبي أوفى: مائة وعشرون،
وعبد الملك بن عمير: مائة، وقال ابن الأعرابيّ: هو الوقت، هذا آخر ما نَقَل
القاضي.
قال النوويّ: والصحيح أن قرنه ◌َ﴿ الصحابة، والثاني التابعون، والثالث
تابعوهم. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ، وهو بحث نفيسٌ(١).
وقال في ((الفتح)): والمراد بقرن النبيّ ◌َّ في هذا الحديث: الصحابة،
وقد سبق في صفة النبيّ رَّ﴾. قوله: ((وبُعثت في خير قرون بني آدم))، وفي رواية
بريدة عند أحمد: ((خير هذه الأمة القرن الذين بُعثت فيهم))، وقد ظهر أن الذي
بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة، أو دونها، أو
فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتُبِر ذلك من بعد
وفاته وَله، فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعاً وتسعين.
وأما قرن التابعين فإن اعتُبر من سنة مائة، كان نحو سبعين، أو ثمانين،
وأما الذين بعدهم، فإن اعتُبر منها كان نحواً من خمسين، فظهر بذلك أن مدة
القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله أعلم.
واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله، من عاش إلى
حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت
المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتُحِن أهل العلم ليقولوا بخلق
القران، وتغيَّرت الأحوال تغيّراً شديداً، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن،
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٤/١٦ - ٨٥.

٩١
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٨)
وظهر قوله ولو: ((ثم يفشو الكذب)) ظهوراً بيِّناً، حتى يشمل الأقوال،
والأفعال، والمعتقدات، والله المستعان. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو تحقيقٌ
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)؛ أي: في
حالين، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة؛ لأنه دور، كالذي يَخْرِص
على ترويج شهادة، فيحلف على صحتها؛ ليقوّيها، فتارة يحلف قبل أن يشهد،
وتارة يشهد قبل أن يحلف، ويَحْتَمِل أن يقع ذلك في حال واحدة عند من يجيز
الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد ويحلف.
وقال ابن الجوزيّ: المراد أنهم لا يتورعون، ويستهينون بأمر الشهادة
واليمين.
وقال ابن بطال: يُستدلّ به على أن الحَلِف في الشهادة يُبطلها، قال:
وحَكَى ابن شعبان في ((الزاهي)) من قال: أشهد بالله أن لفلان على فلان كذا لم
تقبل شهادته؛ لأنه حَلِف، وليس بشهادة، قال ابن بطال: والمعروف عن مالك
(٢)
خلافه. انتهى
وقوله: (لَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ الْقَرْنَ فِي حَدِيثِهِ) أشار به إلى اختلاف شيخيه:
قتيبة، وهنّاد بن السريّ، فقتيبة ذكر القرن، وهنّاد لم يذكره، والظاهر أنه قال:
((خير الناس))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ((ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ))) أشار به أيضاً إلى اختلاف آخر،
وهو أن قتيبة قال: ((ثم يجيء أقوام)) بالجمع، بدل قول هنّاد: ((ثم يجيء قوم))
بالإفراد، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ٣١٦/٨ - ٣١٧، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥١).
(٢) ((الفتح)) ٥١٤/٦ - ٥١٥، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٥٢).

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤٨/٥٣ و٦٤٤٩ و٦٤٥٠ و٦٤٥١] (٢٥٣٣)،
و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٥٢) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٥١) و((الرقاق))
(٦٤٢٩) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٥٨)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٥٩)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٩٤/٣)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٦٢)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٨/١ و٤١٧
و٤٣٨ و٤٤٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٣/٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٣٢٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٢/٤)، و((مشكل الآثار))
(١٧٦/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٣٣٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٤٥/١٠ و١٢٢ و١٢٣ و١٥٩ و١٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القرن الأول على جميع القرون مطلقاً، بسبب
اشتماله على النبيّ ◌َّ﴿ المفضَّل على جميع الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة
والسلام -.
٢ - (ومنها): بيان فضل القرون الثلاثة، وأنهم أفضل ممن جاء بعدهم،
وإن عمل ما عمل، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق فيه في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): ذمّ من يشهد، ويحلف مع شهادته، واحتج به بعض
المالكية في ردّ شهادة من حلف معها، وجمهور العلماء أنها لا تُردّ، قاله
النوويّ ◌َخَذَتُهُ(١).
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة،
وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد
وُجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وُجدت فيه الصفات المذكورة
المذمومة، لكن بقلّة، بخلاف مَن بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كَثُر فيهم،
واشتَهَرَ .
٥ - (ومنها): بيان من تُرَدّ شهادتهم، وهم من اتصف بالصفات
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٥/١٦ - ٨٦.

٩٣
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٨)
المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((ثم يفشو الكذب)): أي: يكثر.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة
ـية، قاله
المازريّ(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث الذي أشرنا إليه آنفاً :
قال في ((الفتح)): اقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من
التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى
المجموع، أو الأفراد؟ محلّ بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول
ابن عبد البرّ: والذي يظهر أن من قاتَل مع النبيّ وَّ، أو في زمانه بأمره، أو
أنفق شيئاً من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائناً من كان، وأما من
لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى
مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ﴾
الآية [الحديد: ١٠]، واحتج ابن عبد البرّ بحديث: ((مَثَل أمتي مثل المطر، لا
يُدرَى أوله خير أم آخره))، وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى
الصحة.
وأغرب النوويّ، فعزاه في ((فتاويه)) إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس
بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذيّ بإسناد أقوى منه، من حديث أنس،
وصححه ابن حبان من حديث عمار، وأجاب عنه النوويّ بما حاصله: أن
المراد: من يشتبه عليه الحال في ذلك، من أهل الزمان الذين يُدركون عيسى ابن
مريم السَّة، ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام، ودحض
كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك: أيّ الزمانين خير؟ وهذا
الاشتباه مندفع بصريح قوله وَطاهر: ((خير القرون قرني))، والله أعلم.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد
التابعين، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله وَله: ((لَيُدْرِكَنَّ المسيحُ أقواماً إنهم
لمثلكم، أو خيرٌ ثلاثاً، ولن يخزي الله أمة أنا أولها، والمسيح آخرها)).
وروى أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي ثعلبة، رفعه: ((تأتي أيامٌ
(١) ((الفتح)) ٣١٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥١).

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
للعامل فيهنّ أجر خمسين))، قيل: منهم، أو منّا يا رسول الله؟ قال: ((بل
منكم))، وهو شاهد لحديث: ((مَثَلُ أمتي مثل المطر)).
واحتجّ ابن عبد البر أيضاً بحديث عمر ظ له، رفعه: ((أفضل الخلق إيماناً
قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي، ولم يروني ... )) الحديث، أخرجه
الطيالسيّ، وغيره، لكن إسناده ضعيف، فلا حجة فيه.
وروى أحمد، والدارميّ، والطبرانيّ، من حديث أبي جمعة، قال: قال
أبو عبيدة: يا رسول الله أأحد خيرٌ منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال:
((قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي، ولم يروني))، وإسناده حسن، وقد
صححه الحاكم.
واحتجّ أيضاً بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا
غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم
بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسكوا به، وصبروا على
الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن، كانوا أيضاً عند ذلك غرباء، وزكت
أعمالهم في ذلك الزمان، كما زكت أعمال أولئك، ويشهد له ما رواه مسلم،
عن أبي هريرة، رفعه: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى
للغرباء)).
وقد تُعُقِّب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد
الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرّح القرطبيّ، لكن
كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرّح في
كلامه باستثناء أهل بدر، والحديبية، نَعَم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة
الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله وَالر، وأما من اتفق له الذب عنه،
والسَّبْق إليه بالهجرة، أو النصرة، وضَبْط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن
بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال
المذكورة إلا وللذي سبق بها مِثل أجر مَن عمل بها مِن بعده، فظهر فَضْلهم.
ومحصّل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، كما
تقدم، فإنْ جَمَع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهاً .
على أن حديث: (للعامل منهم أجر خمسين منكم)) لا يدلّ على أفضلية

٩٥
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٨)
غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية
المطلقة، وأيضاً فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل،
فأما ما فاز به من شاهد النبيّ ◌َل﴿ من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها
أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة.
وأما حديث أبي جمعة، فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم
بلفظ الخيرية، كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: ((قلنا: يا رسول الله، هل من
قوم أعظم منّا أجراً ... )) الحديث، أخرجه الطبرانيّ، وإسناد هذه الرواية أقوى
من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب
عنه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَخَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور
من تفضيل أهل القرن الأول، ثم مَن بعدهم على ترتيب ظاهر الحديث هو
الحقّ؛ لقوّة حُجَجه، كما مرّ عليك آنفاً، في تحقيق الحافظ تَُّهُ، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الخامسة): في تكميل البحث في معنى القرن المذكور في
الحدیث :
[اعلم]: أنه قد تكلّم العلماء في معنى القرن، وقد ذكرنا بعض الأقوال
فيما مضى، ونزيد تكميله هنا .
قال الفيّوميّ تَغْلَتُ: القَرْنُ: الْجِيل من الناس، فيه ثمانون سنةً، وقيل:
سبعون، وقال الزجاج: الذي عندي - والله أعلم - أن القَرْنَ أهل كلّ مدّة، كان
فيها نبيّ، أو طبقة من أهل العلم، سواء قَلّت السنون، أو كثرت، قال:
والدليل عليه قوله وَله: ((خير القُرُونِ قرني - يعني: أصحابه - ثم الذين يلونهم
- يعني: التابعين - ثم الذين يلونهم))؛ أي: الذين يأخذون عن التابعين.
(٢)
انتھی(٢).
وقال في ((القاموس))، و(شرحه)): القرن زمن معيَّن، أو أهل زمن
مخصوص، واختار بعضٌ أنه حقيقة فيهما، واختلف هل هو من الاقتران؛ أي:
(١) ((الفتح)) ٧/ ٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٠.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الأمة المقترنة في مدة من الزمان، من قَرْن الجبل؛ لارتفاع سهم، أو غير
ذلك؟ واختلفوا في مدة القرن، وتحديدها، فقيل: أربعون سنة، عن ابن
الأعرابيّ، ودليله قول الجعديّ:
ثَلَاثَةَ أَهْلِينَ أَقْنَيْتُهُمْ
وَكَانَ الإِلهُ هُوَ الْمُسْتَآَسَا
فإنه قال هذا، وهو ابن مائة وعشرين. أو عشرة، أو عشرون، أو
ثلاثون، أو ستون، أو سبعون، أو ثمانون، نقلها الزجاج في تفسير قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكَنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ الآية [يس: ٣١]، والأخير نقله
ابن الاعرابيّ أيضاً، وقالوا: هو مقدار المتوسط من أعمار أهل الزمان، أو
مائة، أو مائة وعشرون، وفى ((فتح الباري)): اختلفوا في تحديد مدة القرن من
عشرة إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرَّح بالتسعين، ولا بمائة وعشرة،
وما عدا ذلك فقد قال به قائل، والأول من القولين الأخيرين أصحّ، وقال
ثعلب: هو الاختيار؛ لقوله ◌َ ﴿ لغلام بعد أن مسح رأسه: ((يعيش قَرْناً))(١)،
فعاش مائة سنة، قال: وبالأخير فُسِّر حديث: ((إن الله يبعث على رأس كل قرن
لهذه الأمة من يجدد أمر دينها))، كما حققه الحافظ السيوطيّ تَّتُهُ، والقرن:
كل أمة هلكت، فلم يبق منها أحدٌ، وبه فُسّرت الآية المذكورة، وقيل: الوقت
من الزمان، عن ابن الأعرابيّ. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): القرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من
الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ، أو
(١) هو: ما أخرجه الطبرانيّ عن عبد الله بن بسر رُّه قال: وضع رسول الله وَّفي يده
على رأسي، فقال: ((يعيش هذا الغلام قرناً))، فعاش مائة سنة، وكان في وجهه
ثؤلول، فقال: ((لا يموت حتى يذهب الثؤلول من وجهه))، فلم يمت حتى ذهب
الثؤلول من وجهه.
قال الحافظ الهيثميّ خْلَلهُ: رواه الطبرانيّ والبزار باختصار الثؤلول، إلا أنه قال:
قال رسول الله وَ له: (ليدركن قرناً))، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح،
غير الحسن بن أيوب الحضرميّ وهو ثقة. انتهى. ((مجمع الزوائد)) ٤٠٥/٩،
وصحّح الحديث الشيخ الألبانيّ كَذَفُهُ. راجع: ((الصحيحة)) ٣٤٣/٦.
(٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٨١٣٦/١.

٩٧
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٤٩)
رئيس يجمعهم على ملة، أو مذهب، أو عمل، ويُطلق القرن على مدّة من
الزمان، واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، قال
الحافظ: لكن لم أر من صرّح بالتسعين (١)، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك
فقد قال به قائل، وذكر الجوهريّ بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث
عبد الله بن بُسْر عند مسلم ما يدلّ على أن القرن مائة، وهو المشهور، وقال
صاحب ((المطالع)): القرن أمة هلكت، فلم يبق منهم أحد، وثبتت المائة في
حديث عبد الله بن بُسْر، وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب
(المحكم)) الخمسين، وذكر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر
المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرّح ابن
الأعرابيّ، وقال: إنه مأخوذ من الاقتران(٢)، ويمكن أن يُحْمَل عليه المختلِف
من الأقوال المتقدِّمة، ممن قال: إن القرن أربعون فصاعداً، أما من قال: إنه
دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول، والله أعلم(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأقوال وأدلّتها، أن
الأرجح قول من قال: إن القرن مائة سنة؛ لقوّة حججه؛ ومِن أبرزها حديث
عبد الله بن بسر رُه قال: وضع رسول الله وَلفي يده على رأسي، فقال: ((هذا
الغلام يعيش قرناً))، فعاش مائة سنة، وهو حديث صحيح(٤)، أخرجه الحاكم،
وغيره، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟
(١) وقع في نسخة ((الفتح)): ((السبعين)) بدل ((التسعين))، والصواب: ((التسعين))، كما في
(تاج العروس)) ٣٠٥/٩.
(٢) وقع في نسخة ((الفتح)): ((من الأقران))، والصواب كما في ((التاج)): ((من الاقتران)).
(٣) ((الفتح)) ٧/ ٥.
(٤) تقدّم الكلام عليه في الهامش، فارجع إليه.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قَالَ: ((قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَبْدُرُ شَهَادَةُ
أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَتَبْدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ))، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ
عَنِ الْعَهْدِ، وَالشَّهَادَاتِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: ابن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ
أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظٌ شهيرٌ [١٠] (٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ ... إلخ) (تَبْدُر)) بفتح
أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر: أي: تَسبِق، قال الطحاويّ كَُّ: أي:
يُكثرون الأيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادةً، فيحلف أحدهم حيث لا
يراد منه اليمين، ومن قبل أن يُستَحلف، وقال غيره: المراد: يحلف على
تصديق شهادته قبل أدائها، أو بعده، وهذا إذا صدر من الشاهد قبل الحكم
سقطت شهادته، وقيل: المراد: التسرع إلى الشهادة واليمين، والحرص على
ذلك، حتى لا يدري بأيهما يبدأ؛ لقلة مبالاته.
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو موصول بالإسناد المذكور، ووهِم من زعم أنه
معلّق، وإبراهيم هو النخعيّ.
وقوله: (كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْدِ، وَالشَّهَادَاتِ) ولفظ
البخاريّ: ((كانوا يضربوننا على الشهادة، والعهد»، وزاد في رواية: ((ونحن
صغار))، وفي لفظ: ((وكان أصحابنا ينهوننا، ونحن غلمان عن الشهادة)).
قال القرطبيّ كَُّهُ: وقول إبراهيم النَّخعي: ((كانوا ينهوننا ... إلخ))؛
يعني: من أدرك، وقد أدرك التابعين، فكانوا يزجرون الصبيان عن اعتياد إلزام
أنفسهم العهود والمواثيق، لِمَا يلزم الملتزم من الوفاء، فيُحْرَج أو يأثم بالترك،
وكذلك عن تحمّل الشهادات لِمَا يلزم عليه من مشقة الأداء، وصعوبة التخلص

٩٩
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٠)
تعليم للصغار،
من آفاتها في الدنيا والآخرة، وكل ذلك من السلف
وتدريب لهم، على ما يجتنبونه في حال كِبَرهم. انتهى(١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ كَخَّثُهُ: معناه عندهم: النهي عن مبادرة الرجل
بقوله: أشهد بالله، وعليّ عَهْد الله، لقد كان كذا، ونحو ذلك، وإنما كانوا
يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة، فيحلفوا في كل ما يصلح، وما
لا یصلح.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون الأمر في الشهادة على ما قال، ويَحْتَمِل
أن يكون المراد: النهي عن تعاطي الشهادات، والتصدي لها؛ لِمَا في تحمّلها
من الحرج، ولا سيما عند أدائها؛ لأن الإنسان مُعَرَّض للنسيان والسهو، ولا
سيما وهم إذ ذاك غالباً لا يكتبون، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالنهي عن العهد:
الدخول في الوصية؛ لِمَا يترتَّب على ذلك من المفاسد، والوصية تسمى العهد،
قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤](٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ أَبِي الأَخْوَصِ،
ء
وَجَرِيرٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ﴾.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب، و((عبد الرحمن)) هو: ابن
مهديّ، و((سفيان)) هو الثوريّ.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) ضمير التثنية لشعبة، وسفيان الثوريّ.
(١) ((المفهم)) ٤٨٨/٦.
(٢) ((الفتح)) ٥١٥/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٥٢).

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
[تنبيه]: رواية شعبة عن منصور بن المعتمر ساقها الشاشيّ في ((مسنده))
مقروناً بالأعمش، فقال:
(٧٨٩) - حدّثنا عباس بن محمد، نا وهب بن جرير، عن شعبة، عن
الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله، عن النبيّ وَلّ؛ أنه
قال: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم
يَخْلُف قرن يسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم)). انتهى (١).
ورواية سفيان الثوريّ عن منصور ساقها أبو نعيم في ((الحلية))، فقال:
حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم (ح)
وحدثنا فاروق الخطابيّ، ثنا محمد بن محمد بن حيّان، ثنا محمد بن كثير،
قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله، قال:
قال رسول الله وَيقر: ((إن خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)).
قال إبراهيم: كانوا يضربون على العهد، والشهادة، ونحن صغار.
(٢)
انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ
سَعْدِ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوٍْ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّه
قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))، فَلَا أَدْرِي فِي
الثَّالِثَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: ((ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ
يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضم الحاء المهملة - هو: الحسن بن
عليّ بن محمد الْهُذَليّ أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف
[١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
(١) ((مسند الشاشيّ)) ٢/ ٢٢٠.
(٢) ((حلية الأولياء)) ١٢٦/٧.