النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ - حديث رقم (٦٣٤٩) (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴾ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٩] (٢٤٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَّ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثْنَا حَمَّدُ بَّنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَّنَامِ، كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهُ حَقْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ وَهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَرَى عَبْدَ اللهِ رَجُلاً صَالِحاً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب - بالمثلثة، والمهملة - البزار - بالراء آخره - المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيار في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٣ - (أَبُوِ كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين الْجحدريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (حَمَّادُ بُّنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥. ٦ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذُكر أولَ الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَُّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمرها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين باتّباع الآثار. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ًِّا؛ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ، كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ) - بكسر الهمزة -، وهو الديباج الغليظ، فارسيّ معرب. وقال المجد تَخْذُّهُ: الإسْتَبْرَقُ بالكسر: الديباجُ الغَليظُ، مُعَرَّبُ: اسْتَرْوَه، أو ديباجٌ يُعْمَلُ بالذَّهبِ، أو ثيابُ حَرِيرِ صِفاقٌ، نَحْوُ الديباج، أو قِدَّةٌ حَمْراءُ، كأَنَّهَا قِطَعُ الأَوْتَارِ، وتَصْغيرُهُ: أُبَيْرِقٌ. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((قطعة إستبرق)) كأن هذه القطعة مثال لعمل صالح يعمله يتقرَّب به إلى الله تعالى، ويقدِّمه بين يديه، يرشده ثوابه إلى أيّ موضع شاء من الجنة، ولذلك قال له النبيّ وَ له: ((أرى عبد الله رجلاً صالحاً)). (٢) انتھی(٢). (وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ)؛ أي: تبلغني إلى ذلك المكان، مثل جناح الطائر، والباء للتعدية. (قَالَ) ابن عمر: (فَقَصَصْتُهُ)؛ أي: هذا الذي رأيته في المنام، (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر شقيقته ◌ِّهِ، (فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَرَى عَبْدَ اللهِ) بفتح الهمزة؛ أي: أعلمه، وأعتقده، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: وجدت بخط شيخنا أبي الصبر أيوب مقيداً: ((أرى)) - بفتح الراء، والهمزة - فيكون مبنياً للفاعل، ويكون من رؤية القلب، فيكون علماً. ويجوز أن تكون همزته مضمومة، فيكون ظنّاً صادقاً؛ لِأَنَّ النبيّ ◌َّهِ معصوم في ظنه، كما هو في علمه. (رَجُلاً صَالِحاً)) الصالح هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وهذه شهادة عالية من النبيّ وَل9 لعبد الله بن عمر ﴿ه بالصَّلاح، وَلَنِعْم الرجل هو، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((القاموس المحيط)) ١١٢٠/١، بزيادة من ((التاج)). (٢) ((المفهم)) ٤٠٨/٦ - ٤٠٩. ٤٤٣ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿َها - حديث رقم (٦٣٥٠) أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٤٩/٣١] (٢٤٧٨)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٥٦ و١١٥٧) و((التعبير)) (٧٠١٥ و٧٠١٦)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٢٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٨/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٧٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٨٢/١٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٠] (٢٤٧٩) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصُّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا، أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِ، قَالَ: وَكُنْتُ غُلَاماً شَابّاً، عَزَباً، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّةَ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِثْرِ، وَإِذَا لَهَاَ قَرْنَانِ كَقَرْنَي الْبِتْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكَ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّ: (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ))، قَالَ سَالِمُ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّ قَلِيلاً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يُشبَّه ٤٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. و ((ابْنُ عُمَرَ)) رَِّا ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْثُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ◌ّهًا، وقد مرّ القول فيه. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، (عَنْ سَالِم) بن عبد الله، (عَنْ) أبيه عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا؛ أنه (قَالَ: كَانَ الَرَّجُلُ) اللام للجنس، ولا مفهوم له، وإنما ذُكر للغالب، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)»: الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد، على ما لا يخفى، بل هي للجنس. انتهى(١). (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ إِذَا رَأَى رُؤْيَا) بضمّ الراء، وسكون الهمزة على وزن فُعْلَى: مصدر رأى في منامه، وهو غير منصرف لألف التأنيث(٢)، وقال في ((العمدة)): قوله: ((رؤيا)) على وزن فُعْلى بالضم، بلا تنوين، وهو يختص بالمنام، كما أن الرَّأَيّ يختص بالقلب، والرؤية تختص بالعين. انتهى(٣). (قَصَّهَا)؛ أي: حدّث بها، يقال: قصّ الخبر قصّاً، من باب نَصَرَ: حدّث به على وجهه، والاسم: القَصَصُ بفتحتين (٤). وقال في ((العمدة)): قوله: ((قصها)) مِن قصصت الرؤيا على فلان: إذا أخبرته بها، وأقصها فَصّاً، والقص: البيان. انتهى(٥). (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا) زاد في رواية للبخاريّ: (فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء»، ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدلّ على خير رائيها(٦). (١) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. (٣) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. (٥) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٤٧. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢. (٦) ((الفتح)) ٥١٢٠/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢١). ٤٤٥ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿َّه - حديث رقم (٦٣٥٠) قوله: (كأن ملكين) لم أقف على تسميتهما . (أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ وََّ، قَالَ) ابن عمر ◌ِ﴿ه: (وَكُنْتُ غُلَاماً شَابّاً، عَزَباً) بفتحتين؛ أي: لا زوجة له، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: عَزَبَ الرجلُ يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبَةً، وزانُ غُرْفَة، وعُزُوبَةً: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ بفتحتين، وامرأة عَزَبٌ أيضاً كذلك، قال الشاعر [من الرجز]: يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَباً عَلَى عَزَبْ عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ (١) الشَّيْخِ الأَزَبْ وجَمْع الرجل عُزَّابٌ باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عَازِبٌ، مثلُ كافر وكفار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أَعْزَبُ، قال الأزهريّ: وأجازه غيره، وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء. انتهى (٢). (وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية نافع التالية: (قَالَ: كُنْتُ أَبِيْتُ فِي الْمَسْجِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَام ... )). قال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وكنت شاباً عزباً أنام في المسجد)) دليل على جواز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك(٣). [تنبيه]: أورد البخاريّ هذا الحديث في ((التعبير)) من ((صحيحه)) مطوّلاً، فقال : (٧٠٢٨) - حدّثني عبيد الله بن سعيد، حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا صخر بن جُويرية، حدّثنا نافع؛ أن ابن عمر قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله ﴿ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صل، فيقصّونها على رسول الله عليه، فيقول فيها رسول الله صل*ه ما شاء الله، وأنا غلام حديث السنّ، وبيتي المسجد، قبل أن أَنكِح، فقلت في نفسي: لو كان فيكَ خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلةً قلت: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم فيّ خيراً، فَأَرِنِي رؤيا، فبينما أنا كذلك، إذ جاءني مَلَكان، في يد كل واحد منهما مَقْمَعة من حديد، يُقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما، أدعو الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملَك، في يده مِقْمَعة من حديد، فقال: لم تُرْعَ، نِعْم (١) الْحُمارس: الشديد. والأزب: الکریه الذي لا يُدنی من حُرمته. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٧. (٣) ((المفهم)» ٤٠٩/٦. ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الرجل أنت، لو تُكْثِر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين مَلَك بيده مِقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلَّقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله وَله، فقال رسول الله وَله: ((إن عبد الله رجل صالح))، فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يُكثر الصلاة. انتهى(١). (فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنٍ) قال الحافظ: لم أقف على تسميتهما. (أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَىَ النَّارِ). وفي رواية: ((كأن اثنين أتياني، أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقّاهما ملَك، فقال: لن تُرَاعَ، خَلِيا عنه))، وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به، ويُجمع بينهما بحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير أن يذهبا بي إلى النار، فيدخلاني فيها، فلما نظرتها، فإذا هي مطويةٌ، ورأيت من فيها، واستعذت، فلقِيَّنَا مَلَكٌ آخرُ))، قاله في ((الفتح))(٢). (فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ)؛ أي: مبنيّة، والبئر قبل أن تُبنى تسمّى قَليباً، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): كلمة ((إذا)) للمفاجأة، ومعنى مطوية: مبنية الجوانب، فإن لم تُبْنَ فهي القَلِيب. انتهى(٣). (كَطَيِّ الْبِتْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانٍ) قال النوويّ كَظُّهُ: القرنان: هما الخشبتان اللتان عليهما الْخَطّاف، وهي الحديدة التي في جانب البَكَرة، قاله ابن دُريد، وقال الخليل: هما ما يُبنى حول البئر، ويوضع عليه الخشبة التي يدور عليها الْمِحْوَر، وهي الحديدة التي تدور عليها الْبَكَرة. انتهى (٤). وقال القرطبيّ تَخْتُ: القرنان: منارتان تُبنيان على جانبي البئر، يُجعل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها البكرة، والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرسّ أيضاً، فإنْ لم تُطو: فهي القَلِيب والرّكِيّ(٥). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٧٨/٦. (٢) ((الفتح)) ٥١٠/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢١). (٣) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. (٥) ((المفهم)) ٤٠٩/٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٦. ٤٤٧ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٥٠) وقال في ((الفتح)): هكذا للجمهور، وحَكَى الكرمانيّ أن في نسخة: ((قرنين)) فأعربها بالجرّ، أو بالنصب، على أن فيه شيئاً مضافاً، حُذف، وتُرِك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره: فإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة من قرأ: ((تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ)) [الأنفال: ٦٧] بالجرّ؛ أي: يريد عرض الآخرة، أو ضُمِّن ((إذا)) المفاجأه معنى الوجدان؛ أي: فإذا بي وجدت لها قرنین. انتھی. والمراد بالقرنين هنا: خشبتان، أو بناءان تُمَدّ عليهما الخشبة العارضة التي تُعَلَّق فيها الحديدة التي فيها البَكَرة(١)، فإن كانا من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشب فهما الزرنوقان، بزاي منقوطة، قبل المهملة، ثم نون، ثم قاف، وقد يُطلق على الخشبة أيضاً القرنان. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: ((وقرون البئر)) جوانبها التي تبنى من حجارة، توضع عليها الخشبة التي تُعَلّق فيها الْبَكَرَة والعادة أن لكل بئر قرنين(٣). وقال في ((العمدة)): قوله: ((فإذا لها قرنان))؛ أي: جانبان، وقرنا الرأس: جانباه، ويقال: القرنان منارتان عن جانبي البئر، تُجعَل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها الْبَكَرة، قال الكرمانيّ: أو ضفيرتان، وفي بعضها ((قرنين)). فإن قلت: فما وجهه، إذ هو مُشْكِل؟ قلت: إما أن يقال: تقديره: فإذا لها مثل قرنين، فحُذف المضاف، وتُرك المضاف إليه على إعرابه، وهو كقراءة: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ)) [الأنفال: ٦٧] بجرّ الآخرةِ؛ أي: عَرَض الآخرة، وإما أن يقال: ((إذا)) المفاجأة تتضمَّن معنى الوجدان، فكأنه قال: فإذا وَجَدت لها قرنين، كما يقول الكوفيون في قولهم: «كنت أظنّ العقرب أشدّ لَسْعاً من الزنبور، فإذا هو إياها)) أن معناه: فإذا وجدته هو إياها. انتهى(٤). (١) قال في ((المصباح)): الْبَكَّرَة التي يُستَقَى عليها بفتح الكاف، فتُجمَع على بَكْرٍ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وتُسكّن فَتُجْمَع على بَكَرَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى . (٢) ((الفتح)) ٥١٠/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢١). (٣) (الفتح)) ٣٨٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٢٨). (٤) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (كَقَرْنَي الْبِتْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية أحد منَهم. (فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ) ابن عمر: (فَلَقِيَهُمَا مَلَكَ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) - بضم أوله، وفتح الراء، بعدها مهملة ساكنة -؛ أي: لم تُخَفْ، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، قال الجوهريّ: يقال: لا تُرَع: معناه: لا تخف، ولا يلحقك خوف، وفي رواية الكشميهنيّ: ((لن تراع))، وزاد فيه: ((إنك رجل صالحٌ))(١)، قال الحافظ: قوله: ((لن تراع))، هي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابسيّ: ((لن تُرَعْ))، بحذف الألف، قال ابن التين: وهي لغة قليلةٌ؛ أي: الجزم بـ(لَنْ)) حتى قال القزاز: لا أعلم له شاهداً. وتُعُقِّب بقول الشاعر [من الخفيف]: حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَهْ لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ وبقول الآخر [من الطويل]: وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ وقال في ((الفتح)) أيضاً: قوله: ((لم تُرَعْ))؛ أي: لم تُفْزَع، في رواية الكشميهنيّ: ((لَن تُرَاعَ»، فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع، بل لمّا كان الذي فَزِع منه لم يستمرّ، فكأنه لم يفزع، وعلى الثانية فالمراد: أنك لا روع عليك بعد ذلك. قال ابن بطال: إنما قال له ذلك لِمَا رأى منه من الفزع، ووثق بذلك منه؛ لأن الملَك لا يقول إلا حقّاً. انتهى. ووقع عند ابن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم، عن نافع: ((فلقيه ملك، وهو يرعد، فقال: لم تُرَعْ))، ووقع عند كثير من الرواة: (لَنْ تُرَعْ)) بحرف ((لن)) مع الجزم، ووجّهه ابن مالك بأنه سكّن العين للوقف، ثم شبّهه بسكون الجزم، فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويجوز أن يكون جَزَمه بـ((لن))، وهي لغة قليلة، حكاها الكسائيّ. انتهى(٢). (١) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٧. (٢) ((الفتح)) ٣٨٦/١٦، كتاب (التعبير)) رقم (٧٠٢٨). ٤٤٩ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿يا - حديث رقم (٦٣٥٠) (فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: تلك الرؤيا التي رآها، (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر ، وهي أم المؤمنين، شقيقة ابن عمر، (فَقَصَّتْهَا حَقْصَةُ) ﴿ّا (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَه فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴾ مشيراً إلى تعبيرها، ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (لَوْ كَانَ يُصَلِّي) (لو)) هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يُذكر الجواب. قال القرطبيّ كَّلُ: وإنَّما فَهِمَ النبيّ وَ﴿ من رؤيا عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنَّه عُرِض على النار، ثم عُوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه، وما هو عليه من الخير، غير أنه لم يكن يقوم من الليل؛ إذ لو كان ذلك ما عُرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله من تلك الرؤيا يقين مشاهدة النار، والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل (١) ط ته (١). مِمَّا يُنَّقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك وقال في ((الفتح)) - بعد ذِكر كلام القرطبيّ المذكور -: وأشار المهلَّب إلى أن السرّ في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حقّ المسجد أن يُتعبَّد فيه، فنبّه على ذلك بالتخويف بالنار(٢). (مِنَ اللَّيْلِ))) ((من)) هنا بمعنى ((في))، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ كقوله تعالى: ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]، وقوله: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٢]، قال ابن هشام تَخُّْ: وعلامتها إمكان سدّ (بعض)) مسدّها؛ كقراءة ابن مسعود ربه: ﴿حتى تُنفقوا بعض ما تُحِبُّون﴾. (٣) انتھی(٣). (قَالَ سَالِمٌ)؛ أي: ابن عبد الله الراوي عنه، (فَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعدما قال له النبيّ وَّ: ((لو كان يصلّي من الليل))، (لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلاً) امتثالاً لأمر النبيّ وَّر له بذلك، فإن قوله: ((لو كان يصلي من الليل)) يتضمّن الأمر به، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٦/ ٤١٠. (٢) ((الفتح)) ٥١٠/٣ - ٥١١، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٢١). (٣) (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٦٠٩/١. ٤٥٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٥٠/٣١ و٦٣٥١] (٢٤٧٩)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٢١ و١١٢٢ و١١٥٦) و((المساجد)) (٤٤٠) و((فضائل الصحابة)) (٣٨٣٨ و٣٨٣٩) و((التعبير)) (٧٠٢٨ و٧٠٢٩ و٧٠٣٠ و٧٠٣١)، و(الترمذيّ) في (المناقب)) (٣٨٢٥)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩٦٦)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٦/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٧٠)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٩٢/٤)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٤٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٠١/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخه)) (٩٩/٣١ و١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمر رضيًا، فقد وَصَفْه النبيّ ◌َّهِ بأنه رجل صالح، والصالح من الأوصاف الشريفة، إذ معناه: من أدّى حقّ الحقّ للحقّ، وحقّ الخلق للخلق. ٢ - (ومنها): استحباب قصّ الرؤيا على النبيّ وَّر؛ لأنها من الوحي، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، فقد ثبت في ((الصحيحين)) مرفوعاً: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). ٣ - (ومنها): جواز تمنّي الرؤيا الصالحة؛ لِيَعرِف صاحبها ما له عند الله، وتمنّي الخير، والعلم، والحرص عليه. ٤ - (ومنها): رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي؛ لقوله: ((فرأيت مَلَكين أخذاني)). ٥ - (ومنها): أن فيه السترَ على مسلم، وتَرْك ذِكره باسمه، وذلك قوله: ((وإذا فيها أناس قد عرفتهم))، إنما أَخبر بهم على الإجمال؛ ليزدجروا، وسكت عن بيانهم؛ لئلا يُغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يُختم عليهم بالنار، وإما أن یکون ذلك تحذیراً، کما حُذِّر ابن عمر ٤٥١ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿َا - حديث رقم (٦٣٥٠) ٦ - (ومنها): أن فيه القصّ على المرأة، وفيه تبليغ حفصة، وفيه قبول خبر المرأة. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخّْلُ: يؤخذ من الحديث الجزم بالشيء، وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر ظها استدلّ على أنهما مَلَكان بأنهما وقفاه على جهنم، ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ، ولا يُذَكِّر الخير. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكونا أخبره بأنهما ملكان، أو اعتَمَدَ النبيُّ وَلَيه لَمّا قصته عليه حفصة ◌َّا، فاعتَمَد على ذلك(١). ٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطال أيضاً: في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يَحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فُسِّر في النوم فهو تفسيره في اليقظة؛ لأن النبيّ وَّ لم يزد في تفسيرها على ما فسّرها الملَك. قال الحافظ: يشير إلى قوله ◌َل في آخر الحديث: ((إن عبد الله رجل صالح))، وقول الملَك قبل ذلك: ((نِعْم الرجل أنت، لو كنت تُكثر الصلاة))، وفي رواية: ((قال له: لم تُرَعْ، إنك رجل صالح))، وفي رواية: أن النبيّ ◌ِل قال: ((إن عبد الله رجل صالح، لو كان يكثر الصلاة من الليل)). ٩ - (ومنها): ما قاله أيضاً: وفيه وقوع الوعيد على ترك السنن، وجواز · وقوع العذاب على ذلك. قال الحافظ: هو مشروط بالمواظبة على الترك رغبةً عنها، فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرّم، وهو الترك بقيد. الإعراض. ١٠ - (ومنها): ما قاله أيضاً: وفيه أن أصل التعبير من قِبَل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا، فيعبرها له النبيّ وَّ؛ ليكون ذلك عنده أصلاً، قال: وقد صَرَّح الأشعريّ بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء، وعلى ألسنتهم، قال ابن بطال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك، وإن كان أصلاً، فلا يعمّ جميع المرائي، فلا بدّ للحاذق في هذا الفنّ أن يستدل بحُسن نَظَره، فيردّ ما لم يُنَصّ عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة، فيُجعل أصلاً يُلحق به غيره، كما يفعل الفقيه في فروع الفقه. (١) ((شرح ابن بطّال)) على البخاريّ ٩/ ٥٤٧، و((الفتح)) ٣٨٥/١٦. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ١١ : (ومنها): جواز المبيت في المسجد، قال في ((العمدة)): فيه جواز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعيّ، وقال الترمذيّ: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه، وقال ابن عباس: لا تتخذه مَبِيتاً ولا مَقِيلاً، وذهب إليه قوم من أهل العلم، وقال ابن العربيّ: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد، إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد، وكما ضرب النبيّ وَّ قبة لسعد رَظُه في المسجد حين سال الدم من جرحه، ومالك، وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القويّ، وجوّزه ابن القاسم للضعيف الحاضر. انتهى (١) . ١٢ - (ومنها): مشروعية النيابة في قصّ الرؤيا. ١٣ - (ومعها): تأذُّب ابن عمر ◌ُها مع النبيّ ◌َّز، ومهابته له، حيث لم يقصّ رؤياه بنفسه، وكأنه لمّا هالته لم يُؤْثِر أن يقصها بنفسه، فقصّها على أخته؛ لإدلاله عليها . ١٤ - (ومنها): فضل قيام الليل، وأنه مما يقي من عذاب جهنم - أعاذنا الله - منها بمنّه، وکرمه، إنه جواد کریم، رؤوف رحيم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْبَابِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْعَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ، كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِثْرٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قريباً. [تنبيه]: قوله: ((الدَّارِمِيُّ)) بكسر الميم: نسبة إلى دارم بن مالك بن (١) ((عمدة القاري)) ٧/ ١٧٠. ٤٥٣ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣٥١) حنظلة بن زيد مناة بن تميم، بطنٌ كبير من تميم، يُنسب إليه خلق كثير، من العلماء، والشعراء، والفرسان، قاله في ((اللباب))(١). ٢ - (مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ) هو: موسى بن خالد الشاميّ، أبو الوليد الْحَلَبِيّ خَتَن أبي إسحاق الفزاريّ، ويقال: خَتَنُ الفريابيّ، كما نصّ عليه في هذا السند، مقبول [١٠]. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وعيسى بن يونس، ومعتمر بن سليمان، وهِقْل بن زياد، وابن عيينة. ورَوَى عنه عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وعباس بن عبد الله الترقفيّ، من أفراد المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، أفاده في ((تهذيب التهذيب))(٢). [تنبيه]: قوله: ((خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ ((الخَتَنُ)) بفتحتين عند العرب: كلّ من كان من قِبَل المرأة؛ كالأب، والأخ، والجمع: أَخْتَانٌ، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الخَتَنُ: أبو المرأة، والخَتَنَةُ: أمها، فَالأَخْتَانُ من قِبَل المرأة، والأَحْمَاءُ من قِبَل الرجل، والأَصْهَارُ يعمّهما، ويقال: المُخَاتَنَةُ: المصاهرة من الطرفين، يقال: خَاتَنْتُهُمْ: إذا صاهرتهم، قاله الفيّوميّ ◌َّفُ))(٣). و((الفريابيّ)) بكسر الفاء، وسكون الراء: نسبة إلى فارياب بُليدة بنواحي بَلْخَ، يُنسب إليها الْفِرْيابيّ، والفاريابيّ، والْفِيريابيّ أيضاً بإثبات الياء، يُنسب إليها جماعة، قاله في ((اللباب))(٤). ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، له تصانيف [٨] (ت١٨٥) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٨/٦. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٨٤/١. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٣٠٤/١٠. (٤) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٩/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٦٤. ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة [تنبيه]: قوله: ((الْفَزَارِيِّ)) بفتح الفاء والزاي: نسبة إلى فَزَارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غَطَفان، وهي قبيلة كبيرة من قيس عيلان، يُنسب إليها خَلْق كثير، قاله في ((اللباب))(١). ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتُ، قَدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إلخ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير عبيد الله بن عمر. [تنبيه]: رواية نافع عن ابن عمر ﴿ًّا هذه ساقها الدارميّ، شيخ المصنّف هنا بسند المصنّف، فقال: (١٤٠٠) - حدّثنا موسى بن خالد، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنت أبيت في المسجد، ولم يكن لي أهل، فرأيت في المنام، كأنما انظُلِق بي إلى بئر، فيها رجال مُعَلَّقُون، فقيل: انطَلِقُوا به إلى ذات اليمين، فذكرت الرؤيا لحفصة، فقلت: قُصِّيها على رسول الله وَ﴾، فقصّتها عليه، فقال: ((من رأى هذه؟)) قالت: ابن عمر، فقال رسول الله وَلَى: ((نِعْم الفتى - أو قال -: نِعْم الرجل، لو كان يصلي من الليل))، قال: وكنت إذا نِمْتُ لم أقم حتى أُصبِحَ، قال: فكان ابن عمر يصلي الليل. (٢) انتھی(٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٧/٢. (٢) ((سنن الدارميّ)) ٣٧٩/١. ٤٥٥ (٣٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِك ولهـ (٣٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِك هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار، أبو حمزة الأنصاريّ الخزرجيّ خادم رسول الله وَّله، وأحد المكثرين من الرواية عنه، صح عنه أنه قال: قَدِم النبيّ ◌َ﴿ المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأن أمه أم سليم أتت به النبيّ وَّ لَمّا قَدِم، فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقَبِله، وأن النبيّ ◌َلَّ كناه أبا حمزة بِبَقْلة كان يجتنبها، ومازحه النبيّ وَير، فقال له: ((يا ذا الأذنين))، وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: خرج أنس مع رسول الله وَل ﴿ إلى بدر، وهو غلام يخدمه، أخبرني أبي، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشَهِدت بدراً؟ قال: وأين أغيب عن بدر، لا أُمّ لك؟ قال الحافظ: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنّ من يقاتل. وقال الترمذيّ: حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، عن أبي خَلْدة، قلت: لأبي العالية: أسمع أنس من النبيّ وَّ؟، قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبيّ وَّر، وكان له بستان يَحْمِل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان، ويجيء منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبيّ وَّ﴿ بالمدينة، ثم شَهِد الفتوح، ثم قَطَن البصرة، ومات بها. قال عليّ ابن المدينيّ: كان آخر الصحابة موتاً بالبصرة، وقال البخاريّ: حدّثنا موسى، حدّثنا إسحاق بن عثمان، سألت موسى بن أنس، كم غزا أنس مع النبيّ وَّه؟ قال: ثماني غزوات. وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة، عن أبيه، قال: قال لي ثابت البنانيّ: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله وَ له فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدُفن، وهي تحت لسانه. وقال معتمر، عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري. ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال جرير بن حارم: قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين، أخرجه ابن شاهين، وقال سعيد بن عُفير، والهيثم بن عديّ، ومعتمر بن سليمان: مات سنة إحدى وتسعين، وقال ابن شاهين: حدّثنا عثمان بن أحمد، حدّثنا حنبل، حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد مثله، وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة. وقال ابن سعد عن الواقديّ، عن عبد الله بن زيد بن الهذلي: إنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين، وقال أبو نعيم الكوفيّ: مات سنة ثلاث وتسعين، وفيها أرّخه المدائنيّ، وخليفة، وزاد: وله مائة وثلاث سنين، وحَكَى ابن شاهين عن يحيى بن بكير، أنه مات، وله مائة سنة وسنة، قال: وقيل: مائة وسبع سنين، ورواه البغويّ عن عمر بن شَبّة، عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ كذلك. قال الطبرانيّ: حدّثنا جعفر الفريابيّ، حدّثنا إبراهيم بن عثمان المصّيصيّ، حدّثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادْعُ الله لأنس، فقال: «اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه))، قال أنس: فلقد دفنت من صلبي، سوى ولد ولدي، مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لَتُثمر في السنة مرتين. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبيّ وَّر، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له، فقال النبيّ ◌َليّ: ((اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأدخله الجنة))، قال: قد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة . وقال جعفر أيضاً عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عَطِشت أرضنا، قال: فقام أنس، فتوضأ، وخرج إلى البريّة، وصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب تلتئم، قال: ثم مطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيراً، وذلك في الصيف. وقال عليّ بن الجعد عن شعبة، عن ثابت، قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله وقليل من ابن أم سُليم؛ يعني: أنساً. ٤٥٧ (٣٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِك ورَوَى الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق عبيد بن عمرو الأصبحيّ، عن أبي هريرة، أخبرني أنس بن مالك؛ أن النبيّ وَل و كان يشير في الصلاة، وقال: لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: ((حدّثنا ابن عون، عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر لَمّا استُخلِف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر، فاستشاره، فقال: ابعثه، فإنه لبيب، كاتب، قال: فبعثه، ومناقب أنس به وفضائله كثيرة جدّاً. انتهى من الإصابة))(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد النَّجاريّ، خادم رسول الله وَّهِ، يُكنى: أبا حمزة، يُرْوَى عنه أنه قال: كثَّاني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها، وأمه: أم سليم بنت ملحان، كان سِنُّ أنس لمّا قَدِم النبيّ وَ﴿ المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتُفّي رسول الله وَّه وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدراً، وتُؤُفّي في قصره بالطّفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله وصلته، وما أعلم أحداً ممن مات بعده ممن رأى رسول الله وَله إلا أبا الطفيل. واختُلف في سنّ أنس يوم تُؤُفّي، فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، ويقال: إنه وُلد له ثمانون ولداً؛ منهم: ثمانية وسبعون ذكراً، وابنتان، وتُوُنّي قبله من وَلَدِه لصلبه، وولَدِ وَلَدِه نحو المئة؛ وكلُّ ذلك من تعميره، وكثرة نسله ببركة دعوة النبيّ بَير، كما يأتي في ((صحيح مسلم)). وجملة ما رَوَى عن رسول اللهِ وَل﴿ من الحديث: ألفا حديث، ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثاً، أخرجا له في (الصحيحين)) ثلاثمئة حديث، وثمانية عشر حديثاً . [تنبيه]: في الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى: أبا أُمية القشيريّ، وقيل: الكعبيّ، وكعب أخو قشير، ولم يُسند عن النبيّ 18َ سوى (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٢٨/١. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قوله: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة))(١)، وقيل: روى ثلاثة أحاديث، لم يقع له في ((الصحيحين)) منها شيءٌ (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٢] (٢٤٨٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ، عَنْ أُمُّ سُلَيْم، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِّرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِْ لَهُ فِيَمَا أَعْطَيْتَهُ))). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ : وكلّهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، ومسلسلٌ بالتحديث والسماع، غير موضع، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أمه. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية هشام بن زيد التالية: ((سمعت أنس بن مالك))، (عَنْ أُمِّ سُلَيْم) - بضم السين المهملة، وفتح اللام - واسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وقيل غير ذلك، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى. [تنبيه]: ظاهر رواية مسلم هذه أن هذا الحديث من مسند أم سُليم، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وكذا هو عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، وأحمد في ((مسنده)) . وأخرجه مسلم في الرواية التالية من رواية أبي داود الطيالسيّ بلفظ: (١) حديث حسن رواه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذيّ (٧١٣)، والنسائيّ (١٨٠/٤ - ١٨٢)، وابن ماجه (١٦٦٧). (٢) ((المفهم)) ٦/ ٤١٠ - ٤١١. ٤٥٩ ◌ُّ - حديث رقم (٦٣٥٢) (٣٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِك ((سمعت أنساً يقول: قالت أمّ سُليم))، وكذا في رواية عند البخاريّ، وفي رواية له: ((عن أنس: قال: قالت أمي))، وكذا هو عند الإسماعيليّ. قال الحافظ تَُّ: وهذا الاختلاف لا يضرّ، فإن أنساً ظُه حضر ذلك، بدليل رواية مسلم الآتية في الباب من رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: ((قال: جاءت بي أمي أم سليم إلى رسول الله وَيرٍ ... )) الحديث. (١) .( . انتھی (أَنَّهَا قَالَتْ) لهذا الحديث مبدأ، وذلك ما أخرجه البخاريّ في ((الصوم))، فقال : (١٩٨٢) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني خالد - هو ابن الحارث - حدّثنا حميد، عن أنس ظُه دخل النبيّ وََّ على أم سليم، فأتته بتمر وسَمْن، قال: ((أعيدوا سَمْنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم))، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأمّ سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيصّةً، قال: ((ما هي؟)) قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا إلا دعا لي به، قال: ((اللَّهُمَّ ارزقه مالاً، وولداً، وبارك له))، فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدّثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة(٢). (يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ) مبتدأ، وفي الرواية الآتية: ((خويدمك))، بالتصغير، وقوله: (أَنَسٌ) بدل، أو عطف بيان لـ((خادمك))، وقوله: (ادْعُ اللهَ لَهُ) خبر المبتدأ، وفيه وقوع الخبر جملة إنشائيّةً، وفيه خلاف، والصحيح جوازه، كما حقّقه الخضريّ في ((حاشيته)) على ((الخلاصة))(٣). (فَقَالَ) ◌َّ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ) قال الفيّوميّ ◌َخْذَتُهُ: المَالُ: معروف، ويُذكَّر، ويؤنَّث، وهو المَالُ، وهي المَالُ، ويقال: مَالَ الرجلُ يَمَالُ مَالاً: إذا كَثُر ماله، فهو مَالٌ، وامرأة مَالَةٌ، وتَمَوَّلَ: اتخذ مالاً، ومَوَّلَهُ غيره، وقال الأزهريّ: تَمَوَّلَ مَالاً: اتخذه قِنْيَةً، (١) ((الفتح)) ٤١٤/١٤ - ٤١٥، كتاب ((الدعوات)) رقم (٦٣٧٨). (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦٩٩/٢. (٣) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ١/ ٩٢. ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فقول الفقهاء: ما يُتَمَوَّلُ؛ أي: ما يُعَدّ مالاً في العُرف، والمَالُ عند أهل البادية النعم. انتهى (١). وقال المجد تَغْلُهُ: المالُ: ما مَلَكْتَه من كلِّ شيءٍ، جَمْعه: أمْوالٌ، ومُلْتَ تَمالُ، ومِلْتَ، وتَمَوَّلتَ، واسْتَمَلْتَ: كثُر مالُكَ، ومَوَّلَهُ غيرُهُ، ورجُلٌ مالٌ، ومَيِّلٌ، ومَوِّلٌ: كثيرُه، وهم مالَةٌ، ومالونَ، وهي مالَةٌ، جَمْعه: مالَةٌ أيضاً، ومالاتٌ، ومُلْتُه بالضم: أعْطَيْتُه المالَ، كأَمَلْتُه. انتهى (٢). (وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، أو بضمّ، فسكون: يُطلق على الواحد، وعلى أكثر منه، قال الفيّوميّ تَخْتُ: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما ولده شيءٌ، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكَّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ، وزان قُفْلِ لغةٌ فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى (٣) . (وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)، وفي الرواية الآتية: ((وَبَارِْ لَهُ فِيهِ))، بإفراد الضمير بتأويله بالمذكور، ولأحمد: ((فيهم))، وهو ظاهرٌ، وفي رواية ثابت الآتية عند مسلم: ((فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه))، ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال، والولد، من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره، ووقع في الرواية الآتية من طريق الجعد عن أنس: ((فدعا لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة))، ولم يبيّنها، وهي المغفرة، كما بيَّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس: «قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه))(٤). زاد في الرواية الآتية: ((قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ))، وفي رواية للبخاريّ: ((فإني لَمِن أكثر (١) ((المصباح المنير)) ٥٨٦/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ١٣٦٨/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٧١/٢. (٤) ((الفتح)) ١٤ /٤١٠، كتاب ((الدعوات)) رقم (٦٣٧٨).