النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ به - حديث رقم (٦٣٤٦) (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْجَلِيِّ. عمرو بن لُحَيّ قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد، ويجعلون عليه بيض النعام، ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم، فكانوا قد بنوا بيتاً يضاهون به الكعبة، فظهر الافتراق، وقَوِيَ التعدد، والله أعلم. انتهى(١) . (كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ) قال النوويّ ◌َذُ(٢): هكذا هو في جميع النسخ، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وأجازه الكوفيون، وقدّر البصريون فيه حذفاً؛ أي: كعبة الجهة اليمانية، واليمانية بتخفيف الياء على المشهور، وحُكِي تشديدها، وسبق إيضاحه غير مرة. وفي الرواية التي قبل هذه: ((وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ))، قال في ((الفتح)): كذا فيه، قيل: وهو غلط، والصواب: ((اليمانية)) فقط، سَمَّوها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية، فسَمُّوا التي بمكة شامية، والتي عندهم يمانية، تفريقاً بینھما . قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب، وأنها كان يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام، وقد حَكَى عياض أن في بعض الروايات: ((والكعبة اليمانية الكعبة الشامية)) بغير واو، قال: وفيه إيهام، قال: والمعنى: كان يقال لها تارة هكذا، وتارة هكذا، وهذا يُقَوِّي ما قلته، فإن إرادة ذلك مع ثبوت الواو أَولى. وقال غيره: قوله: ((والكعبة الشامية)) مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: هي التي بمكة، وقيل: الكعبة مبتدأ، والشامية خبره، والجملة حال، والمعنى: والكعبة هي الشامية لا غير. قال: وحَكَى السهيليّ عن بعض النحويين أن ((له)) زائدة، وأن الصواب كان يقال: الكعبة الشامية؛ أي: لهذا البيت الجديد، والكعبة اليمانية؛ أي: للبيت العتيق، أو بالعكس، قال السهيليّ: وليست فيه زيادة، وإنما اللام بمعنى ((من أجل))؛ أي: كان يقال من أجله: الكعبة الشامية، والكعبة اليمانية؛ أي: (١) ((الفتح)) ٤٩٤/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٦. ٤٢٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة إحدى الصفتين للعتيق، والأخرى للجديد. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا التوجيه الأخير الذي ذكره السهيليّ أَولى وأرجح، وحاصله: أن من أجل وجود ذلك البيت أحدثوا اسمين، أحدهما: الكعبة الشاميّة، وهو اسم للكعبة الشريفة، والثاني: الكعبة اليمانيّة، وهو اسم لبيت الصنم المذكور، فعلى هذا فلا غلط في الرواية، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جرير ◌َظُهُ: (فَنَفَرْتُ)؛ أي: خرجت مسرعاً للقتال (فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: ((في مائة وخمسين راكباً))، زاد في رواية: ((وكانوا أصحاب خيل))؛ أي: يثبتون عليها؛ لقوله بعده: ((وكنت لا أثبت على الخيل))، ووقع في رواية ضعيفة في الطبرانيّ: ((أنهم كانوا سبعمائة))، قال الحافظ: فلعلها إن كانت محفوظةً يكون الزائد رجّالةً، وأتباعاً، قال: ثم وجدت في (كتاب الصحابة)) لابن السكن أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس بن غَرَبة الأحمسي أنه وَفَد في خمسمائة، قال: وقَدِم جرير في قومه، وقَدِم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضُمّ إلينا ثلاثمائة من الأنصار، وغيرهم، فغزونا بني خثعم، فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير، وتكملة المائتين أتباعهم، وكأن الرواية التي فيها سبعمائة مَن كان من رهط جرير، وقيس بن غربة؛ لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغَرَبة بفتح المعجمة، والراء المهملة، بعدها موحّدة، ضبطه الأكثر. انتهى. وقوله: (وَكُنْتُ لَا أَنْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّا))) قد تقدّم شرحه، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ) قيس بن أبي حازم راوياً عن جرير: (فَانْطَلَقَ) جرير (فَحَرَّقَهَا)؛ أي: حرّق الخلصة بيت الصنم (بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ رَجُلاً يُبَشِّرُهُ) بتحريقهم المذكور، (يُكْنَى) بضمّ أوله، وتخفيف النون، أو تشديدها، مبنيّاً للمفعول، مضارع كنى مخفّفاً، أو أكنى، أو كنّى مشدّداً. (أَبَا أَرْطَاةَ) بفتح (١) ((الفتح)) ٤٩٤/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). ٤٢٣ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ ◌َظُه - حديث رقم (٦٣٤٦) الهمزة، وقوله: (مِنَّا)؛ أي: أحمس، ولفظ البخاريّ: ((ثم بعث جرير رجلاً من أحمس، يُكنى أبا أرطاة))، بفتح الهمزة، وسكون الراء، بعدها مهملة، وبعد الألف هاء تأنيث، واسم أبي أرطاة هذا: حُصين بن ربيعة، وقع مسمى في الرواية التالية عند مسلم، ولبعض رواته: حُسين بسين مهملة، بدل الصاد، وهو تصحيف، ومنهم من سمّاه: حِصْناً، بكسر أوله، وسكون ثانيه، وقلبه بعض الرواة، فقال: ربيعة بن حصين، ومنهم من سمّاه: أرطاة، والصواب: أبو أرطاة، حُصين بن ربيعة، وهو ابن عامر بن الأزور، وهو صحابيّ بَجَليّ، قال الحافظ: لم أر له ذِكراً إلا في هذا الحديث. انتهى(١). (فَأَتَّى) أبو أرطاة ◌َظُه (رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ لَهُ: مَا) نافية، (جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بالجيم، والموحّدة، هو كناية عن نزع زينتها، وإذهاب بهجتها، وقال الخطابيّ: المراد أنها صارت مثل الجمل المطليّ بالقطران من جَرَبه، إشارةٌ إلى أنها صارت سوداء؛ لِمَا وقع فيها من التحريق. ووقع لبعض الرواة، وقيل: إنها رواية مُسَدَّد: ((أجوف)) بواو بدل الراء، وفاء بدل الموحّدة، والمعنى: أنها صارت صورةً بغير معنى، والأجوف: الخالي الجوف مع كِبَره في الظاهر. ووقع لابن بطال معنى قوله: ((أجرب))؛ أي: أسود، ومعنى قوله: ((أجوف))؛ أي: أبيض، وحكاه عن ثابت السرقسطيّ، وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف، وإفساد للمعنى، كذا قال. قال الحافظ: فإن أراد إنكار تفسير أجوف بأبيض فمقبول؛ لأنه يضادّ معنى الأسود، وقد ثبت أنه حرّقها، والذي يُحرق يصير أثره أسود، لا محالة فيه، فكيف يوصف بكونه أبيض؟ وإن أراد إنكار لفظ أجوف، فلا إفساد فيه، فإن المراد أنه صار خالياً، لا شيء فيه، كما قررته. انتهى (٢). (فَبَرََّكَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ بتشديد الراء؛ أي: دعا بالبركة، وفي رواية ابن حبّان: ((اللَّهُمَّ بارك في خيل أحمس، ورجالها)). (عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ) بمهملتين (١) ((الفتح)) ٤٩٧/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). (٢) ((الفتح)) ٤٩٧/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وزانُ أحمر، وهم إخوة بَجِيلة، بفتح الموحّدة، وكسر الجيم، رهط جرير ، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نُسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدارُ نَسَبِهِم أيضاً على أنمار. وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادةً هنا، ينتسبون إلى أحمس بن ضُبيعة بن ربيعة بن نزار (١). (وَرِجَالِهَا)؛ أي: ودعا لرجال أحمس (خَمْسَ مَرَّاتٍ) ولعل كونه خمساً مع أنه كان إذا دعا دعا ثلاثاً، كما في حديث أنس مظلته، مبالغة، وتخصيصاً لأحمس حيث قاموا بدحض الكفر، وإزالة آثاره، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ نظُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٤٥/٢٩ و٦٣٤٦ و٦٣٤٧] (٢٤٧٦)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٣٠) و((مناقب الأنصار)) (٣٨٢٣) و((المغازي)) (٤٣٥٥ و٤٣٥٦ و٤٣٥٧) و((الدعوات)) (٦٣٣٣)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٣٧٧٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٢٠٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٥٢ و٢٢٥٣ و٢٢٥٥ و٢٢٥٦ و٢٢٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ١٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): بيان مناقب جرير رَظُه، وقومه. ٢ - (ومنها): بيان بركة يد النبيّ ◌َّ﴿ ودعائه، وأنه كان يدعو وتراً، وقد يجاوز الثلاث، وفيه تخصيص لعموم قول أنس: ((وكان إذا دعا دعا ثلاثاً))، رواه مسلم، فيُحْمَل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس؛ لِمَا اعتمدوه منِ دَخْض الكفر، ونَصْر الإسلام، ولا سيما مع القوم الذين هم منهم. (١) ((عمدة القاري)) ١٨/ ١١. ٤٢٥ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ - حديث رقم (٦٣٤٧) ٣ - (ومنها): بيان مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس، من بناء وغيره، سواء كان إنساناً، أو حيواناً، أو جماداً. ٤ - (ومنها): مشروعيّة استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء لهم، والثناء عليهم. ٥ - (ومنها): استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها . ٦ - (ومنها): بيان فضل ركوب الخيل في الحرب. ٧ - (ومنها): قبول خبر الواحد. ٨ - (ومنها): المبالغة في نكاية العدوّ، وفيه النكاية بآثار الباطل، والمبالغة في إزالته، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدََّنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ مَرْوَانَ: ((فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَةَ، خُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَِّيَّ وَّ)). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير المذكور قبل حديثين. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدني، ثمّ المكيّ، تقدّم قريباً . ٦ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظً، وكان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكِروا في ألباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم: وكيع، وعبد الله بن نمير، وسفيان بن عيينة، ومروان الفزاريّ، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، فكلهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله وقوله: (فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَةَ، خُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ وََّ) قال النوويّ تَخُّْ: هكذا هو في بعض النُّسخ: ((حُصين)) بالصاد، وفي أكثرها: (حُسين)) بالسين، وذَكَر القاضي الوجهين، قال: والصواب الصاد، وهو الموجود في نسخة بن ماهان. انتهى (١). [تنبيه]: رواية وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها ابن أبي شيبة كْتُهُ في ((مصنّفه))، فقال: (٣٣١٥٤) - حدّثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا تريحني من ذي الخلصة؟، بيت كان لخثعم، كانت تعبده في الجاهلية، يسمى كعبة اليمانية، قال: فخرجت في خمسين ومائة راكب، قال: فحرقناها حتى جعلناها مثل الجمل الأجرب، قال: بعث جرير رجلاً إلى النبيّ وَّهِ يبشّر، فلما قَدِم عليه، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أتيتك حتى تركناها مثل الجمل الأجرب، قال: فبارك رسول الله ◌َّ على أحمس، خيلها، ورجالها، خمس مرات. انتهى(٢). وأما رواية ابن نُمير عن إسماعيل فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، فساقها البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٩٧٤) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت جريراً قال: قال لي رسول الله وَله: ((ألا تُريحني من ذي (١) ((شرح النوويّ)) ٣٧/١٦. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٨٦/٦. ٤٢٧ طر ◌ُبه - حديث رقم (٦٣٤٧) (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ الخلصة؟»، وهو نُصُب كانوا يعبدونه، يسمى الكعبة اليمانية، قلت: يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَّ في صدري، فقال: ((اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هادياً مهديّاً))، قال: فخرجت في خمسين من أحمس، من قومي، وربما قال سفيان: فانطلقت في عُصبة من قومي، فأتيتها، فأحرقتها، ثم أتيت النبيّ وَّ﴾، فقلت: يا رسول الله، والله ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرب، فدعا لأحمس، وخيلها. انتهى(١). وأما رواية مروان الفزاريّ، فساقها الطبرانيّ تَظُّ في ((المعجم الكبير)) مقروناً بسفيان، فقال: (٢٢٥٣) - حدّثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار الرماديّ، ثنا سفيان، ومروان بن معاوية، قالا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع قيس بن أبي حازم، سمع جريراً قال: قال رسول الله وَله: ((ألا تكفيني ذا الخلصة؟))، فقلت: يا رسول الله، إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَكّ في صدري، وقال: ((اللَّهُمَّ اجعله هادياً مهديّاً))، قال: فخرجت إليها في خمسين من قومي، فحرّقتها بالنار، فرجعت إلى النبيّ وَّ، فقلت: يا رسول الله، ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرد، فدعا لأحمس، خيلها، ورجالها، ثلاثاً)). انتهى(٢). وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فقد ساقها البخاريّ كَّتُ في ((صحيحه))، فقال: (٤٠٩٩) - حدّثنا يوسف بن موسى، أخبرنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، قال: قال لي رسول الله وَله: ((ألا تُريحني من ذي الخلصة؟)) فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس، من أحمسَ، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبيّ ◌َ﴿، فضرب يده على صدري، حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: ((اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هادياً مهديّا))، قال: فما وقعت عن فرس بعدُ، قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخثعم، وبَجِيلة، فيه نُصُب تُعْبَد، يقال له: الكعبة، قال: فأتاها، فحرّقها بالنار، وكسرها، قال: ولمّا قَدِم جرير اليمن، كان بها (١) (صحيح البخاريّ)) ٢٣٣٣/٥. (٢) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ٣٠٠/٢. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله وصيل ها هنا، فإن قَدَر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها، إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنّها، ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربنّ عنقك، قال: فكسرها، وشَهِد، ثم بعث جرير رجلاً من أحمس، يكنى أبا أرطأة إلى النبيّ ◌َّهُ يبشّره بذلك، فلما أتى النبيّ وَّ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فَبَرّك النبيّ وَّر على خيل أحمس، ورجالها، خمس مرات. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (٣٠) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشيّ الهاشميّ، أبو العباس، ابن عمّ رسول الله وَر أمه أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، وُلِد وبنو هاشم بالشِّعْب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس، والأول أثبت، وهو يقارب ما في ((الصحيحين)) عنه: ((أقبلت، وأنا راكب على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، والنبيّ وَّر يصلي بمنى إلى غير جدار ... )) الحديث، وفي ((الصحيح)) عن ابن عباس: ((قُبِض النبيّ وَ ل﴿، وأنا خَتين))، وفي رواية: ((وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك))، وفي طريق أخرى: ((قُبض وأنا ابن عشر سنين))، وهذا محمول على إلغاء الكسر. وروى الترمذيّ من طريق ليث، عن أبي جهضم، عن ابن عباس؛ أنه رأى جبرائيل مظللا مرتين. وفي ((الصحيح)) عنه: ((أن النبيّ وَُّ ضمّه إليه، وقال: اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة))، وكان يقال له: حبر العرب، ويقال: إن الذي لقّبه بذلك جرجير ملِك المغرب، وكان قد غزا مع عبد الله بن أبي سرح إفريقية، فتكلم مع جرجير، (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٥٨٣/٤. ٤٢٩ (٣٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في ((الأخبار المنثورة» له. وقال الواقديّ: لا خلاف عند أئمتنا أنه وُلد بالشِّعب حين حَصَرت قريشٌ بني هاشم، وإنه كان له عند موت النبيّ وَِّ ثلاث عشرة سنةً. وروى أبو الحسن المدائني عن سُحيم بن حفص، عن أبي بكرة قال: قَدِم علينا ابن عباس البصرة، وما في العرب مثله جسماً وعلماً وثياباً وجمالاً و کمالاً . قال ابن يونس: غزا إفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين، وقال ابن منده: كان أبيض طويلاً مُشَرَّباً صفرةً، جسيماً، وَسِيماً، صَبيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحناء. وساق الزبير بن بكّار بسند له إلى موسى بن عقبة، عن مجاهد أن ابن عباس مات بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، فجاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فما خرج منها، فلما سُوِّي عليه التراب قال ابن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمة. وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عبد الله بن يامين، أخبرني أبي، أنه لمّا مُرّ بجنازة عبد الله بن عباس جاء طائر أبيض، يقال له الغرنوق، فدخل في النعش، فلم يُرَ بعدُ، وأخرج ابن سعد، من طريق يعلى بن عطاء، عن بجير بن عبد الله قال: لمّا خرج نعش ابن عباس جاء طائر أبيض، عظيم من قِبَل وَجّ حتى خالط أكفانه، فلم يُدر أين ذهب؟ فكانوا يَرَوْن أنه عِلمه. وقال الحسن بن عرفة في ((جزئه)): حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: مات ابن عباس بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر أبيض، لم يُرَ على خِلقته، فدخل في نعشه، ولم يُرَ خارجاً منه، فلما دُفِن تُليت هذه الآية: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ اَلْمُطْمَيِنَّةُ (٣) أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] إلى آخر السورة. وفي وفاته أقوال: سنة خمس وستين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وهو الصحيح في قول الجمهور. وقال المدائنيّ عن حفص بن ميمون، عن أبيه: تُوُفِي عبد الله بن عباس ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة في الطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل بين النعش والسرير، فلمّا وُضع في قبره الآية، واتفقوا على أنه مات سمعنا تالياً يتلو: ﴿يَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَُّ (® بالطائف سنة ثمان وستين، واختلفوا في سنّه، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ابن أربع، والأول هو الأقوى، ذَكَره في ((الإصابة))(١). وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى: أبا العباس. وُلد في الشِّعب، وبنو هاشم محصورون فيه، قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختُلِف في سِنِّه، يوم موت النبيّ وَِّ، فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير؛ لأنَّه أخرجه من مكة، وتُؤُفّي ابن عباس، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضَرب على قبره فسطاطاً (٢)، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبيّ وَّه مرتين، ودعا لي رسول الله بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود رُبه فيه: نِعم ترجمان القرآن ابن عباس، وكان عمر يقول: فتى الكهول، لسان سَؤول، وقلب عَقول، وقال مسروق: كنتُ إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلّم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس، وكان يُسمى البحر: لغزارة علمه، والحبر: لاتساع حفظه، ونفوذ فهمه، وكان عمر رَظُه يقرّبه، ويُدنيه؛ لجودة فهمه، وحسن تأتِّه. وجملة ما رَوَى عن رسول الله وسلم ألف حديث وستمئة وستين(٣)، أُخرج (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٤١/٤ - ١٥١. (٢) قال الجامع: هذا ما أظنه صحيحاً؛ لأن ابن الحنفيّة كان من أهل العلم، وضَرْب الفسطاط على القبر مُحْدَث، ليس من الشريعة، بل هو مخالف لِمَا جاء به النبيّ ◌َّ، فليُتنّه (٣) ذُكر أن لابن عبّاس ◌ًَّا في ((مسند بقيّ بن مخلد)) (١٦٩٦) حديثاً. ٤٣١ (٣٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَنَّاسٍ ﴿ّ - حديث رقم (٦٣٤٨) له في (الصحيحين)) مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثاً. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٨] (٢٤٧٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَتَى الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءاً، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: (مَنْ وَضَعَ هَذَا؟))، فِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقُّهْهُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. [تنبيه]: قال النوويّ كَخُّ: قوله: ((وأبو بكر بن النضر)) هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: ((أبو بكر بن النضر))، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة (صحيح مسلم))، وفي نسخة العذريّ: ((أبو بكر بن أبي النضر))، قال: وكلاهما صحيح، هو أبو بكر بن النضر بن أبي النضر هاشم بن القاسم، سماه الحاكم ((أحمد))، وسمّاه الكلاباذي ((محمداً))، هذا ما ذكره القاضي، وقال النوويّ: وممن قال اسمه أحمد: عبد الله بن أحمد الدَّورقيّ، وقال السرّاج: سألته عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي، وهذا هو الأشهر، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه ((الكنى)) غيره، والمشهور فيه أبو بكر بن أبي النضر. انتهى (٢). ٣ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبُهُ قيصر،َ ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في المقدمة)) ٣٦/٦. ٤ - (وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ) أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ، في حديثه عن منصور لِينٌ [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١. (١) ((المفهم)) ٤٠٥/٦ - ٤٠٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٧/١٦. ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة [تنبيه]: قوله: (الْيَشْكُرِيُّ) بفتح الياء، وسكون الشين، وضمّ الكاف، بعدها راء: نسبة إلى يشكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، وهو أخو بكر وتغلب ابني وائل، وقيل: هو يشكر بن بكر بن وائل، وهو أصحّ، قاله ابن الكلبيّ، وأبو عبيدة، والمبرد (١). ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ، كثير الحديث [٤] (ت١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢١/ ٢٦٦٢. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر حقًّا، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، وفيه ابن عبّاس طيّ حبر الأمة، وبحرها، وقد سبق القول فيه قريباً. شرح الحديث: (عَن وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ الْيَشْكُرِيّ)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، لا يُعرف اسم أبيه، (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ أَتَّى الْخَلَاءَ) وفي رواية البخاريّ: ((دخل الخلاء))، و((الخلاء)) بالمدّ: حقيقته المكان الخالي، ثم استعمل في المكان المعدّ لقضاء الحاجة مجازاً، قاله في ((الفتح))(٢). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: الخلاء بالمدّ مثلُ الفضاء، والْخَلَاءُ أيضاً: الْمُتوضَّأُ. (٣) انتھی(٣) . (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءً) بفتح الواو؛ أي: ماءً ليتوضّأ به، وقيل: يَحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نَظَر، قاله في ((الفتح)) (٤). (فَلَمَّا خَرَجَ) من الخلاء (قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هَذَا؟))) ((من)) استفهاميّة؛ أي: أي شخص وضع هذا الماء؟ (فِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ)؛ أي: ابن حرب شيخه الأول، (قَالُوا)؛ أي: الناس (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣/ ٤١٣. (٢) ((الفتح)) ٤٢٣/١. (٣) ((المصباح المنير)) ١٨١/١. (٤) ((الفتح)) ٤٢٣/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (١٤٣). ٤٣٣ (٣٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٤٨) الحاضرون عند السؤال، وفي رواية أحمد، وابن حبان من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلاً، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس فيها عندها؛ ليرى صلاة النبيّ مَّ، كما سبق في موضعه. وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس في قيامه خلف النبيّ وَّر في صلاة الليل، وفيه: ((فقال لي: ما بالك أجعلك حِذائي، فتَخْلُفني؟ فقلت: أوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله وَ﴾؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهماً وعلماً))(١). (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: ابن النضر شيخه الثاني، (قُلْتُ) ففيه أن جواب السؤال لابن عبّاس، وقوله: (ابْنُ عَبَّاسٍ) فاعل لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال؛ أي: وَضَعه ابن عبّاس، وعلى رواية ((قلت)) يكون فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: ((أنا)). (قَالَ) وَلِ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ))) زاد في رواية البخاريّ: ((في الدين))، وفي رواية للبخاريّ: ((اللَّهُمَّ علّمه الكتاب))، والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العُرف الشرعيّ عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعمّ من حِفظه، والتفهم فيه. وقال القرطبيّ ◌َقْتُ: قوله: ((اللَّهُمَّ فقهه)) هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري: ((اللَّهُمَّ فقّهه في الدين))، وفي رواية قال: ((ضمّني رسول الله وَلآ، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الكتاب))، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات: «اللَّهُمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل))، قال: وفي حديث آخر: ((اللَّهُمَّ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين))، وفي حديث آخر: ((اللَّهُمَّ زده علماً، وفقهاً))، قال: وكلها حديث صحيح. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): ووقع في رواية مسدّد: ((الحكمة)) بدل ((الكتاب))، وذَكَر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرُق كلها، عن خالد الحذّاء، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضاً من حديث وُهيب، عن خالد بلفظ: ((الكتاب)) أيضاً، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضاً: القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى. (١) ((الفتح)) ٤٢٣/١. (٢) ((المفهم)) ٤٠٦/٦. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وللنسائيّ، والترمذيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس، ((قال: دعا لي رسول الله ◌َ﴿ أن أوتي الحكمة مرتين))، فيَحْتَمِل تعدّد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السُّنَّة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدّمناها عند الشيخين: ((اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين))، لكن لم يقع عند مسلم: ((في الدين)). وذكر الحميديّ في الجمع أن أبا مسعود ذَكَره في ((أطراف الصحيحين)) بلفظ: ((اللَّهُمَّ فقِّهه في الدِّين، وعلمه التأويل))، قال الحميديّ: وهذه الزيادة ليست في ((الصحيحين)). قال الحافظ: وهو كما قال، نَعَم هي في رواية سعيد بن جبير التي قدّمناها عند أحمد، وابن حبان، والطبرانيّ، ورواها ابن سعد من وجه آخر، عن عكرمة مرسلاً. وأخرج البغويّ في ((معجم الصحابة)) من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر: ((كان عمر يدعو ابن عباس، ويقرّبه، ويقول: إني رأيت رسول الله وَلقول دعاك يوماً، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقِّهه في الدِّين، وعلّمه التأويل)). [تنبيه]: ووقع في بعض نُسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن خالد الحذاء، في حديث الباب، بلفظ: ((اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة، وتأويل الكتاب))، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، قال الحافظ: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عباس: ((قال: دعاني رسول الله وَّ، فمسح على ناصيتي، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب))، وقد رواه أحمد عن هشيم، عن خالد، في حديث الباب، بلفظ: ((مسح على رأسي))، قاله في ((الفتح)(١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: هذه اللفظة اشتَهَرت على الألسنة: ((اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين، وعلّمه التأويل)) حتى نَسَبها بعضهم لـ((الصحيحين))، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ، من طريق ابن (١) ((الفتح)) ٢٩٩/١ - ٣٠٠، كتاب ((العلم)) رقم (٧٥). ٤٣٥ (٣٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣٤٨) خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا (الصحيح)) من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس دون قوله: ((وعلّمه التأويل))، وأخرجها البزار، من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ: ((اللَّهُمَّ علِّمه تأويل القرآن))، وعند أحمد من وجه آخر، عن عكرمة: ((اللَّهُمَّ أعط ابن عباس الحكمة، وعلّمه التأويل)). انتهى (١). [تنبيه آخر]: اختَلَف الشرّاح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنَّة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سُرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذَكَرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاً لُقْمَنَ الِكْمَةَ﴾ الآية [لقمان: ١٢]، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٤٨/٣٠] (٢٤٧٧)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٧٥) و((الوضوء)) (١٤٣) و((فضائل الصحابة)) (٣٧٥٦) و((الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) (٧٢٧٠)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٢٣)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٦٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٣/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٤/١ و٢٦٩ و٣٥٩) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٨٣٥ و١٨٨٣ و١٩٢٣)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤/ ٢٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه)) (٧٠٥٣ و٧٠٥٤ و٧٠٥٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٧/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٥٨٨ و١١٥٣١)، و(يعقوب بن (١) ((الفتح)) ٤٦٦/٨ - ٤٦٧، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وَّ) رقم (٣٧٥٦). (٢) ((الفتح)) ٢٩٩/١ - ٣٠٠، كتاب ((العلم)) رقم (٧٥). ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ سفيان) في ((المعرفة)) (٥١٨/١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٦٥/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦١٥/٣)، و(الضياء) في ((المختارة)) (١٦٩/١٠ و١٧٠ و٢٢٢ و٢٢٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٨٧/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حبر الأمة، وبحرها، عبد الله بن عباس ٢ - (ومنها): أن هذه الدعوة مما تَحقَّق إجابة النبيّ وَّ فيها؛ لِمَا عُلم من حال ابن عباس في معرفة التفسير، والفقه في الدين ظه(١)، فقد كان ابن عباس رضيها من أعلم الصحابة مه بتفسير القرآن، وروى يعقوب بن سفيان في (تاريخه)) بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقيّ في ((تاريخه)) عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد پڼ، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن. وروى يعقوب أيضاً بإسناد صحيح عن أبي وائل، قال: قرأ ابن عباس ((سورة النور))، ثم جعل يفسّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) من وجه آخر بلفظ: ((سورة البقرة))، وزاد أنه كان على الموسم؛ يعني: سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لَمّا حُصِر، ذَكَره في ((الفتح))(٢). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات، فاشتهرت علومه، وفضائله، وعمَّت خيراته، وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نَظَّره، ورأيه. (١) ((الفتح)) ٢٩٩/١ - ٣٠٠، كتاب ((العلم)) رقم (٧٥). (٢) ((الفتح)) ٤٦٦/٨ - ٤٦٧، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وٍَّ)) رقم (٣٧٥٦). ٤٣٧ (٣٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﴿ - حديث رقم (٦٣٤٨) قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجّاً معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يَطلب العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلساً أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحداً كان أعلم بالسُّنَّة، ولا أجلّ رأياً، ولا أثقب نظراً من ابن عباس ﴿ها، ولقد كان عمر ظه يُعِدّه للمعضِلات، مع اجتهاد عمر، ونَظَرَه للمسلمين، وكان قد عَمِي في آخر عمره، فأنشد في ذلك [من البسيط]: إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنِيَّ نُورَهُمَا فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيفِ مَأْثُورُ قَلْبِي ذَكِيٍّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ورُوي أن طائراً أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه: عِلْمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل، وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حُمِل، فما رؤي خارجاً منه، وفضائله أكثر من أن تحصى. انتهى(١). ٣ - (ومنها): بيان فضل العلم، والحضّ على تعلّمه، وعلى حفظ القرآن، والدعاء بذلك. ٤ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر، والتعرّض لنيل دعواتهم؛ لأن ابن حصل له ذلك الفضل بسبب خدمة النبيّ وَله . عبّاس ٥ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن عَمِل عملاً خيراً مع الإنسان. ٦ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن نبغ من طلاب العلم؛ حضّاً له، وترغيباً لغيره، كي يقتدوا به في النبوغ، والفطنة. ٧ - جواز ضمّ الطفل محبّةً وشفقةً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١) ((المفهم)) ٤٠٦/٦ - ٤٠٧. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (٣١) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أبو عبد الرحمن، أمه زينب بنت مظعون الجمحية، وُلد سنة ثلاث من المبعث النبويّ، فيما جزم به الزبير بن بكار، قال: هاجر وهو ابن عشر سنين، وكذا قال الواقديّ، حيث قال: مات سنة أربع وثمانين، وقال ابن منده: كان ابن إحدى عشرة ونصف، ونقل الهيثم بن عديّ عن مالك أنه مات، وله سبع وثمانون سنة، فعلى هذا كان له في الهجره ثلاث عشرة، وقد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة، وبدر كانت في السنة الثانية، وأسلم مع أبيه، وهاجر، وعُرِض على النبيّ وَّ﴿ ببدر، فاستصغره، ثم بأُحُد فكذلك، ثم بالخندق، فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنةً، كما ثبت في ((الصحيح))، وقال البغويّ: أسلم مع أبيه، ولم يكن بلغ يومئذ، وأخرج من طريق أبي إسحاق: رأيت ابن عمر في السعي بين الصفا والمروه، فإذا رجل ضخم، آدم، وهو من المكثرين عن النبيّ وَّة، وروى أيضاً عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي ذرّ، ومعاذ، وعائشة، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة، ومن كبار التابعين جمّ غفير . وأخرج أبو سعيد ابن الأعرابي بسند صحيح، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به، ومال بها غير عبد الله بن عمر . وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن، عن السديّ: رأيت نفراً من الصحابة كانوا يَرَوْن أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبيّ ◌َّ إلا ابن عمر، وفي ((الشُّعب)) للبيهقيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: مات ابن عمر وهو مِثل عمر في الفضل. وأخرج السراج في ((تاريخه))، وأبو نعيم من طريقه، بسند صحيح، عن ميمون بن مِهْران قال: مَرّ أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر، فاستاقوها، فجاء الراعي، فقال: يا أبا عبد الرحمن احتسب الإبل، وأخبره الخبر، قال: ٤٣٩ (٣١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فكيف تركوك؟ قال: انفلتُ منهم؛ لأنك أحب إلي منهم، فاستحلفه، فحلف، فقال: إني أحتسبك معها، فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تباع في السوق؟ فأراد أن يذهب إليها، ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل، فلأيّ معنى أطلب الناقة. وأخرج البيهقيّ من طريق عاصم بن محمد العمريّ، عن أبيه، قال: أَعْطَى عبدُ الله بن جعفر في نافع لعبد الله بن عمر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ قال: فهلّا ما هو خير من ذلك؟ هو حرّ. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادماً قط، إلا واحداً، فأعتقه. وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يحفظ ما سمع من رسول الله وَفيه، ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله، وفِعله، وكان يتّبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يَعترض براحلته في طريق رأى رسول الله وَ﴿ عَرَض ناقته، وكان لا يترك الحجّ، وكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله العَ اله وأخرج البغويّ من طريق محمد بن بشر، حدّثنا خالد، حدّثنا سعيد، وهو أخو إسحاق بن سعيد، عن أبيه: ما رأيت أحداً كان أشدّ اتقاء للحديث عن رسول الله القر من ابن عمر. ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد، صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعته يحدّث عن النبيّ وَلَّ إلا حديثاً واحداً. وفي الزهد للبيهقيّ بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله وَله إلا بكى، ولا مرّ على رُبعهم إلا غمض عينيه. وأخرجه الدارميّ من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس السرّاج بسند جيّد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَمَ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] يبكي حتى يغلبه البكاء. وعند ابن سعد بسند صحيح قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. ٤٤٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم: مَرّ ابن عمر براع، فقال: هل من جزرة؟ قال: ليس ههنا ربها، قال: تقول له: إن الذئب أكلها، قال: فاتق الله، فاشترى ابن عمر الراعي، والغنم، وأعتقه، ووهبها له. قال البخاريّ في ((التاريخ)): حدّثني الأويسيّ، حدّثني مالك؛ أن ابن عمر بلغ سبعاً وثمانين سنةً، وقال غير مالك: عاش أربعاً وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في ((تاريخه)): مات سنة اثنتين، أو ثلاث وسبعين، وجزم مرة بثلاث، وكذا أبو نعيم، ويحيى بن بكير، والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة، وسعيد بن جبير، وابن زبر(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستّاً وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونَشَر نافعٌ عنه علماً جمّاً، وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قُتل عثمان رَظُبه، فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم، فقال: والله! لو اجتمع عليَّ أهل الأرض إلا أهل فَدَك، ما قاتلتهم، قال: فخرجوا من عنده، ومروان يقول [من البسيط]: إني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها والمُلكُ بَعدَ أَبِي لَيْلَى لِمَن غَلَبا مات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قَتْل ابن الزبير بثلاثة أشهر، أو نحوها، وقيل: ستة أشهر، ودُفن بذي طُوى في مقبرة المهاجرين، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلاً، فسمَّ زُجَّ رُمْحِهِ فزحمه، فوضع الزجَّ في ظهر قَدَمه، فمَرِض منها، فمات رحمه الله تعالى، حكاه أبو عمر. وجملة ما روى عن رسول الله صلّ ألفا حديث، وستمئة وثلاثون حديثاً، أُخرج له منها في ((الصحيحين)) مائة حديث وثمانون. انتهى (٢). (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٨١/٤ - ١٨٧. (٢) ((المفهم» ٤٠٨/٦.