النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َظُبه - حديث رقم (٦٣٤٢) عنه عليه، أو يمنعونه من الاجتماع به، أو يَخْدَعونه حتى يرجع عنه. (حَتَّی أَدْرَكَهُ)؛ أي: أبا ذرّ، وقوله: (يَعْنِي: اللَّيْلَ) ملحق من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم. (فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام أبو ذرّ في المسجد، (فَرَآهُ عَلِيٍّ)؛ أي: ابن أبي طالب ظُه، وهذا يدلّ على أن قصة أبي ذرّ وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح في سنّ علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوِّي القول الصحيح في سنّه. (فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ)؛ أي: حيث اضطجع في محلّ لا يضطجع فيه أهل البلد، (فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ)؛ أي: بعد استتباع عليّ له، ففي رواية للبخاريّ: ((فمرّ بي عليّ، فقال: كأنّ الرجل غريبٌ؟ قال: قلت: نعم، قال: فانطلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه)). (فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (ثُمَّ احْتَمَلَ)؛ أي: حَمَل (قُرَيْبَتَهُ) بضمّ القاف تصغير قِربة، وفي بعض النُّسخ: ((قِرْبته)) بالتكبير، وهي الشنّة المذكورة قبله. (وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) الحرام، وهذا يدلّ على أن أبا ذرّ كان معه زاد إلى ذلك الوقت، فيعارضه ما تقدّم من رواية عبد الله بن الصامت الماضي، لكن يُمكن الجمع أيضاً بحمل قوله: ((وزاده)) على حذف مضاف، وعاء زادِه الذي نفِد. وحاصله: أنه لم يَرْم الشّنّة والقربة بعد نفاد ما فيهما من الماء والطعام، بل أخَذهما؛ ليستعملهما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. (فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ) قال الفيّومِيّ كَُّ: ظَلَّ يفعل كذا يَظَلُّ، من باب تَعِبَ ظُلُولاً: إذا فعله نهاراً، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى(١). (وَلَّا يَرَى النَّبِيَّ ◌ََِّ حَتَّى أَمْسَى)؛ أي: دخل في المساء، (فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ)؛ أي: محلّ نومه من المسجد، (فَمَرَّ بِهِ عَلِيٍّ) ◌َبِهِ (فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ) وفي بعض النُّسخ: ((آن))، وهما لغتان؛ أي: ما حان، وقرُب، وفي (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٦/٢. ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بعض النسخ: ((أما)) بزيادة همزة الاستفهام، وهي مرادة في الرواية الأولى، ولكن حُذفت، وهو جائز، قاله النوويّ تَخْدَهُ(١). وفي رواية للبخاريّ: ((أما نال للرجل))؛ أي: أما حان، يقال: نال له، بمعنى آن له، قال في ((الفتح)): ويُروَى: ((أما آن)) بمد الهمزة، و((أَنَّى)) بالقصر، وبفتح النون، وكلها بمعنى. انتهى(٢). وقوله: ((أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ) ببناء الفعل للفاعل، والمصدر المؤوّل فاعل ((أنى))؛ أي: ما قرُب للرجل علمُ منزله، ومكانه؟. وقال في ((الفتح)): قوله: ((أن يعلم منزله))؛ أي: مقصده، ويَحْتَمِل أن يكون عليّ أشار بذلك إلى دعوته إلى بيته لضيافته ثانياً، وتكون إضافة المنزل إليه مجازية؛ لكونه قد نزل به مرةً، ويؤيد الأول قول أبي ذرّ في جوابه: ((قلت: لا)). انتهى. (فَأَقَامَهُ)؛ أي: أمر عليّ أبا ذرّ بالقيام من مكانه؛ ليذهب به إلى بيته؛ ليضيفه، (فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ) ((كان)) هنا تامّة بمعنى جاء، و((يوم الثالث)) مرفوع على الفاعليّة، والإضافة فيه كقولهم: مسجد الجامع، فإن التقدير فيه: مسجد المكان الجامع، فالجامع صفة للمكان، لا للمسجد، وكذلك التقدير في يوم الثالث؛ أي: يوم الزمن الثالث. (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما فعل في اليومين الماضيين من إقامته من مكانه، ثم الذهاب به إلى بيته، وتقديم الضيافة له، (فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ) (مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ) عليّ (لَهُ)؛ أي: لأبي ذرّ: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟) مكة (قَالَ) أبو ذرّ: (إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْداً وَمِيثَاقاً) تأكيد لِمَا قبله، فإن الميثاق هو العهد. (لَتُرْشِدَنِّي)؛ أي: تدلّني على ما أبحث عنه، (فَعَلْتُ)؛ أي: حدّثتك بما سألت. (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعطاه عليّ العهد والميثاق على ذلك، (فَأَخْبَرَهُ) بأن سبب قدومه مكة أنه سمع بمبعث النبيّ وَّ، فأراد أن يلقاه، وفي رواية عند البخاريّ: ((فأخبرته))، وفيه التفات. (فَقَالَ) عليّ ◌َظُبه : (١) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٦ - ٣٤. (٢) ((الفتح)) ٥٨٤/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١). ٤٠٣ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َ﴿ه - حديث رقم (٦٣٤٢) (فَإِنَّهُ حَقٌّ)؛ أي: فإن الذي تبحث عنه حقّ، وليس بباطل، (وَهُوَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) أرسله الله بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. (فَإِذَا أَصْبَحْتَ)؛ أي: دخلت في وقت الصباح (فَاتَّبِعْنِي) بتشديد التاء، من الاتّباع، ويروى: ((فاتبعني)) ثلاثيّاً. (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئاً أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) الظاهر أنه أراد البول، وفي رواية للبخاريّ: ((كأني أصلح نعلي))، ويُحمل على أنه فعلهما جميعاً. (فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي)؛ يعني: إن لم أقف في الطريق، أو وقفت، ثم مضيت بعد حصول الأمن من الخوف، فاتبعني (حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي)؛ أي: محلّ دخولي، وهو المكان الذي فيه النبيّ وَّهَ. (فَفَعَلَ) أبو ذرّ ما أمره به عليّ ﴿ّ، وهو ما بيّنه بقوله: (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب حال كونه (يَقْفُوهُ)؛ أي: يتبع عليّاً، (حَتَّى دَخَلَ) عليٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ◌ِِّ، وَدَخَلَ) أبو ذرّ (مَعَهُ) قال الداوديّ: فيه الدخول بدخول المتقدّم، وكأن هذا قبل آية الاستئذان، وتعقبه ابن التين، فقال: لا تؤخذ الأحكام من مثل هذا، قال الحافظ: وفي كلام كل منهما من النظر ما لا يخفى (١). (فَسَمِعَ) أبو ذرّ (مِنْ قَوْلِهِ) وََّ، (وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ)؛ أي: في المحلّ الذي سمع من قوله فیه. وقال في ((الفتح)): قوله: ((فسمع من قوله، وأسلم مكانه)) كأنه كان يعرف علامات النبيّ ◌َّ، فلمّا تحققها لم يتردد في الإسلام، هكذا في هذه الرواية، ومقتضاها أن التقاء أبي ذرّ بالنبيّ و 18 كان بدلالة عليّ، وفي رواية عبد الله بن الصامت: ((أن أبا ذرّ لقي النبيّ وَل﴿ وأبا بكر في الطواف بالليل، قال: فلما قضى صلاته قلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قال: فكنت أول من حيّاه بالسلام، قال: من أين أنت؟ قلت: من بني غفار، قال: فوضع يده على جبهته، فقلت: كَرِه أن انتميت إلى غفار ... )). فذكر الحديث في شأن زمزم، وأنه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين من بين يوم وليلة، وفيه: ((فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف ... )) الحديث، وأكثره مغاير لِمَا في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذرّ. (١) ((الفتح)) ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١). ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ويمكن التوفيق بينهما بأنه لقيه أوّلاً مع عليّ، ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحَفِظ كل منهما عنه ما لم يحفظ الآخر، كما في رواية عبد الله بن الصامت من الزيادة ما ذكرناه، ففي رواية ابن عباس أيضاً من الزيادة قصته مع عليّ، وقصته مع العباس، وغير ذلك. وقال القرطبيّ: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد، ولا سيما إن في حديث عبد الله بن الصامت: أن أبا ذرّ أقام ثلاثين لا زاد له، وفي حديث ابن عباس: أنه كان معه زاد، وقِربة ماء، إلى غير ذلك. قال الحافظ: ويَحْتَمِل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لَمّا خرج من قومه، ففرغ لمّا أقام بمكة، والقربة التي كانت معه، كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها، ولم يطرحها، ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة: ((فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد ... )) الحديث(١). (فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ) بني غفار، (فَأَخْبِرْهُمْ) بالإسلام، وشرائعه التي تعلّمتها منّي، (حَتَّى بَأْتِيَكَ أَمْرِي)))؛ أي: شأني وحالي من النصر، والفتح، وانتشار الدعوة، وفي رواية البخاريّ: ((اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل))، وتقدّم في رواية عبد الله بن الصامت: ((إنه قد وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلّغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك؟))، فذكر قصة إسلام أخيه أنيس، وأمه، وأنهم توجهوا إلى قومهم غفار، فأسلم نصفهم ... الحديث(٢). (فَقَالَ) أبو ذرّ ◌َظُبهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا) بضمّ الخاء المعجمة؛ أي: لأصيحنّ بكلمة التوحيد، أراد أنه يرفع صوته جهاراً بين المشركين، قال في ((العمدة)): وضُبط في بعض النّسخ: ((لأُصَرِّحَنّ)) بالحاء المهملة، من التصريح(٣). (١) ((الفتح)) ص٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١). (٢) ((الفتح)) ص٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١). (٣) ((عمدة القاري)) ٤/١٧. ٤٠٥ ضيعته - حديث رقم (٦٣٤٢) (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ وقال في ((الفتح)): قوله: ((لأصرخن بها))؛ أي: بكلمة التوحيد، والمراد: أنه يرفع صوته جهاراً بين المشركين، وكأنه فَهِم أن أمر النبيّ وَّ له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوةً على ذلك، ولهذا أقرّه النبيّ وَّ على ذلك. ويؤخذ منه جواز قول الحقّ عند من تُخشَى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزاً، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه. (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ أي: بينهم، يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظَهْراً منهم قُدّامه، وظَهْراً وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مکنوف بينهم، قاله الفيّوميّ ◌َّهُ(١). (فَخَرَجَ) أبو ذرّ من عند النبيّ وَّ (حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ) الحرام، (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ)؛ أي: هاجوا، وقاموا إليه، يقال: ثَارَ الغُبارُ يَثُورُ ثَوْراً، وتُؤُوراً، على فُعُول، وثَوَرَاناً: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثَارَتْ، وأَثَارَهَا العَدُوّ، وثَارَ الغضب: احتَدّ، وثَارَ إلى الشرّ نَهَض(٢). وفي رواية البخاريّ: ((فقالوا: قوموا إلى هذا الصابي)) - بالياء الليّنة - فقاموا، وكانوا يُسَمُّون من أسلم صابياً؛ لأنه من صبا يصبو: إذا انتقل من شيء إلى شيء. (فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ)؛ أي: ألقوه على الأرض، وفي رواية البخاريّ: ((فضربوه حتى أوجعوه))، وفي رواية: ((فضُربت لأموت))؛ أي: ضُربت ضرباً لا يبالي مَن ضربني أن لو أموت منه. (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٨٧. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (فَأَتَّى الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب ◌َّهِ، (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) قال في ((المشارق)): كذا للكافّة، وعند العذريّ: ((فَكَبَّ))، وهو خطأ، والأول الصواب. انتهى(١). وقال الفيّوميّ: كَبَيْتُ الإناءَ كَبّاً، من باب قتل: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيداً كَبّاً أيضاً: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيها، وقَصَر رباعيها، وفي التنزيل: ﴿قَّكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ الآية [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الملك: ٢٢]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى (٢). وقال المجد: كبّه: قَلَبه، وصَرَعه، كأكبّه، وكبكبه، فأكبَّ، وهو لازم متعدّ، وأكبّ عليه: أقبل، ولزم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن أكبّ يتعدّى ويلزم، خلاف ما قاله الفيّوميّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) العبّاس: (وَيْلَكُمْ)؛ أي: ألزمكم الله الويل، وهو شدّة العذاب، أو واد في جهنّم. (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ) وفي بعض النُّسخِ: ((تجارتكم))، (إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَّهُ مِنْهُمْ)؛ أي: خلّصه من أذاهم، (ثُمَّ عَادَ) أبو ذرّ (مِنَ الْغَدِ)؛ أي: اليوم الثاني، (بِمِثْلِهَا)؛ أي: الكلمة التي قالها بالأمس، وهي كلمة التوحيد، (وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه)؛ أي: خلّصه منهم. قال في ((الفتح)) ما حاصله: الحديث يدلّ على تقدم إسلام أبي ذرّ، لكن الظاهر أن ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ رَظُه، ومن قوله أيضاً في رواية عبد الله بن الصامت: ((إني وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل))، فإن ذلك يُشعر بأن وقوع ذلك كان قرب الهجرة، والله أعلم. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((مشارق الأنوار)) ٣٣٤/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢. (٣) ((الفتح)) ٨/ ٥٨٢ - ٥٨٦، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١). ٤٠٧ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُه - حديث رقم (٦٣٤٢) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ برواية ابن عبّاس ﴿ه هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: ظاهر سياق الشيخين أن هذا الحديث من مسند ابن عبّاس لكن الحقّ أنه من مسند أبي ذرّ ◌ُه، وذلك لأمرين: أحدهما: أن في رواية أبي قتيبة عند البخاريّ ما نصّه: ((قال لنا ابن عبّاس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلاً من غفار .... )) الحديث، فهذا صريح في كون ابن عبّاس أخذه عن أبي ذرّ ة. والثاني: أن ابن عبّاس ◌ِيّا لم يحضر قصّة إسلام أبي ذرّ؛ لأن إسلامه كان في أوائل المبعث، روي عنه أنه قال: ((كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة، وأنا الرابع))، ووُلد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، فلم يحضرها قطعاً، وكلّ من أخبر عن قصّة لم يشهدها، فإنه مرسل، كما قال السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)): وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعَا حَوَى فدلّ على أنه أخَذه عن أبي ذرّ ◌َظُبه، ولذلك جعلته من مسند أبي ذرّ هُئه. ومن الغريب أن الحافظ المزّيّ: جعله في ((تحفة الأشراف)» من مسنديهما، فذكره في ترجمة ابن عبّاس . ـجيّ (٢٦٣/٥) وفي ترجمة أبي ذرّ (١٧٦/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٤٢/٢٨] (٢٤٧٤)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٥٢٢) و((فضائل الصحابة)) (٣٨٦١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٢٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٦/١٢) و((الأوسط)) (٣/ ١٠٨) وفي ((الأحاديث الطوال)) (٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٥٩/١) و((دلائل النبوّة)) (١٩٧)، و(البزّار) في («مسنده)) (٣٣٤/٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٨٢/٣)، و(ابن عساكر) في ((تاريخه)) (١٨٢/٦٦)، والله تعالى أعلم. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي ذرّ الغِفاريّ رضى عنه. ٢ - (ومنها): بيان تقدم إسلام أبي ذرّ رَظُه، ولكن الظاهر أنه بعد البعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ رَظُه من مخاطبته لأبي ذرّ، وتضيّفه إياه، والأصح أن سنّه حين البعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، فظهر من ذلك أن إسلام أبي ذرّ بعد البعث بمدة بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ ما فعله(١) . ٣ - (ومنها): بيان ما أنعم الله تعالى على أبي ذرّ ظُه من هدايته إلى التوحيد، ودين الإسلام، قبل أن يأتي الإسلام، ويعرفه، فكان يصلّي لله تعالى، ويُنكر عبادة الأصنام. ٤ - (ومنها): أن العاقل الموفّق لا يزال يبحث عن الحقّ، ويجتهد في الوصول إليه، ولا يقتصر بما لديه من الهدى، فقد أمر أبو ذرّ أخاه . بالذهاب إلى مكة، واستبيان الأمر، ثم لمّا لم يُقنعه ما أتى به، سافر بنفسه إليها، حتى وجد طَلِبته، وحصّل بُغيته، وقضى نَهْمته. ٥ - (ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، فقد شهد له أخو أبي ذرّ ◌ُّه الشاعر بأنه لا يُشبه كلام الكهّان، ولا قول الشعراء، بل هو من عند الله تعالى، وكان كفّار قريش يعلمون ذلك، ولكنهم معاندون للحقّ، كما وصفهم الله تعالى بذلك، حيث قال: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ، لَيَحْرُنُكَ الَّذِى [الأنعام: ٣٣]، يَقُولُونَّ فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِكَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَحَحَدُواْ بِهَا ١٣ وقال أيضاً: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌّ وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ [النمل: ١٣، ١٤]. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو ذرّ رَظُه من الصلابة في الدين، حيث إنه أظهر ما أمره وَلّ بإخفائه، لكنه قال: ((لأخرجنّ بها بين أظهرهم))، فصرخ بها في مجتمعهم، فقاموا عليه بكلّ ما يستطيعون، فلم يتراجع عما عزم عليه. (١) ((عمدة القاري)) ٨٧/١٦. ٤٠٩ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ ٧ - (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، وأنها مباركة، وطعام طُعم، وشفاء سُقم، يجد ذلك مَن صَدَق إيمانه، وتمّ إيقانه، اللَّهُمَّ اجعلنا من الصادقين. ٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدّيق ◌َظُبه من الكرم والسخاء حيث أخذ أبا ذرّ إلى بيته، وأضافه بزبيب الطائف، ومثله عليّ ٩ - (ومنها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة حيث أري النبيّ ◌َّ دار هجرته أرضاً ذات نخل، قبل أن يهاجر إليها . ١٠ - (ومنها): أن فيه دلالةً على حُسْن تأتّي العباس ◌َُّبه، وجودة فطنته، حيث توصَّل إلى تخليص أبي ذرّ رْلُه من أيدي المشركين بتخويفهم من قومه أن يقاصُّوهم بأن يقطعوا طُرُق متجرهم، وكان عيشهم من التجارة، فلذلك بادروا إلى الكفّ عنه. ١١ - (ومنها): بيان فضل قبيلة غفار، حيث أسلموا دون أيّ تردّد حين دعاهم أبو ذرّ رُه، فأسلم نصفهم، ووعد الباقون أن يُسْلموا بوصوله وَله إلى المدينة، فوَفَوا بذلك. ١٢ - (ومنها): بيان فضل قبيلة أسلم، حيث اقتدوا بغفار، فقالوا: ((إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه))، فأسلموا، ولذا قال ◌َّ: ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله))، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّ عَلَيْهِ تَكُتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٩) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ هو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جُشم بن عوف بن حزيمة بن حرب بن عليّ البجليّ الصحابيّ الشهير، يكنى أبا عمرو، وقيل: يكنى أبا عبد الله، اختُلف في وقت إسلامه، ففي ((الأوسط)) للطبرانيّ من طريق حصين بن عُمر الأحمسيّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: لَمّا بُعِث النبيّ وَّ أتيته، فقال: ما جاء بك؟ قلت: جئت لأسلم، فألقى إليّ كساءه، وقال: ((إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه)). ٤١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال الحافظ: حصين فيه ضَعْف، ولو صحّ لَحُمل على المجاز؛ أي: لمّا بلغنا خبر بعث النبيّ وَّل، أو على الحذف؛ أي: لمّا بُعث النبيّ ◌َّ، ثم دعا إلى الله، ثم قَدِم المدينة، ثم حارب قريشاً وغيرهم، ثم فتح مكة، ثم وفدت عليه الوفود. وجزم ابن عبد البرّ عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبيّ وَله بأربعين يوماً، وهو غلط، ففي ((الصحيحين)) عنه: أن النبيّ وَّل قال له: ((استنصت الناس في حجة الوداع))، وجزم الواقديّ بأنه وَفَد على النبيّ ◌َّ في شهر رمضان سنة عشر، وأن بَعْثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبيّ بَّ حجة الوداع من عامه. قال الحافظ: وفيه عندي نظر؛ لأن شريكاً حَدّث عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن جرير، قال: قال لنا رسول الله وَّلجر: ((إن أخاكم النجاشيّ قد مات ... )) الحديث، أخرجه الطبرانيّ، فهذا يدلّ على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن النجاشيّ مات قبل ذلك. وكان جرير جميلاً، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقدّمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله عليّ رسولاً إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى، وقيل: أربع وخمسين. ورَوَى البغوي من طريق قيس، عن جرير، قال: رآني عمر متجرداً، فقال: ما أرى أحداً من الناس صُوِّر صورة هذا، إلا ما ذُكر من يوسف. ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيليّ، قال: كان طول جرير ستة أذرع. ورَوَى الطبراني من حديث عليّ مرفوعاً: ((جرير منا أهل البيت)). ورَوَى عنه من الصحابة أنس بن مالك، قال: كان جرير يخدمني، وهو أكبر مني، أخرجه الشيخان. انتهى من ((الإصابة)) مختصراً (١). وقال في ((الفتح)): جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجليّ، من بني (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٧٥/١. ٤١١ ـّ - حديث رقم (٦٣٤٣) (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ أنمار بن أراش، نُسِبوا إلى أمهم بَجِيلة، يكنى أبا عمرو، على المشهور، واختلف في إسلامه، والصحيح أنه في سنة الوفود سنة تسع، وَوَهِم من قال: إنه أسلم قبل موت النبيّ ◌َ ﴿ بأربعين يوماً؛ لِمَا ثبت في ((الصحيحين)) أن النبيّ وَّ قال له: ((استنصت الناسَ)) في حجة الوداع، وذلك قبل موته ولو بأكثر من ثمانين يوماً، وكان موت جرير سنة خمسين، وقيل: بعدها. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخُّْ: جرير بن عبد الله البجليّ رَظُه، وبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان، واختلف في بجيلة؛ هل هو، أب، أو أُمّ نُسبت القبيلة إليها؟ وجرير هذا: هو سيد بجيلة، ويُكنى: أبا عمرو، وقال له عمر ظه: ((ما زلت سيداً في الجاهلية والإسلام))، وقال فيه رسول الله وَ لهم حين أقبل وافداً: (يطلع عليكم خير ذي يَمَن، كان على وجهه مَسْحة مَلَك، فطلع جرير)) (٢)، وكان عمر بن الخطاب ظُه يقول فيه: ((جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة))، وفيه قال رسول الله وسلم: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه))(٣). نزل جرير به الكوفة بعد موت النبيّ وَل﴿، واتخذ بها داراً، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسَّراة في ولاية الضخَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية. روى عن النبيّ وَّه مائة حديث، أخرجا له منها في ((الصحيحين)) خمسة عشر حديثاً. انتهى (٤). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٣] (٢٤٧٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمِ ء (١) ((الفتح)) ٥١٦/٨ - ٥١٧. (٢) رواه أحمد في ((مسنده) ٣٦٠/٤ - ٣٦١، والحميديّ في ((مسنده)) (٨٠٠). (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٩١/٤ - ٢٩٢. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، أبو الهيثم الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ) بن زكريا الواسطيّ أبو الحسن السكّريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م د ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨. ٤ - (بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ - بمهملتين - أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٩١/٤٧. ٥ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِم) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين [٢] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة) جـ٢ ص٤٧٥. ٦ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) البجليّ الصحابيّ الشهير، تقدّمت ترجمته آنفاً . والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: مَا حَجَبَتِي رَسُولُ اللهِوَّهِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ: وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً))). ٤١٣ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ ◌َ﴿ُه - حديث رقم (٦٣٤٤) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْداني، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٩. والباقون تقدموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه قيس بن أبي حازم هو الذي اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنة كلهم بلا واسطة، ولا يوجد في التابعين من اتَّفَق له ذلك غيره، على خلاف في عبد الرحمن بن عوف، وأن صحابيّه هُبه كان جميلاً، فكان يقال له: يوسف هذه الأمة. شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد الله البَجَليّ ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: مَا) نافية، (حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) قال النوويّ تَخْلَُّ: معناه: ما منعني الدخول عليه في وقت من الأوقات. انتهى(١). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: يعني: أنه ما كان يحتجب منه، بل بنفس ما يَعلم النبيُّ باستئذانه تَرَك كل ما يكون فيه، وأَذِن له، مبادراً لذلك، مبالغة في إكرامه، ولا يُفْهَم من هذا أن جريراً كان يدخل على النبيّ وَّ بيته من غير إذن؛ فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبيّ وَِّ، ولِمَا يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز، من عورات البيوت. انتهى (٢). (١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١٦ - ٣٥. (٢) ((المفهم)) ٤٠٣/٦. ٤١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما حجبني ... إلخ))؛ أي: ما منعني من الدخول إليه، إذا كان في بيته، فاستأذنت عليه، وليس كما حَمَله بعضهم على إطلاقه، فقال: كيف جاز له أن يدخل على أمهات المؤمنين بغير حجاب؟ ثم تكلّف في الجواب أن المراد: مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب: مَنْع ما يطلبه منه، قال الحافظ: وقوله: ((ما حجبني)) يتناول الجميع، مع بُعْد إرادة الأخير. انتهى(١). وقوله: (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) ظرف لـ(حجبني)). (وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) وفي رواية للبخاريّ: ((إلا ضَحِك))، ومعنى ((ضَحِك)): تبسّم، كما بُيّن في هذه الرواية، وفَعَل ذلك إكراماً، ولُطفاً، وبشاشةً، ففيه استحباب هذا اللطف للوارد، وفيه فضيلة جرير نظُته، قاله النوويّ(٢). وقال القرطبيّ: هذا منه ورَُّ فَرَحُ به، وبشاشة للقائه، وإعجابٌ برؤيته؛ فإنَّه كان من كَمَلة الرجال خَلْقاً، وخُلُقاً. انتهى (٣). وأخرج أحمد في ((مسنده))، وصححه ابن حبّان، والحاكم عن المغيرة بن شِبْل(٤) قال: قال جرير: لَمّا دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حُلّتي، ثم دخلت، فإذا رسول الله وَليّ يخطب، فرماني الناس بالحدَق، فقلت لجليسي: يا عبد الله، ذَكَرني رسول الله بِّهِ؟ قال: نعم، ذَكَرك آنفاً بأحسن ذِكر، فبينا هو يخطب إذا عَرَضَ له في خطبته، وقال: ((يدخل عليكم من هذا الباب - أو من هذا الْفَجِّ - من خير ذي يمن، ألا إن على وجهه مَسْحَة مَلَك))، قال جرير: فحمدت الله رَك على ما أبلاني(٥). وقول: (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير شيخه الثاني، (فِي حَدِيثِهِ، عَن) عبد الله (ابْنِ إِدْرِيسَ) الأوديّ، وقوله: (وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ) مفعول (١) ((الفتح)) ٥١٧/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢٢). (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٦. (٤) ويقال: شُبيل - بالتصغير -. (٥) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٥٩/٤. (٣) («المفهم)) ٦/ ٤٠٣. ٤١٥ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ - حديث رقم (٦٣٤٤) (زاد)) محكيّ؛ لِقَصْد لفظه؛ أي: شكوت إلى النبيّ وَ ﴿ ﴿أَنِّي) بفتح «أنَّ)؛ لوقوعها في محلّ المفرد؛ حيث كان المصدر المؤوّل مفعولاً به لـ((شكوت))، قال في ((الخلاصة»: وَهَمْزَ ((إِنَّ)) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرٍ (لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ)؛ يعني: أنه يسقط، أو يخاف السقوط من على ظهورها حالة إجرائها، قاله القرطبيّ تَظّفُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أو يخاف السقوط ... إلخ)) فيه نظرٌ؛ لأن ظاهر النصّ لا يساعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (فَضَرَبَ) بَِّ (بِيَدِهِ) الشريفة (فِي صَدْرِي) إنما ضربه في صدره؛ لأن فيه القلبَ، وفي حديث البراء عند الحاكم: ((فشكا جرير إلى رسول الله وَ﴿ه الْقَلَعَ، فقال: ((ادن مني))، فدنا منه، فوضع يده على رأسه، ثم أرسلها على وجهه وصدره، حتى بلغ عانته، ثم وضع يده على رأسه، وأرسلها على ظهره، حتى انتهت إلى أليته، وهو يقول مثل قوله الأول))، فكان ذلك للتبرك بيده المباركة. [فائدة]: ((الْقَلَعُ بالقاف، ثمّ اللام، آخره عين مهملة، قال المجد وَظُّهُ: الْقَلَعُ محرّكةً مصدر قَلِعَ، كفَرِحَ قَلَعَةً محرّكةً، فهو قِلْعٌ بالكسر، وكَكَتِفٍ، وطُرْفَةٍ، وهُمَزَةٍ، وجُبُنَّةٍ، وشَدّادٍ: إذا لم يثبت على السرج، أو لم يثبت قدمه عند الصِّرَاع، أو لم يَفهمِ الكلام بَلادةً. انتهى باختصار(٢). (وَقَالَ) وَّةِ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ)؛ أي: على ظهور الخيل، وقوله: (وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً))) إشارة إلى قوّة التكميل، ومَهديّاً إلى قوّة الكمال؛ أي: اجعله كاملاً مكملاً، قال ابن بطال: هو من باب التقديم والتأخير؛ لأنه لا يكون هادياً لغيره إلا بعد أن يهتدي هو، فيكون مَهديّاً. انتهى(٣). ووقع في حديث البراء أنه قال ذلك في حال إمرار يده عليه في المرتين، وزاد: ((وبارك فيه، وفي ذريته)) (٤). (١) ((المفهم)) ٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٨٥. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٦٩/١٤. (٤) ((الفتح)) ٤٩٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٧). ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال القرطبيّ ◌َُّ: دعا له النبيّ وَّ بأكثر مما طلب بالثبوت مطلقاً، وبأن يجعله هادياً لغيره، ومهديّاً في نفسه، فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نَفَر في خمسين ومئة فارس لذي الْخَلَصة، فحرّقها، وعَمِل فيها عملاً لا يعمله خمسة آلاف، وبعثه رسول الله وَلو الذي الكلاع، وذي رُعَيْن، وله المقامات المشهورة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ ◌َظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٤٣/٢٩ و٦٣٤٤] (٢٤٧٥)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٣٥ و٣٠٣٦) و((فضائل الصحابة)) (٣٨٢٢) و ((الأدب)) (٦٠٦٩ و٦٠٩٠)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٢٢) وفي ((الشمائل)) (٢٣٠ - ٢٣١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٢/٥ و١٨٣ و٢٠٤ و١٣٤/٦)، و(ابن ماجه) في (المقدّمة)) (١٥٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٢٠١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل جرير بن عبد الله البجليّ عنه ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل﴿ من حُسن الخُلق، وطِيْب المعاملة للناس حسب درجاتهم، فكان يُكرم كريم قوم، ويزيده كرامة على كرامته، فلما كان جرير ◌َبه شريفاً في قومه خصّه بمزايا اللطف والإكرام، فكان لا يحجبه إذا جاءه، ويتبسّم في وجهه إذا رآه. ٣ - (ومنها): بيان أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه؛ لأن جريراً ظُبه كان سيد قومه، وقد تقدّم في ((المقدّمة)) حديث عائشة طها قالت: ((أمرنا رسول الله صل﴿ أن ننزّل الناس منازلهم))، والحديث وإن كان فيه انقطاع، إلا أن مسلماً ذكره في موضع الاحتجاج، ولعله صحّ (١) ((المفهم)) ٤٠٤/٦. ٤١٧ - حديث رقم (٦٣٤٥) (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ عنده، وقد سبق البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): بيان أن لقاء الناس بالتبسم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر، وجالب للمودة. ٥ - (ومنها): فضل الفُروسية، وأحكام ركوب الخيل، فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس. ٦ - (ومنها): أنه لا بأس للإمام، أو للعالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة، أو غيرها أن يضع عليه يده، ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع، واستمالة النفوس. ٧ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ وَ ﴿ حيث دعا لجرير ◌ُه بالثبوت على الخيل، فما أصابه بعد ذلك سقوط، ولا ميلٌ، كما جاء في الحديث، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٥] (٢٤٧٦) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَّانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتُ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَّانِيَّةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟))، فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَاهُ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي تقدّم قبل حديث. وقوله: (وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ) قال النوويّ تَخُّْ: وفي بعض النُّسخ: ((الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية)) بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد: أن ذا الخلصة كانوا يسمّونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى الكعبة الشامية، ففرّقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه، وتقديره: يقال له: الكعبة اليمانية، ويقال للتي بمكة: الشامية، وأما من رواه: ((الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية)) بحذف الواو، فمعناه: كان يقال هذان اللفظان، أحدهما لموضع، والآخر للآخر، ٤١٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وأما قوله: ((هل أنت مريحي من ذي الخلصة، والكعبة اليمانية، والشامية))، فقال القاضي عياض: ذِكر الشامية وَهَمِّ، وغَلَط من بعض الرواة، والصواب حَذْفه، وقد ذكره البخاريّ بهذا الاسناد، وليس فيه هذه الزيادة والوهم. انتهى كلام القاضي دخلتُ . وتعقّبه النوويّ، فقال بعد ذكره: وليس بجيّد، بل يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية، والشامية، ووجودِ هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية؟ انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ كَّتُهُ تأويل حسنٌ، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك، قريباً، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفّى في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، فتنبّه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٦] (.) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا جَرِيرُ أَلَا تُرِيِّحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟))، بَيْتٍ لِخَتْعَمَ، كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً))، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ رَجُلاً يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ مِنَّا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرََّ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ، وَرِجَالِهَا، خَمْسَ مَرَّاتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هو: ابن راهويه، الحنظليّ. ٤١٩ (٢٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ ◌َظُبه - حديث رقم (٦٣٤٦) شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ) - بفتح الباء الموحّدة، والجيم -: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن إِراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمّهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في ((اللباب))(١). (قَالَ) جرير ◌َبهِ: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا جَرِيرُ أَلَا) - بفتح الهمزة، وتخفيف اللام - معناها هنا: الَعَرْض، والتحضيض، وتختص بالجملة الفعلية(٢). (تُرِيحُنِي) بضمّ حرف المضارعة، من الإراحة، بالراء والحاء المهملة، قاله في ((العمدة)). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ألا تُريحني)) هو بتخفيف اللام، طَلَبٌ يتضمن الأمر، وخَصَّ جريراً بذلك؛ لأنها كانت في بلاد قومه، وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة: راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبيّ وَّر من بقاء ما يُشْرَك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في ((الإكليل)) من حديث البراء بن عازب ﴿ها قال: ((قَدِم على النبيّ بَّه مائة رجل من بني بَجِيلة، وبني قُشير جرير بن عبد الله(٣)، فسأله عن بني خثعم، فأخبره أنهم أبَوْا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامّة من كان معه، ونَدَب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأَمَرَه أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قَبِل منهم، وهَدَم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وَضَع فيهم السيف)) (٤). (مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟) - بفتح الخاء المعجمة، واللام، بعدها مهملة - وحَكَى ابن دُريد فتح أوله، وإسكان ثانيه، وحَكَى ابن هشام ضمّها، وقيل: (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ١٢١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٩/١٤. (٣) هكذا نسخة ((الفتح)): والظاهر أن فيه سقطاً، مثل: منهم جرير بن عبد الله، أو نحو ذلك، فليُحرّر ◌ٍ (٤) ((الفتح)) ٩/ ٤٩٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). ٤٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بفتح أوله، وضمّ ثانيه، والأول أشهر، والخلصة: نبات له حَبّ أحمر، كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة، وحَكَى المبرّد أن موضع ذي الخلصة صار مسجداً جامعاً لبلدة، يقال لها العبلات، من أرض خثعم، ووَهِم من قال: إنه كان في بلاد فارس، قاله في ((الفتح))(١). وقال في ((العمدة)): ((الخلصة)) بالخاء المعجمة، وباللام، وبالصاد المهملة المفتوحات، وقيل: بسكون اللام، وقيل: بضم الخاء، وسكون اللام، وهو اسم لذلك البيت، وقيّده أبو الوليد الوَقْشيّ بفتح الخاء، وإسكان اللام، وضَبَطه الدمياطي بخطه بفتحهما، وقال ابن الأثير: ذو الخلصة طاغيةٌ كانت لدوس، يعبدونها، وقيل: هو بيت كان لخثعم، يسمى الكعبة اليمانية، وهو الذي خَرَّبه جرير بن عبد الله البجليّ، بعثه إليه النبيّ بَّهِ. انتهى(٢). (بَيْتٍ لِخَتْعَمَ) بخاء معجمة، ومثلّثة، وزانُ جعفر: قبيلة شهيرة، ينتسبون إلى خثعم بن أنمار، بفتح أوله، وسكون النون؛ أي: ابن إراش، بكسر أوله، وتخفيف الراء، وفي آخره معجمة، ابن عَنَز، بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها زاي؛ أي: ابن وائل، ينتهي نسبهم إلى ربيعة بن نزار، إخوة مُضَر بن نزار، جدّ قريش. وقد وقع ذِكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة ظبه عند الشيخين في ((كتاب الفتن)) مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة))، وكان صنماً تعبده دوس في الجاهلية. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السُّهيليّ يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوساً قبيلة أبي هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عُذْثان، بضم المهملة، وبعد الدال الساكنة مثلثة، ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نَسَبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب، والبلد. وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة ظه كان (١) ((الفتح)) ٤٩٤/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٥). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٩/١٤.