النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٢٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﴿ُبه - حديث رقم (٦٣٣١)
أكيدر بن عبد الملك الكنديّ، قال الخطيب البغداديّ في كتابه «المبهمات)):
كان نصرانيّاً، ثم أسلم، قال: وقيل: بل مات نصرانيّاً. وقال ابن منده، وأبو
نعيم الأصبهانيّ في كتابيهما في معرفة الصحابة: إن أكيدراً هذا أسلم، وأهدى
إلى رسول الله ﴿ حلّة سيراء. قال ابن الأثير في كتابه ((معرفة الصحابة)): أما
الهديّة، والمصالحة، فصحيحان، وأما الإسلام فغلط، قال: لأنه لم يُسلم بلا
خلاف بين أهل السِّير، ومن قال: أسلم فقد أخطأ خطأ فاحشاً، قال: وكان
أكيدر نصرانيّاً، فلما صالحه النبيّ وَّ عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم حاصره
خالد بن الوليد في زمان أبي بكر الصدّيق ◌ُبه، فقتله مشركاً نصرانيّاً - يعني:
لِنَقْضِه العهد - قال: وذكر البلاذري أنه قدم على رسول الله وَيّر، وعاد إلى
دومة، فلما توفّي رسول الله وَ﴿ ارتدّ أكيدر، فلما سار خالد من العراق إلى
الشام قتله. وعلى هذا القول لا ينبغي عدّه في الصحابة. هذا كلام ابن
الأثير(١).
(جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ) قال في ((المشارق)): الجبة: ما قُطع من الثياب،
وخِيط(٢)، والسندس: ما رَقّ من الحرير، والديباج، والإستبرق: ما غَلُظ
منه(٣)، وقال ابن الأثير: السندس: ما رَقٌّ من الديباج، ورَفع، وقال الداوديّ:
السندس رقيق الديباج، والإستبرق غليظه، وقال ابن التين: الإستبرق أفضل من
السندس؛ لأنه غليظ الديباج، وكلُّ ما غَلُظ من الحرير كان أفضل من رقيقه.
(٤)
انتهى(٤) .
وقال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ))، وفي رواية: ((حلّة حرير))،
وفي رواية: ((ثوب حرير))، وفي أخرى: ((جُبّة))، قال القاضي: رواية الجبّة
بالجيم والباء؛ لأنه كان ثوباً واحداً، كما صُرّح به في الرواية الأخرى،
والأكثرون يقولون: ((الحلّة)) لا تكون إلا ثوبين، يحلّ أحدهما على الآخر، فلا
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٨٤/٦، و((مشارق الأنوار)) ١٣٧/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨/ ٧.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٧٠/١٣.

٣٤٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يصحّ الحلّة هنا. وأما من يقول: الحلّة ثوب واحدٌ جديدٌ، قريب العهد بحلّه
من طيّه، فيصحّ، وقد جاء في ((كتب السِّير)) أنها قَباء. انتهى(١).
(وَكَانَ) بِهِ (يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ) هكذا رواية شيبان عن قتادة: ((وكان ينهى
عن الحرير))، وخالفه سعيد بن أبي عروبة عنه، فقال: ((قبل أن يحرّم الحرير))،
وفي لفظ: ((قبل أن ينهى عن الحرير))، أخرجه البيهقيّ، وصحّحه ابن حبّان،
ورجّحه البيهقيّ على رواية شيبان، فقد أخرجه ابن حبّان من طريق محمد بن
سواء، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ ((أن أُكيدر دومةَ أهدى إلى
رسول الله وَّهُ جُبّة سُندس، فَلَبِسها، وذلك قبل أن يُحرَّم الحرير، فتعجّب
الناس من حُسنها ... )) الحديث.
وأخرجه البيهقيّ من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد، عن قتادة،
عن أنس بن مالك؛ أن أكيدر دومة أهدى إلى النبيّ وَلّ جبة - قال سعيد -:
أحسبه قال: سندس، قال: وذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير، قال: فلبسها،
فَعَجِب الناس منها ... )) الحديث.
قال البيهقيّ: أخرجاه في ((الصحيح)) من وجه آخر، عن قتادة، دون
اللفظة التي أَتَى بها سعيد بن أبي عروبة، أن ذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير،
وهي أشبه بالصحة من رواية من روى: ((وكان ينهى عن الحرير))، وقد قال
البخاريّ: وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس، أن أكيدر دُومة أهدى إلى
النبيّ بَّر في هدية المشركين، إلا أنه لم يَسُقِ مَتْنه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن رواية سعيد بن أبي عروبة
بلفظ: ((قبل أن ينهى عن الحرير)) هي المحفوظة دون لفظ: ((وكان ينهى عن
الحرير))؛ لكون سعيد أثبت من شيبان، بل هو أثبت الناس في قتادة، وقد تابعه
عمر بن عامر، كما سيأتي في الرواية التالية، ولأن قوله: ((فلبسها)) ينافي قوله:
((وكان ينهى عن الحرير))؛ لأنه لا يلبسها بعد النهي عنها .
والحاصل: أن الصحيح قوله: ((قبل أن ينهى عن الحرير))، فتأمله
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٥ - ٢٤.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٧٤/٣.

٣٤٣
(٢٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَّه - حديث رقم (٦٣٣١)
(فَعَجِبَ) بكسر الجيم، (النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ) ◌َّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ
مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) جمع مِنْديل - بكسر الميم - في المفرد، وهو الذي يُحمل في
اليد، وقال في ((العمدة)): المنادل: جمع مِنديل، وهو الذي يُحمَل في اليد، مشتقّ
من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من يد إلى يد، وقيل: الندل: الوسخ، وفيه إشارة
إلى منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة؛ لأن المناديل في
الثياب أدناها؛ لأنه معدّ للوسخ، والامتهان، فغيره أفضل منه، وقيل: في قوله:
((مناديل سعد)) ضَرَب المثال بالمناديل التي يُمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار،
ويُتخذ لِفافةً لجيِّد الثياب، فكانت كالخادم، والثياب كالمخدوم، فإذا كانت
المناديل أفضل من هذه الثياب - أعني جبة السندس - دلّ على عِظَم عطايا
الرب ◌ّالة، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧].
[فإن قلت]: ما وجه تخصيص سعد به؟.
[قلت]: لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لوناً، ونحوه، أو كان
الوقت يقتضي استمالة سعد، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار، فقال:
منديل سيدكم خير منها، أو كان سعد يُحبّ ذلك الجنس من الثياب، وقال
صاحب ((الاستيعاب)): رُوي أن جبريل عليّ نزل في جنازته معتجراً بعمامة من
استبرق. انتهى(١).
(فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا)))؛ أي: إن هذا في الدنيا قد أُعدّ لِلُبس
الملوك، ومع ذلك لا يساوي مناديل سعد في الآخرة التي أُعدّت لإزالة
الوسخ، وتنظيف الأيدي، فأيّ نسبة بين الدنيا والآخرة؟ فلا ينبغي للمرء الرغبة
في الدنيا، وعن الآخرة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٣١/٢٤ و٦٣٣٢] (٢٤٦٩)، و(البخاريّ) في
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٠/١٣.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
((الهبة)) (٢٦١٥ و٢٦١٦) و((بدء الخلق)) (٣٢٤٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٢٣٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٣/٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))
(٣٦١/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٣٧ و٧٠٣٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٧٤/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا
عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ؛ أَنَّ أُكَبْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَِّّ أَهْدَى
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ(١) حُلَّةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: ((وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَالِمُ بْنُ نُوح) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد العطار، صدوقٌ له
أوهام [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ١٥٣٢/٥٥.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السلميّ البصريّ قاضيها، صدوقٌ له أوهام [٦]
(ت١٣٥) وقيل: بعدها (م س) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٥٣/٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير عُمر بن عامر.
[تنبيه]: رواية عمر بن عامر عن قتادة هذه ساقها النسائيّ كَّتُ في
((الكبرى))، فقال:
(٩٦١٤) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر بن
عامر، عن قتادة، عن أنس؛ أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله وَله جُبّة
سُندس، فَلَبِسها رسول الله وَ له فتعجَّب الناس منها، فقال: ((أتعجبون من هذه؟
فوالذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها))، وأهداها
إلى عمر، فقال: يا رسول الله تكرهها، وألبسها؟ قال: يا عمر، إني إنما أرسلت
بها إليك لِتَبعث بها وجهاً، تُصيب بها))، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير. انتهى.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((أهدى إلى رسول الله (وَ لقت).

٣٤٥
(٢٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ﴿ُه - حديث رقم (٦٣٣٣)
(٢٥) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ
هو: أبو دُجانة - بضمّ الدال، وتخفيف الجيم - الأنصاريّ، اسمه
سماك بن خَرَشة - بفتح الخاء والشين المعجمتين - وقيل: ابن أوس بن خَرَشة،
متفق على شهوده بدراً، وقال عليّ: إنه استُشهِد باليمامة، وأسند ابن إسحاق
من طريق يزيد بن السكن أن رسول الله وَ﴿ لمّا التحم القتال ذَبّ عنه مصعب بن
عمير؛ يعني: يوم أحد حتى قُتل، وأبو دُجانة سماك بن خَرَشة حتى كثرت فيه
الجراحة، وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة(١).
وقال القرطبيّ تَُّ: هو سماك بن خَرَشة بن لوذان الخزرجيّ الأنصاريّ،
وهو مشهور بكنيته، شهد بدراً وأُحُداً، ودافع عن رسول الله وَل قر يومئذ هو
ومصعب بن عمير، وكثرت فيه الجراحة، وقُتِل مصعب. وكان أبو دُجانة أحد
الشجعان، له المقامات المحمودة مع رسول الله وَ﴿ في مغازيه، استُشهِد يوم
اليمامة، وقال أنس: رَمَى أبو دجانة بنفسه في الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل
حتى قُتل، وقيل: إنه شارك وحشيّاً في قتل مسيلمة، وقد قيل: إنه عاش حتى
شَهِد مع علي صفِّين، والله تعالى أعلم. قال أبو عمر: وإسناد حديثه في الحِرْز
المنسوب إليه فيه ضَعف. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٣] (٢٤٧٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَخَذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُدٍ،
فَقَالَ: ((مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟))، فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا،
قَالَ: ((فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟))، قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ سِمَاُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو
دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، قَالَ: فَأَخَذَهُ، فَقَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١١٩/٧. (٢) ((المفهم)) ٣٨٥/٦.

٣٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌّ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حَرْف من الحديث تَرَكه، وربما
وَهِمَ، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير،
من كبار [١٠] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤.
٣ - (حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ)، تقدّم قريباً.
٤ - (قَابِتُ) بن أسلم البُنانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و((أَنَسٌ)) رَّهُ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َلَثُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه،
فکوفيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) رَبِهِ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَخَذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ) ◌َّ:
((مَنْ يَأْخُذُ مِنِّيَّ هَذَا)) السيف، (فَبَسَطُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون (أَيْدِيَهُمْ،
كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا)؛ أي: أنا آخذه، أنا آخذه، (قَالَ) بَ: ((فَمَنْ
يَأْخُذُهُ بِحَقُّهِ؟)) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: يعني بالحق هنا: أنه يقاتل بذلك السيف إلى
أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت.
وأخرج الدُّولابيّ في ((الكنى)) من طريق عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير بن العوام: عَرَض النبيّ وَّه يوم أُحد سيفاً،
فقال: ((من يأخذ هذا السيف بحقه؟))، فقام أبو دجانة سماك بن خَرَشة، فقال:
أنا، فما حقّه؟ قال: ((لا تقتل به مسلماً، ولا تفرّ به من كافر)).
فأخذه أبو دجانة فقام بشرطه، ووَفَّى بحقه.
(قَالَ) أنس: (فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ)؛ أي: تأخّروا، يقال: أحجم، وأجحم
بتقديم الحاء، وتأخيرها، قاله القرطبيّ، وقال ابن الأثير: ((فأحجم القوم))؛
أي: نَكَصُوا، وتأخروا، وتهيّبوا أخذه. انتهى(١).
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٤٧/١.

٣٤٧
(٢٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَيِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ◌َُبه - حديث رقم (٦٣٣٣)
وقال النوويّ: هو بحاء، ثم جيم، هكذا هو في معظم نُسخ بلادنا، وفي
بعضها بتقديم الجيم على الحاء، وادَّعى القاضي عياض أن الرواية بتقديم الجيم،
ولم يذكر غيره، قال: فهما لغتان، ومعناهما: تأخروا، وكَفُّوا. انتهى(١).
وإنما أحجم القوم بعدما كثُر اشتياقهم إلى هذا السيف؛ لأنهم عرفوا أن
الوفاء بحقّ سيف رسول الله وَّهِ أمر خطيرٌ، وخافوا أن يلحقهم العجز في
ذلك، أو فهموا أن طلب السيف بعد العلم بأنّ أخذه مشروط بأداء حقّه ربما
یکون فيه ادّعاء مذموم(٢).
(فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، قَالَ) أنس: (فَأَخَذَهُ)؛
أي: مشترطاً أخْذه بحقّه، (فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ)؛ أي: فوفى بحقّه، وذلك
أن فلق به؛ أي: شقّ بذلك السيف رؤوس المشركين.
وقال القرطبيّ نَّثُ: ((هام المشركين)) مخففاً؛ يعني: رؤوسهم. قال
الشاعر [من الوافر]:
أَزَلْنا هَامَهُنَّ عَنِ الْمَقِيلِ
وَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ
المقيل: أصول الأعناق(٣).
والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
◌َظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلُ .
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٣٣/٢٥] (٢٤٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٦٩/٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٢٣/٣)، و(عبد بن حميد) في
((مسنده)) (١٣٢٧)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٥٥٦/٣)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٢٥٥/٣)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٦.
(٣) («المفهم)) ٣٨٥/٦.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٠٧/٥.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(٢٦) ۔ (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابِرٍ
هو: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ
السَّلَميّ، والد جابر الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقبة، ويدر، وكان
من النقباء، واستُشهِد بأُحُد، ثَبَت ذِكره في ((الصحيحين)) من حديث ولده، قال:
أتيت النبيّ بَّه في دَيْن كان على أبي، فدفعت عليه الباب ... الحديث بطوله،
ومن حديثه أيضاً قال: لَمّا قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن
وجهه ... الحديث، وفيه: ((ما زالت الملائكة تُظلّه بأجنحتها))، ورَوى الترمذيّ
من حديث جابر: لقيني النبيّ وَ ﴿، فقال: ((يا جابر ما لي أراك منكسراً؟))
فقلت: يا رسول الله قُتل أبي، وترك ديناً وعيالاً، فقال: ((ألا أخبرك؟ ما
كلَّم الله أحداً قطّ إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفَاحاً، قال: يا عبدي
سَلْني أُعْطِك ... )) الحديث.
وقال جابر: حَوَّلت أبي بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئاً إلا شعرات
من لحيته كانت مستها الأرض.
ورَوى مالك في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة؛ أنه بلغه أن
عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حَفَر السيل عن
قبرهما، وكانا في قبر واحد مما يلي السيل، فحَفَر عنهما، فؤُجدا لم يتغيرا،
كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه، فدُفن، وهو كذلك،
فأُمِطيت يده عن جرحه، ثم أُرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين الوقتين
ست وأربعون سنة.
وروى أبو يعلى، وابن السكن، من طريق حبيب بن الشهيد، عن عمرو بن
دينار، عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((جزى الله الأنصار عنّا خيراً، لا
سيما عبد الرحمن بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة))، وأخرجه النسائيّ من
هذا الوجه، لكن لفظه: ((لا سيما آل عمرو بن حرام)). انتهى(١).
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٨٩/٤.

٣٤٩
(٢٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابٍِ
وقال القرطبيّ تَخُّْ: وأما أبو جابر: فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن
ثعلبة بن كعب بن غنم بن كعب بن سَلِمَة الأنصاريّ السَّلَميّ، وهو أحد النقباء،
شهد العقبة وبدراً، وقُتِل يوم أُحُد، ومُثِّل به.
رَوَى بقي بن مَخْلَد عن جابر ◌َبه قال: لقيني رسول الله وَله، فقال: ((يا
جابر! ما لي أراك منكساً مهتماً؟»، قلت: يا رسول الله! استُشهد أبي، وترك
عيالاً، وعليه دين. قال: ((أفلا أبشّرك بما لقي الله رَك به أباك؟))، قلت: بلى
يا رسول الله! قال: ((إن الله ◌َّ أحيا أباك، وكلمه كِفَاحاً، وما كلَّم أحداً قط
إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تَمَنَّ، أُعطك! قال: يا رب! تردّني
إلى الدنيا، فأُقتل فيك ثانية، فأبلغ من ورائي؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩].
قال القرطبيّ: وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبد الله لم يُسْمَع
بمثلها لغيره، وهي: أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به. ولا
واسطة قبل يوم القيامة، ولم يفعل الله تعالى ذلك بغيره في هذه الدَّار، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾
الآية [الشورى: ٥١]، وكما قال رسول الله ﴿ في هذا الحديث: ((وما كلَّم الله
أحداً قط إلا من وراء حجاب))، وظاهر هذه الآية، وهذا الحديث: أن الله
تعالى لم يفعل هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت، إلا لعبد الله هذا خاصَّة،
فيلزم على هذا العموم: أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من
الأنبياء. وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع، ومن إجماع المسلمين على
أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء، كما تقدم، فوجه
التَّوفيق: أن قوله وَّر: ((وما كلَّم الله أحداً إلا من وراء حجاب)) إنما يعني
به - والله أعلم -: أنه ما كلَّم أحداً من الشهداء، وممن ليس بنبي بعد موته،
وقبل يوم القيامة، إلا عبد الله، ولم يُرِدْ به الأنبياء، ولا أراد بعد يوم القيامة،
لِمَا قد عُلِم أيضاً من الكتاب والسُّنَّة، وإجماع أهل السُّنَّة من: أن المؤمنين
يَرَوْن الله تعالى في الجنة، ويُكلِّمهم بغير حجاب، ولا واسطة.
وأما الآية: فإنما مقصودها حَصْر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله
تعالى، فمنه: ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيِّ، ورُوعِهِ، ومنه: ما يُسمعه الله

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوباً عن رؤية الله تعالى، ومنه: ما يبيّنه له
المَلَك، وحاصلها: الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحدٌ من البشر في هذه الدَّار؛
نبياً كان أو غير نبيّ، ويشهد لهذا قوله وَّر في الصحيح: ((اعلموا أنه لا يرى
أحدٌ ربَّه حتى يموت))(١).
وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد وَّ لربِّه، والصحيح أنه لم يأت
قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الخلاف في رؤيته ◌َّ ربه ببصره،
ورجّحنا أن الصحيح أنه لم يره ببصره؛ للأدلة الصحيحة المذكورة في ((كتاب
الإيمان))، ومن أوضحها: حديث أبي ذر نظُبه قال: سألت رسول الله وَلّ، هل
رأيت ربك؟ قال: ((نور أنَّى أراه؟))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٤] (٢٤٧١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ،
كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي
مُسَجَّى، وَقَدْ مُثِلَ بِهِ، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ
أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ وَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ، فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ
بَاكِيَةٍ، أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟))، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو،
فَقَالَ: ((وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رُفِعَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو
سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصح، وله خمس
وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
(١) حديث صحيح.
(٢) ((المفهم)) ٣٨٦/٦ - ٣٨٧.

(٢٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابٍِ ﴿ـ
- حديث رقم (٦٣٣٤)
٣٥١
٣ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدیر
- بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في
((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّلُهُ، وهو (٤٨٩) من رباعيّات الكتاب، وفيه
جابر بن عبد الله ضًا، وقد سبق القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ) محمد (بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿هَا (يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) ((كان)) هنا تامّة،
بمعنى جاء، وحضر، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بفاعلها فقط، كما قال
الحريري في «ملحته)»:
فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ
وقال في ((الخلاصة)):
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وكانت غزوة أُحُد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال.
(جِيَ بِأَبِي) عبد الله بن حرام، حال كونه (مُسَجّى)؛ أي: مُغطّى الجسد
والرأس بثوب، ولفظ البخاريّ: ((وقد سُجِّي ثَوْباً))؛ أي: غُطّي، من سَجَّى
يُسَجّى تسجيةً، وانتصاب ((ثوباً)) بنزع الخافض؛ أي: بثوب(١).
(وَقَدْ مُثِلَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: قطع المشركون أطرافه مُثلةً، قال
النوويّ تَخْشُهُ: مُثِل بضم الميم، وكسر الثاء المخففة، يقال: مُثِل بالقتيل،
والحيوان يُمْثل مَثْلاً؛ كقُتل يُقتل قتلاً: إذا قُطع أطرافه، أو أنفه، أو أذنه، أو
مذاكيره، ونحو ذلك، والاسم: المثلة، فأما مُثِّل بالتشديد فهو للمبالغة،
والرواية هنا بالتخفيف. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((قد مُثّل به)) جملة وقعت حالاً، ومُثّل بضم
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٦ - ٢٥.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الميم، وتشديد الثاء المثلثة، من التمثيل، يقال: مُثِّل بالقتيل: إذا جُدِع أنفُهُ،
وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه، والاسم المثلة، بضم الميم، وسكون
الثاء، ويجوز مُثِل بتخفيف الثاء، يقال: مَثَلْتُ بالحيوان أَمْثُلُه به مَثْلاً، قال ابن
الأثير: وأما مُثِّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى(١).
(قَالَ) جابر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ) وفي رواية: ((أريد أن أكشف
عنه))؛ أي: حتى يُرى ما فُعل به، (فَتَهَانِي قَوْمِي) بنو سَلِمة بكسر اللام،
ولعلهم نهوه ظّاً منهم أن كشف وجه الميت لا يجوز، ولم ينهه وَلّ دلالة
على أنه يجوز، ويَحْتَمِل أن يكون نهيهم له خشية أن يزيده ذلك حزناً وبكاءً
على جابر؛ لأنه كان يبكي عندئذ، كما هو مصرّح به في الرواية التالية، ولم
ينهه وسي لِمَا رأى من شدّة اشتياقه، ولأن ذلك ربما يؤدي إلى التسلية(٢)، والله
تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِغَ)؛ أي:
رَفَعه من موضعه إلى موضع دَفنه، (أَوْ أَمَرَ بِهِ) ((أو)) للشكّ من الراوي، (فَرُفِعَ)
بالبناء للمفعول، (فَسَمِعَ) النبيّ وَِّ (صَوْتَ بَاكِيَةٍ، أَوْ صَائِحَةٍ) ((أو)) للشكّ
أيضاً؛ أي: امرأة صائحة، (فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟))) الباكية، (فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو،)
((أو)) هنا أيضاً للشكّ، والصحيح أنها بنت عمرو، كما في الرواية التالية:
((وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه)) وعمرو جدّ جابر؛ لأنه ابن عبد الله بن
عمرو بن حرام، وفي رواية للبخاريّ: ((فجعلت عمتي فاطمة تبكي))، ووقع في
((الإكليل)) للحاكم أنها هند بنت عمرو، قال الحافظ: لعل لها اسمين، أو
أحدهما اسمها، والآخر لقبها، وتعقّبه العينيّ، فقال: لا يُلقّب بالأسماء
الموضوعة للمسمّيات، فإن صح ما في ((الإكليل)) فيُحْمَل على أنهما كانتا
أختين، وهما عمتا جابر، إحداهما تسمى فاطمة، والأخرى تسمى هنداً(٣).
قوله: (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) شك من الراوي، فإن كانت بنت عمرو، تكون
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٨.
(٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢٠٩/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٦/٨.

٣٥٣
(٢٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابٍِ ﴾ - حديث رقم (٦٣٣٤)
أخت المقتول عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو تكون عمة المقتول، وهو
عبد الله، هكذا قال في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): هذا شكّ من سفيان، والصواب: بنت عمرو، وهي
فاطمة بنت عمرو؛ لأن في رواية شعبة، عن محمد بن المنكدر: ((وجعلت
عمتي تبكيه))، وفي رواية: ((فذهبت عمتي فاطمة)).
(فَقَالَ: ((وَلِمَ تَبْكِي؟)) (لِمَ)) بكسر اللام، وفتح الميم: استفهام عن
الغائبة، والاستفهام للإنكار، فيكون بمعنى النهي، ولفظ البخاريّ: ((فَلِمَ
تبكي؟، أو: لا تبكي))، فقوله: ((أو: لا تبكي)) شكّ من الراوي، وليس
باستفهام، بل هو نهي للغائبة.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((ولِمَ تبكي؟)) كذا صحَّت الرواية بـ((لم)) التي
للاستفهام، ((تبكي)) بغير نون؛ لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو
خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة، لقال: ولِمَ تبكين؟ بإثبات النون، وكذلك
جاء في رواية أخرى: ((تبكيه، أو لا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها))،
هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه،
بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام: أن عبد الله مكرَّم عند
الملائكة، سواء بُكِي عليه، أو لم يُبْكَ؟، وكون الملائكة تظله بأجنحتها، إنما
ذلك لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على مبادرة لقائه، والصُّعود بروحه الكريمة
الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة، والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى
أعلم. انتهى (٢).
وقال في ((المشارق): قوله: ((تبكين، أو لا تبكين ... إلخ)) بسكون
الواو، وقد يكون هذا شكّاً من الراوي في أيّ الكلمتين قال، أو يكون على
طريق التسوية للحالين، والأول أظهر. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال: فلم تبكي؟ أو: لا تبكي)) هكذا في هذه
الرواية بكسر اللام، وفتح الميم، على أنه استفهام عن غائبة، وأما قوله: ((أو:
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٨.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٥٣/١.
(٢) ((المفهم)) ٣٨٧/٦ - ٣٨٨.

٣٥٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
لا تبكي))، فالظاهر أنه شكّ من الراوي، هل استفهَمَ، أو نهَى؟ لكن
تقدّم - يعني: في رواية البخاري - من رواية شعبة: ((تبكين، أو لا تبكين))،
وتقدم شرحه على التخيير، ومحصّله أن هذا الجليل القَدْر الذي تظلّه الملائكة
بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرح له بما صار إليه. انتهى (١).
وقال في موضع آخر: قوله: ((تبكين، أو لا تبكين)) للتخيير، ومعناه: أنه
مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ويَحْتَمِل أن يكون
شكّاً من الراوي. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حَمْله على التخيير فيه نظر، إذ تعارضه
رواية شعبة عند البخاريّ بلفظ: ((لا تبكيه)) بالنهي الجازم، فالأَولى حَمْله على
الشكّ، فيكون قوله: ((تبكين)) استفهاماً بتقدير أداته؛ أي: أتبكين؟، والاستفهام
الإنكاريّ بمنزلة النهي، فلا اختلاف بين رواية سفيان، وشعبة في المعنى، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) هذه الجملة تعليل للنهي عن
البكاء؛ أي: لأنّ من كان مُعزّزاً مُكرّماً بعناية الملائكة به لا ينبغي أن يُبكَى
علیه، بل يُفرَح به.
وقال القاضي عياض تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن ذلك لتزاحمهم عليه؛ لبشارته
بفضل الله تعالى ورضاه عنه، وما أَعَدَّ له من الكرامة عليه، ازدحموا عليه
إكراما له، وفرحاً به، أو أظلّوه من حرّ الشمس؛ لئلا يتغيّر ريحه، أو جسمه.
(٣)
انتھی(٣).
(حَتَّى رُفِعَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية شعبة: ((حتى رفعتموه))، وهو غاية
لتظليل الملائكة له، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله عنها هذا مُتَّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٥١٢/٣.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥٠٠.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٢/٣.

٣٥٥
(٢٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابِرٍ ﴿ّ - حديث رقم (٦٣٣٥)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٣٤/٢٦ و٦٣٣٥ و٦٣٣٦ و٦٣٣٧] (٢٤٧١)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٤٢ و١٢٩٣) و((الجهاد)) (٢٨١٦) و((المغازي))
(٣٠٨٠)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١١/٤ و١٣) و((فضائل الصحابة)) (١٤٣)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٨/٣ و٣٠٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨/٤)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٥٢/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن حرام ظُه، حيث
أظلته الملائكة بأجنحتها .
٢ - (ومنها): استحباب تسجية الميت، قال النوويّ تَخْتُ: وهو مُجْمَع
عليه، وحكمته صيانة الميت من الانكشاف، وستر عورته المتغيّرة عن الأعين،
قال بعض أصحاب الشافعيّ: ويُلَفّ طَرَف الثوب المسجّى به تحت رأسه،
وطرفه الآخر تحت رجليه، لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع
ثيابه التي تُوفّي فيها، لئلا يتغيّر بدنه بسببها. انتهى.
٣ - (ومنها): بيان عناية الملائكة بخدمة الصالحين، ومصاحبتهم، كما قال الله
تعالى حكاية عنهم: ﴿فَحْنُ أَوْلِيَآؤَّكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةَ﴾ الآية [فصلت: ٣١].
٤ - (ومنها): فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.
٥ - (ومنها): النهي عن البكاء على من مات على خير عمله، وقد تقدّمت
المسألة في محلّها من ((الجنائز)) مستوفاةً، فارجع إليها تستفد علماً جمّاً، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ
أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللهِ وَهـ
لَا يَنْهَاِ، قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو تَبْكِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (لَتَبْكِيهِ،
أَوْ لَا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ))).

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي) هكذا بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون
الوقاية، وهو واضح، ووقع في رواية للبخاريّ: ((ينهوني)) بنون واحدة، ووَجْهه أنه
حُذف منه إحدى النونين، والصحيح أن المحذوف نون الرفع؛ لأنه عُهد حَذْفها
لغير ذلك، ولأنها نائبة عن الضمّة التي تُحذف تخفيفاً(١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ) هي عمّة جابر، شقيقة أبيه
عبد الله بن عمرو.
وقوله: (تَبْكِيهِ، أَوْ لَا تَبْكِيهِ ... إلخ) قال في ((الفتح)): ((أو)) فيه للتخيير،
ومعناه: أنه مكرَّم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه؛ ليصعدوا بروحه، ويَحْتَمِل
أن يكون شكّاً من الراوي. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن التخيير غير صحيح، بل الظاهر أنها
للشكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه: سواء بكت عليه أم لا، فما زالت الملائكة
تُظلّه؛ أي: فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغي البكاء على مثل
هذا، وفي هذا تسلية لها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا
عَنْ مُّحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ (٣)، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ لَيْسَ فِي
حَدِيثِهِ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ، وَبُكَاءُ الْبَاكِيَةِ).
(١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٨٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٦٨٦/٣، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٢٤٤).
(٣) وفي نسخة: ((بهذا الإسناد)).

٣٥٧
- حديث رقم (٦٣٣٧)
(٢٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ وَالِدِ جَابٍ .
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية معمر عن محمد بن المنكدر ساقها عبد الرزّاق ◌َّلُ في
((مصنّفه))، فقال:
(٦٦٩٣) - عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت
جابر بن عبد الله يقول: قُتل أَبِي يوم أُحد، فأُتي به النبيّ وَّهِ، فوضع بين يديه
مُجَدَّعاً، قد مُثِل به، قال: فأكببت أبكي عليه، والقوم يعزّونني(١)، والنبيّ وَّ}
يراني، ولا ينهاني، حتى رُفع، فقال النبيّ ◌َّ: ((ما زالت الملائكة حوله حتى
رُفع))، قال: فكان على أبي دَيْن، وكان الغرماء يأتون النخل، فينظرونه،
فيستقلّونه، فقال له النبيّ وَله: ((إذا أردت أن تَجُدّ، فآذنّي))، قال: فأتيته،
فذهب معي، حتى قام فيه، فدعا بالبركة، قال: فقضيت ما كان على أبي،
وفَضَل لنا طعام كثير. انتهى (٢).
وأما رواية ابن جريج، عن محمد بن المنكدر فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
عَدٍِّّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، مُجَدَّعاً، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَى النَّبِّ وَهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثِهِمْ).
(١) قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نسخة عبد الرزّاق: ((يعزونني))، وفي رواية غيره:
(ينهونني))، فإن لم تكن هذه مصحّفة من ((ينهونني))، فلعل معناها: يغلبونني، من
قوله تعالى: ﴿وَعَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ [صَ: ٢٣]؛ أي: غلبني، والله تعالى أعلم.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٥٦١/٣.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ
القطيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في ((الإيمان))
٥٠٢/٩٢.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،
نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقةٌ جليلٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت١١
أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ
ربما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن ثمانين إلا سنةً (ع) تقدّم أيضاً في ((المقدّمة)) ٦/ ٧٥.
٤ - (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، مولى بني أمية، وهو
الْخِضْرميّ - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقةٌ متقنٌ
[٦] (ت١٢٧) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٠٩/١٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ كَّثُ في هذا الإسناد،
فقال بعدما ساق سند مسلم: حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدّثنا
زكريّا بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن محمد بن
المنكدر، عن جابر ... إلخ ما نصّه: هكذا رُوي عن أبي أحمد، والكسائيّ،
وعند أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا عبد الكريم، عن محمد بن عليّ، عن جابر،
جعل بدل محمد بن المنكدر محمد بن عليّ، وهو ابن الحسين بن عليّ بن أبي
طالب، قال: ومن حديث محمد بن المنكدر، عن جابر خرّجه أبو مسعود
الدمشقيّ، وهو الصواب. انتهى كلام الغسانيّ كَذَشُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن النسخة التي شرحتها هي
الصواب، ولله الحمد، وهي رواية أبي أحمد الجلوديّ، والكسائيّ.
[تنبيه آخر]: رواية عبد الكريم الجَزَريّ عن محمد بن المنكدر هذه ساقها
الفريابيّ كَخْتُ في ((دلائل النبوّة))، فقال:
(١) ((تقييد المهمل)) ٩١٤/٣.

٣٥٩
(٢٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِیپٍ
(٥٣) - حدّثنا جعفر، قال: ثنا حكيم بن سيف أبو عمرو الرّقّيّ بالرَّقَّة،
وأبو نعيم الحلبي بِحَلَب، قالا: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: جيء بأبي ◌َُّ يوم أُحد مُجَدَّعاً، قال:
فجعلت أبكي، وأكشف عن وجهه، ورسول الله وَّر لا ينهاني، فلما رُفع قال
رسول الله ◌َل: ((ما زالت الملائكة حافّته بأجنحتها، حتى رُفع))، قال جابر:
وكان عليه دينٌ، فجاء الغرماء، فجعلوا ينظرون إلى النخل، فجاء رسول الله وَلآ،
فدخل النخل، ودعا بالبركة، ثم قال: ((جُدّ، فاقضه))، قال: فجَدَدْتُ،
فقضيت، وفَضَل لي مثل ما في النخل. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٧) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَئِیبٍ
قال في ((الإصابة)): جُليبيب غير منسوب، وهو تصغير جلباب، رَوَى
مسلم من حديث حماد، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة الأسلميّ؛
أن النبيّ وَّ كان في مغزى له، فأفاء الله، فقال: ((هل تفقِدون من أحد؟))
قالوا: فقدنا فلاناً، وفلاناً، قال: ((ولكني أفقد جُليبيباً ... ))، فذكر الحديث،
وأخرجه النسائيّ، وله ذِكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية، وفيه
قوله مَّيقة: ((لكنك عند الله لست بكاسد))، وهو عند الْبَرْقانيّ في ((مستخرجه)) في
حديث أبي برزة أيضاً، وقد أخرجه أحمد مطوّلاً، وحديث أنس أخرجه البزار،
من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه مطوّلاً، وأخرجه أحمد، عن
عبد الرزاق، وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب:
٣٦]، قال الحافظ تَخّلُ: ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث
أنس، ومن حديث أبي برزة. انتهى (٢).
(١) ((دلائل النبوة للفريابي)) ٨٨/١.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٩٥/١.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
له كان رجلاً من ثعلبة، وكان حليفاً في
وقال القرطبيّ كَخْشُهُ: جُليبيب ,
الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك، روى أنس بن مالك قال: كان
رجل من أصحاب النبيّ و ◌َ﴿ يقال له: جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض
عليه رسول الله وقدر التزويج، فقال: إذن تجدني كاسداً يا رسول الله! فقال: ((إنك
عند الله لست بكاسد))، وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج
جليبيب: أن رسول الله وَ ل﴿ قال لرجل من الأنصار: ((يا فلان زوِّجني ابنتك))،
قال: نعم، ونعمة عين، قال: ((إني لست لنفسي أريدها))، قال: فلمن؟ قال:
(الجليبيب))، قال: حتى أستأمرَ أمَّها، فأتاها، وأخبرها بذلك، فقالت: حَلْقَى،
ألجليبيب؟! لا، لَعَمْرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيباً، فلما قام أبوها ليأتي رسول الله وَل
قالت الفتاة من خِدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله وَ لته، قالت:
أفتردَّان على رسول الله أمره؟! ادفعاني إلى رسول الله وَّ، فإنَّه لن يُضيِّعني،
فذهب أبوها للنبيّ وَّرَ، فأخبره بذلك، وقال: شأنك بها؛ فزوَّجها جُليبيباً، ودعا
لهما النبيّ وَّةٍ، فقال: ((اللَّهُمَّ صُبَّ عليهما الرزقَ صبّاً صبّاً، ولا تجعل عيشهما
كدّاً كدّا))، ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٨] (٢٤٧٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ فِي مَغْزَّى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ
عَلَيْهِ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: ((هَلْ تُفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟))، قَالُوا: نَعَمْ فُلَاناً، وَفُلَاناً، وَفُلَاناً، ثُمَّ
قَالَ: ((هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ فُلَاناً، وَفُلَاناً، وَفُلَاناً، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَفْقِدُونَ
مِنْ أَحَدٍ؟))، قَالُوا: لَا. قَالَ: ((لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيِْيباً، فَاطْلُبُوهُ))، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ
إِلَى جَتْبٍ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ ◌َِ(٢)، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((قَتَلَ
سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ))، قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ،
لَيْسَ لَهُ إِلَّ سَاعِدَا النَّبِيِّ ◌َِِ(٣)، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلاً).
(١) «المفهم)) ٣٨٨/٦ - ٣٨٩.
(٢) وفي نسخة: ((فأتاه النبيّ ◌ََّ)).
(٣) وفي نسخة: ((ليس له سرير إلا ساعدي النبيّ (وَلا)).